1
هوذا الموعد يأزف لتلك الرقصة الجماعية..
وها هم يتقدمون بلهف حار- على عادتهم في نهاية موسم الحصاد باتجاه "ساحة المهابيل".
ها هم يتقدمون ونفوسهم وأجسادهم ترنو إلى الغناء والرقص. كل شيء سيكون جاهزاً بعد أن يبدأ "طه الأعمى" بقرع طبله.. إشارات استعداد.
في ذلك المساء، الذي من المتوقع أن يكون كبقية الأماسي وبعد أن تختفي الشمس وراء الجبل، تشتبك الأيدي ويتعانق الفرح وتعلو الأصوات بغناء المنخورة الذي يملأ النفوس بالأمل القادم حيث يودّعون موسماً وفيراً ليستقبلوا موسماً وفيراً آخر.
.. لكن ذلك المساء، لم يكن كبقية الأماسي.
إنه منعطف في تاريخ المنخورة!
...
والمنخورة مجرد قرية، تنوس بين فعلين ماضيين ناقصين هما:
/كانت/ و/صارت/:
(كانت وصارت).. والسؤال الذي يجلس متربعاً بطمأنينة في تلافيف الدماغ هو: هل نبدأ من (كان) أم نبدأ من (صار)؟.. وربما من قبيل الاستطراد أن نتساءل:
-هل نبدأ من طواحين إسماعيل المدهون؟
-هل نبدأ من محل الحدادة الذي يملكه صالح الوالبي؟
-هل نبدأ بجغرافية المنخورة أم بتاريخها أم نبدأ من منيرة؟
إن ذلك يبدو متعباً..
*
المنخورة... مجرد قرية لكنها تتميز بتاريخها أكثر من موقعها الجغرافي؛ إنها تطلُّ من ناحية الشرق على الصحراء ومن الشمال تحاصرها سلسلة جبال ليست شاهقة الارتفاع، أما من الجنوب فهي تستريح بعيونها حيث البساتين، بما فيها من عنب وتين وزيتون وتلك المساحة الشاسعة حيث سنابل القمح والشعير في كل عام.
وإذا ما حاول المرء أن يتأملها من الداخل، فإنه يقف مدهوشاً لواديها، الذي يقسمها إلى قسمين: شرقية وغربية.
ذلك الوادي، لا تكاد تخلو المياه منه في فصل الشتاء، أو بكلمات أكثر دقة، هو دائم الفيضان بما تجلبه إليه الجبال من الجهة الشمالية، فقد يرتفع منسوبه إلى أكثر من أربعة أمتار أحياناً، وتحفُّ به من الجانبين أشجار الكينا والحور والصنوبر، وإذا ما تلاشت مياه الأمطار في فصل الصيف، فإن نهر القرية الذي تتدفق مياهه غزيرة، هو روح المنخورة الذي يسقي بساتينها وأراضيها، كما أنه روح الطواحين التي أقيمت عليه ليطحن الفلاحون قمحهم وشعيرهم.
إنها ثلاث طواحين، يفصل بينها محل للحدادة.
وعلى الرغم من امتداد المنخورة واتساعها، فإن المرء لا يجد كبير عناء ليعرف أن تلك الطواحين يملكها إسماعيل المدهون، وأن محل الحدادة يملكه صالح الوالبي.
.. إسماعيل المدهون الذي مات ميتة غريبة في الخمسين من عمره، كان يبدو أصغر من عمره، فهو ضخم الجثة عريض الكتفين، كرشه ممتلئة، عيناه صغيرتان سوداوان، فمه متسع، يحاول تغطيته بشاربين كثيفين، أبيض البشرة، متورّد الخدين، كان يبدو فخوراً بداره التي بناها من الحجر الأبيض مكان بيوت المنخورة الطينية، لكنه يزهو- إلى درجة الخيلاء- بالحديقة الفسيحة التي امتدت في باحة الدار، فهناك إضافة إلى عرائش العنب، أشجار البرتقال والليمون والزيتون.. والورود.
