3
لكل حكاية بداية. وإن كانت البدايات في حقيقتها محطات تنتهي عندها حكايات سابقة، لتتشعّب منها أخرى عبر دروب عجيبة، غريبة ولا حصر لها. ونفترض أن حكايتنا هذه لها بداية معلومة برغم أن أحداثا متعدّدة، سابقة ولاحقة، يمكن أن تشكّل بداية لها. ولكن لا بأس، لنتعسف على القارئ ونقدّم له هذا الاكتشاف الغريب الذي عثر عليه المهدي داخل ضريح زاوية سيدي المخفي كبداية لحكايتنا. وعليه بعد ذلك أن يحتفظ بها أو يستبدلها بأخرى.
في تلك الأيام التي شهدت الاكتشاف الذي سيغيّر مجرى حياة مدينة عين الكرمة بطمّها وطميمها، كان المهدي في حالة حزن ووهن شديدين، كادا يجهزان عليه. قضى أبوه شهوره الأخيرة في صراع مرير مع سرطان ألعقه الأمرّ من الأوجاع. ولم يكَد يغادر فراشه إلا نادرا، هو المتعود على الترحال وقطع المسافات البعيدة راجلا. لفظ أنفاسه في فجر بارد، بعد ليلة لم يغمض له فيها جفن، ولم يتوقف فيها عن التأوّه والشكوى والدعاء. بعد الدفن الذي تمّ في ظهر ذلك اليوم، أشرف على مراسيمه اعْمَر حلموش بنفسه، عاد المهدي إلى البيت، ينتابه إحساس فظيع بعزلة لا تكاد تطاق. لفته كآبة فأقضّت مضجعه وامتصت شهيته. في منتصف ليلة آرقة، هجر المنزل العائلي باتجاه ضريح سيدي المخفي، الجاثم على قمّة الرابية المطلة على حي حَوْش الرومي، بقرب وادي الناموس. وهناك، بداخل المهجع المظلم، بجانب الضريح المغطى بأقمشة متعددة الألوان، قضى بقية الليلة، يحدث نفسه بصوت مسموع، تائها في متاهات لا مخرج لها.
وهنا بداخل هذا المهجع الأبدي، صادفه اعْمَرحلْموش بعد انبلاج الفجر بقليل. كان مارا بقرب الضريح، فتواصلت مناجاة المهدي إلى سمعه الثقيل، فظن أن بها زوارا ليليين، من المقامرين وأتباعهم. صعقته المفاجأة حينما تعرف على المهدي، يهذي وحيدا. فذهبت به الظنون بعيدا. يكون جِِنّ من الأشرار قد سكنه وأفقد له اتزان عقله، خاصة بعد الصدمة النفسية التي أرعدت كيانه بموت أبيه الذي عاش معه وحيدا منذ تلك الحادثة البعيدة التي لم يعد يتذكرها إلا عندما ينتابه حنين شوق جارف إلى رؤية أمّه. وقد كان عمره آنذاك لا يتجاوز الثلاث سنوات. حاول اعْمَر حلموش بكل ما أوتي من تجربة وحنكة أن ينقذ المهدي من قبضة الجنون. ولكنه لم يتسنَّ له إكمال تطبيبه، ذلك أن الشاب اختفى فجأة دون أن يخبر أحدا بالوجهة التي سلكها.
في يوم غائم، وفي ساعات الغسق، في حين كان المهدي جالسا بداخل الضريح، مسندا ظهره إلى حائط التراب المدكوك، غارقا في أحلام متمَوِّجة، يهدهده صرير الحشرات المنبثق من غابة الصنوبر المجاورة ونقيق الضفادع الصاعد من الوادي القريب، جلب انتباهه حفيف متسارع فأنزله من علياء الأوهام وأرجعه إلى الواقع. رأى فأرا خارجا من تحت لوح الضريح، يجرّ خلفه، وعلى شعره الكثّ، نثارا من الورق الأصفر، ينبئ بوجود سرّ عظيم. دون عناء، فهم المهدي أن القارض يكون قد أوْلم بصفحات مخطوط تليد، ذلك أن فتات طعامه منتشر في أسفل الرمس. إنه متعوِّد على رؤية الفئران، ولكن ما أدهشه هو قطع الورق الصغيرة الحجم، المتناثرة على التراب وفوق جسد الحيوان. حرّكه فضول ملح للوقوف والاقتراب من المكان الذي خرج منه الفأر. أمال رأسه قليلا، فشاهد فتحة بين لوحتَين خشبيتَين من الجهة الجانبية، مُظهرة طرف ورقة مقروضة بالعثّ. أدخل يده اليمنى، متمنيا أن يجد في ذلك الرقّ البردي، المثلّم والمعثوث، السيرة العجيبة للولي سيدي المخفي، مثلما سمعها مرارا عن أبيه. ربّما اكتشف معها مدخل النفق السري، ذلك الذي سمح للولي الشريف بقطع المسافة الشاسعة بين مكّة المكرّمة والمغرب. لقد حدّثه أبوه إلى حدّ التخمة عن رغبته في إيجاد ذلك النفق كي يقطعه بدوره في الاتجاه المعاكس. وإلى آخر حشْرَجة من حياته، احتفظ بذلك الحلم الهائج بداخل أوصاله في أن يتمكن من الولوج، ذات فجر، قبل أن تغرق قمة الرابية في نور الشمس، بداخل الممر الديماسي الذي سيوصله دون ريب إلى الكعبة الشريفة.
