3
بعد ثلاث سنوات من مخاصمة المطر، هطل غزيراً، وليومين متتابعين، ليلاً ونهاراً، حتى خُيّل للناس أنه لن ينقطع.. وفرح قاسم لأنه ربما عاد لاستعمال طواحين أبيه.
في أوائل أيلول كان ذلك.
ندم كثير من الفلاحين على حميرهم التي أطلقوها من دورهم بعد أن نفذ التبن، وندم بعضهم وهم يرونها في ظاهر المنخورة على مقربة من الجبل وقد هجمت عليها الذئاب ثم الكلاب فتركتها عظاماً، حتى الذي كان باستطاعته أن يشتري تبناً، فإنه وصل بعد فترة من الزمن إلى اليأس، عندما أضحى التبن مفقوداً، وراح يبحث عنه في القرى المجاورة، التي لم تكن أفضل حالاً.. وإذا ما وجده، فإنه كان يضطر ليدفع ثمناً باهظاً.. صبر.. وصبر، ولكنه لم يجد أخيراً إلا أن يطلق ما لديه من حمير كما أطلقها غيره من الفلاحين مردداً: "وما من دابة على الأرض إلا وعلى الله رزقها".
لم يتمهلوا، فلقد أسرعوا إلى الأرض لفلاحتها، وكلما شقَّ المحراث الخشبي ثلماً جديداً، فإن بعضهم، كان يتوقف، ليحمل التراب الرطب بين يديه.. وهو يبتسم.
لكن المطر توقف بعد ذلك. توقف تماماً كأنه كان حلماً، وكان على الفلاحين أن يعيشوا سنة أخرى من القحط.
عند صلاة الظهر، وفي أول يوم "اثنين"، جاء المطر بعد انقطاع ، كان أبو المدّاح يحثّ إمام الجامع ليبتهل إلى الله بدعاء الاستسقاء، فلا بدَّ من أن الله عزَّ وجل قد استجاب لدعواته.. فهطل المطر بتلك الغزارة.. وهزَّ قاسم المدهون رأسه موافقاً. لكن إمام الجامع اعترض قائلاً أن هذا الدعاء لا يجوز إلا يوم "الجمعة".. فقال قاسم المدهون: "المنخورة تعاني من القحط.. فهل دعاء الاستسقاء من المحرمات في غير أيام الجمعة؟"، ولم يجب خطيب المبطون على سؤاله، بل قال:
-لا تنسوا أن هذا اليوم هو يوم الاثنين.. وها نحن قد انتهينا من صلاة العصر، فلا بدَّ من درسنا الأسبوعي"!
وعلى عادته، فقد راح يشرح مسهباً، بعض آيات القرآن. كانت لديه المقدرة على أن يشدَّ إليه مستمعيه، بما ملك من حركات مؤثرة بيديه وعينيه وتلك الابتسامة التي لا تفارق وجهه والتحكم في توترات صوته من علوٍّ وانخفاض إلى درجة الهمس.
كان غالب الوالبي واحداً من الذين صاروا يترددون على حلقة خطيب المبطون، لم يكن يداوم على ذلك الدرس الأسبوعي بشكل منتظم، وربما يعود ذلك لعدم اقتناعه بمثل تلك الدروس، فما جدوى أن يرفع خطيب المبطون صوته بالدعاء إلى السماء لعلها تأتي بالمطر، والسماء خاصمت أرض المنخورة منذ ثلاث سنوات؟.. وما جدوى الصلاة لواحد مثل قاسم المدهون الذي يعاقر الخمر ويتسلل ليلاً إلى صبوحة الخليل تاركاً زوجته؟
وعلى الرغم من أنه يعتبر أن مثل هذه الأسئلة، هي أسئلة هامشية، فإن نقطة خلافه الجوهرية مع مثل تلك الدروس أنه يضع الأمور المادية الحياتية في الصدارة ثم يليها الفكر.. ويتساءل بحرقة: ما الذي توصلت إليه دروس خطيب المبطون لمكافحة الجفاف؟ يهزون رؤوسهم تعجباً وعجباً للجنة الموعودة والجحيم الذي ينتظر أولئك الذين لا يقومون بتأدية فروض الدين من صلاة وصيام وزكاة.. إنهم،- كما يحلو لـه أن يشبههم- يعيشون حالة من حالات اللامبالاة.