لم يستطع إسماعيل المدهون بدايةً، إلا أن يشتري طاحونة واحدة، لكن أرباحها مكنّته من شراء الطاحونتين الأخريين ومع هذا كان يبدو متضايقاً من محل صالح الوالبي الذي كان حاجزاً بين طواحينه.. ولهذا، فإنه ظل يتساءل: كيف يمكنه شراء ذلك المحل لتحويله إلى طاحونة أخرى. إنه على استعداد أن يدفع ما يطلبه صالح الوالبي، لكن السؤال الذي كان يقلق إسماعيل المدهون هو: كيف يمكنه أن يتغلب على موقف الرفض الذي يقابله به صالح الوالبي كلما لمّح لـه بالبيع فهو رجل عنيد لا يزحزحه رنين الليرات الذهبية ولا لمعانها؟
*
لم يكن إسماعيل المدهون يخجل من أنه عمل في خدمة كلاب السيدة غاملان (زوجة الكولونيل الفرنسي غاملان) حيث استطاع أن يأكل أفضل من الآخرين وأن يجمع مالاً أكثر؛ حتى أنه عندما رآها في موقف مبتذل مع كلبها فقد حصل على ليرتين ذهبيتين دفعة واحدة ثمناً لسكوته، كما استطاع أن يحتكر الكاز الذي عزَّ عليه الطلب وصار يقرر الثمن الذي يريد!!
.. بعد ذلك استعان إسماعيل المدهون ببعض الجنود من المرتزقة (الذين كانوا يعملون في خدمة الجيش الفرنسي) ليضغط على صالح الوالبي، الذي لم ينفع معه أسلوب الترغيب. فاضطر صالح الوالبي، تحت تهديد السلاح أن يبيع محله.
لم يطلب صالح الوالبي شيئاً من إسماعيل المدهون، لكنه قال، وهو يضغط على فكّيه:
-يا إسماعيل!.. لن تشبع. أقسم بالله لن يشبعك إلا التراب. سأبيعك ولكن لا بدَّ من رجال يقرّرون الثمن!
في مساءٍ ما، باع صالح الوالبي محله، ليجد محلاً آخر في طرف القرية، وتابع مهنته في شحذ محاريث الحراثة الحديدية والسكاكين وغيرها.
في مساءٍ ما، باع صالح الوالبي محله وفي اليوم الثاني، دعا إسماعيل المدهون جيرانه وبعض معارفه إلى الغداء احتفالاً بشراء المحل الجديد الذي سيحوله قريباً إلى مطحنة لطحن القمح والشعير!
*
إنها سنة (1949).. تلك السنة التي قام فيها حسني الزعيم بانقلابه في سورية، وإذا ما قلنا- جدلاً- إن تلك السنة كانت منعطفاً في تاريخ سورية، فإنها كانت منعطفاً في حياة عائلة إسماعيل المدهون.
في تلك السنة، مات إسماعيل المدهون بعد حادثة أقرب إلى الأسطورة، لكنه ترك وراءه ولديه قاسماً وغصّاباً، صحيح أن قاسماً كان يكبر غصّاباً بسنة واحدة ولكنهما كانا متشابهين، فتحسبهما توءمين.
في تلك السنة، وعندما جاءت لصالح الوالبي آخر بناته، خرج إلى باحة الدار مع الفجر، مبتهلاً إلى الله:
-يا رب أنت حسبي ونعم الوكيل.. ستة أطفال وأربع بنات.. يكفي...
الأعمار بيدك ولكن كيف سيتدبر "غالب" أمر أخوته، إذا ما متُّ يوماً؟
**
كان ناقوس الفرح، في نهاية مواسم الحصاد، يضجُّ رقصاً وغناءً في ساحة "المهابيل"؛ هذا التقليد الذي لم يستطع فلاحو المنخورة أن يتركوه، فمواسم القمح والشعير الوفيرة لا بدَّ لها من أن تنتهي بالفرح.
رقصة نهاية الموسم، تبدأ مع الضحى. يتقدم طه الأعمى بطبله وأبو حسابا بمزماره وتبدأ الرقصة الجماعية بطيئة، ثم سرعان ما ترتفع الأرجل لتدقَّ الأرض بقوة وتتمايل الخصور.
وإذْ يخفت لحن أبي حساباً، فإن الجميع يعرفون أن أحمد الدلول قد جاء؛ فيلتفّون حولـه مشكّلين دائرة. ويتوقف طه الأعمى عن الضرب على طبله وينظر الجميع- بعيون ضاحكة وبعضها خائفة- إلى الحقيبة الصوفية التي يتأبطها أحمد الدلول. يمدُّ يده. يستخرج منها الأفعى. وبعد أن يتلمسها عدة مرات براحة يده؛ يقرِّب رأس الأفعى من فمه. يتمتم بكلمات لا يسمعها أحد، وإن سمعها فإنه لا يفهم منها شيئاً. يشير إلى أبي حسابا الذي يبادر إلى رفع صوت مزماره؛ فتنسل الأفعى بكل هدوء لتقف قبالة أحمد الدلول حيث تبدأ الرقصة الثنائية، تقف على ذنبها وتتلوى كما يتلوى أحمد الدلول، حتى إذا أحسَّ بالتعب، أشار للأفعى إشارة معينة، فتعود إليه زاحفة، حيث يمسك بها برفق ويعيدها إلى حقيبته.. فتزغرد النسوة.
