2

7 0 00

2

أسندوا ظهورهم إلى الحائط الغربي لجامع "عمر بن عبد العزيز". صدورهم تتلقى أشعة الشمس، في الفترة الواقعة ما بين العصر والمغرب، كما جرت عادتهم في الأيام الدافئة، وراحوا يتحدثون بأحاديثهم المعتادة: لماذا طُلّقت فلانة من فلان؟ وكيف اختلف دعبوس الأحمد مع صبحي القمرة على دقيقتين من ماء نهر القرية، حتى لقد رفعا معوليهما في وجه بعضهما، ولا ينسون طه الأعمى فيمتدحون صوته الرخيم وهو يتلو آيات من القرآن في دار ميت بمناسبة مرور أسبوع على وفاته، كما يمتدحون ضرباته على الطبل في الأفراح.

فجأةً.. توقفت الأحاديث.

ارتفعت الرؤوس إلى الأعلى، بعد أن نعق غراب في فضاء المنخورة، وراح يحلِّق فوق الجامع لحظات، ثم ارتفع عالياً متوجهاً إلى البساتين.

قال أبو المداح الأشرم: ماذا يريد غراب البين؟

أجاب خطيب المبطون: طير خلقه الله، فلماذا تطلبون تفسيراً لنعيقها؟

سأل أبو المداح وهو ينظر إلى ابن عيسى: ما رأيك يا ابن عيسى؟!

قال ابن عيسى وهو يبعد ذبابة عن أنفه: "ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع".

وإذ رفع خطيب المبطون أذان المغرب، ورأى ابن عيسى قاسماً المدهون مقبلاً باتجاه الجامع، وضع يده على خده وهزَّ رأسه، وقال كمن يهمس:

-سبحان مغيّر الأحوال..

نهضوا وهم ينفضون أقفية سراويلهم أو ثيابهم الطويلة، مما علق بها من تراب ودخلوا الجامع، باستثناء ابن عيسى الذي توجه إلى المقبرة، كما يفعل غالباً، فلا يعرف أحد لماذا يذهب إلى هناك.

وإذ يهبط الليل بطيئاً على عالم المنخورة.

يتسلل العاشقون إلى الأزقة لوقفة قصيرة، يقسمون بالله وضريح أبي ذر الغفاري أنهم سيتزوجون، إن جاء الموسم وفيراً.. ويندسُّ الزناة إلى المخادع المحرّمة مستعينين بآذانهم وخطواتهم الحذرة، خشية أن تُحدِث صوتاً أو حتى نأمة.. وقبيل الفجر، يخرجون على رؤوس أصابعهم بنبضات قلب مضطربة، متوفزة، حتى إذا اطمأنوا أنهم صاروا في الأزقة، استعادت خطواتهم طمأنينتها، ونبضات قلوبهم سكينتها.. ونادراً ما كان يردد الليل صدى أصوات طلقات نارية وهي تلاحق لصاً استطاع أن يهرب تحت جنح الظلام.

*

ها هي ذي المنخورة بأحيائها التي تكاد تكون متلاصقة وطريقها الرئيسة الوحيدة المعبّدة. نهاراتها قائظة ولياليها رطبة. عاشت عبر تاريخها- الذي لا يعرف أحد متى بدأ- اعتماداً على المطر والينابيع وما تغلّه أرضها من قمح وشعير.

ومثلما لا يعرف أحد من بنى ذلك السور الآجري الذي أحاط بها من جهتيها الشمالية والغربية، بعد أن تهدّم سورها الشرقي والجنوبي، فإن أحداً لا يعرف كيف استطاع (أبو نادر الموشوم) أن يفتتح محلاً لبيع الأقمشة نهاراً، وفي الليل يبيع خمراً.

لقد أعلنت المنخورة مقاطعتها لـه، حتى أن بعضهم قال، وعلامات الاشمئزاز والغضب بادية على حركاتهم وتشنجات وجوههم: "إنه اللعنة التي حلّت بنا".