إنه يفهم أشياء كثيرة، يراقب ويحلل، وهو على قناعة أن التاريخ لا يعيد ذاته، مثلما هو على قناعة أن هناك جديداً كل يوم تحت الشمس، وهو كذلك على قناعة أنه يهدر وقته سدى في مثل تلك الدروس، لكن الشيء الوحيد الذي يشده إليها كانت (منيرة) ابنة أبي المداح التي عاهدها على الزواج، ولأن أبا المداح لا ينقطع عن الجامع ودروس خطيب المبطون، فإنه يرغم نفسه أحياناً على الذهاب إلى المسجد والتردد على تلك الدروس أحياناً أخرى.
أسئلة كثيرة كانت تجول في ذهنه، عندما كان يحضر تلك الدروس، ولكنه على يقين تام، أنه إن تفوّه بها، فسيجد نفسه مطروداً من المسجد. إنهم جدار كتيم لا تنفذ منه الأسئلة، فكيف سيناقشهم؟
كان خطيب المبطون قد استغرق في شرح الآية: "قل الروح من عند الله"، وتابعه غالب الوالبي؛ تابع حركات يديه، وتقلصات عينيه.. ولم يعد يسمع شيئاً، على الرغم من أنه كان يرى شفتي خطيب المبطون وهما تتحركان.. وبحركة لم يكن يقصدها رفع غالب الوالبي يده، وسأله:
-يا شيخ.. قل لي.. من أين يأتي المطر؟
وساد الصمت.. لكن إمام الجامع، ابتسم وقال:
"-كله بإرادة الله.. فلو أراد عزّ وجل أن يمُنَّ علينا بالمطر لهطل حتى أغرقنا، لجاء كالطوفان الذي شهده نبينا نوح، ولكنه حبسه عنا لامتحاننا نحن البشر فمن صبر ظفر ومن لجَّ كفر".
ولم يقل غالب الوالبي شيئاً عن البحار، وكيف أنها مصدر الأمطار.. كما قرأ عن ذلك، ولكنه قال:
-لماذا لا نحاول أن نحفر الآبار؟
وقبل أن يجيبه إمام الجامع بأية كلمة، كان قاسم المدهون ينظر إليه بطرف عينه نظرة ذات مغزى. وقطع خطيب المبطون فترة الصمت القصيرة، حيث قال:
-لو أن باطن الأرض فيها ماء لما جفّت الينابيع، فما جدوى أن تحفر الآبار؟ كله بإرادة الله. لنعد إلى الأرض، إن الإنسان يظن واهماً أنه يملك القوة، فكم يتجبّر وكم يطغى وكم يمشي على الأرض بخيلاء.. لكنني أسألكم كم هو ضعيف إذا ما ألمَّ به المرض، إنه إن حمل حملاً فإنه سرعان ما يتعب ويلهث، ولكن لماذا لا نفكر بذلك الثور الذي سخّره الله ليحمل الكرة الأرضية حتى يوم النشور".
وكادت أن تنطلق ضحكة من غالب الوالبي، ولكنّه كتمها، وعبثاً حاول متابعة الدرس، حيث كان في عالم آخر؛ عبثاً حاول أن يسمع الكلمات التي تتحرك بها شفتا خطيب المبطون. كانت منيرة قد تحولت إلى رؤية سيطرت على حواسه، لم يستطع أحد أن يغتصب حزنه إلا منيرة، استطاعت أن تحول أيامه إلى غابة من الفرح.. منذ ضحى ذلك اليوم الربيعي، الذي ما زال منقوشاً في ذاكرته وقلبه، قرر أن يكون مخلصاً حتى النهاية لملكوتها. قال لها يوماً:
-أخشى أن تغيّرك الأيام؟
فقالت: الإنسان موقف، والموقف لا يتجزأ يا غالب!
عقّب: ربما طال الانتظار، والزمن لا يرحم.
قالت: كن مطمئناً. ما دامت هناك سماء وأرض وبشر فأنا لك.
كان يلهو بربط الخيطان المفككة في السجادة العتيقة التي يجلس عليها، وأصابعه تتحرك وهو ما زال موغلاً نحو البدايات، فلم يكن يسمع شيئاً مما يقال من حولـه، حتى أحسَّ بيد أبي المداح تربت على كتفه داعياً إياه إلى صلاة المغرب، وحانت منه التفاتة إلى قاسم المدهون فرآه يبتسم.
يرتفع صوت خطيب المبطون: والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
وترتخي الأيدي الموضوعة فوق البطون أو الصدور، إلى الجانبين ثم تستند إلى الركبتين مع انحناءة الجذع ثم.. ثم يندفع مع الآخرين إلى الأزقة.