يعود المزمار إلى لحنه، وتعود الرقصة الجماعية إلى عنفوانها، وقبل أن تختتم حفلة الموسم، يأتي ابن عيسى، فيهيب خطيب المبطون (إمام جامع عمر ابن عبد العزيز) بالناس أن "يوحدوا الله".
يقف ابن عيسى في منتصف الساحة، في المكان ذاته الذي وقف فيه أحمد الدلول منذ قليل. يستخرج من جيب ثوبه الفضفاض بيضة، يرفعها بيده إلى الأعلى، حتى إذا تأكد أن الجميع شاهدوها، وضعها في فمه. تنتفخ أوداجه، تنتفخ عروق رقبته. يضرب جبينه براحة يده عدة مرات، يكوّر قبضة يده.. يضرب بها خده الأيمن ثم الأيسر، ثم ينحني قليلاً إلى الأمام، وإذ يمدُّ يده إلى عجيزته، يستخرج البيضة من هناك.. يضج الناس بالضحك، فيتوقف لينظر إليهم نظرة ذات معنى، ويقول:
-يلعن آباءكم وآباء آبائكم من غير الأموات. ألا تصدقون ما ترون.. هه؟.."
ثم يتقدم من الرجل الذي كان يرقص بالسيف- وبعض الرجال ما زالوا يضحكون وهم يضغطون على خواصرهم- ويرفع السيف إلى الأعلى، كما فعل بالبيضة، ثم يقفز عالياً عدة مرات. يغرز السيف في بطنه. يستخرجه من ظهره. تشهق بعض النسوة، لكن الرجال الذين اعتادوا على رؤية ابن عيسى في ألعابه، يقولون: "إنه البركة في المنخورة، ولا تنسوا أن ساحة المهابيل لها واحد لا يموت"!
تقدم خطيب المبطون منه، وبعد أن ربت على كتفه، قال:
-أين رقصتك يا ابن عيسى؟!
يرفع ثوبه إلى وسطه، ويحزمه بحبل رفيع ويبدأ رقصته. يقفز في كل الاتجاهات. يحاولون أن يتابعوا ضربات رجليه وقفزاته.. لكنهم يعجزون. لا يعرفون كيف ينتقل بتلك السرعة من أول الحلقة إلى نهايتها، لا يعرفون هل لاسمتهم أثناء قفزه يداه أم رجلاه؟ ولأنهم اعتادوا على ذلك، فإنهم يتمنون لرقصته أن تدوم ويتمنون أن تدور الأيام بسرعة للموسم القادم.
وما أن دقَّ طه الأعمى على طبله إيذاناً بانتهاء حفلة الموسم السنوية حتى هبت ريح مفاجئة، لم تعهدها المنخورة، وقد أقسم أبو حسين القحطاني، أكبر المعمرّين في القرية والذي ناف عمره على المئة عام، أنه لم يرَ في حياته ريحاً بمثل تلك القوة. تطايرت الأوراق بعيداً في الفضاء. ارتفع الحصى وتساقطت خبط عشواء. تكسّرت أغصان الأشجار الكبيرة، ولم تنفع مقاومتها في وجه تلك الريح؛ فتهاوت على الأرض، وراحت بعض أغصان الأشجار تتلولب في الفضاء.. فتصطدم بالجدران وتتكوم في الأزقة واصطدمت العصافير بالخفافيش التي اقتلعت من أعشاشها.
احتمىالناس بأيديهم وهم يضعونها على عيونهم وآذانهم، وإذ صفَرت الريح بقوة، لاذوا بالجدران يتلمّسون طريقهم إلى بيوتهم. تأرجحوا في مشيتهم وراحوا يمسكون ببعضهم اتقاء السقوط، وعلى الرغم من أن أصواتهم المرتفعة لم تعد تُسمع، فإن صرخة (أبي قاسم المدهون) سمعها الكثيرون. كانت صرخة ألم حادة وممطوطة وبعدها أُغشي عليه. وقد قال نفرٌ من الذين رأوه أن عدداً من الخفافيش استهدفت رأسه وفمه وعينيه فاقتلعتهما.. وانبثق الدم.
