الفصل الثالث

6 0 00

الفصل الثالث

حياتي في غزة

غزة ، أول مدينة عربية فلسطينية أزورها خارج ظل الاحتلال.

لاحظت خلال مدة قصيرة أن دخل الفرد فيها أقل بكثير مما هو في إسرائيل ، وأنها مختلفة نسبيا في كافة المجالات الحيوية ، ولا سيما مجال الري والزراعة، حيث لاحظت أن هذا المجال ما زال تقليديا في حين أن تقدمه هناك من أكثر ما يشد الانتباه.

ومرد ذلك إلى أن إسرائيل تتابع تطور التقنيات الزراعية في العالم وتنقل ما تراه مناسبا ، ولا شك أن المسؤولين في الدول العربية كانوا يتابعون التطورات كغيرهم ، لكنهم لم يستفيدوا منها بالدرجة نفسها لأن مواقع المسؤولية – كما عرفت لاحقا – تخضع لاعتبارات غير موضوعية ، بينما لا تخضع إسرائيل إلا للكفاءة والمثابرة .

ثمة حقائق عدة صدمتني ، غير أن أكثرها مرارة يتعلق بنظرة بعض المصريين والعرب عموما إلى الفلسطينيين ، وخاصة من بقي منهم في فلسطين المحتلة ؛فقد لمست أن أصابع الاتهام بالعمالة تشير إليهم ، كما لمست أن عموم الفلسطينيين ليسوا في موضع ارتياح في العديد من الساحات والحالات ، بل هناك من يضعهم ضمن دائرة الشبهة .

ومع أن ما مورس عليّ من اضطهاد وتمييز من طرف اليهود، جعلني مناهضا للعنصرية منذ الصغر، فإن النظرة المصرية والعربية للفلسطينيين أزعجتني ، بل صدمتني كثيرا علما بأن معظم الشعب العربي الفلسطيني ، وخصوصا داخل الأرض المحتلة ، يحب الرئيس عبد الناصر حبا مطلقا .

ظلت المخابرات المصرية – لفترة غير قصيرة – تنظر إلينا على أننا جواسيس جئنا مدفوعين من طرف اليهود ! كانت عيونهم تلاحقنا في كل مكان، وكانت نظراتهم تتجاوز الشك إلى ما يشبه الاتهام ، مما جعل فرحتنا بالهروب تتبخر سريعا؛

فقد كنا نتصور أن إخواننا العرب سيستقبلوننا استقبال الأبطال لأننا خرقنا أسطورة الأمن الإسرائيلي ، كما وصفنا في وقت لاحق مدير المخابرات المصرية .

وكما ذكرت آنفا ، فإنني أدرك الآن وأتفهم جيدا موقف المخابرات المصرية في أول الأمر، لكنني في الوقت نفسه أعتقد أنهم بالغوا كثيرا في شكهم وارتيابهم .

لقد كنت أعيش بقدر من السعادة ؛فأنا بطل في الملاكمة ، كما أنني مدرب مشهور في السباحة ، ومرشد معروف للشباب اليساري .

لم يكن يمر شهر دون أن تذكرني وسائل الإعلام ، ناقلة بعض أخباري، وها أنا الآن أجد معاملة غير لائقة من طرف الضباط المصريين .

لقد عانيت ما عانيت من عنصرية الصهاينة ، لكن ما عانيته من طرف إخواني العرب هو أشد وطأة بكثير؛ فظلم ذوي القربى أشد مضاضة كما قال الشاعر العربي.

فرض علينا الوضع الجديد أن نخوض في السياسة باستمرار، ولم أكن تحت الاحتلال أقرأ من الجريدة إلا الصفحة الرياضية بعد المرور السريع على العناوين البارزة .

كانت قضيتي بسيطة نسبيا عندما كنت في بلدي وقريبا من أهلي ، والآن لم يعد في إمكاني أن أرى الأهل والوطن إلا عندما ينتصر العرب على إسرائيل .

فرضت الظروف علينا أن نعمل مع المخابرات المصرية ..كنا مكرم وأنا نترجم نشرات الأخبار ، والصحف ، والمكالمات اللاسلكية.

كنا كالغرباء بين الموظفين المصريين ، وكان أهل غزة لا يرتاحون إلينا لكوننا نعمل مع المخابرات ، وهكذا لم نكن نتعامل أو نتحادث إلا مع الذين هربوا مثلنا وكانوا متزوجين وتمكنوا من التكيف مع الوضع الجديد .

وحين كنا نلتقي نتذمر من الواقع المؤلم الذي نعيشه وما يطفو على سطحه من مظاهر ومشاكل حياتية .