أبعد المهدي اللوحات الخشبية المقَرقِعة التي نخرها السوس، واكتشف مخطوطا قديما، مغطى بالغبار؛ عشرات الصفحات، كتابتها متناسقة، يكون بلا شك قد أنجزها خطاط بارع، يجيد فن النسخ. ودون تأخير، بدأ المهدي القراءة، أوّلا على ضوء شمعة، ثم على ضوء الشمس، يبتلع الكلمات بشره لا مثيل له، يحييها بعد مَنيّة دامت قرونا، يعريها مثلما تعرى المومياء عند إخراجها من التحنيط، محررا الأشباح والأساطير المسجونة بها، لتطفو على الضريح وتختلط بروائحه المخدرة. إن ما اكتشفه يتجاوز كل الحكايات العجيبة التي رواها له أبوه واعمر حلموش مجتمعة. قضى الليلة بأسرها وجزءا طويلا من اليوم مفككا رموز الأوراق المنفصلة والمرمدة. كان يجلس، محنيا ظهره نحو الأمام، مربعا رجليه، والمخطوط بين يديه، عيناه مثبتتان على الحروف السوداء، ماسكا تنفسه إلى حدّ الاختناق. وكان سيواصل قراءته ما يكفيه من الأيام والليالي إلى غاية بلوغ آخر سطر، متعنتا في إزالة طبقات القشور العالقة على معاني كل تلك الجمل المتشابكة، مجهدا نفسه لمعرفة الحروف الناقصة أو الممحوة جزئيا، كي يتشبع إلى حد الارتواء من ذلك الجوّ الصوفي، لولا الحضور المباغت لمجموعة نساء متحيِّكات، جئْن لزيارة ضريح الولي. دخلن بغتة، دون الإعلان عن قدومهن بصوت أو دقّ على الباب. أو على الأقل، هكذا خيّل للمهدي، ذلك أنه كان غارقا في اكتشافه المذهل ولم ينتبه إلى ما كان يحيط به. لم يشاهد قط النساء الثلاث بحياكهن البيضاء يدلفن عبر الباب المنفتح جزئيا. رفعت الأولى الستار المغبّر المتآكل وهمت بنزع حذائها. أما الثانية، فوقفت وسط فتحة الباب، تنتظر دورها، حين لمحت شبح المهدي الجالس في زاوية بقرب الضريح. بدرت منها صيحة ضعيفة، صيحة مفاجأة واحتشام، فتراجعت إلى الوراء، متبوعة برفيقتها. تسارعت النسوة، خائِفات، وابتعدن بخطى خفيفة. ثمّ توقفن عنْد أول شجرة الصنوبر وانتظرن بصبر وترقب خروج الزائر. استيقظ المهدي من غطسه اللجيّ في التعرجات المتشابكة لعالم الأولياء العجيب، فظن نفسه في بداية الأمر بداخل حلم مُضبّب قصِيّ. فرّك عينيه فرأى طرفا من الحائك الأبيض يختفي، وسمع حَفيفًا ووقع خطوات خفيفة على التراب. أدرك أن هناك نِساءً جئن لزيارة الولي. ولَكِن زوبعة من الصور والأصوات لا تزال تغلي في ذهنه، تمنعه من استعادة صفائه الكلي. مرّت دقائق طويلة قبل أن يتحرك من مكانه أو يغيّر من وضعية جلوسه. الجوّ لطيف ومنعش بالداخل. وقف بتثاقل، مدّد ذراعيه متثائبا بصوت مسموع، ثم أرجع المخطوط إلى مكانه. اعتنى عناية ظاهرة في تمويه المخبأ كي يظل مجهولا. في الخارج، كانت حرارة الشمس مرتفعة، وضوؤها ساطع مبهر. استنشق الهواء بارتياح لذيذ كأنه يريد إخلاء صدره من روائح البخور القوية والوقيد، دون أن يكترث لأمر النساء الواقفات، يختلسن النظر للتعرف عليه. مشى الهوَيْنا دون أن يعرف وجهته بالتحديد. ما إن دخل تحت ظلال أشجار الصنوبر حتى انتابه التردّد. أين سيذهب؟ هل سيلتحق بمنزله أم أنه سيبحث لنفسه عن ركن هادئ ليغوص في نوم مسكّن؟ صحيح أنه بأمَسِّ الحاجة إلى النوم، ذلك أنه كان يشعر بقوة لا تقاوَم تُميل أجفانه نحو التعانق والانغلاق، مغرية إياه بالتمدّد هنا، على الأرض الحجرية، خلف سور الخرْبة، ولكن الجوع والعطش يقضمان أحشاءه ويقاومان للفوز بالأسبقية. لم يتوقف، بل واصل المشي تحت ظلال الأغصان المورقة، منحدرا تارة، صاعدا تارة أخرى. بعد قليل، اكتشف تجويفا جانبيا، تكاد الأغصان تخفيه عن الأبصار كلية، محاطا بأعشاب التوت البري والوزّال الشوكي. دون انتظار أو إطالة تفكير، قوّس جسمه نحو الأرض وتسلّل تحت الأوراق المغبرة الشاحبة. تمدّد على جانبه الأيمن، مجترا قرارا حاسما أن ينام هنا نوما عميقا أشبه بنوم أهل الكهف. ولكن النوم رفض أن يستجيب له برغم الظل المنعش وزقزقة الجواثيم. في عمق أعماقه، لم يتوقف لحظة عن التفكير في حكاية المخطوط العجيبة، حكاية المتصوِّفة الأولين، أهل الكرامات والأفعال المستحيلة. إن ما أبهره خاصة، ذلك الصوفي المعروف تحت اسم إبراهيم عبد الله، الذي تجاوز الجميع في كيفية عبادة الله. كان الناس في عهده يحجّون راجلين أو جالسين على ظهر الجمال والنوق والأحصنة، وضمن قوافل غاصة بالمسافرين، والحراس المسلحين لصدّ هجمات قطاع الطرق عبر الفيافي والصحاري الجرداء. أما إبراهيم عبد الله الملقّب بالعظْم، فقد قرّر أن يحج راكعا ساجدا، ليبيّن مدى زهده في ملذات الدنيا وخضوعه الكلي والنهائي للإرادة الإلهية. استغرب الناس كيف يحج المرء راكعا، والمسافة بين الكوفة والحجاز ليست بالقليلة. ولكن عبادة إبراهيم عبد الله فاقت كل أنواع العبادات، وتجاوزت تضحياته كل أنواع التضحيات. أكد أنه سيحج ماشيا على رأسه إلى غاية باب مسجد الحرام. وفي الليلة السابعة والعشرين من رمضان لسنة 726 للهجرة، وبعد أن قضى ليلة أقام فيها الليل خاشعا عابدا في ساحة مسجد الإمام علي بن أبي