وعلى الرغم مما كان الناس فيه، إلا أن ابن عيسى، الذي كان يحتمي بثوبه مغطّياً به وجهه، قال:
"-هل أتاكم حديث الغاشية؟"
وإذْ لم يسمع جواباً أو ضحكاً، فقد وقف على الصخرة الوحيدة في الساحة، وقال:
-ليُعلِمَ حاضركم غائبكم.. سوف يأتيكم حديث الغاشية!
ربما لم يأبه أحد لتلك الكلمات، فعدّوها واحدة من نزواته، ومن حينها غيّب الموت إسماعيل المدهون.
كان ذلك في سنة 1949.
تلك السنة التي كانت منعطفاً في تاريخ المنخورة.
*
بعد خمس وعشرين سنة من الانتماء للدار التي ولد فيها، قرر قاسم المدهون أن يهجرها إلى دار أخرى. إنه كما قال: "ملَّ الأحجار البيضاء، فيريد أن يبني داراً أوسع، جدرانها الخارجية أرجوانية اللون وسقفها من القرميد".
تردد غصّاب- في البدء- لكنه وافق، بعد أن زيّن لـه أخوه أن تلك الدار هي ملكوت خاص لهما في الدار الدنيا.
غادر قاسم المدهون داره القديمة إلى "ملكوته الجديد"، واتسعت العيون دهشة وهي ترى أثاثاً، لا عهد لبيوت المنخورة به، يُنقل من المدينة إلى دار قاسم المدهون.
من روابي النفس، كانت الأسئلة تنطلق من عيني الأم، ولكنها الأسئلة الصامتة، التي كانت تعبّر عن فرح ممزوج بالقهر.. الفرح، بهذا العالم الجديد الذي راحت تكتشفه شيئاً فشيئاً، فكأنها في حلم، والقهر الذي كانت تعاني منه، في حياة زوجها حين كان الحرمان، وكان مبدأٌ واحد، لم يحد عنه زوجها:
-يا امرأة.. المال يعني المال.. أتفهمين؟!
***
لم يكن ابن عيسى واقفاً على الصخرة في "ساحة المهابيل"، ولكنه كان متربعاً على الأرض، يختلس النظر إلى الحركة الدائبة في دار آل المدهون، ويعاود النظر إلى الأرض وكان يحمل بيده عصا قصيرة يلهو بها راسماً على التراب أشكالاً مختلفة، وكانت على مقربة منه بعض النسوة، فقالت إحداهن، من قبيل المماحكة: هيه.. ماذا ترى يا ابن عيسى؟!
فأجاب: "أول الشرّ.. شرارة".
عقّبت أخرى لإغاظته: نعرف ذلك.
فقال منفعلاً: "الشرُّ يعمُّ.. والخير يخصُّ".
ونهض منفعلاً، دون أن يأبه لضحكهن، وراحت خطواته تثير قليلاً من الغبار وراءه.
... بعد خمسة وعشرين عاماً من الانتماء إلى الدار التي ولد فيها وترعرع، قرر قاسم المدهون أن يهجرها.
وبعد ثلاثة أشهر، قال لأمه في ضحى أحد الأيام: "قررت أن أكمل ديني" وإذ لم تستوعب أمه كلماته، رسم على شفتيه ابتسامة، وقال:
-يجب أن أتزوج.
ولم ينتظر جواباً فقد أكمل قائلاً:
-يجب أن أتزوج وأخي في يوم واحد.
بلمحة تذكرت العاصفة، تذكرت كيف تكسّرت الأشجار، وكيف هجم سرب الخفافيش على زوجها؛ أحست أنها- الآن- تعيش تلك العاصفة، لكن أحداً لا يراها. لم تعد لها المقدرة على النطق بأية كلمة.. ها هي ذي الآن في بئر عميقة مهجورة، لا تعرف كيف سقطت فيها، تصرخ مستنجدة، لعل أحداً ينتشلها، لكن البئر في الصحراء، والصحراء مترامية الأطراف. تتراءى لها عشرات من العقارب والأفاعي وهي تقترب منها. تمدُّ يديها إلى عينها لتدفع عنها الفحيح والضربات المفاجئة. تتكاثر قطرات العرق فوق جبينها؛ وتسيل خطوطاً إلى رقبتها. تحسُّ بموجة من الاختناق تكاد تكمم أنفها، فتستند إلى الجدار متجهة إلى غرفتها، وهي تحسُّ أن كل الأشياء أمام عينيها تهتز.