***
زقاق يؤدي إلى زقاق.
درب ترابي يؤدي إلى درب ترابي.
تشخر الأبواب الخشبية القديمة وهي تحتك بالأرض كباب غالب الوالبي وباب هذّال الحسن، أو أنها تُغلق على مهل دون أن يُسمع لها صوت بسبب ارتفاعها عن الأرض المعبّدة بالاسفلت كباب قاسم المدهون.
إيقاع الخطوات يأتي أحياناً مندّغماً مع النفس، ويأتي متناقضاً معها أحياناً أخرى، وقاسم المدهون يصرخ شاتماً حسنة لأنها تأخرت قليلاً في تقديم عشائه، وغالب الوالبي يمدُّ يده إلى رغيف خبز يحتضنه ويخرج به إلى باحة الدار. يقطف عدة وريقات بصل خضراء. يأكل على مهل، مستعيناً بحبات من الزيتون وكأس من الشاي.. ثم يحمل واحداً من كتب التاريخ، وتحت الضوء الكازي الشحيح يقرأ إلى ساعة متأخرة من الليل.
في غالب الأحيان يأكل قاسم المدهون مع أخيه. تبتعد الزوجتان حسنة وخديجة عنهما.. ودائماً يجب أن تزيّن الخمر مائدتهما.. وفي هذا العشاء باح قاسم لأخيه بفكرة حفر الآبار الارتوازية، وقال له: كنت أفكر بهذا المشروع منذ زمن، لكن ابن الوالبي، همس بهذه الفكرة في درس اليوم، سأصبر عدة أيام، ثم أقوم بالتنفيذ.. آبار ومزارع يا أخي!
هزَّ غصّاب رأسه علامة الموافقة وحمل قاسم المدهون كأس الخمر ثم نهض ليقف قبالة صورة أبيه المعلَّقة على الجدار، وقال:
-أبي هل تسمعني!؟
وبعد أن دلق كأسه في جوفه، تابع قائلاً:
-لكل قرية صولة ورجال.. أتسمعني يا أبي!؟
وقهقه غصّاب، ثم قال:
-لو كان يشاركنا الكأس.. لسمعنا.
تلفّت قاسم مبتسماً، ثم قال:
-أيها العاق... الصفعة لمن سبق.. أنسيت حسني الزعيم والشيشكلي؟
سأل غصّاب:
-ما علاقتك بالزعيم والشيشكلي؟
قال قاسم:
-العجلة من الشيطان.. فقد خلق الله الدنيا في ستة أيام ثم استوى على العرش في اليوم السابع.
عقّب غصّاب، وهو يرفع كأسه:
-نخب اليوم الثامن.. يا أخي!
وكأغلب لياليهما، خرجا إلى باحة الدار وتمددا على فراشين متقابلين، وسحبتهما الخمر بطيئاً وسريعاً إلى وديان الدوار وجبال الطموحات.
بين لذة الدوار والتساؤل عن كيفية تحقيق الطموحات، ها هي ذي الأرض، تميد بقاسم المدهون. تعلو وتنخفض، تتأرجح هنا وهناك. عندما كان صغيراً، يتذكر أن أباه ثبّت حبلاً في غصن شجرة الزيتون الوحيدة في دارهم القديمة وصنع لـه أرجوحة. لم يكن بحاجة- آنذاك- إلا للدفعة الأولى. تحركت الأرجوحة، وكان يزيد من سرعتها باندفاعة من جسده إلى الأمام والخلف، وها هو ذا قد كبر، ولكنه بحاجة إلى أرجوحة يصنعها لنفسه. عندما كان صغيراً استعان بأبيه، أما الآن فإنه سوف يستعين برنين المال وعلاقاته.. بالمال الذي تركه أبوه، وتلك الطواحين المهجورة.
بين ترانيم نشوته وأهازيج طموحاته، سوف يصنع ما يريد، فهذا خطيب المبطون (والد زوجته) وهذا أبو المداح الأشرم (والد زوجة أخيه).. "سراج وفتيلة"، أنه سيعرف كيف يجعلهما ينصاعان لما يريد، بضاعته المال وبضاعتهم الكلام، فمتى يبدأ؟.. وكيف يبدأ؟
ها هو ذا يستلقي على فراشه، يضع يديه تحت رأسه وينظر إلى النجوم في السماء. يسافر بعيداً مع النجوم، يتحرر من عالم الأرض ممتطياً في ذلك الفضاء صهوة جواد. إنه يسبح في كون آخر. لم يعد فيه بحاجة إلى الكلمات، يكفي أن يشير بيده، يكفي أن ينظر بعينيه، يكفي أن يهزَّ رأسه موافقاً أو رافضاً ليتحرك رجال عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه لتنفيذ رغباته.