طالب، بالكوفة بأرض السوّاد، انطلق عاهدا على نفسه أن لا يتوقف إلا عند الروضة العاطرة بالكعبة الشريفة. فكان يخطو خطوتَين دون أن يتوقف لسانه عن الابتهال والحمد والشكر، ثم يصلي ركعتَين خاشعتَين، طويلتَين. قضى أربعة عشر عاما في الصحراء العربية الرمضاء، يتقدّم رويدا رويدا نحو هدفه المنشود، دون كلل أو تعب أو يأس ولا حتى شكوى من أي نوع. كان يتقدّم راكعا، ساجدا، حامدا، شاكرا، يهزّه الشوق إلى لحظة الوقوف أمام بيت الله والطواف الجليل ثم الارتواء من بئر زمزم وأخيرا السعي المحمود. كل سنة، كانت قوافل الحجاج، في ذهابها وإيابها، تصادف ذلك المتعبّد النحيف، الوحيد الأعزل، بلا مطية ولا متاع من أي نوع، معتمدا الاعتماد كله على الخالق الجبار، مستسلما لمشيئته، واضعا حياته بإرادته تحت تصرفه، يجرّ رجليه الحافيَتَين، المخضّبتَين، في الطرقات المقفرة، المحصبة، لا يقطع في اليوم إلا أمتارا معدودة، لا يغفل أبدا عن السجود الخاشع، لاصقا جبهته بالتراب والرمال إلى أن ارتسمت بقعة سوداء وسطها لتكون شاهدة على تعبده حينما تحين ساعة الحساب الشديد. ومما زاد المسافرين اندهاشا وإعجابا به، أنه كان يرفض كل المساعدات المقدّمة بإلحاح صادق. ويُروى أن أخباره وصلت إلى مسامع الكعبة، فتاقت إلى رؤيته توقا لم تصبر عنه، فانتقلت لاستقباله، خوفا من أن يباغته الموت ولا يصل إليها بعد كل تلك السنوات من الصبر والتجلد والسجود، يرافقها الحجاج مهللين، في مدائح دينية وضعت خصيصا لذلك الحدث الجليل. حدث ذلك فعلا أم أن الرواة هم الذين استسلموا لجموح خيالهم فألفوها تأليفا مثل عادتهم حينما يتعلق الأمر بمثل هذه الأحداث الخارقة؟ كيف لنا أن نتأكّد من صحة وقوع هذا الحدث؟ ليس لنا والله من حيلة إلا التصديق!
بعد هذه الحجة المباركة، اكتسب إبراهيم عبد الله كرامات جليلة. فلم يكن يحتاج إلى مِعبَر لينتقل بين ضفتي نهر الفُرات. يكفيه أن يمشي فوق سطح الماء مثلما يمشي على جسر. انتشرت سمعته واخترقت بلاد الرافدين. يأتي الناس لزيارته من أقاصي الدنيا. من قدراته الخارقة أنه كان يستطيع إحضار شخص، في لمح البصر، من بلاد بعيدة، تلبية لرغبة محتضر يريد أن يرَ قريبا له قبل أن يطلق آخر حشرجة ويغادر الحياة الدنيا مطمئنا آمنا.
لم يعد النوم إلى المهدي إلا بعد أن أنهى قراءة الصفحات المائة والسبع والخمسين. وكي لا تزعجه مرّة أخرى الزائرات الباحثات عن مهدئات لوساوسهن، قرّر أن لا يقرأ إلا ليلا. قضى ست ليالٍ، منكبا على المخطوط، مفككا الرموز السوداء، تحت ضوء الشمعة، في صمت شبه مطبق، تتخلله من حين إلى حين خفخفة تحريك الورق. ومن بعيد، في عمق الوادي المتعرج وسط أكواخ الصفيح والقزدير والقصب، تتصاعد سيمفونية نقيق الضفادع وصرير الحشرات. عنْد انتهائه من القراءة، بقي شاردا مدة طويلة، تائها في أفكار جديدة لم يألف الطواف في مسالكها. ثمّ غفا والكتاب بين يديه، ورأى فيما يرى النائم شيخا ضامرا يجلس فوق صخرة في أعلى جبل يناديه ليلتحق به. حاول التسلق بين منعرجات السفح الحجري ولكنه زلق عند أولى الخطوات. أعاد الكرّة مرارا، دون جدوى. خفت الصوت حتى كاد لا يسمع. وقف الشيخ مستعدا للذهاب. صاح المهدي صيحة عظيمة ليطلب من الشيخ الانتظار. ولكن الصوت أبَى أن يخرج من فيه. اضطرب، أعاد الصياح، لم يسمع صوتا، ركض ينوي التسلق من جديد، تمكّن من قطع مسافة قرَّبته أكثر من الشيخ الذي أدار له ظهره، ولكنه فقدَ توازنه وسقط في هاوية بلا قعر. حينذاك، استيقظ لاهثا، يتصبب عرقا. كان النهار قد غزا بضيائه الغرفة الصغيرة، متسلِّلا عبر الكوة الضيقة الوحيدة. مكث لحظة سجين تلك الصور الغريبة. ثم أعاد المخطوط إلى محرابه السري، وشدّ الألواح بخيط متين، وسدّ المنافذ الصغيرة التي سمحت للفأر بالتسرّب إلى الداخل. بعد ذلك، غادر الضريح، مصمِّما على إنجاز فعل عظيم، يكاد يضاهي ما قام به إبراهيم عبد الله. لم يُخبِر أحدا بسفره، ولا استشار اعْمَر حَلْموش الذي يكِّن له احتراما كبيرا. كما أنه لم يأخذ معه شيئا مما يأخذه المسافرون، مقتنعا أشد الاقتناع بأن الله سيكرمه ويعينه مثلما فعل مع عبده الخاشع، ذلك المتعبد النحيف الذي قضى أربعة عشر عاما ليقطع المسافة بين الكوفة ومكة المكرّمة، راكعا ساجدا، مرسلا إليه الماء والتمر والحليب كلما كان في حاجة إلى ذلك. يكفي أن يجلس في آخر النهار، أو عند بزوغ الفجر، فيطلب زادا يتقوَّت به ويسمح له بمواصلة المسيرة، حتى يرى أمامه عرجون تمر أو إناء حليب. هكذا، كان ربّه يقيه ألم العطش والجوع ويجعله في مأمن من الفاقة والتسوّل، طوال سنوات السفر الذي دام أربعة عشر عاما، تحت الشمس اللاهبة والليالي القارصة، لا يستريح إلا فترة النوم التي تقلصت بسبب الأرق ورغبة الإكثار من الصلوات، فأضحى لا يغفو إلا دقائق معدودات ليستيقظ فزعا متمتما التعاويذ اللاعنة للشيطان الرجيم الذي ضيَّع له وقتا ثمينا كان سيخصصه للعبادة.
