- 3 -
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال : [ تكون فيكم النبوة ماشاء اللـه أن تكون، ثم يرفعها اللـه إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تكون ماشاء اللـه أن تكون، ثم يرفعها اللـه إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فتكون ماشاء اللـه أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ماشاء اللـه أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خـلافــة على منهاج النبوة، ثم سكت ]([1]).
يقول الشيخ سعيد حوى يرحمه الله في كتابه جند الله ثقافة وأخلاقاً : الملك العاض هو الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، أما الحكم الجبري فهو حكم العسكر الذين تسلموا الحكم بانقلابات عسكرية بدأها أتاتورك في تركيا ( 1908) وتتالت في جميع بلدان العالم الإسلامي ... وأهلكوا الحرث والنسل، نهبوا البلاد والعباد، ومحوا الطبقة الوسطى من الوجود، بعد أن كانت أكبر الطبقات عدداً في العالم العربي، طبقة المدرسين والموظفين والحرفيين وصغار التجار والكسبة، كانت تصل في بعض البلدان إلى (70%) بينما يشكل الفقراء (20%) والأغنياء (10%) ...تحت الحكم الجبري صار الأغنياء (15%) والفقراء (85%) ....
وهانحن نشهد رفع الله عزوجل للحكم الجبري الذي سيطر على الأمة العربية والإسلامية منذ مطلع القرن العشرين، وتربى جيلنا على الخضوع للحكم الجبري، حتى صار جيلاً يتوزع رجاله بين الجبن، والنفاق، والمثالية، والتشرذم، والفردية، .... وكلها عوامل ساعدت الحكم الجبري على البقاء والاستمرار زهاء قرن من الزمن، لأنه بدأ بانقلاب أتاتورك مطلع القرن العشرين، وسبحان الله هاهي تركيا من طليعة الدول التي رفع الله عنها الحكم الجبري، ويرفعه الله عزوجل إذا شاء أن يرفعه،وقد بين الله لنا قوانينه الاجتماعية والسياسية عندما قال : { إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }، فالقوم يغيرون ما بأنفسهم، ثم يغير الله أحوالهم، أوقل يرفع عنهم الحكم الجبري .... وقد تأكد أن شباب الثورة السورية غيروا ما بأنفسهم، وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله عزوجل، كما أن الشعب السوري زهد في الدنيا، وتحمل البرد والجوع والعطش، وخرج في الشوارع يهتف ضد النظام الأسدي الفاشستي، غير آبه بالرصاص والدبابات، وقد عرضت لنا الشاشات صوراً عجبنا لها – نحن السوريين المهجرين – شاهدنا مرات كثيرة أباً يحمل طفله الصغير ويمشي في المظاهرة، وإن دل هذا على شيء يدل على عمق الإيمان بالله تعالى، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب لنا ...
وشبابنا اليوم يختلفون عن آبائهم، فهم أقل جبناً، وأقل نفاقاً،وأقل تشرذماً إن شاء الله تعالى، حتى صرنا معاشر المعارضة الخارجية نفتخر أننا تبع للشارع السوري في الداخل، أي تبع للشباب في الداخل، لم لا، وهم يقدمون أرواحهم في سبيل الله عز وجل، وسالت دماؤهم تطهر رجس جيلنا الذي سكت ورضخ للحكم الجبري ....
أٌقول رضخ بشكل عام، أما الشباب المسلم في سوريا فقد أعلن أنه ضد الحكم الجبري منذ (1964م) عندما واجهه النظام الأسدي بالدبابات وهدم مسجد السلطان فوق رؤوس التلاميذ، مع الشيخ مروان حديد يرحمه الله، الذي غير قناعته يومذاك وغير منهجه من العمل السياسي إلى الجهاد المسلح والعمل العسكري، بعد أن تبين له أن النظام الأسدي فعل عام (1964) مالم يفعله الفرنسيون، الفرنسيون لم يدخلوا المساجد أبداً، وكان الثوار يحتمون فيها، وكان العسكري الفرنسي يطارد المواطن السوري الثائر، حتى إذا دخل المواطن المسجد، وقف العسكري الفرنسي، وعاد من حيث أتى ...
عندما تبين لمروان يرحمه الله أن هؤلاء أشــد بطشاً وحقداً على الشعب من المستعمر الفرنسي، تأكد له أن هؤلاء لاينفع معهم العمل السياسي، ولابد من العمل العسكري أي الجهاد بالسلاح ضدهم ...
ولذلك بنى الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين ؛ التي قالت للحكم الجبري في الثمانينات ( لا وألف لا )،ويجب أن نشهد أنهم قالوا للحكم الجبري ( لا) وقالوا له ( ارحل ) ولكن ذلك كلف الكبار والصغار، الرجال والنساء، تكلفة باهظة، خاصة في حماة، وجسر الشغور، وحلب، زهقت خلالها عشرات الألوف من الأرواح البريئة الطاهرة .... وتتالت الانتفاضات الإسلامية عام (1964م) في حماة، هدمت السلطة مسجد السلطان، واستشهد العشرات وربما المئات من أهالي حماة ... وعام (1965م) في المسجد الأموي بدمشق، حيث دخلت دبابات سليم حاطوم إلى صحن المسجد الأموي، وعام (1973م) في حماة وحمص واللاذقية، حيث اعتقل الصف الأول والثاني من جماعة الإخوان المسلمين في سوريا كلها ..... ودامت المعركة بين الشباب المسلم والنظام الأسدي من (1975م) وحتى (1986م) وكان أكبرها مجزرة حماة (82م) ...وكل هذه الانتفاضات كان الشباب المسلم وقودها، واستطاع النظام الأسدي أن يفصل بين الشباب المسلم وبقية الشعب، الشعب الذي رضخ واستكان للذل بضعة عقود ....