إن أغلب شباب القطاع ذكورا وإناثا متعلمون وهذه ميزة هامة يفتقر إليها الشباب العربي في الأرض المحتلة ، حيث لم يكن مجموع المدارس الثانوية العربية هناك يزيد على أربع ثانويات ، وأما الذين تمكنوا من الدراسة الجامعية فلم يزد عددهم حتى عام 1964 عن 75 طالبا .

هذان الرقمان يدلان بوضوح على سياسة التجهيل التي مارسها الاحتلال تجاه العرب رغم تعطشهم للعلم ورغبتهم فيه ، ولا أدل على ذلك من أن أهالي عارة وعرعرة – على سبيل المثال – قاموا ببناء مدرسة كبيرة بين القريتين المتجاورتين، لتمكين أبنائهم وبناتهم من مواصلة الدراسة حتى الصف الثامن.

وعلى الرغم من اتصاف الأهالي بالمحافظة الشديدة ، فقد سمحوا بأن يكون التعليم في هذه المدرسة مختلطا، أي يجمع الذكور والإناث ، وقد تم هذا من قبل المحتلين .

ومما يزيد سياسة التجهيل وضوحا ، أن الجرائد العربية – على قلتها آنذاك – كانت ضعيفة المستوى شكلا ومضمونا ، وكانت هذه الجرائد تحت إشراف دولة الاحتلال ، وتحديدا جهاز المخابرات .

أما أهداف هذه السياسة ، فتتجلى على الخصوص في تأهيل الشباب اليهودي للمناصب القيادية ، وتحويل الشباب العربي إلى مجرد أيد عاملة .

وتحقق ذلك بعد مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية العربية بحجج واهية ، كالضرورة الأمنية !

كانت أراضي عارة وعرعرة نحو 45 ألف دونم ، وصارت بعد المصادرات 15 ألف دونم ، فقط بما في ذلك المساحة السكانية !

والنتيجة المباشرة لهذه السياسة ، تحويل الفلاحين العرب إلى عمال، يهجرون بقايا أرضهم ، ويعملون لدى اليهود لأن ما يتقاضونه كأجور شهرية أكثر بكثير من العائدات المحتملة من زراعة أرضهم ؟

هذا مجرد مثل أو صورة مصغرة لما حدث ويحدث في قرى فلسطين تحت الاحتلال ،حيث تصادر الأراضي الزراعية بأمر من الحاكم العسكري ، وتحاط بأسلاك شائكة ، وتزرع بالألغام لمنع أصحابها من

الدخول إليها ، وكثيرا ما انفجرت الألغام وقتلت أصحاب الأرض الذين كانوا يغامرون ويتسللون إلى أراضيهم التي حولها الحاكم العسكري بجرة قلم إلى ( مناطق عسكرية محظورة).

مجمل هذه الظروف دفع الشباب العربي إلى القبول بأي عمل يعرض عليهم في المدن ، خصوصا وأن القانون الإسرائيلي يشترط في الراغبين في العمل أن يكونوا أعضاء في ( الهستدروت) أي نقابات العمال ، وعضوية هذه النقابات تشترط أن يكون المنتسب إليها يهوديا هذا يعني بوضوح أن العرب ممنوعون من العمل بموجب القانون ، وأن ما حصل ويحصل عليه العرب من فرص العمل في أشغال معينة، تمثل حالة استثنائية خارج القاعدة .

إن الحاجة للعمال العرب جعلت السلطات الإسرائيلية تصرف النظر جزئيا ، أو بصفة مؤقتة عن مخالفة القانون ، حيث صار العرب يعملون بموجب تصاريح مؤقتة، لا في إطار قانوني !

هكذا كان حال الفلسطينيين تحت الاحتلال،وعندما احتلت (إسرائيل) الضفة والقطاع عام ، تقابل فلسطينيوا العمق مع أهالي الضفة والقطاع ، وأثّر ذلك إيجابيا على أهالي العمق حيث اتجهوا إلى العلم .

أما أنا فقد كنت أعشق العلم ، وعندما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف غزة خلال حرب الأيام الستة ، كنت في قاعة الامتحان ، وفي اليوم التالي طالني القصف بجروح ، فذهبت إلى مصر للعلاج .

وهناك قررت أن أتابع دراستي لدخول الجامعة ، وكان ذلك يقتضيني الحصول على الثانوية العامة أولا ، فالتحقت بثانوية السعديات في القاهرة .

وحين ذهبت إلى لبنان التحقت بجامعة بيروت العربية وهي أول مؤسسة علمية تشرف عليها منظمة التحرير .