بإيمان وحماس يليقان بالفاتحين الأوائل، اتخذ المهدي وجهة الشرق، وجهة القِبلة، سالكا طول الطريق المعبد. يمشي حاثا خطاه، غير مبال بالسيارات المسرعة التي شبّهها بالقوافل التي كانت تصادف ذاك المتصوف المتجلد، يقترح أصحابها العَون فيرفضها. كان منظره غريبا وهو يمشي مسرعا على حافة الطريق خارج المدينة، وحيدا. حينما ينسى نفسه ويميل إلى وسط القارعة، يضغط السائقون على المنبه بشكل مزعج. وعند مروره بالمنازل المحاذية للطريق، ويرى رجلا جالسا أو واقفا، يحييه بتحية مرفقة بحركة يد حماسية. أكثر الناس يردون التحية باقتضاب، يتأملونه بريب. كيف لشاب سليم العقل أن يمشي عبر طريق وطني خارج أي تجمع سكني؟ أين يذهب؟ إذا كان يريد السفر بعيدا، فالحافلات متوفرة بكثرة. لماذا المشي إذاً؟ هل هو فقير إلى حدّ لا يملك ثمن تذكرة حافلة؟ لقد انقضى ذلك العهد الذي يسافر فيه الناس راجلين. الريفيون الشيوخ، النافرون من الحداثة الزاحفة، تخلَّوْا عن أحمرتهم وبغالهم وأضحوا يتلهفون على ركوب الحافلات، مهما كانت مهترئة. في كل الأحوال، إنها أفضل من ظهر الحيوان ومن المشي. لذلك، فإن رؤية شاب يافع يحذو الطريق الوطني راجلا، مُسْرعا، أكيد أن أسئلة مريبة تطرح نفسها دون عناء البحث عنها.
واصل المهدي سفره الإهلَيلجي نحو الشمس. عند الشفق، لمح سقوف بنايات بعيدة. تحمّس وضاعف من سرعة خطاه. لفّه الظلام وهو لا يزال يجرّ جسمه المنهك وسط أرض مكشوفة. دخل مدينة، شوارعها فارغة وشبه مظلمة. ما إن مشى وقتا يسيرا عبر أحد الأزقة الخلفية، حتى سمع الأذان يعلن عن صلاة العشاء. كان الطوى قد عقَد أوصاله والتعب أوْهَن لسانه. بعد أداء الصلاة، جلس مسندا ظهره إلى عمود وسرح في أفكار هلامية، يحلم بعرجون تمر معسّل، يباغِته من حين لآخر. أيقظه الإمام من هلاسه، طالبا منه الخروج كي يتسنى له غلق باب المسجد. حدّقه المهدي بنظرة ذابلة وقال:
- ماذا تقول يا شيخنا الجليل؟ أليس هذا بيت من بيوت الله؟
- بلى...
- ولماذا تغلقونه إذاً؟
- نغلقه لأنّ وقت الصلاة قد انقضى.
- إن بيوت الله لا تغلَق، هذا يخالف شرع الله.
- من أين أتيت بهذا الكلام يا بني؟ نحن نعمل بسنة نبيِّـنا الكريم محمد بن عبد الله الذي قال: بعد أداء الصلاة انتشروا في أرض الله. كان الرسول صلى الله عليه وسلّم لا يحب الماكثين في المساجد خارج أوقات الصلاة، ويتوَكَّلون في رزقهم على صدقات المحسنين.
- أنا مسافر على بركة الله، ونوَيت قضاء الليل هنا...
- المسجد مكان للصلاة وليس للمبيت. يوجد حمّام قريب من هنا، يمكنك النوم فيه. أراك مغبرا أشعث الشعر، أنت بحاجة إلى استحمام. هيّا توكّل على الله ودعني أكمل عملي.
كان الإمام كهلا، يميل إلى السمنة، وعلى وجهه لحية خفيفة غزاها الشيْب جزئيا. تأمل الفتى النحيف بفضول ظاهر ثمّ ابتعد، يحرّك رأسه حائرا. مسح المهدي الصالة الفارغة بعينين نصف مغمضتين، لا يعرف أي سلوك يسلكه ولا أي قول يتلفظ به. انطفأت المصابيح فجأة. وقف بتثاقل والتحق بالباب حيث كان الإمام ينتظر خروجه. كان الشارع غارقا في نصف ظلمة. بعيدا في مفترق طرق، مصباح عمومي مهترئ، ينير المحيط ببخل شديد. أدخل الإمام يده في جيب غَنْدورته وأخرج ورقة نقدية مدعوكة ومدّها للمهدي، مشيرا بيده نحو الجهة التي يتواجد فيها الحمّام. امتلأ صدر الفتى بالأمل، ذلك أنه اعتبر الفعل إشارة إلهية. هل هو الخِضْر الذي أتاه مثلما كان يأتي لإبراهيم العَظْم؟ خفيفا ومغردا مثل عصفور، شقّ ظلمة الشارع، غير لاوٍ على شيء. وجد الحمّام دون عناء ولكن صاحبه رفض إيواءه بحجة عدم امتلاكه لبطاقة هوية. وأمام شرود الفتى، نصحه بالتوجّه إلى مركز الشرطة كي يستخرج رخصة إيواء. تصوّر أن المسألة ليست إلا إجراءً شكليا لا يكلفه وقتا طويلا. واجهه الشرطي بنظرة ازدراء، ملأى بالريب والاتهامات المبطنة. ثم أمطره بوابل من الأسئلة الدقيقة التي أخرست لسانه وأرعدت أحشاءه. بعد ذلك أدخله غرفة صغيرة وطلب منه الانتظار. بقي جالسا على المقعد الخشبي لحظة من الزمن، إلى أن شعر بالنعاس يطبق جفنَيه، فتمدّد بلا أدنى تردّد على الأرضية المبلطة وغرق مباشرة في نوم عميق. حينما عاد الشرطي ووجده على تلك الحالة، صاح فيه صيحة غاضبة وركله ركلتَين بحذائه الغليظ. استيقظ المهدي مرتبكا لا يدري أين هو بالضبط. أوقفه الشرطي بعنف وقاده إلى مكتب في آخر الرواق. هناك وجد رجلا باللباس المدني، جالسا خلف طاولة حديدية وأمامه آلة راقنة، يكسوها الصدأ. وبدأ الاستنطاق، عسيرا ودقيقا. أسئلة عديدة ومتنوعة، أعدتها مصالح الأمن التي تعتبر، في قبلية عمياء، أن جل المواطنين معارضون افتراضيون. وانطلاقا من هذه الشكوك المرضية، أعدت بطاقة مفصلة حول كل مواطن يثير سلوكه ريبا ما، وتسجل بها كل الأخبار التي يجمعها أعوان البحث ومُخبِروهم، مهما كانت واهية، سواء مؤكدّة أو مبنية على الإشاعة والوشاية المغرضة. إنها نافعة في أوقات الاضطرابات. أكثر الأسئلة عجز المهدي عن الإجابة عنها، رغم عناد العون بإصراره على إعادة طرحها وشرح بعض ملابساتها.
