محمد ســــاري
الغيث
رواية (نسخة منقحة ومزيدة)
لحظة الإقلاع
الحكاية طويلة ودروبها متشعبة. وَقُودها الصبر ونفاذ البصيرة. تعرفون ولا شك أن السماع والاستمتاع يستوجبان الجلوس المريح استعدادا للسفر مع فعل القص النبيل، إذ أنني سأقص عليكم أحسن القصص وأمتعها. بدءا، أطلب منكم أن تبحثوا عن أمكنة تلائم المقام، لتزيدكم شوقا وتؤجج فضولكم. هيا اسرعوا واجلسوا حيث يحلو لكم، على التراب، فوق الأحجار، تشبثوا بالأحراش وجذور الشجر. إنها كثيرة ومظللة. أعطوني آذانكم فقط، لا أطلب غيرها. وأنا أعطيكم صوتي. ها هو يقرع كالسوط، بل كالرعد المدوي. يختلط بالغبار وصفير الريح. يشق الهواء كالحسام البتار. يمكنكم التمدّد، وغمض الجفون، وسيحملكم صوتي بعيدا، إلى أبعد مما يرغبه خيالكم. وستسبحون في الفضاءات العجيبة، وسط الكائنات الغريبة. ستتوغلون بداخل غابات وأدغال تخجل أشعة الشمس من الولوج إليها. سأمتحن أعصابهم عبر الوهاد والشعاب والجبال الشامخات. وإن أردتم، حلّقت بكم عبر السماوات السبع، وأنتم مسترخون على السجاد الطائر، أو معلّقون بمخالب طائر الرخّ العملاق.
سادتي المستمعون، أنا في خدمتكم. حددوا طلباتكم بالحجم واللون، وهيئوا أنفسكم للإقلاع. سأضع أحلامكم الأكثر جنونا على السكة الآمنة، سأطهر أحشاءكم من المخاوف الكامنة بها منذ دهور خلت، سأدفن تردداتكم وترّهاتكم تحت ركام من عجائب القرن الجديد. وبالطبع، سأثلج صدوركم بأروع المواقف وأهدئ وساوسكم بأوضح الدلالات وأغناها.
لا... إنني أهذي. لقد انقضى، وإلى الأبد، زمن رواة الأسواق وحكاياتهم الساذجة حول الجِنَّة الشريرة والغيلان النهمة، آكلة لحوم الأطفال، والحيوانات الناطقة. لا أحد اليوم يزعم حقيقة تلك العوالم والكائنات. ومن يعثر عبر هذه البقاع المنسية على دينصور من هؤلاء، فليعجل بإخباري؟ وستكون مكافأتي وزنه قصصا ما سمعتها أذن ولا رأتها عين قط.
وسّعوا، لنفسح المجال للتدوين والخط الدامغ الذي لا يزول برغم القدم وكرّ الأيام. إنه الأرشيف الذي سينقل أحلامنا وجنوننا إلى الأجيال المقبلة. ولهؤلاء الحرية في أن يفعلوا بها ما شاءت رياح أقدارهم أن توسوس لهم، طائعين مرغمين أم مخيرين راغبين. أخشى ما أخشاه، يا سادة يا كرام، أن تصيبنا تلك اللعنة اللعينة، أن نجابَه بالكنود أو بالإنكار. ربّما سمعناهم من أعماق قبورنا، يرددون في جوق صاعد، ما لم نتوقف عن ترديده اليوم، صارخين بأعلى أصواتنا:
" ما أيتَمَنا؟ العدوّ الغاصب أمامنا والصحراء القاحلة وراءنا. أين المفر؟ كيف نهتدي إلى موقع الواحة الموعودة وسط عواصف الرمال وأوكار قطاع الطرق؟ هيا بنا نتخلص من القيد الخانق حول رقابنا. لنحرق كل تلك الوعود العسلية والعنتريات الحالمة، لنرمي في اليمّ بقايا الخرافات والخطابات الزائفة. هيا بنا نشقّ طرقا لم تطأها أقدام الجن والإنس قبل يومنا هذا؛ هيا بنا، أسرعوا قبل فوات الأوان، قبل أن تزلزل هذه الأرض زلزالها الرهيب ويغمرها الطوفان الجارف."
لحُسْن الحظ أننا تعلمنا القراءة، بل والكتابة، في لغتنا وفي لغات أعدائنا، أعداء الأمس واليوم. وقريبا، سنخط حروفا لكل تلك الألسنة التليدة، التي لا تزال رائجة في جبالنا. منذ قرون وأهلها يعيشون منغلقين بداخل تلالهم المنسية، برفقة أعْيارهم وآتانهم وأمْعزهم، ورعبهم الدفين من غزو جنود الشمال لجبالهم. عادات تعود إلى تدفق البحارة الأولين وغزوات القبائل الصحراوية. كانت كهوف الجبال خير مخابئ لهم، ضد كل الغزوات، البحرية والصحراوية. ولكن، منذ أن أضحت السماء تمطر قنابل وطائرات، ثمّ ذبذبات مصورة مراقبة، لم يبق لهم إلا مغادرة عرائنهم للاستقرار في السهوب والسهول. انحدر البعض متدحرجا دون حسرة ولا تردد، تشبث البعض الآخر بالتلال فالتصق على جنباتها مثل الحلازن الجافة أيام الجدب. في المقابل، تدفقت ذريتهم بالعناقد نحو الشطآن الساحرة لانتظار السفن التي ستحملهم نحو بلاد سِيرْسي وعرائسها الغنّاءة.