بهدوء، مدَّ يده إلى علبة سكائره فأخرج واحدة، وأشعلها وأخذ ينفث دخانها ببطء وطمأنينة. تابع خطوط الدخان وحلقاته التي سرعان ما تتلاشى في الفضاء. شالت نفسه بتساؤل، صار بمقدوره أن يعرف كيف يجيب عليه: "ركض أبي في طول الحياة وعرضها. اشترى أرضاً وجمع أموالاً لا تأكلها النيران وتلك الطواحين ولكن ما الذي جناه لنفسه؟ بعد خمسين عاماً رحل عن الدنيا، فما الذي أخذه معه إلى قبره؟ كان يردد على مسامعي: "يا قاسم احتفظ بقرشك الأبيض ليومك الأسود".. ولكن كم يوماً أبيض عرف في حياته؟.. كان يتألم لقدوم العيد، ولأن أمي تطالبه بثياب جديدة لنا وإذ يوافق بعد أن يشتمها، يرفض أن يشتري ثوباً لنفسه، ويصرخ في وجهها غاضباً: "ألا يكفي الأولاد يا امرأة؟" وإذ لا تجيب يقول: "هذا إسراف- يا امرأة- فثوبي ما زال جديداً.. سأشتري غيره في السنة القادمة" ثم ينظر إليها مستفهماً: أم أنك أنت التي تريدين ثوباً؟ لعن الله ذلك اليوم الذي تزوجتك فيه."
ها هو ذا- الآن- يسبح في عفوية العالم، ويعرف متى يعانق لزوجته، ومتى عليه أن يتلمس الأبواب التي كانت موصدة في وجه أبيه. عليه منذ الآن أن يعرف الطريق لتفتح تلك الأبواب في وجهه، لكن لماذا يقول أن عليه "أن يتلمّس الأبواب"؟ إنه ليس دقيقاً فيما اختار من كلمات، عليه أن يعرف كيف "ستتهاوى" الأبواب الموصدة. كل الوسائل يملكها، فليخلع الأبواب الموصدة.
بعد أن قذف بعقب سيكارته، نهض مبتسماً، دخل إلى غرفة أمه التي كانت واجمة وقد ألقت رأسها إلى يدها المستندة إلى الوسادة الحائطية، فبادرها قائلاً:
-يا أمي كلنا ينتظر ساعته، فما معنى الحزن؟!
سألت: لما يمضِ على موت أبيك ثلاثة أشهر وتريد أن تتزوج؟
قال: الموت هو النهاية والزواج سُنّة الله في خلقه، فهل ستبقين تتحملين أعباء الحياة وحيدة؟
سألت: ولكن ماذا يقول الناس وقريتنا صغيرة؟
قال: أنا لا يهمني الناس.. الأيام- يا أمي- مثل المنشار، إن لم يستفد المرء من سرعتها نشرته ولست على استعداد لأن تنشرني.
أحسَّ أنه يقف على قمة جبل وأن الناس ينظرون إليه متلهفين، فابتسم نشوان لوقفته؛ وابتسم أكثر إذْ تراءى لـه سرب من الطيور يرفرف فوقه فيحميه من وهج الشمس.. ثم نهض مندفعاً إلى غرفته، وتناول بطحة العَرَق فملأ كأسه وارتشفها على دفعتين. ارتمى على فراشه، وقال لنفسه: "معركتي مع الزمن.. وهناك دائماً غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم.. للنصر أسبابه، وللهزيمة أسبابها.. سأعرف كيف أتعامل مع الناس والزمن.. لكن منذ الغد يجب أن تعرف المنخورة أن "قاسم وغصاب" قد تزوجا من ابنتي إمام الجامع خطيب المبطون وأبي المداح الأشرم".
وتراءى لـه الناس يرقصون. سمع الزغاريد ترافق ضربات الطبل وألحان أبي حسابا على مزماره.
*
"سامحه الله وليتغمده برحمته".. قال ذلك صالح الوالبي وهو يلقي بحفنة من التراب فوق القبر، وإذ لاذ بعالم الصمت فإن عينيه كانتا تتغلغلان إلى سنوات خلت، تراءى لـه إسماعيل المدهون طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً. لم يحضر هجوم الخفافيش عليه في "ساحة المهابيل"، لكنه سمع تفصيلاتها من ابن عيسى- وعندما تذكر ما قاله لـه منذ سنوات حين أرغمه على بيع محله ليقيم مكانه طاحونة أخرى- أحسَّ بالندم.. وتساءل حزيناً: "ما نفع الطواحين والمال؟". واستدرك مباشرة ليكبح جماح أفكاره: هذه شريعة الحياة. ولكن ليعمل الإنسان بشرف.. أليس ذلك أكثر طمأنينة؟"
وقطع عليه ابن عيسى تذكاراته، عندما وقف إلى جانبه، وهمس:
-هل سيشبع من التراب يا أبا غالب؟!