ها هو ذا يحسُّ برطوبة الفضاء فيغمض عينيه ويستنشق الهواء عميقاً، تتراءى لـه صبوحة الخليل. يغذُّ الخطوات مسرعاً للقائها، يضمّها إلى صدره. يضع يده على كتفها ويقودها إلى غرفته، يفاجئه أبوه متّكئاً على عصا. ينظر إليه نظرة قاسية، وقبل أن يرفع عصاه، يحسُّ قاسم المدهون أن جسده يتضخّم أكثر، وأن ذراعه أضحت رمحاً وأن لهيباً من نار راح يندفع من عينيه.. وبحركة سريعة، انقذف الرمح إلى صدر أبيه؛ وأن ثيابه بدأت تشتعل فيها النيران. تراءى لـه أبوه وقد انكمش جسده. صار يمشي على يديه ورجليه، وبصوت أجش، صرخ بأبيه صرخة اهتزت لها جدران الدار فتحوّل إلى كلب، وراح ينبح متضوراً جوعاً فأمره، بإشارة من يده، أن يذهب إلى خُمِّ الدجاج، ولم يخالف أبوه أمرَ ابنه، فتوجه صاغراً حيث خُمُّ الدجاج.
انتفض قاسم المدهون وهو يمسح قطرات العرق فوق جبينه، وراح يردد: أعوذ بالله من الشيطان.
قال غصّاب: لا بدَّ من أنها صبوحة!
قال قاسم: لن يوقفني شيء.. على الرغم من كل شيء؛ فلن يوقفني شيء.
قال غصّاب: لا تندفع كثيراً!
قال قاسم: لعن الله الكوابيس والأحلام.
سأل غصّاب، وهو يبتسم: متى تنتهي معها؟
قال قاسم بعد أن كزَّ على أسنانه وقد ضيّق من فتحتي عينيه:
-بماذا تفكر؟
قال غصّاب: أبداً.. إنني أشتهيها، فهي لك كما لغيرك.
صرخ قاسم: لي دون خلق الله، أفهمت؟
وضحك غصّاب، وهو يكتم بقية كلمات، وقال:
كنت أمزح، فمباركة صبوحة لك.
*
منذ تلك الليلة رسم قاسم المدهون مساراً لنفسه، فراح يدعو إلى داره في كل أسبوع، وبعد صلاة الظهر من يوم الاثنين تحديداً، أولئك الذين يترددون على درس خطيب المبطون.
لم يقل أنه يدعوهم إلى الغداء ولكنه كان يقول: ما دمنا نملك الوقت حتى صلاة العصر والدرس، فما رأيكم أن تباركوا دارنا بزيارتكم بجلسة قصيرة. إن العمر يمضي فلنكسب مثل تلك الجلسات. لكنه فاجأهم بالغداء في المرة الأولى حتى لقد اعتادوا على غداء قاسم المدهون كل أسبوع.
كان يقول لنفسه: النفوس مجرات مجهولة، ولكل نفس نقطة ضعف.. فلأكتشفها.
وقال غصّاب يوماً: إنهم يركضون وراء كروشهم.
فأجابه قاسم: أطعم الفم، تستحي العين.
منذ تلك الليلة لم يعد قاسم المدهون يحلم، بل راح يضع قدميه في درب آخر.
ومنذ تلك الليلة، ما عاد يسأل صبوحة الخليل: حدثيني عن القذارة.
بل راح يسألها: أتعرفين شيئاً عن مجد أجدادي؟
تضحك صبوحة الخليل، وتقول: حدْثّني عن الليل!