بما سأخط حكاياتي العجيبة الغريبة؟ أبقلم من القصب وعلى قرطاس متغضّن؟ أغمس القصبة المسنّنة داخل حبر الصوف المحروق وأمدّد الحروف تلو الحروف، مثلما كنا نفعل زمن سي المولود معلم القرآن؟ تقهقهون خفية، متسائلين من أين خرج هذا الدينصور. دينصورات سبيلبرغ نفسها تركض وسط آلات من الجيل الخامس. زيادة إلى أن سيالات "بيك" قد غزت سوق الأقلام منذ عهد لم يعد يذكره أحد، وقد طردت أقلام القصب الخاصة بحفظة القرآن والريشة الصناعية الخاصة بتلاميذ المدرسة الاستعمارية. مهلا، لا تستعجلوا النتائج. سأمطركم بوابل من المفاجآت. بدءا، أقول لكم بأنني سوف لن أستعمل هذا ولا تلك. سوف لن أكتب قط. هذيان خرف. لا تتكلم ولا تكتب. كيف تحكي لنا حكاياتك العجيبة الغريبة، بلا لسان ولا قلم؟ لا تستعجلوا الطيّبات. الحل بسيط ولم يعد مكلفا في زماننا الأغبر هذا. الآلة يا جماعة الخير، الآلة هي الحل. نشطوا خيالكم وارموا الكسل اللاصق بظهوركم كقراد الخيل. نريد كلاما واضحا كحكايات جدّاتنا. ها أنت تفاجئنا بطلاسمك الدائرة على نفسها كالنعجة الراغبة في ذكر. ألا تعلم، وأنت النابغة النحرير، أن حرق المراحل غطس أكيد في وحل الفشل. كم أنتم مخطئون أعزائي؟ إن الذين يحققون النجاحات الباهرة هم بالتأكيد أولئك الحرّاقة الجريئين، المحتالين. تلقي نظرة، تجدهم وراءك بعيدا، تنشغل بأمر ما، تلقي نظرة ثانية، يذهلك المنظر، ها هم في المقدّمة، على وشك الدخول وقضاء مأربهم، فيما أنت باق تكنس الرصيف بمؤخرتك منذ صلاة الفجر.
من المفروض أن تكونوا على دراية بالداء الخبيث الذي ينخر أجسادكم وترابكم. وبالأخص مع العدد اللامتناهي من الصحن المغروسة في الشرفات وعلى السقوف. أنتم على علم بالتفاصيل الصغيرة التي تحدث عند السادة فرانسوا ووليام وبيلي، ولكنكم صم بكم ولا تبصرون شيئا مما يحدث أمام أعينكم، وعند عتبة قصور سلاطينكم، أصحاب الجلالة والفخامة، المحمّدون الأحمدون. تتحجّجون بأن قصورهم محاطة بأسوار تنافس أعتى السجون، تلفها أسلاك شائكة مكهربة، وحذار لمن تسوِّل له نفسه الاقتراب منها. حتما، سيلتحق بقائمة المفقودين الطويلة، التي تقول إشاعة مغرضة بأنهم يشتغلون خصيانا داخل إقامات الحريم. كفاكم ثرثرة. هل لا يزال الملوك يجمعون ما ملكت أيمانهم في قصور مشيّدة في زمن جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، بل والدفاع عن حقوق الإنسان. كيف لكائنات بشرية تُحشَر كالبهائم في اصطبلات وإن كانت من الذهب والفضة والماس، خصيصا لتلبية رغبة أمير أو سلطان؟ في زمن يعلي العالم صوته ضد تعدد الزوجات؟ هذا فيما ترويه الإشاعات الرائجة في المقاهي والجلسات الخاصة. تأكدوا أن لا دخان بلا نار. والدخان الذي يعفن مناخرنا آت، لا ريب في ذلك، من لهيب قُدّ خشبه من أجساد بشر.
ولكن ما لنا وهذه الإشاعات المغرضة، التي ستخيِّط صدورنا برصاصات غادرة إن اخترق صداها هذه الحلقة الضيقة.
لنعد إلى كباشنا. كنت أقول إذا بأنني سأستعمل آلة لتدوين قصصي. عقل إلكتروني، ماركة العبقري الفذ بيل غايت، يساعدني على إعطاء شكل جميل للقصص التي أرغب في رويها لكم، ثمّ إرسالها إلى كل ربوع المعمورة. وها أنا أرفع يدي، مفتوحة على اتساعها، أواجه بها عيون الرقابة والمصادرات السرية و... الحسّاد.
اصبروا عليّ قليلا من الوقت ولا تتعجلوا. إن العجلة من الشيطان.
حكايتي غاصة بالعجب العجاب. لا تندهشوا لخوارق الأحداث التي ستقرأون تفاصيلها وإن كانت قسوتها ترجف ذوي القلوب الهشّة. لمَ الغرابة؟ ألسنا قوم فرسان ومقاتلين ورافضين لكل نظام؟ لقد سجله المؤرخون أسود على أبيض في دفاترهم. وليسوا مخطئين، بالنظر إلى كل الحروب التي دارت رحاها في أقاليمنا، خلال القرون السالفة. كنا دوما محاربين أشاوس، نقاوم الغزاة، ثمّ وبعد الهزيمة، وما أكثرها، ننخرط مندفعين في جيوشهم لخوض حروب لم تكن تعنينا. وعند خروج آخر الغزاة، ها نحن نشعلها فتيلا لاهبا وسط الديار والأهل. من ينافسنا؟ من يقف ندا لنا؟ قريبا سنتحوّل إلى غزاة، سنحتل الصحراء الكبرى. مناخها وتضاريسها مناسبة لحرب طويلة الأمد.
أنا من عائلة محاربين. خاض أبي حربه ضد الغزاة وها هو أخي غير الشقيق يخوض حربه أيضا. قلت لكم بأن القتال يسري في عروقنا. ولا راحة لنا إلا ونحن وسط رنين السيوف ورائحة البارود والدم المخثر.