أخيرا، حينما غادر المهدي مركز الشرطة، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والحمّام قد أغلق أبوابه، بحيث لم تعد تنفعه الرخصة التي خطها الشرطي بكتابة معوّجة لا تكاد تقرأ. وبما أن الاستقبال كان فاترا في المرّة الأولى، لم يجد الشجاعة الكافية للضرب على الباب. وقف إزاءه وقتا طويلا يتأمل الكتابة الرديئة، مطأطأ الرأس، شارد الذهن. فجأة، وبحركة عصبية، دعك الورقة ورماها أرضا. ألقى نظرة إلى الشارع المظلم، استنشق الهواء الطري بقوَّة وابتعد عن الحمّام بخطى سريعة. مشى مدة من الزمن تحت نور المصابيح الشاحب قبل أن يلج في الظلمة الحالكة، تراوده فكرة الخروج كلية عن أسوار المدينة والبحث عن مكان منزوٍ لقضاء ما تبقى له من الليل. هكذا، وبعد فترة لا يدري كم استغرقت من الدقائق، ربما قاربت الساعة، وجد نفسه وسط حقل كروم يتقفى أثر مجرى عجلة جرّار. لمح تجويفة ملساء فاستلقى في حضنها، راغبا في نوم مريح. ولكن خشونة التراب والناموس الذي لفَّ وجهه وذراعيه أبقياه يقظا ومنزعجا. كانت السماء صافية بهلال جزئي يكاد يلامس قمة جبل في الأفق. لم يعرف المهدي كم لبث من الوقت يتأمل النجوم ويطوف حول صور وأفكار غير واضحة المعالم قبل أن يسرقه النوم خلسة. عندما استيقظ، كانت الشمس قد لاحت في الأفق، معلنة عن يوم قائظ. وقف بخفة، تمدّد متثائبا بصوت مسموع، مسح خطوط الدّاليَة بنظرة دائرية، ثم قصد الطريق متثاقلا. لم يقطع نصف المسافة حتى سمع صوتا ينادي بأعلى النبرات: "يا السي محمّد! يا السي محمّد!" توقّف والتفت. هناك، على بعد أمتار فقط، رأى رجلا معمَّما يركض نحوه ويصيح غاضبا، ملوِّحا بعصى غليظة، شاهرا إياها فوق رأسه. انتظر المهدي الحارس بلا حراك. حينما اقترب الرجل، قلّل من سرعة خطواته.
- واش راك ادِّير هنا؟
- والو... كنت راقد.
- كيفاش؟ راقد؟ حمّام، أوتيل؟ فهَّمني؟
- راني مسافر، الحمّام مغلوق و...
توقّف الحارس مواجها المهدي بنظرة شزراء أوّلا. ولكنه حينما دقّق النظر في هيئته: شاب نحيف، ملابسه مغبّرة، أشعَث الشعر، بلحية حديثة العهد، وتلك النظرة الهادئة، على شفى حفرة من البلَه، لاَنَت قسوته وضعُف صوته. همهم كلمات غير مفهومة ثم طلب منه أن يغادر الدّالية فورا. قال المهدي:
- كايَن عيْن في هذا المكان؟
- عَـيْن؟ تحوَس على الماء... اسمع ليَ مليح!
بعد ذلك التفت الحارس نحو الشمال وأشار إلى شِعْب بعيد وسط دغل من التوت البري وأغصان الدلب، بقرب وادٍ. أفهمه بأن العيْن توجد على أمتار من ذلك الشِعب. وحينما ابتعد المهدي، صاح محذرا إياه بعدم الدخول إلى مزارع الغير بدون إذن. وإذا كان هو رجلا طيبا متسامحا، فإن غيره سينهال عليه ضربا قبل أي سؤال.
كان ينبوع الماء صافيا، عكس صورة المهدي مثل مرآة. اندهش الفتى من تغير ملامحه. كاد أن لا يتعرف على وجهه المتسخ. شرب واغتسل طويلا ثم توضأ وانتقى منبسطا جانبيا وصلى، خاشعا مبتهلا. بعد ذلك تذكّر الورقة النقدية، أخرجها من جيب سترته، أطال فيها النظر يفكر فيما يمكن أن يقتنيه بها. عند أوّل بقّال، اشترى رغيفا وعلبة حليب ورطلا من التمر الجاف، ثم استأنف السير، مقتنعا أكثر مما سبق بأنه سوف لن يتوقف إلا ليقبِّل الحجر الأسود بالكعبة الشريفة.
مشى طويلا في اتجاه الشمس، برغبة جامحة في تقليد سيّده إبراهيم عبد الله، قاطعا مثله السهول والجبال، المروج والصحاري، متحديا أعتى العقبات. ولكن الطريق شاق والحرارة ملهبة، زيادة إلى أنه يفتقر إلى أدنى الوسائل المعينة لتحمُّل مثل هذه الأسفار المضنية. مع الأيام، طفقت ثقته تتشقق ليتسلّل إلى جوارحها اليأس، فيقاومه بالإكثار من الصلاة والإسراع في المشي.