*
كان معجباً بالمهاتما غاندي.. وإعجابه هذا، ربما كان مرده إلى سياسة "اللاعنف" التي نادى بها غاندي. ولكنه عندما يتأمل الأشياء والأحداث التي تجري حوله، فإنه يفضِّل الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي صار قائداً في مرحلة من مراحل التاريخ العربي.. فأي طريقة عليه أن يسلكها؟
طال تأمله، حتى وجد نفسه ذات مساء وهو يستعيد انتظاره في محل الحلاق أبي خالد. كان آنذاك- في الثانية عشرة من عمره- جلس بانتظار دوره حتى إذا حان موعد حلاقته، دخل شاب.. فضّله أبو خالد عليه، وحلق قبله.. ثم جاء آخر وتركه أبو خالد منتظراً. أحسَّ أن دماءه تغلي، وأن أنفاسه أضحت مضطربة، وبلحظة خاطفة كالبرق، انطلق خارجاً من محل الحلاق. التقط حجراً من الطريق وقذف به محل الحلاق. أصابت مرآته الحائطية الكبيرة التي تكسّرت إلى شظايا.. لقد دفع أبوه ثمن المرآة لأن الحلاق أقسم أن غالباً هو الذي كسرها، وظل غالب حتى آخر لحظة وهو مُصرٌّ على إنكاره، لكن ذلك لم يحُل دون أن يدفع أبوه ثمنها. كان خائفاً من أن أباه سيعاقبه عندما يصل إلى البيت، لكن أباه كان هادئاً- على عادته- فسأله أن يخبره بالحقيقة دون زيادة أو نقصان.. فاعترف غالب وأخرج البيضتين اللتين كان من المفترض أن يقدمهما أجراً لأبي خالد من جيبيه وأعطاهما لأبيه وهو يقول:
-كنت أرى الحلاق يهزأ بي، فالشاب ليس أفضل مني ليأخذ مكاني على كرسي الحلاقة.. إنه ظلم يا أبي!
ويتذكر أن أباه ابتسم حينذاك، وقال:
-دعك من أبي خالد من الآن فصاعداً واذهب إلى الحلاق أبي راغب، فهو أكثر عدلاً.
ولم يقل غالب الوالبي شيئاً، ولكنه خرج وهو يتمتم:
-هذا ما أبحث عنه، العدل.. العدل في هذه الأرض!
**
لم تفارقه ذكرى تلك الأمسية. حتى وهو في أشدِّ ساعات العمل، حيث كان يساعد أباه في شحذ المحاريث والسكاكين في فصل الصيف.
تلك الذكرى ظلت تلاحقه؛ وعادت إليه في ظهيرة أحد الأيام عندما كان يلعب كرة القدم مع زملائه، حيث وجد أن بعض المتفرجين من زملائه يودُّ لو أنه يلعب، لكن الفرصة لا تؤاتيه.. فاقترح أن يكوّنوا أكثر من فريق، وأن يكون هناك أكثر من كرة واحدة.. فلِمَ هي اللعبة الوحيدة المفروضة عليهم؟ لِمَ لا تكون هناك كرة السلة، وكرة الطاولة، والكرة الطائرة؟ لِمَ- إضافة لرياضة الجسد- لا تكون هناك رياضة للفكر؟
ولم ينتظر، فقد باح لأكثر من زميل بفكرته، وإذ قوبلت فكرته بالاستحسان كان عليه أن يبدأ بالتنفيذ. شكّلوا من بينهم لجنة لجمع التبرعات الأسبوعية.. ليرة من كل زميل في كل أسبوع.. وانتُخب أحدهم ليكون أميناً على ما يجمع لشراء الأدوات الرياضية والكتب.
توسّعت فكرته في المدرسة، ووجدت أنصاراً آخرين، انضموا إليهم. إنه يتذكر ذلك، كأنه يعيش توهجها وحماستها في لحظاته هذه، كما تعيش حادثة أبي خالد الحلاق داخل كيانه في كل لحظة. حتى إذا انتهت أيام الدراسة، باشروا باستئجار دار لتكون ملتقى لهم، وخُصصت إحدى غرفها الواسعة لكرة الطاولة وقاعة للمطالعة، ووقفوا طويلاً أمام اختيار اسم لهذا المكان الذي جمعهم، فكان هناك عدة اقتراحات توقفوا عند أربعة منها:
-نادي الملتقى، نادي الشعلة، نادي النهضة، نادي الشباب".
وكادت أن تحدث مشادّة بين أصحاب الاقتراحات لكنه تدخل، فقال:
سنوافق على الاسم بالتصويت.
ونجح اقتراحه، وتمت التسمية على الشكل التالي:
"نادي النهضة.. رياضي، ثقافي، اجتماعي".
**
أضاف النادي إلى أعضائه السابقين أعضاءً جدداً، وكان أن جيء بالكتب: لجبران خليل جبران، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وطه حسين، وعباس محمود العقاد. وغيرهم. أخذ على عاتقه اختيار الكتب وشراءها بما يتوفر لـه من الاشتراكات وما تأتي به كرة الطاولة من ريع، وراح "نادي النهضة" يفتح أبوابه حتى الساعة العاشرة مساء، كان من أوائل الذين يدخلون غرفة المطالعة، وكان آخر من يخرج.