أصبروا... ألا يقولون إن الله مع الصابرين؟ سأحكي لكم هذه وتلك، حرب أبي وحرب أخي غير الشقيق. ولكن طمئنوا أنفسكم، فإن الحرب ليست عبارة عن رصاص وجثث وروائح عفنة فقط. بل كثيرا ما تتخللها أحداث وحكايات حول الحب والجنس والولائم، وحدهم الأبطال الفرسان يعرفون كيف يؤدونها إلى ذروتها. ربما بسبب رائحة الموت التي يجرونها خلفهم باستمرار؟ إن راحة الفارس ليست للموت بل للحياة. لا يحمل شخص السلاح ويصعد إلى الجبل من أجل الموت، بل من أجل رغد حياة الدنيا وملذاتها. ولكي يكون كلامي واضحا أكثر، أقول بأن الذي يرفع السلاح يكون منجذبا أكثر نحو صورة عودته منتصرا غانما، أكثر من تلك التي تصوره جثة هامدة وسط أحراش الوغى الموحشة. وعند الانتصار، يستولي الغالب على السلطة وما يتبعها من غنائم. تلك التي تمنح له وتلك التي يغنمها بنفسه بتنظيم غارات تدخل الحسد في قلوب قراصنة المتوسط. أتساءل إن كان أوليس سيستبسل في مواجهة كل الأخطار إن لم يكن يؤمن إيمانا قاطعا بيقين عودته، عاجلا أم آجلا، إلى حضن حبيبته بينيلوب، الزوجة الوفية وحارسة مملكته. صحيح أن العودة لم تكن ممكنة لو لا مساعدة الآلهة التي أشرت له بذلك عبر علامات واضحة. والحق يقال أن جميع المحاربين الأبطال يحثهم شعور عميق بالاصطفاء، بأنهم المختارون المفضلون للقيام بأمر جلل. تقود الملائكة خطاهم وتقربهم من ربّ السماوات والأرض. لذلك، فهم يغامرون ويخوضون المعارك الحامية الوطيس، دون خوف ولا تردد. فالنصر مضمون في الحالتين. جنة الحياة الدنيا أو جنة الخلد.
ولكن من أين أبدأ حكايتي؟
هل أقتفي أثر خالتي يامنة، تلك القاصة الكفيفة، بذاكرتها الخارقة ومعينها الذي لا ينضب. كانت الدنيا تتحوّل على لسانها إلى عالم عجيب جميل، حيث تنطق الحيوانات، وينتصر الضعفاء واليتامى على السلاطين الطواغيت الجبابرة، عوالم ساحرة بنهاياتها السعيدة دوما. كانت تملأ ليالينا الشتوية الباردة أحلاما دافئة. نتمدّد على جلود الغنم الصوفية، يصادفنا النعاس، فيحوِّلنا إلى أبطال نتحدى المستحيل. هكذا، تصبح السعادة تناقض المستحيل، وإن كانت الأدغال الفاصلة بينها وبيننا مليئة بالأشرار والعفاريت المتوحشة. أين نحن من دروس حكايات خالتي يامنة؟
هل أقتفي أثر هوميروس، شاعر اليونان العظيم، الذي أعطى صوته لربّة الفن والشعر كي تروي انتصارات أبطاله المفضلين؟ لتنشد حكايات آخيل الغاضب وهكتور الفارس المغوار ومصير الأبطال الذين سقطوا في ميدان الوغى وبقيت جثثهم طعمة سائغة للكلاب الضالة والكواسر الناهبة؛ لتنشِد سفر أوليس البحري العجيب، صاحب حيلة وذكاء، الذي تاه بين الجزر الغريبة والشطآن الموحشة، ولكنه عاد إلى أهله بعد غياب طويل كاد يمحيه من الذاكرة.
هل أقتفي أثر رواة ألف ليلة وليلة وأعطي صوتي لشهرزاد، صاحبة الصوت الساحر الذي أدى بالحكاية إلى مبتغاها، في حذق مذهل، قلّ مثيله عبر التاريخ. كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، ملك اسمه شهريار. دائما حكايات السلاطين والأميرات الفاتنات والفرسان الشجعان. أعرف سلفا بأن مثل هذا المفتتح مضلِّل بل ومنفر. ولا أحد سيسمعني إن تماديت فيه. أما أنا فأريد أن أحكي لكم حاضرنا والأصوات التي تعج بها مدننا وقرانا، تلك التي تصمّ آذانكم ولا يسعكم الوقت للتوقف عندها لحظة، تلك التي تنغص لياليكم وتؤرقكم وتغرقكم في بحر متلاطمة أمواجه، تلك التي تبعث في نفوسكم كوابيس وأضغاث أحلام ومخاوف تمسخكم إلى أرانب راكضة باحثة عن جحورها.
هل لاحظتم أن النساء في الغالب هن اللائي يحسنن الحكي: ربّة الفن، شهرزاد، خالتي يامنة؟ أنا بدوري سوف لن أبق في المؤخرة. ولكن بما أنني سيّد حكاياتي، ولا يمكن أن أنمحي كلية، سأفتح لهن النوافذ المضيئة كي يتمكّن من إسماع أصواتهن، والتعبير عن آلامهن وأمالهن. سنقتسم المهمة. أظن أنكم ستوافقونني. حتما ستوافقون. هل لديكم خيار غير الذي أقترحه عليكم؟
إذاً، فلتقلع سفينة الحكي.
لحظة المكاشفة
جاءت الرمضاء جدباء واستقرّت بعناد القردان، مبعثرة أسمالها عبر السهول والجبال. وبرغم جميع الصلوات الخاشعة والأدعية الراجفة، بقيت السماء صخرا لا يعرف السرّاء وإن مسته الصفراء المعتقة. في كل فجر، وقبل طلوع الشمس، يتأمل الناس الأفق الشاحب، آملين في رؤية ضبابة تائهة، آتية تبشر بقدوم الغيث. ولكن لا سحابة ولا حتى غيمة قطنية، شفافة، برزت لتشقق جدار اليأس المعتم، الأملس. تحدّث الشيوخ برهبة عن أيام عسيرة عجاف، ستزحف على الأقاليم زحف الجراد المرّاد، متمتمين بخشوع أن الله غاضب على عباده، وسيكون عقابه سعيرا لاهبا.