نظر إليه غاضباً وقال:
-اسكت يا ابن عيسى فلا شماتة في الموت. هم السابقون ونحن اللاحقون.
ونظر ابن عيسى إلى الأرض، ثم رفع عينيه بعد أن نظر ملياً إلى قاسم وغصّاب وقال:
-سأمشي يا أبا غالب.. ولكن أقسم بالله وبضريح أبي ذر إن أيامنا القادمة ستكون أسوأ من الماضي.
وإذ لم يسمع جواباً، مدَّ سبابته وإبهامه إلى شاربه، وقال:
-قسماً بهذا الشارب سنرى الويل من ابنٍ لم أر دمعة من عينيه على موت أبيه!
"سامحه الله وليتغمده برحمته" قالها ثانية، بعد أن ابتعد ابن عيسى عن مساحة رؤيته. لم يعد يفكر في الضغوط التي مارسها عليه إسماعيل المدهون، بل راح يفكر في كلمات ابن عيسى التي جاءت في لحظات خاطفة، فأحسَّ بالدنيا تدور به، وأن اللحظة التي يعيشها الآن هي التي تتملكه فلا يستطيع منها فكاكاً. تذكر تلك الأماسي التي كانت تجمعه بإسماعيل المدهون، الذي كان يتردد عليه ليقضي ساعة أو ساعتين بعد أن يغادر بيت السيدة الفرنسية غاملان، وكان يستفيض بالحديث عن جمالها، حتى لقد اعترف لصالح الوالبي أنه سرق بعض الصحون الزجاجية والملاعق.. وكان ينهي أحاديثه تلك.. بقوله: "شعرة من الخنزير حلال.. يا صالح!".
وكان يقول لـه في كل مرة: "الحرام حرام يا إسماعيل والحلال أبقى" ولكن إسماعيل المدهون يضحك. ويعقِّب قائلاً:
-"سوف تظل تشحذ المحاريث طوال عمرك".
كان شريط الذكريات يتتابع أمام عينيه ولكنه توقف وهو ينظر إلى الناس وهم يرشوّن القبر بالماء، فتذكر كيف استفاض إسماعيل المدهون بالحديث عن الموقف الذي رآها فيه مع الكلب، وكان يضحك، حتى أنه سأل صالحاً الوالبي:
-كدت أجن- يا صالح- فكيف تفضِّل امرأة بهذا الجمال كلباً على زوجها؟
في ذلك المساء توقف صالح الوالبي عن شحذ محراث بين يديه وقال له:
-هذه آخر مرة أسمع منك هذه الأحاديث. يا رجل دعك من الخسِّة وأحاديث النذالة.
.. ونظر صالح الوالبي إلى الأعلى، نظر إلى السماء ثم امتد بصره إلى الأفق حيث كانت الشمس تقترب من الجبل لتغيب وراءه، وقال لنفسه: "على الرغم من كل شيء فإن الفضاء على اتساعه سجن كبير. والمصيبة أننا لا نعرف أننا مسجونون. إننا لا نتغلب على الأرض، وإنما نطلب مكاناً منها لأجسادنا وأقدامنا. لا نتغلب على الجبل وإنما على صورته في عيوننا. إننا مخدوعون ومخادعون، فما أتفه الإنسان وما أعظمه في ذات الوقت إذا أراد أن يكون عظيماً".
وإذ نهض، نفض التراب عن ثيابه، وتوجه إلى داره ليمرَّ في دربه بضريح أبي ذر الغفاري، وهناك وجد ابن عيسى وطه الأعمى وهما يجلسان صامتين، فقال صالح الوالبي:
-تعرف يا ابن عيسى أنني أحبك فإياك وأن تغضب!
قال ابن عيسى وهو يهزُّ رأسه:
-لقد عاش بيننا مالكاً لأرض أعطاها لـه فرنسي- لا أعرف ما اسمه- ثم ملك الطواحين.. ولكنه الآن ميت.
قال صالح الوالبي:
-ليرحمه الله.
ولم يقل ابن عيسى شيئاً بل اكتفى بهزة رأس أخرى.