عند ظهيرة غائمة، وصل إلى مركز الحدود. أمام البناية، رأى رهطا من الناس، أغلب أفراده من الرجال الشبان، ينتظرون، وعلى محياهم علامات التذمر والحيرة. تقدّم المهدي نحو شرطيٍّ كان يتفحص وثائق عجوز شاكية من طول الطابور، فسأله عن مكان وجود الماء. أجاب الشرطي، المتعوّد على مثل هؤلاء المسافرين التائهين، الباحثين دوما عن المراحيض وحنفيات الماء، دون أن يلتفت إليه. بعد أن ارتوى، اختلس المهدي نظرات فاحصة حوله، وحينما لم يرَ أثرا لمقهى أو لحانوت أو لمحلّ الأكل الخفيف، واصل سيره دون اكتراث. حينئذ، حملق الضِرو باندهاش في الدخيل المتسرّب نحو الحدود، أرجع الأوراق إلى صاحبتها في استعجال لم يسعفها في الإمساك بها، فتناثرت حولها وأطلق زعيقا جلب إليه كل الأنظار:
- وين رايح آ سِّي رَبِّ آه؟
كان المهدي منشغلا بحساباته المتشابكة، فلم يسمع صوتا ولا وقْعَ أحذية الشرطي الذي جرى خلفه، إلى أن شدّه بعنف من الذراع. في لمح البصر، أحاط به مجموعة من رجال الشرطة ودفعوه نحو البناية. لم يعِ بوضوح ما يحدث له، ولماذا هذه الملاحقة المفاجِئة، المرفقة بشلال من القُباع والتهديد بالويلات السبع.
- وين رايح يا القافز؟ هات جواز السفر.
- ماعنديش.
- تقطع الحدود بلا جواز سفر!
- أنا مسافر على بركة الله، ولست بحاجة إلى جواز سفر.
- أخينا يتكلم العربية الفصحى! نحن أيضا نحسن الحديث بها. أحسبت نفسك في عهد هارون الرشيد؟ أمشِ، أمشِ، انْوَريلَك الطريق تاع مَصَر ورّاه.
تجمّع المسافرون حولهم، يسترقون السمع إلى الحوار الدائر. نهرهم شرطي، قاذفا إياهم بشتيمة غليظة، فانسحبوا مهرولين إلى الوراء. لمّت العجوز وثائقها كاتمة غضبها وعادت باكية شاكية إلى الشرطي. أخرسها بصراخ غاضب، آمرا إياها أن تعود إلى مكانها وسط الطابور. أدخله حراس الحدود إلى صالة واسعة، بها ثلاثة مكاتب ومقاعد طويلة ملاصقة للجدار. تقدّم إليه ضابط وسأله بلهجة ساخرة:
- أين يريد أخينا أن يذهب هكذا بلا باسبور ولا دوفيز؟
- إلى مكّة إن شاء الله؟ أجاب المهدي بلهجة واثقة، زادت من حيرة رجال الشرطة.
- إلى مكّة وعلى رجليك! في أي عصر أنت يا أخينا؟ تتبَهْلَل علينا. شْكُونْ قال لك بأن السفر إلى مكة ممكن هكذا بلا سيارة ولا حافلة أو قطار. من أي مدينة أنت؟
- من عين الكرمة.
- وأين تقع هذه الـــعين الكرمة؟ هل أنت من الصحراء؟ شكون يعرف وين جايَة هذه الدشْرة؟
تبادل الرجال النظرات المتسائلة، ولكن لا أحد أعطى جوابا. التزم المهدي الصمت. في حقيقة الأمر، هو أيضا لا يعرف موقع قريته. اندهش الجميع من هذا الشاب النحيف الذي يريد أن يحجّ راجلا. كيف له أن يقطع آلاف الكيلومترات مشيا على الأقدام في البراري والصحراء، بلا متاع يرافقه. رجال الشرطة متعوّدون على رؤية أشخاص يصرِّحون بأنهم يقصدون جدّة، ولكن هؤلاء مزوَّدون بكل الوسائل اللازمة: سيارات فارهة آخر موديل، صناديقها معبأة بالألبسة والمؤن المتعددة، جوازات سفر ملطّخة بتأشيرات البلدان التي سيمرون بها، وأوراق نقدية من العملة الصعبة بأنواع كثيرة. أما أن يأتي شاب ضامر، أنهكه الجوع وسوء التغذية، ويزعم أنه مسافر إلى مكة، هذا ما لم يشاهدوه قط في حياتهم المهنية. من أين مرق؟ أيكون قد حدث له ما حدث لأهل الكهف الذين ناموا لمدة ثلاثة قرون، وحينما استيقظوا وجدوا مجتمعهم قد تغيّر كلية، فلم يتعرفوا عليه، لذلك فضلوا العودة إلى الكهف ومواصلة النوم بصفة نهائية هذه المرة؟ ولماذا لا يعود هذا الشاب المنفصل عن واقعه إلى الموضع الذي مرق منه فجأة؟ يريح نفسه كما يريح غيره بلا شك.
طأطأ الضابط رأسه مفكرا. بدت على وجهه ابتسامة حائرة. طلب منه أن يتبعه إلى مكتبه. أجلسه في مقعد مقابل شاب كان يتفحص أوراقه بعناية ظاهرة، ثم طلب منه أن ينتظر قبل أن يختفي وراء باب خلفي. في لحظة ما، أدرك المهدي بأن الشاب يتفرسه مليا، كأنه يريد التحدث إليه. أدار المهدي بصره وانشغل بأكوام الورق المتراكم على المكتب.
- واش، طرْدوك حتى انت؟
- ...
- وَعْلاش؟
- ليس لي جواز سفر.
- ما عَندكْش باسْبور وتحَب تغادر البلاد؟
ردّ الشاب بنبرة اندهاش. عندي كل الأوراق ومع ذلك رفضوا خروجي. وعلاش! الخدمة العسكرية! جيتْ نشْكي للضابط.
سكت لحظة ثم واصل قائلا:
- أنت أيضا تحوَّس على خدمة؟
-لا.
- وعلاش راك خارج؟
- أنا ذاهب إلى مكّة.
- إلى مكة؟ أنت صغير والحج للكبار!
- كل بالغ له الحق في أداء مناسك الحج.
- ما هوش مهم... على كل حال، أنا أيضا ذاهب إلى نفس المنطقة، ليس للحج طبعا. الخدمة يا خويا، الخدمة، وبالدولار.