فجأة، زلزلت الأرض زلزالها وهرع الناس مرعوبين يتساءلون ما لها. وقعت الهزّة الأرضية عند الغروب وأغرقت المدينة في ليلة فظيعة. اهتزّت المنازل بعنف راجف وتقيّأت قاطنيها بفظاظة، حيث تفرّقوا شذر مذر، وتسرّبوا من جميع الثقوب الممكنة. انهارت عمارات شاهقة مثل قصور رملية. احتل الناس الشوارع والساحات العمومية، وعلى وجوههم هلع عظيم، وفي عيونهم رعب قد يفقدهم البصر، وهم يتساءلون في صمت وحيرة عن نوعية وثقل المصيبة التي عصفت بهم بغتة، وهل حقّا أن الله هو الذي أوحى لها بالزلزلة ولماذا؟ ماذا يريد من عباده الضعفاء؟ أيزيدهم بؤسا فوق ظلم ذويهم، أولئك الناهمين، الذين يتحكمون في رقابهم ويقطفون منها بلا حساب ورغم ذلك فلا يشبعون؟ انقطعت الكهرباء واختفى القمر. انتشرت الإشاعات حول هزّات ارتدادية لاحقة وزادت من حجم الرعب، وأغرقت المدينة في هول القيامة الحقيقي. وفي أثناء ذلك، مرقت جماعات الناهبين وتسلّلت داخل الديار المهجورة، وأغارت على أموال وكنوز ثمينة. غارات تنافس ما كانت جماعات الصعاليك تقوم به في الصحراء العربية. من تحت الأنقاض، جرِّدت الجثَث من الحلي والجواهر العالقة بالأجياد والمعاصم. تُقطَع الأصابع إن استعصت الخواتم عن الخروج، كما يمزَّق الرَّوم للاستيلاء على القرط وإن كان من الفضة أو النحاس الرخيص. لا شيء يفلت من جشع الكواسر. لقد فاتهم الركب عند الاستقلال. كانوا في منتصف الطريق بين المدينة وجبالهم الجرداء. حينما زحفوا على أطراف المدينة، وضربوا الخيم والأكواخ القصديرية، كان الأسياد الجدد قد ابتلعوا كل الخيرات، ونصّبوا الجلاوزة للحراسة وأقاموا الحواجز الأمنية لردع المستائين المحتجين. حينها، أقسم الرعاع أن ينتقموا شرّ انتقام. والانتقام يتغذى بطول السنين، يزيده الصبر تأجّجا وفورانا. كما النسور مع الجيفة، يشمّون روائح العفن على بعد أميال. منذ تلك الأيام، وهم بالمرصاد، تخندقوا في الحفر والقعور المحيطة بالمدينة، ينتظرون أن تحين الدقيقة المناسبة. ويبدو أنها قد حانت.
وبعد ذلك... أتى الغيث، مدرارا، عاصفا إلى حدّ الطوفان. ها قد استجاب الربّ للأدعية المتواصلة. وإن شكرتم ليزيدنكم، خيره عميم، يسع السموات والأرض ورحمته لا تحدّها حدود. ها أنتم تتأكدّون بأنفسكم، لتشهدوا يوم القيامة.
أيقظت الأمطار كل الأنهار الراكدة والأودية الجافة. كارثة أفظع من الزلزال، ذلك أن سنوات الجفاف الطويلة ساهمت في الهجرة الفوضوية نحو المدينة، وكذا إهمال أسياد البلاد شؤون رعيتهم وانشغالهم بكنز الذهب والفضة وبناء القصور ينافسون بها أغنياء المعمورة، فاتخذ النازحون مجاري الأودية ووهادها وشعابها لبناء المنازل والأكواخ. وفي الليلة الموالية للزلزال، جرفت مياه الغيث العميم كل ما صادفته في تدفقها المدوي. عند بزوغ الشمس، اكتشف بقابا الأحياء بقايا الجثث المنتفخة، ملقية على الطرقات، وعائمة على المياه، وسط الأنقاض والخراب. وكي يكون العقاب شديدا حقا، بل أشدّ من ذلك الذي سلّطه ربّهم في القرون الخوالي على قبائل ثمود وعاد إرم ذات العماد، وفرعون، الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وأنزله شهبا ونيازك حارقة على أقوام لوط وهاجوج وماجوج، أضاف أوبئة يفتخر أطباء العالم بأنهم قد قضوا عليها بشكل نهائي باكتشافاتهم العظيمة. ولكن المصيبة إذا عمّت وكثرت وخرّبت وعاثت في الأرض فسادا، خفّ وقعها على العباد.
ارتجفت الألسنة وهي ما فتئت تردّد في هلع: قربت الساعة... ما هذه إلا علامات القيامة... صعد المهدي على المنبر وخاطب الناس طويلا حول يوم الحشد وعذاب القبر واستظهار الدفاتر. يأيتها النفس الضالة، أرجعي إلى ربّك مرغمة، وقفي أمام باب السعير، وانتظري الحساب العسير. دكّت الأرض دكّا، ونزل الغيث مدرارا، وزحف الجراد زحفا كاسحا، وانتشرت الأوبئة انتشارا قاتلا، فما هذه إلا مؤشرات قيام الساعة، وبداية النهاية. القافلة على وشك الانطلاق والويل للمتأخرين والمتخاذلين.
في الأيام الموالية، سحرت العبادة عقول الناس. غاصت المساجد بالمصلين، جاؤوا من كل الأحياء والدشور والأزقة، مطأطئي الرؤوس، قلوبهم مرتجفة، يطلبون المغفرة، يطمحون إلى توبة نصوحة (لا تخدعكم المظاهر وسرعة الانفعال، التوبة مؤقتة، لاتقوى على المثابرة، ككل مرّة في سيرة هذه البقاع الملعونة)، يخففون بها ثقل الأوزار قبل اليوم المحتوم. غصّت قاعات الصلاة ولم يبق شبر شاغرا، فنشروا السجاد ومدّدوها على الأرصفة والطرقات والساحات المحيطة. الآباء يجرّون ذريَّتهم قصرا لأداء الصلوات الخمس بداخل المسجد، وأمروا زوجاتهم بفعل كذلك مع الفتيات. لأوّل مرّة في تاريخ المدينة تختلف النساء زرافات رجراجة إلى المسجد. سابقا، وحدها المسنات اللائي زرن البقاع المقدّسة لهن هذا الامتياز، وفي المناسبات الدينية فقط.