توقف عند كتب كثيرة، لكن الكتاب الذي أعاده أكثر من مرة هو كتاب "كوخ العم توم".. وفي كل مرة كان ينتهي إلى تساؤل لا يجد إجابة عليه:
-ألن ينتهي الظلم من هذا العالم؟
ثم يضيف متحسراً:
-زمن غير هذا الزمن الذي نعيش عاشه المهاتما غاندي.. ولهذا فإنه نادى بسياسة اللاعنف، وزمننا يرفض هذه السياسة لأنه يقابل البسمة بالصفعة. ويتذكر أن أباه، انتظر زملاءه وهم يودعونه في إحدى سهراتهم، فقال له، وهو يهزّ رأسه:
-دعك من السياسة- يا بني!- فللسياسة رجالها. ابحث عن لقمة الخبز فأنت أكبر أخوتك. لا تنسَ هذا يا غالب!
ونظر إليه وابتسم ثم قال:
-"لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. يا أبي!
أشار الأب برأسه موافقاً، ولكنه قال:
-الحذر واجب.. ولا تعاند من إذا قال فعل.
**
كان يحب في ساعات ضيقه من القراءة أن يلعب بكرة الطاولة ثم يعود ثانية إليها، لكنه لا يستطيع أن يكتم فرحته وهو يستمع إلى المناقشة التي تبدأ هادئة بين زملائه وأصدقائه في نادي النهضة، ثم لا تلبث أن ترتفع إلى جدل صاخب. جدل ترتفع فيه الأصوات مشيدة بالماضي، متأففةً من الحاضر، يائسة من المستقبل. كان يستمع ويناقش.. وفي كل الأحوال، فإنه يحس بالفرحة فهذا النادي مثلما بدأ برياضة البدن، صار يعطي ثماره في رياضة الفكر.
لقد أشرقت الشمس، أشرقت التلال التي تحيط بالمنخورة، فهل تبقى مشرقة مع شروق الشمس وتغيب مع مغيبها؟ لمن يبث أفراحه، ولمن يهمس بأحزانه ولواعج روحه؟ لمن يمكن أن تستكين نفسه، ولمن يبثُّ طموحاته وآماله؟.. وربما كان الأهم: هل يمكن لكل ذلك أن تأتي عليه رياح مفاجئة فتقتلعه من جذوره؟ إنه يعيش حالة قلق من الناس؛ يعيش حالة قلق مع المنديل الذي أهدته إياه منيرة، مثلما يعيش حالة القلق مع حفنة تراب من أرض المنخورة، يحتفظ بها دائماً في منديلها، وكم تساءل دون أن يصل إلى إجابة مقنعة: ما معنى الاحتفاظ بحفنة التراب الصغيرة في منديل منيرة؟
"الماضي، الحاضر، المستقبل".
ثلاثة محاور تدور حياته حولها أحياناً، ويدور حولها في أغلب الأحيان. يحاول- دائماً- كلما كان وحيداً أن يعرف لِمَ لمْ يكن أبوه يضحك؟
مرة واحدة سمعه يقول: الضحك للأطفال. لكنه كان يتساءل: حياتنا- منذ لحظة الولادة وحتى الموت- ومضة سريعة، فلماذا لا نضحك؟
ذات مساء وهو يذكره جيداً، كانت هناك غيوم كثيفة سوداء، حوّلت عالم المنخورة إلى ليل قاتم، راح البرق يلمع من كلّ الاتجاهات، توالى هزيم الرعد قاصفاً، مدوّياً، أحسَّ بالجدران، كأنها ستتهاوى فوق رؤوس البشر، تكوّر أبوه في فروته الصوفية أمام مدفأة الحطب، وتمتمت أمه: "يا رب.. اجعله خيراً"! وإذ فتح الباب لينظر إلى السماء، صرخت أمه:
-عُدْ وأُغلق الباب. أنسيت الصاعقة؟
أغلق الباب، وعاد إلى المدفأة، وقال يومها، وهو ينظر إلى نار المدفأة:
-لم يخلق الله الإنسان من الطين، لقد خلقه من النار.
وإذ نظر إليه أبوه بقسوة، قال:
-يا غالب استغفر ربك فلقد خُلق الإنسان من الطين.