عاد الضابط، فالتزم الشاب الصمت. وبلا انتظار، دون أن يترك الوقت للضابط كي يستوي في جلسته، عرض مشكلته بكلمات مقتضبة، ووتيرة سريعة. حدّقه الشرطي بصرامة أقرب إلى التهديد، ثم قال موَبِّخا:
- ديرْ الواجب الوطني انْتاعَك أوّلا ثم حوَّس على الخروج...
وقف الشاب وعرض عليه أوراقه في محاولة يائسة لإقناعه بالعدول عن رأيه، ولكن الضابط نهره غاضبا، وبحركة من يده اليمنى، أمره بالخروج.
بقي المهدي صامتا، يجول ببصره بين المكتب والصالة الواسعة. تناول الضابط بطاقة من الورق المقوّى وقلما وشرع في الاستجواب. أسئلة كان المهدي قد أجاب عنها في تلك الليلة التي قصد مركز الشرطة باحثا عن رخصة للمبيت في الحمّام. كان الضابط يسجل الإجابات بالفرنسية. الخط واضح وجميل. صحيح أن المهدي لم يكن يعرف من هذه اللغة إلا الشيء القليل، ولكنه تمكن من قراءة أغلب الكلمات. حينما غادر المكتب، وجد الشاب ينتظره عند العتبة. خاطبه بألفة كأنه صديق قديم:
- اسمي سليمان، وأنت؟
- المهدي.
- من أي مدينة؟
- عين الكرمة.
صاح سليمان وفي عينيه تتلألأ غبطة:
- صحيح أنت من عين الكرمة؟ إذن، نحن أبناء بلدة واحدة! يا للمصادفة العجيبة! وكيف لا أعرفك؟
في الحافلة التي أقلّتهم إلى أقرب مدينة حدودية، لم يتوقف سليمان عن الكلام. كان من النوع المهذار، خلافا للمهدي الصموت. تكلّم عن خيباته وأحلامه. اعترف بأنه غير موهوب في الدراسة. فشل في امتحان التعليم المتوسّط ثلاث مرات. كان والده تاجرا ويملك دكانا صغيرا في زنقة بجانب السوق. حاول أن يلقّنه الحرفة. ولكن سليمان، وبعد شهور من مزاولة الدكان، فزيادة إلى أنه لم يتْقِن شيئا من تسريحات الشعر وكيفية استخدام المقص والمجزّ، أصيب بالقرف من مهنة الحلاقة، خاصة حينما يفكّر بأنه سيقضى حياته في هذه المساحة التي لا تتجاوز الستة أمتار مربّعة. اختصم مع أبيه وكادت الخصومة تتحوّل إلى مشادة جسدية لولا تدخل الأم. فأضحى الجوّ بالمنزل العائلي مكهربا، والأب لا يتوقف عن اللوم والتهديد بالطرد إن استمر سليمان في رفضه لتعلم حرفة يرتزق بها. في يوم من الأيام، قرّر مغادرة المنزل العائلي والبحث عن سبل مغايرة لكسب رزقه. هكذا وجد نفسه في مركز الحدود يريد السفر إلى دول النفط، باحثا عن الشغل. ارتاح المهدي إلى طلاقة لسان صديقه الجديد لأنها ستعفيه من الكلام. كان يستمع إليه أحيانا، ويغيب عنه في أغلب الأحيان، سارحا في فضاءات لا تخطر على بال سليمان. أصيب بيأس محبط بعد أن منعت عنه الشرطة عبور الحدود. عليه أن يعود إلى عين الكرمة لاستخراج جواز السفر. ولكن مشكلة الخدمة العسكرية التي تحدث عنها سليمان أفقدته كل رغبة في امتلاك أي وثيقة لأنها ستصبح غير نافعة. ما العمل إذن؟
تكلم سليمان عن إمكانية عبور الحدود سرّا. قال بأنه سمع عن قوافل المهربين في الصحراء، فلماذا لا يستعلمان عنها، ربما وجدا ضالتهما. قافلة في الصحراء؟ أكيد أنها قافلة من الجمال! التمعت عينا المهدي. تصوّر نفسه وسطها، شاقا عباب كثبان الرمال، تماما مثلما كان يحدث في عهد إبراهيم عبد الله. بلا أدنى تردّد، ركب الصديقان حافلة متجهة نحو الجنوب، نحو مدينة الألف قبّة، الواحة الواسعة المفتوحة على الصحراء وأسرارها الخالدة. حينما طفقت أولى مزارع النخيل تظهر عبر زجاج نوافذ الحافلة، استرجع المهدي أمله، وفكّر بأن الصديق الجديد ليس إلا الخِضر الذي بعثه الله لينير طريقه. كانت المدينة ساحرة، بأزقتها المحمية من الشمس بأقواس مظللة، وتلك القبب المتراصفة، المتعددة الأشكال، وحوانيت الأقمشة الحريرية التي تذكر بالحواضر المشرقية القديمة. والشيء الغريب بالنسبة للمهدي أنها خالية من الجمال. سيارات كثيرة مثل مدن الشمال، زائد درجات بمحرك أو دونه، وعربات تجرها البغال أو الأحصنة. قال لهما تاجر جالس على عتبة دكانه، يرتشف شايا، أن الجمال هجرت المدينة منذ زمن، لأن لا أحد أصبح يستخدمها. إذا أرادا رؤيتها، عليهم بالالتحاق بالقرى الصغرى أو القبائل الرحالة.
- هل هذه سراويل مستوردة؟ سأل سليمان البائع الواقف خلف بضائع معروضة من الألبسة المتنوعة، مرصوفة فوق زربية فرشت على الأرضية المرملة.
- نعم، أجاب البائع. إنها نوعية جيدة وأسعارها غير مرتفعة.
كان البائع في الثلاثين من العمر، سَحنته كدراء، وجلد وجهه مسفوع بالشمس. تفرّس الغريبَين بنظرات مختلسة، ملأى بالفضول والريب. تناول سليمان سروالا، لامس قماش الجينز بأصابع العارف، قاس طوله، طلب المشورة من المهدي، كأنه ينوي حقا شراءه.
- سروال جميل حقا، آخر صيحة...
- آخر واحد من هذا النوع. بعتهم مثل تمر دقلة نور. هيا، خذه وأساعدك في الثمن...