لقد تغيّرت الذهنيات، لفظ الناس الحياة جانبا لأنها امتنعت عن إرواء عطشهم، زهدوا في ملذاتها الغائبة، طامعين نيل ضعف ما فقدوا في مكان ووقت لاحقين، إن عاجلا أو آجلا. سرب من طير الحمام في الأفق وإن كان بعيد المنال أفضل من ديك هزيل لايغني ولا يسمن من جوع. إن صبرتم على الأشق قليلا، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا. ما عليكم إلا السماح لأنفسكم بالموت.
وبما أن الزهد قد مسّ عقول الناس مثل وباء جارف، فما على الجميع إلا الدخول في الصف وطأطأة الرؤوس والسير كالعميان وسط القطيع. لا أحد يقاوم إغراءات الجنّة حينما يوهمه الدراويش بأنها خلف الستار. سرت في الناس حركة عبادة مثلما تسري النار في الهشيم. غاصت المساجد بالمصلين، وفي كل الأوقات. ولا تخرج الأحاديث عن الموت وما يأتي بعده، وبالأخص تلك الحدائق الفواحة التي تغص بالخيرات ولا شيء يمنَع فيها. حور العين الجميلات، الكواعب، الأبكار، مستلقيات في ثنايا الحدائق العجيبة، في متناول الجميع، دون قيود ولا شروط. هاك يامسكين، خذ ثأرك من حياة الدنيا اللعينة التي حرمتك من كل شيء، البيضاء قبل السمراء، تكون مهفهفة غير مفاضة، جيدها كجيد الريم، الرافلة في الدر والمرجان والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورة في الثوب الشفاف، يزيد الغلمة شهوة. لا تعب ولا عمل. أو بالأحرى تصبح مهنة الرجال هناك فض الأبكار. طوبى لكم أيها الفائزون! وما مهنة الفائزات؟ إن أجرهن على الله.
والسُكْر... بالجرار الفائضة... عوم ياعطشان... أنهار متدفقة من الخمر والعرق والبيرة والويسكي. وأمام هذه الموائد الفاخرة، المزينة بالمنّ والسلوى، كيف لا تزهد في الخبز والبصل والبلوط؟ بل ستزهد حتى في التفاح والموز! ولمزيد من الضمانات، أضحى الناس يرافقون الموتى إلى المقابر بالحشود المكدّسة، في مواكب رهيبة، مهللين، طالبين ربّ السموات والأرض أن يعجل بقيام الساعة، أن يكثر من الزلازل والفيضانات والأوبئة كي يلتحق أكبر عدد ممكن منهم بتلك الجنّة الموعودة. نفذ الصبر، يريدونها في صباح الغد، وعند الفجر مباشرة. مصدر عليم ومن الثقات أشاع خبرا مفاده أن كل رحلة راجلة إلى المقبرة تساوي حور عين فاتنة. طوبى لكم أيها الرجال! تنافسوا، دخّروا، سجلوا العدد بالتدقيق. من زرع التوابيت حصد الكواعب! الله لا يحب المتكاسلين المهملين. المشي أضعف الإيمان والجري على من استطاع. لا يكلّف الله النفوس إلا وسعها. الخوف كل الخوف أن يكون عددهن محدودا، ولا يحصد المتأخرون إلا الريح. لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. إن الملائكة المحاسبات صاهرات على توزيع الأرباح بالقسط المطلوب. الكل يأخذ حسابه وبالدينار المثقوب حتى وإن امتلأت الأكياس وفاضت. القسط ياجماعة المؤمنين، القسط! إياكم والتفريط في القسط! الويل لكم إن لم تفعلوا.
نبتت اللحى كالفطريات، بلا زرع ولا سقي ولا أسمدة مداوية. هكذا يختَزل الدين في بضع شعيرات مغبرة. ولم يبق أمام الضأنيات إلا الهجرة إلى بلاد الأسكيمو. تغيّرت موضة اللباس، فأضحت الجلاليب العريضة والأقمصة الأفغانية والأحجبة الإيرانية الفضفاضة والجلابيب الشيعية السوداء المجرجرة وشواشي قبائل أسيا الصغرى هي سيّدة الألبسة. خلافا لما يقال، إن اللباس يصنع الإمام ويقرّب من الله. بل اكتسى القميص وسام الاستحقاق فاتخِذ لباسا رسميا للدخول إلى الجنّة. من سوّل له الشيطان رفضه ولو لأسباب جمالية بحتة، سيطرد عند باب الفردوس الموعود وإن كانت أكتافه منحنية من ثقل العبادات والحسنات والصدقات.
سبحان منزّل الأهوال ومغيّر الأحوال.
الأيام دوال. جدب، يليه غيث، يليه جدب، يليه... اسألوا الكهّان والدراويش، يقال بأنهم ضالعون في علم الغيب. أو بالأحرى، اسألوا المتصوفة وأهل الذكر، إنهم من المقربين إلى جلالته، يكون بلا شك قد أسرّ لهم بشذور من علمه العميم.
لحظة الانتظار
- وهذه الباخرة، متى ستأتي ؟
- آه، نعم! إنه على حقّ... سئمنا من الانتظار...
- الصبر يا إخوان. اللّي يحَب الزين يصبر لَعْذابو.
- آه على الزّين! زين الروميات المباح!
- لا تغيّروا الموضوع. كلِّمونا عن الباخرة التي ستبحر بنا نحو فرنسا أو كندا. حينما تصل الباخرة، تستقدم معها كل الأشياء الجميلة، أليس كذلك؟
- منذ شهور وأنت تحشو رؤوسنا بهذه الحكاية، ولكننا لم نرَ لا سفينة ولا حتى مركب صيد السردين.
كان رشيد حلموش واقفا، مسندا كتفه إلى الإطار الخشبي لباب الحانوت، يتابع المناقشة وعلامات الاستهزاء بادية على وجهه. تحت جلابيته الرمادية، يخفي جسدا نفخته السمنة. على محياه شيء من النعمة يتناقض مع اليبس واليأس والضمور المكشر عن أنيابه واللاصق بمتانة على الوجوه المحيطة به. من حين لآخر، يداعب لحيته الكثّة، المدهونة بالحناء.