ويهزُّ أبو نادر رأسه باسماً ويقول:

-سوف تدور الأيام وسوف يعودون لمصالحتي.

صدقت تنبؤات أبي نادر الموشوم- بمرور الأيام- وراحت دكانه تعرف شباب المنخورة وبعض كهولها، حيث يطرقون بابها الخشبي ليلاً، وتتم كلمات هامسة بين أبي نادر وأولئك المتعطّشين لخمرته، ثم يعودون بمثل الحذر الذي جاؤوا به. الوحيدان اللذان لم يكلفا نفسيهما عناء المجيء إليه كانا قاسم المدهون وأخوه غصّاب، حيث كان في كل ليلة اثنين يزوّدهما أبو نادر الموشوم بما يكفيهما لمدة أسبوع.

كثيرة هي الأشياء الغامضة التي تظهر فتبدو كأنها المفاجأة، وتغدو أحاديث يحلو السهر معها أو تكون مثاراً للحزن، لكنها تتكشف مع الزمن.. فمنذ ذلك المساء الذي نعق فيه الغراب فوق جامع عمر بن عبد العزيز، تساءل الكثيرون: كيف رضي خطيب المبطون أن يزوج ابنته حسنة لقاسم المدهون وكيف رضي أبو المداح الأشرم أن يزوج ابنته خديجة من غصاب المدهون؟

لقد جاءت أسئلتهم تلك.. بعد سؤالهم: كيف استطاع قاسم وأخوه أن يتزوجا بعد ثلاثة أشهر من وفاة أبيهما؟

لم تضع الأسئلة، ولكنها توقفت بعد أن خاصم المطر عالم المنخورة وأراضيها، وربما نسيها بعضهم أو لم يعد يهتم بها، ذلك أن ما جرى قد جرى، فقد راحت الينابيع الثلاثة تشحّ، ولم يمر طويل وقت حتى جفَّ اثنان منها تماماً، وقد شوهد أبو حسين القحطاني- أكبر معمري القرية- حزيناً.. لأن المنخورة لم يخاصمها المطر منذ ربع قرن؛ فكيف الحال وينابيعها تجف؟.. وعندما ذكّره بعضهم بنعيق الغراب الذي لم تألفه أجواء المنخورة، قال:

-اتركوكم من هذه الخرافات.

وإذْ همس بعضهم لأبي نادر الموشوم، قال:

-في الجاهلية خمر لكن المطر لم يخاصمهم.

وعندما أشار أحدهم إلى دار الأخوين المدهون، لاذ بالصمت.

*

سنوات ثلاث والمطر يخاصم المنخورة حتى أن مياه النهر المتدفقة بدأت تتقلص، وارتفع صوت الإمام خطيب المبطون- على غير عادته- بعد خطبة يوم الجمعة بدعاء الاستسقاء ولكن المطر ظل على خصام مع الأرض التي تشققت وظهرت الملوحة على سطحها.

ولم يطل الانتظار بقاسم المدهون فقد حفر بئراً في داره الجديدة وأخرى في القديمة ليروي أشجار العنب والزيتون، وحوّل المساحة الباقية إلى قطعة خضراء بما زرع فيها من ورود، وإذ خطرت لـه فكرة بناء بركة صغيرة في وسط تلك الأرض، فإنه لم يتردد في تنفيذها وصار يحلو للأخوين في أيام الصيف أن يجلسا حول بركة الماء الصغيرة ويرتشفا كأسين من الخمر على مهل حتى منتصف الليل أو بُعيد ذلك. ولا يترددان في الاستزادة إذا لم يعكِّر أحدهم صفاء جلستهما.

إنهما يحسان بالسعادة، لولا أن قاسماً ينغصه مجيء ابنتيه (بدرية وسعاد)، في حين أن غصّاباً قد ولدت لـه خديجة (أحمد وأسعد).. حتى أن أحد أزقة القرية صار يعرف خطوات قاسم المدهون بعد منتصف الليل، حيث يعود إلى داره قبيل الفجر.