رغم المرح الذي تظاهر به، كان سليمان يخفي ارتباكا ضاعف من تردّده في مصارحة البائع. ثبّت بصره في الأرض لحظة ثم واجه البائع بابتسامة عريضة، ثم قال:
- بما أنك تبيع الملابس المستوردة، أكيد أنك متعوّد على قطع الحدود. قيل لنا بأن العبور سهل في هذه المنطقة... مثلما تعرف... نحن شبان بلا عمل... ونريد الذهاب إلى ليبيا. أكيد أنك تعرف أحد مهربي الأشخاص... التهريب... القوافل...
بدا البائع مندهشا من طلب سليمان. حدّقه بعينَين جاحظتين، واضعا سبّابته على صدغه، قبل أن يجيب:
_ اسمع يا أخي، إن الذي قال لكم هذا الكلام مخادع أو جاهل. الحدود محروسة جيدا، وأراضيها قفار لا حياة فيها، يكاد يستحيل عبورها بدون المرور على مراكز العسكر. أما بالنسبة لهذه الملابس، فإنني اشتريتها بنفسي من أسواق دمشق. سوريا لا تطلب منا تأشيرة الدخول. يكفي جواز السفر وكمية كافية من العملة الصعبة. نصيحتي لكم: عودوا إلى دياركم ولا تنساقوا خلف الأوهام القاتلة. إن السفر إلى الخارج لا يتطلب أكثر من إعداد جواز سفر وقليل من المال...
- والخدمة العسكرية؟
- آه نسيت! الخدمة العسكرية، نعم. تمرّ السنتان بسرعة، تجربة إضافية في الحياة. صدقوني، تعلمت كثيرا خلال السنتَين، وأقمت صداقات متينة، نفعتني فيما بعد. أما حكاية العبور السري، فأنصحكم بالابتعاد عن التفكير فيه. إنه خطر على حياتكم...
ألحّ سليمان في إقناع البائع بأن الأخبار التي بحوزته عن العبور السري صحيحة وقد استمدها من أشخاص جرّبوا المغامرة ونجحوا. ولكن البائع وضع حدا للنقاش قائلا:
- إذا أردت الشراء، فأهلا وسهلا بك. أمّا الأشياء الأخرى، فلا علاقة لي بها. كنت صادقا معكم وأوضحت لكم الحقيقة، أما إذا لم تصدقوا، فاذهبوا وجرِّبوا. الصحراء أمامكم، على بعد بضعة كيلومترات فقط. الآن، اتركوني أتاجر في آمان الله. السلام عليكم.
كانت المدينة واسعة، شوارعها الخلفية ضيقة ومرملة. تجوّل الصديقان طويلا بلا هدف محدّد. أطالا الطواف في السوق. أجالا النظر في السلع المعروضة. قدّم لهما بعض التجار شايا. اشترى سليمان كيلو غراما من التمر. وأثناء المضغ، واصل الحديث عن كل صغيرة وكبيرة، ينتقل من موضوع لآخر، من سيناريو لآخر، حيث يرى نفسه وصديقه يعبران الحدود ويلتحقان بأراضي أحلامهما. فيما كان المهدي يمشي إلى جانبه طورا ويتأخر ليقتفي أثره أطوارا أخرى، صامتا، تائها، لا يميّز الخيط الأبيض من الأسود. الوقت يمرّ، والأحلام تتفتت غبارا لتختلط برمال الصحراء.
- لقد تغيرت الأزمنة يا أخي. اليوم، لم يعد أحد يسافر من بلد إلى بلد راجلا أو على ظهر الجمال. لم تعد الأمة الإسلامية على عهدها السابق أمة واحدة، بلا حدود، تلك البلاد التي قطعها ابن بطوطة من المغرب إلى الصين، بلا جواز سفر ولا تأشيرة دخول، متاعه الوحيد قلمه وغندورة على ظهره النحيف.
استمع المهدي إلى الإمام الجالس قرب المحراب، أصابعه منشغلة بتحريك كويرات سبحة سوداء. باليد الأخرى، كان يلامس من حين لآخر لحيته الكثّة، المقصوصة بعناية. فيما انتظر سليمان خارج المسجد. لم يكن يصلي، لذلك تحرّج من الدخول. لم تدم المقابلة طويلا. التحق المهدي بصديقه وعلى وجهه علامات الخيبة تكاد تمتص ما تبقى من الاحمرار. لقد نصبت حجج الإمام متراسا متينا يصد كل محاولة لاختراقه، وعند أرضيته ذابت مشاريع المهدي مثل قطعة جليد تحت حرارة شمس قائظة. أدرك لأوّل مرّة بأن الحج راجلا أضحى أمرا مستحيلا.
- ماذا سنفعل الآن؟
- لا أعرف...
ولأوّل مرّة منذ لقائهما، توقف سليمان عن الكلام. انزوى في صمت حزين، يجتر هزيمته غير المنتظرة. كيف يعود إلى عائلته فارغ اليدين؟ وماذا سيفعل؟ وهَن ثقيل لفّ الرجلين، وجعل رجليهما تجرجران كأن بها كرات حديدية. وعند رؤيتهما يمشيان جنبا إلى جنب، ببطء السلحفاة، يسحبان جسديهما بصعوبة، دون أن يتبادلا ولو كلمة واحدة، أبصارهما زائغة، يحسبهما سجينَين مهمومَين وضائعَين في الطبيعة.
وفي الحافلة التي أرجعتهما إلى عين الكرمة، كان كل واحد يجتر فشله ويحاول تحديد مكان الشقق التي سمحت أولا بتسرّب الأحلام إلى ذهنهما بتلك السهولة، وثانيا السماح لها بالتبخّر دون أن ترَ النور، تماما مثل الأحلام الجميلة عند اليقظة، لتترك مذاقا مرا وغصّة بالحلق. تشققت ثقتهما بعنف شديد وزعزعت القناعات الأكثر تجذيرا. كلّما صغُرت المسافة التي تفصلهما عن عين الكرمة، إلا وتبخرّت الأحلام أكثر فأكثر مثل ضباب صباح ربيعي عند تقدم النهار وارتفاع الشمس، لتترك المكان لواقع مليء بالصخب والعنف، الذي سيخوضان ضده، طوعا أو كرها، معركة دونكيشوتية غير مسبوقة.