من عمق البطحاء، المحاذية للوادي، ظهر حشد من الأطفال، بأعمار متفاوتة، يركضون في ضجيج من الصيحات والنداءات. يجرّ بعضهم عربات ونقّالات مصنوعة من تجميع متشابك للألواح الخشبية والصفائح الحديدية، مشدودة بأسلاك وحبال ومسامير، معبّأة بالدلاء وجيريكانات بلاستيكية، استُعمِلت في الأصل للزيت وماء جافيل. عبروا البطحاء بسرعة وانحدروا عبر المسالك الترابية المؤدية إلى المدينة. وخلف أقدامهم الرافسة، تصاعدت زوبعة من الغبار، لفتهم جزئيا.
على أمتار قليلة فقط من باب حانوت المواد الغذائية، وقف شاب هزيل أمام صينية حديدية مستطيلة الشكل، موضوعة فوق صندوق بلاستيكي مقلوب. تحتوي على علب السجائر والكاوْكاوْ والكبريت. قال عبد القادر كرّوش:
- ابْعَث لي واحد "نسيم" يرحم والديك!
- لم أعد أبع بالديْن...
- ومن قال لك بأنني أشتري ديْنا؟
أخرج الشاب كناشا من جيب سترته، قلّب بعض الصفحات وقال، دون أن يرفع رأسه:
- لي عندك ثلاث مائة دينارا. كل يوم تقول لي غدا سأدفع لك حقك. ولكنك لم تفعل.
- سأدفع، لا تقلق. سأدفع...
- قال لي والدي: اللِّي ايبِيعْ بالدين، عَمْرو ما يربح.
- اعطِ لي سيجارة واحدة أقاوم بها الصداع اللعين الذي يكاد يفجر صدغيّ، وسجلها عندك. ستأتي الباخرة، وسنسافر سويّا إلى فرنسا، نشتغل وأدفع لك دراهيمك بالفرنك أو ربّما بالدولار.
تردّد الشاب لحظة منشغلا بترتيب العلَب، ثم تناول سيجارة وأعطاها له قائلا:
- هذه من عندي... الدفيز... الدولار... أنا لا أشتري الحوت في البحر. أشتري بالدينار وأبيع بالدينار.
هناك في المنحدر الحجري، كان قدور بن موسى يمشي بخطى متثاقلة. فوق رأسه كَسْكيتْ سوداء لا تكاد تغطي شعره الكثيف المسترسل خلف قذاله. خطان بارزان يحفران وجهه النحيل، الأهلب. حينما اقترب من الحانوت، توقف مثل عادته، وحملق في الجمع المتحاشر، المتناثر هنا وهناك. هزّ رأسه، قطّب جبينه، حرّك شفتيه ولكنه لم ينبِس بِبِنت شفة. بقي واقفا، يسرح بنظرات تائهة.
- لا كلام، لا سلام... كأنك تحمل كل ذنوب البشر على كتفيك؟ قال رشيد بصوته الجهوري.
قابله قدور بنظرة باردة. غضّن وجهه ولكنه لم يجب. اقترب قليلا، بحث لنفسه عن مكان وسط الشبان وجلس، مادا رجليه على التراب.
- اعتصم بحبل الله، رحمته تسع السموات السبع.
- راك قلتها، رحمته تسع السموات السبع. ونحن نعيش في الأرض وسط الوحوش، ورحمة ربِّك لم تعد تصل إلى أحد من البشر، أجاب قدور بن موسى بامتعاض. أين هي رحمة ربِّك والمسلمون غارقون في أوحال الجهل والفقر والمرض؟
- هذا من خُزَعْبلات كتبك الكافرة، هي التي أعمت بصرك ولم تعد ترى رحمة الله التي تسع السموات والأرض، قال رشيد حلموش قبل أن يختفي خلف الكونطوار باحثا عن كيلوغرام من العدس، طلبته طفلة، هزيلة الجسم، بصوت لم يكد يسمعه الحاضرون، وفي انتظار خروجه، مكثت مسمرة عند العتبة، تشدّ في راحة يدها قطعا نقدية.
- لو كنت في مكانه، لانتحرت منذ الأزل، قال عبد القادر كرّوش بصوت أجش. البكالوريا زائد سنوات طويلة بالجامعة، وتنتهي به الدنيا اللعينة إلى ذرع الأرصفة المهترئة، بلا عمل ولا مستقبل! مثلنا تماما، نحن الذين لم نتجاوَز عتبة السَرْتفيكا. لمن نشكي بؤسنا؟ إلى الله؟ هل يسمعنا؟ أنا أشك في ذلك! الدنيا بنت الكلب، تعطي بالوجوه. والله أيضا يرزق من يشاء، ومتى يشاء. هذه البلاد ملعونة إلى يوم الدين... الجفاف، الزلازل، الفياضانات. لم يبقَ لنا فيها أمل يُرجى... الهرْبة تسلَّك...
- الفتيان النابهون الذين يعرفون جيدا مصالحهم يذهبون إلى الجامعة لدراسة الطب والقانون والهندسة، قال رشيد وهو يطل من خلف رفّ، أما قدّور الساذج فلم تُغْرِه إلا الفلسفة. من تفلسف تزندق. قالها السلف الصالح. الله والروح وأصل الكون ومصير بني آدم، من المسائل التي لا يجوز للمؤمن الخوض فيها. الحلاّج فقد عقله وراح يهذي في شوارع بغداد، عندما غامر ونبش في الذات الإلهية وصفاتها وعلاقتها بالإنسان. نصحته بالتجنّد في الجيش أو الدرك. بشهادته الجامعية، تعلّق له نجمتان يوم دخوله إلى الثكنة. كلّكم يعرف بأن أخي بوعلام لم يتحصل حتى على شهادة البكالوريا، وها هو اليوم ينتظر نجمته الثالثة.
- قال بأنه يكره البذلة العسكرية وحياة الثكنة. يريد أن يهاجر إلى أوروبا.