وكتمت زوجته الموضوع شهراً وشهرين وثلاثة، لكنها أخيراً لم تعد تطيق صبراً حيث تظل قلقة لساعة عودته مترنّحاً.

في ظهيرة اليوم التالي، وقد استيقظ ليذهب إلى صلاة الظهر، عاتبته حسنة على هذا الذي انتهى إليه، ولكنه لم يدعها تكمل. صفعها على وجهها، وقال غاضباً:

"-اسمعي يا أم البنات لولا مصلحتي لما رضيت بك زوجة! إن أية فتاة تتمنى فردة حذائي، مهمتك، تنحصر في شؤون البيت، هذه آخر مرة أسمح لك أن تفتحي شدقيك بمثل هذه الكلمات، المرأة امرأة والرجل رجل، أتفهمين؟.

منذ تلك الظهيرة، أصيبت حسنة بخيبة أمل ما كانت لتتوقعها، لقد صفعها على وجهها، لكنه عندما قال لها: يا أم البنات" فإنها أحست خنجراً يتلولب في أحشائها.

ومنذ تلك الظهيرة، فقدت الرغبة في أن ترتدي الثياب الصفراء الشفافة التي أفهمها أنه يعشقها، فقدت الرغبة في تسريحة شعرها أمام المرآة، وقد بدا وجهها شاحباً، مثيراً للانتباه.. حتى أنها أحست بالألم عندما نبهتها خديجة إلى ذلك.

لم تعر ملاحظة خديجة اهتماماً- أو هكذا تظاهرت آنذاك- لكن ما أن غادرتها، حتى هرولت إلى المرآة فمسحت الغبار الذي علق عليها، إنها في الحادية والعشرين من عمرها. تتلمس جسدها فتعرف أنه ما زال بضّاً، ممتلئاً، متناسقاً. وجهها مائل إلى الطول، مرتفع الجبين. عيناها العسليتان حالمتان، بشرتها قمحية صافية، على الجهة اليسرى لفمها تبدو شامة سوداء صغيرة نقية، وعلى الرغم من فمها الصغير وشفتيها الرقيتين، فإنها تكره تقعّر أنفها الذي ورثته عن أمها. إنه تقعّر لا يبدو إلا لمن يدقق جيداً فيه، حتى إذا مدت يدها وأزاحت منديل رأسها عن رقبتها، اتسعت عيناها دهشة لتلك التجاعيد التي غزتها في غفلة منها فتراجعت إلى الوراء، وارتمت على الفراش مكبّة على وجهها باكية.

*

منتصف الليل.. عالم آخر، سبات للكثيرين.. وانتظار متلهف لأولئك الذين يعشقون مرافئ الظلام والهمس.. فإلى الأمام يا قاسم المدهون، ما دامت كاتدرائية الزمن قد أعلنت منتصف الليل، وما دام زقاق "صبوحة الخليل" قد اعتاد على خطواتك في مثل هذه الساعة.

تلمّست سبابته شريط النافذة المعدني، وعندما فُتح الباب على مهل، دخل على رؤوس أصابعه، وقبل أن يجلس على الفراش الصوفي، أخرج بطحة العرق من جيب ثوبه الفضفاض. أخذتها وربتت بها على خدها مرتين، ثم احتضنتها بين النهدين وهي تغمض عينيها، وانحنى قاسم المدهون قليلاً لحمل صبوحة ووضعها على الفراش بخفة، وقال:

"-أنتِ.. أنتِ.. يا صبوحة.. لا معنى للخمر والليل لولاك"!

مدت سبابتها إلى شفته السفلى مترافقة مع غمزة بعينها اليسرى، وقالت:

-وأنتَ.. أنتَ، يا قاسم.. تصلي نهاراً وتأتي إليَّ ليلاً؟

قال، وهو يكتم ضحكة:

-بدأت أصلي ركعتين إضافيتين في كل الصلوات.