كنت أرغب في دراسة الحقوق أو علم النفس ؛ لأن مطالعتي الخاصة هيأتني للسير في هذا الاتجاه ، لكنني سجلت في كلية الهندسة المدنية ، وأعترف علانية بأننا كنا نحصل على الإجابة قبل أن نفرغ من قراءة الأسئلة ! وكأن المراقبين كانوا مأمورين بتنجيحنا ، أو أنهم كانوا يعتبرون خيانة الضمير المهني عملا وطنيا ! ولعل بعضهم كان يخاف من معارضة الفدائيين .

وعندما شاع وذاع ما كان يجري في تلك الجامعة ، حجبت عنها الثقة من طرف الدول العربية التي لم تعد تعترف بشهادات جامعة بيروت العربية ، الأمر الذي أفقد منظمة التحرير مكسبا هاما ، ضاع كما ضاعت مكاسب أخرى عديدة بفعل التصرفات الخاطئة !

أثناء الفترة التي قضياها في غزة ، وتحت شعور حاد بالوحدة ، حيث لا أهل ولا أصدقاء ، كنت أتساءل : هل يمكن أن أعود إلى أهلي وقريتي؟ أدركت أن ذلك لا يتحقق إلا إذا انتصر العرب على على إسرائيل .

كنت أحب الزعيم عبد الناصر وأثق فيه ، على الرغم من مواقف فصائل المقاومة ومنها فتح !

* * *

ذات يوم كنت جالسا في مقهى أمام السرايا ، وفجأة تقدم إلي بعض الشبان طالبين مني أن أترجم لهم بعض السطور من العبرية إلى العربية، فذهبت معهم إلى بيت أحدهم ، وهناك عرفت أنهم ينتمون إلى حركة فتح التي كانت آنذاك موضع تساؤلات وملاحقات من طرف المخابرات المصرية .

ترجمت السطور التي قدموها إلي ثم سألتهم هل تعرفون أين أعمل؟!

فأجابوا : نعم أنت تعمل مع المخابرات ؟ فقلت تعرفون ذلك وتكشفون لي هويتكم السياسية ؟! فقالوا : فعلنا ذلك لأننا تعرفك جيدا؟ تأثرت بفكرتكم الحسنة عني ، لكن طريقتكم لم تعجبني؛لأنني كنت أرى أن طبيعة العمل الوطني الفلسطيني في ظل الأوضاع المتردية ، والعلاقات المتنافرة ، تتطلب درجة عالية من السرية والحذر ؟ إلا أن الشباب لم يلبثوا أن عرضوا علي الانضمام إلى فتح .

وعلى الرغم مما عانيته فقد كان الذي يعارض عبد الناصر يعتبر في نظري خائنا حتى ولو كان فلسطينيا ، لكن صدمة حزيران فرضت علي قناعات مختلفة ، منها ضرورة أن يتحرر الفلسطينيون من الروح الاتكالية ، وأن يكونوا سباقين إلى الكفاح والتضحية .

لذلك رفضت توقيع العقد الذي عرضته المخابرات المصرية علي وعلى ابن عمي مكرم بعد أن تغيرت نظرة التحفظ ، وصرنا موضع ثقة الضباط المثريين .

كانت صيغة العقد تنص على الالتزام بالعمل لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد ، وقبل أن يتم مدير مكتب المخابرات عرضه ، قلت له : أنا لا أصلح للعمل معكم ؛لأنني لا أحب هذه المهنة ، فقال بلهجة صارمة :

لا بد لكما من قبول العمل معنا وفق شروط العقد ؟ فأجبته :

إنني لم أتعود على حمل المسؤولية ، ولو خيرتني بيت العمل كسائق وحجار يكسر الحجارة ، لاخترت العمل الثاني ،لأنني في حالة الخطأ،أتضرر وحدي ، فأكسر رجلي أو يدي ، لكن في الحالة الثانية ، أي في حالة حمل المسؤولية ولو كسائق فإن ما ينتج عن الخطأ قد يعود بالضرر على غيري .

لم أكن أكذب في ما قلت تهربا من ذلك العقد ، بل كنت أعبر عن نفسي بصدق، ومع أنني أدركت في وقت لاحق ضرورة عمل المخابرات وأهميته في العمل الوطني ، فإنني ظللت على قناعتي بأن طبيعة هذا العمل تقتضي استعدادات نفسية ، وملكات معينة ، وبالتالي فإن من غير المنطقي أن يعرض العمل في هذا الجهاز على غير المهيئين أو المؤهلين فطريا له .

* * *