- إذن سيذهب معنا حينما تأتي الباخرة، قال شاب غليظ الأنف، بحاجبين بارزين ومشعّثين.
- ومن قال لك بأن الباخرة ستأخذك معها؟ ماذا سيفعلون بك هناك، قل؟ أنت لا تصلح لشيء، لا تحسن حتى تلميع الحذاء...
نظرات عديدة التفتت يمينا وشمالا باحثة عن صاحب الإجابة المتغطرسة. لم يكن الصوت مألوفا. في آخر الزاوية، جلس شاب ضامر، ببشرة داكنة أقرب إلى بشرة الزنوج، تحت ظل جدار الحانوت، وأمامه عتاد الإسكافي ( أحذية قديمة مشققة، قطع من الجلد الأسود، مطرقة، مقص صدئ، سندان رقيق وكمية من المسامير المتنوِّعة). تعرَّف الجميع على محمود علّوش. متى امتهن هذه الوظيفة؟ ومنذ متى استقرّ هنا؟ غاب شهورا، قيل بأنه عثر على عمل في وهران. ولكن يبدو أنه لم يجنِ شيئا من سفره.
- ما دخلك أنت، هل ستحملني فوق كتفيك؟ قال صاحب الحاجبين البارزين والمشعثين. وأنت؟ لم تجد إلا ترقيع الأحذية وتعتبر هذه شطارة. ثلاث مرّات وأنت تعيد امتحان البكالوريا وتفشل.
- الله يرحم ذاك الفم، قال صوت ضمن المتحاشرين.
رد محمود علّوش قائلا:
- أنا وصلت إلى غاية البكالوريا، أما أنت فلم تضع قدميك في الثانوية. ثمّ... إن البكالوريا لم يعد يصلح لشيء. الشهادات لم تعد تعيل أصحابها. أنظر، قدّور أمامك، أربع سنوات في الجامعة من أجل لَيْمونة معصورة. لماذا تريدني أن أتعب نفسي. اللي ما ينفع ادفع. وفي انتظار الباخرة، أشغل نفسي مثلما اتفق...
- وماذا ستفعل هناك، أنت القزم النحيف؟ أنا قوي الجسم، سأقوم بأي عمل يعرض عليّ، الزراعة، البناء، المناجم، حفر الأنفاق...
- الله يرحم ذاك الفمّ، أضاف نفس الصوت السابق. هناك، لا وجود لمهنة الإسكافي. الأحذية متوفرة وبأثمان رخيصة، بمجرد أن تُبلى قليلا، تُرمى في المزبلة، وتُستبدَل بأخرى جديدة...
همهَم الإسكافي المتربّص كلمات بين شفتيه ولكنه لم يجب.
أخذت الطفلة الشاحبة الكيس الذي مده إياه رشيد حلموش، أفرغت في يده الممدودة القطع النقدية العرقانة وابتعدت راكضة. تقدّم رجل مسن من الحانوت، يرتدي بذلة صينية، ناحلة اللون، وقال:
- جَبْتُو القهوة؟
نظر إليه رشيد حلموش وعلى وجهه ابسامة تأسف، ثمّ رفع كتفيه ويديه قليلا، علامة النفي.
- والزيت؟ أضاف الرجل، خافضا صوته كأنه يعرف سلفا الجواب السلبي.
- والو... لا قهوة، لا زيت ولا صابون. انتظرنا صبيحة كاملة. قبل منتصف النهار بقليل، جاء المدير وقال: السلعة ما وصلتش، أرجعوا نهار آخر. متى؟ واحد ما يعرف... مدير الصوجيديا وما أدراك، ينتظر مثله مثل التجار...
- البابور ماجاش، كيف تيجي السلعة؟
- يا أحمق، باخرة السلع غير باخرة المسافرين.
- أنا عندي كيف-كيف، البابور اللّي يَدِّي السلعة يَدِّي العباد.
عاد العامل، صاحب البذلة الصينية، أدراجه، متمتما شتائم غاضبة ضد البلاد وحكامها. بصق بضوضاء على التراب الحجري، مسح فمه بظاهر يده، واتجه نحو مشجرة الصبّار والوزال الشوكي. قبل أن يختفي، التقى بامرأة ملحفة بحايك فقد بياضه. بسرعة فائقة، عبرت البطحاء، خافضة العينين، في مشية مرتبكة، كادت تسقطها أرضا. في ثوانٍ معدودة اختفت عن الأنظار.
قال عبد القادر كرّوش:
- هل وصلكم الخبر الجديد؟
قال رشيد حلموش:
- في الزمن الأغبر هذا، لم تعد تصلنا إلا الأخبار السيئة. لهذا، شخصيا أفضل عدم سماع أي خبر.
- سيّء بالنسبة لنا، ومُفرِح لبعض الناس!
قال الإسكافي بصوته الأبح:
- لماذا تنقله لنا إذا؟
قال صاحب الأنف الغليظ والحاجبين البارزين:
- لا تستمع إليهم، عبد القادر...أحكِ لنا خبرك السيّء، أنا أموت في الحكايات، سواء كانت جيّدة أو سيّئة، عندي كيف-كيف. في كل الأحوال، فهي حكايات الغير، ولا تخصّني. لذلك، أحب الحكايات.
- يقال بأن هواري بومدين قد مات...
- ومن أين لك بمثل هذا الخبر؟
- التقيت بصديق يشتغل في الحزب، وقال بأنه مصاب بسرطان في الرأس، أخذوه إلى روسيا، وقد مات هناك في المستشفى. وستعلن الحكومة عن خبر وفاته بعد استِعادة جثته إلى البلاد.
- هذا كذب وبهتان! كيف يموت الرجل وهو لم يتجاوز الخمسين من عمره ولا يزال في صحة جيدة؟
قال رشيد حلموش بانفعال ظاهر:
- وهل الموت قاصر على الشيوخ فقط؟ أم حسبتموه نبيا سيعمّر قرنا. في الحقيقة، تخلّصنا من بذرة الشيوعية التي أغرقت البلاد في الفقر والعوز. بإذن الله تعالى، ستنبت بذرة الإسلام مع الخميني نصره الله وأعلى شأنه.