سألته مبتسمة:

-لتضمن مكاناً في جنة السماء؟

عقّب وهو يتأمل كأس الخمر:

-بل لأضع أهل المنخورة في جيبي.

سألته مستغربة:

-لا أفهمك؟

قال، وهو يضع سبابته في كأس الخمرة ويرسم دائرة ببطء:

-ستفهمين فيما بعد، فلكل حادث حديث.

وبعد أن راحت "رباعيات الخيام" تبحر في جو الغرفة، رفع كأسه وقرعه بكأسها، قال:

-في صحتك يا صبوحة.. فإلى الأمام!

ولم ينتظر جواباً فقد دلق كأسه في جوفه دفعة واحدة، وراحت موجات الفرح تطفو فوق خديه توهجاً. يمدّ يديه إلى شعرها الطويل المنسفح على الفراش وهي في جلستها الجانبية، يقرّبه إلى وجهه وأنفه، ثم يغمض عينيه على خيمة شعرها التي أسدلها فوق رأسه. يتمدد عالم آخر، أكثر عمقاً، وأكثر نزقاً بينهما.

في الكأس الرابعة أشار لها أن تجعله صافياً دون ماء، فقالت:

-بدأت تتغير!

تجاهل ملاحظتها، وقال:

-حدثيني عن القذارة.

لم تكن صبوحة قد انتهت من كأسها الأولى، وإذْ استغربت سؤاله، الذي جاء مفاجئاً، رفعته وارتشفت رشفة عميقة، وبعد أن مصمصت شفتيها، سألت:

-لماذا لم تقل: حدثيني عن النظافة؟

أحسَّ أنه يمشي متعثّراً فوق أرض صلبة جفاها المطر منذ سنوات، ومن إحدى شقوق الأرض، تراءت لـه أفعى، لم يكلّف نفسه أن يحمل عصا أو حجراً ليضربها، لكنه اكتفى ببصقة. تابع خطواته غير عابئ بالأرض القاحلة، وبالأشجار العارية. تراءى لـه قطيع من الذئاب. لم يرفع عصا ولم يهرب، بل اكتفى بنظرة قاسية، فولّى قطيع الذئاب هربا حيث الجبال.

ربتت على كتفه، وسألته:

-بدأت تتغير!

قال، وهو يحسّ خدراً ثقيلاً في لسانه:

-أنا سيد هذا الزمان.

وقهقهت صبوحة، ومع ضحكتها، قالت:

-أنت سيد الليل.

ها هي ذي الدنيا تميد. ها هي ذي النار تشتعل في صدره، وتطفو احمراراً على عينيه، وها هي ذي روحه تموج هلعاً فيمسك بيدها ويهزها بعنف محدِّقاً في عينيها، معتقداً أنه يغرس فيهما أشواكاً، ثم قال:

-تذكري.. أنني سيد المنخورة وسيد الليل، وسيد هذا الزمان.

نظرت إليه مستغربة، ومدت يدها إلى ستارة النافذة، وإذ أيقنت أن الفجر بدأ يلج العالم قالت:

-الحياة لا تعرف الإنصاف.

قال: ربما.

قالت ضاحكة: ها هو ذا الفجر.

قال: لن يتأخر فجري!

*

عندما فتحت الباب، تسلل قاسم المدهون على رؤوس أصابعه. عاد مجهداً إلى داره، وهو يحسُّ بالأزقة تدور، وأن مئات الأيدي قد ارتفعت حاملة جسده العملاق إلى الأعلى. تذكر أن أحداً لم يحمله في ليلة زفافه، سمع الزغاريد تحاصره من كل الأنحاء، وسمع من يهتف باسمه:

-يا مولانا السلطان!

وإذْ فتح الباب، دخل غرفته، وارتمى بثيابه على فراشه، وإذ أغمض عينيه، أحسَّ صداعاً مؤلماً في رأسه، لكنه تساءل وهو يرى وجه منيرة، شقيقة زوجة أخيه: كيف باستطاعته أن يحول بينها وبين غالب الوالبي؟.