- وما دخل الخميني في بلادنا؟ سأل عبد القادر كرّوش.
- بلادنا قطعة من أرض الإسلام، إذا انتصر الإسلام وتمكّن في أي بقعة منها، ستصلنا خيراته لا محالة، قال رشيد حلموش. مات عبد الناصر الشيوعي الذي قتل الشهيد سيد قطب، وها هو رفيقه الوفي يلتحق به في قاع جهنم. ومعهما، سينتهي عصر الشيوعية. إن خبرك فأل خير. سينتصر الخميني ويقيم دولة إسلامية. حينذاك، ستروْن الخير والعدل بأمّ أعينكم.
- من الناحية النظرية، الإسلام مغرٍ تماما مثل الشيوعية قبل أن تدخل حيّز التطبيق، قال قدّور بن موسى مستيقظا من غفوته. حلول جاهزة لكل اهتمامات البشر الدنيوية والسماوية. حلول ستقضي على كل المشاكل الموجودة، وسنعيش في الجنة. هكذا قال لنين. اتضح بأن الجنة الموعودة أضحت جحيما وسجنا رهيبا لم تتخلص منه البشرية بعد. سيلقى العالم الإسلامي نفس المصير بعد سنوات قليلة فقط. لا جنّة بلا حرية. الحيوان أيضا يأكل ويشرب. أوّل شيء سيقوم به الحاكم الإسلامي هو إصدار قوانين المنع والردع. وأوّل ردّ فعل طبيعي هو اختراق هذه الممنوعات. يستعين الحاكم بالهراوة لفرض احترام القانون. هكذا نعود إلى دوّامة القمع. وبما أن العنف لا يوّلد إلا العنف، فسنغرق حتما في حروب دموية لانهائية. أنا أقول بأن الإنسان يحتاج أوّلا إلى الحرية، هي التي تحفظ كرامته وتصونه من الذل والمهانة، وبدونها لا حديث عن حضارة ولا عن مجتمع تسوده العدالة والرفاهية المادية. الإنسان ليس حيوانا، يحتاج إلى العلف والعصا فوق رأسه.
- عدت إلى أفكارك الشيطانية، قال رشيد حلموش بغضب دفين. حينما نقيم الدولة الإسلامية، سنربطك إلى جذع هذه النخلة ونجلدك حتى تتقيأ هذه الخزعبلات.
- إنكم لا تعرفون إلا الرجم والجلد وقطع الأيدي. قل لي من فضلك، أنت العارف بدين ربّك جيدا، هذه القوانين التي تتحدّث عنها موجودة منذ أربعة عشر قرنا، أليس كذلك؟ ولماذا لم يطبقها المسلمون، وبقوا دائما في ذيل التطور والعدل؟
- الحق مع قدور، قال الإسكافي المتربص، مادا عنقه كي يرى جيدا شبح الحانوتي الواقف في العتبة.
- أنت تسكت وإلاّ طردتك من هنا، قال رشيد حلموش غاضبا، متقدما بعض الأمتار كي يُسمِع تهديده. واصل ملازمة قدور وستنتهي مثله. وسنجدكما معا في مستشفى جوانفيل. نصيحة لوجه الله: اهتم بعملك واغلق فمك، أفضل لك ولنا جميعا.
وقف قدور بن موسى بتثاقل، أدار وجهه نحو رشيد وقال بصوت يائس:
- أعرف بأنني أضيّع وقتي معكم. في الخراء أنتم، وفي الخراء باقون إلى يوم الدين. الحضارة ليست من شيَمكم. لا تعرفون البناء، كل ما تعرفون القيام به، المنع والقمع. لا غير.
ثمّ ابتعد، جارا قدميه في التراب واختفى خلف تين الصبار.
بعيدا في الأفق، تستعد الشمس للغوص في البحر. ظلال تغطي مناطق عدة في ضفتي الوادي، معلنة عن قدوم الغسق. طفقت بعض الكلاب تنبح بانفعال ظاهر. خرجت مجموعة أطفال من مسلك جانبي بالحي، وقطعت البطحاء راكضة، زافرة، صائحة. تحمل بأيديها دلاء وجِريكانات فارغة، بيضاء وصفراء اللون. هناك في الأسفل، سيارة تشق الطريق الرجّاج وسط الغبار. عند رؤيتها، تخلص رشيد حلموش بسرعة من زبون وأسدل الستار ثمّ أحكمه بقفل حديدي. توقفت السيارة. نزل المهدي، فيما مكث سليمان خلف المقود. قال المهدي متقدما نحو الجمع:
- وباخرتكم، هل وصلت؟
أجابت أصوات كثيرة في آن واحد:
- ليس بعد يا المهدي...
- عوض تضييع الوقت في انتظار سراب لن يتحقق أبدا، أنا أقترح عليكم عملا صالحا.
قال رشيد وهو يسوّي جلابيته:
- هذا ما أحاول أن أقنعهم به منذ شهور، ولكنهم صمّ بكم لا يعقلون.
قال صوت:
- أنا معك يالمهدي. مللت من الانتظار.
- إذا، موعدي معكم يوم الجمعة صباحا بعد الصلاة مباشرة، سنقوم بتوسيع الطريق المؤدي إلى المقبرة وتحضير مكان لأداء صلاة الجنازة. لكم أجر عظيم عند الله، إنه الطريق الوحيد الذي سنسلكه جميعا، طريق يؤدينا إلى الجنة إن شاء الله.
- سوف نكون عند الموعد إن شاء الله.
ثمّ مباشرة، التحق المهدي ورشيد بالسيارة التي انحدرت متجهة نحو المدينة. بعد مسافة قصيرة، توقفت كلية لتفسح المجال لأطفال الحي الصاعدين، مثقلين بالدلاء المبللة، يتقدمون ببطء الحشائش الدودية، يلهثون بصمت. ظلمة الليل زاحفة من كل الجوانب. الكبار يسرعون الخطى، متخوفين من توبيخ الأمهات اللائي ينتظرن السائل النادر والثمين على أحرّ من جمر.