* * *
انطلقت الانتفاضة السورية ضد النظام الأسدي بمظاهرة صغيرة في حي حريقة الدمشقي، في آذار(مارس ) (2011) استمرت زهاء نصف الساعة قبل أن تفرقها قوات الأمن وتعتقل عدداً من النشطاء الذين شاركوا فيها. ولكن المظاهرة الصغيرة سرعان ما أطلقت عشرات المظاهرات الأخرى في أنحاء مختلفة من سورية خلال الأسابيع التالية.
وكانت مدينة درعــا الجنوبية، واللاذقية وبانياس في الشمال، ودوما في ريف دمشق، أبرز مواقع الاحتجاج، حيث ووجهت الحركة الشعبية بقدر هائل من عنف أجهزة الأمن، أدت إلى مقتل ما يقارب الثلاثمائة من السوريين خلال شهر واحد من الاحتجاجات. ولكن لا عنف الأجهزة ولا رواية إعلام النظام بوجود اختراق أجنبي مسلح من إرهابيين أو سلفيين، نجح في إخماد الانتفاضة أو حصرها.
وكان يوم الجمعة 22 إبريل/ نيسان (2011) يوماً مشهوداً في مسار الانتفاضة السورية، عندما وجهت قوات الأمن رصاصها للمتظاهرين كما لم تفعل من قبل، موقعة أكثر من مائة قتيل في يوم واحد.
وبعد تلك الجمعة وماتلاها، شهدت سورية مظاهرات في العديد من أنحاء البلاد، أطاحت بآمال النظام في احتواء الحركة عن طريق نشر قوات الجيش وتصعيد حملة القمع في درعا وريف دمشق.
ولتسويغ إجراءات القمع، لجأ النظام، حسب عدد من المصادر، كما لجأ النظامان المصري واليمني، إلى تسليح مجموعات أمنية (من المؤكد أن قطاعات منها من غير السوريين) لقمع المتظاهرين، سميت الشبيحة، وهذه التسمية أول ماأطلقت على الجيل الثاني من آل الأسد ( وخاصة أولاد جميل ورفعت وأمثالهم ) في القرداحة بالذات ، الذين لايخضعون لقانون ولانظام، ويفعلون مايريدون من نهب وسلب وخطف وابتزاز، وكانوا يرهبون السكان والمواطنين، حتى أنهم في إحدى المرات، احتلوا مقهى وفرضوا على الحاضرين تنفيذ أوامرهم ( الكل واقف ....الكل جالس ...الكل منبطح على الأرض ...)، مع التهديد بالكلاشن الموجودة معهم ؛ إذا لم ينفذ الحاضرون ذلك، هذه الشبيحة التي لخصها السوريون بأن أجسامهم كبيرة جداً ؛ بينما عقولهم أصغر من صغيرة، تعمل مع وحدات وعناصر الجيش على حد سواء. فتحرك مجموعات المسلحين بحرية غير معهودة، في بلد مثل سورية، ووجودها في أغلب الأحيان قرب أو على أسطح بنايات رسمية، يشير بوضوح إلى أن هذه المجموعات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام وأجهزته. ومن عناصر الشبيحة عناصر إيرانية من الحرس الثوري ؛ ومن جيش القدس؛ هذه القوات المعسكرة في سوريا منذ عشرة أعوام، ومنهم كذلك عناصر من جنود حزب اللات اللبناني، ومن جيش المهدي العراقي، فقد جعل النظام الأسدي المعركة طائفية منذ اليوم الأول، وراح يدفع بالطائفة العلوية كي تدافع عنه ولاتنفك عنه ...ولكن الشباب السوري لم يبادله نفس السلوك، بل أعلن أن الثورة ثورة الشعب السوري كله، بجميع طوائفه وأعراقه، وهتف قائلاً ( واحد .. واحد ... واحد ...الشعب السوري واحد )، وكانت الشبيحة تنفذ عمليات القنص من أسطحة العمارات الحكومية وغيرها، كما تمارس القتل بالسلاح الأبيض بعد استسلام الضحية وتقييده ثم فصل رأسه عن جسده في الشارع أمام المواطنين، وكان واضحاً أنهم يقومون بهذه الأفعال الإجرامية لبث الرعب والإرهاب في صفوف الشعب ....ليعود إلى الخنوع والرضوخ للاستعباد والاستعمار كما كان خلال أكثر من أربعين عاماً .... وبذلك يحتل النظام الأسدي المرتبة الأولى في سلم الإرهاب ، لكن أمريكا راضية مادام إرهابه ضد العرب والمسلمين فقط ...
وصلت سياسة القمع والإرهاب ذروتها الأولى خلال الأسبوع التالي لمظاهرات الجمعة 22 إبريل/ نيسان، عندما سقط أكثر من مائة قتيل في سلسلة الاحتجاجات في كافة أنحاء البلاد، أغلبهم في ريف دمشق ودرعا. وفي اليوم التالي، أعطيت الأوامر لقوات الجيش، لاسيما الفرقة المدرعة الرابعة التي يقودها شقيق الرئيس اللواء ماهر الأسد، بإخضاع مدينة درعا ومدن ريف دمشق، في إشارة واضحة إلى أن النظام عقد العزم على قمع الحركة الجماهيرية بكل ما أوتي من قوة، بما في ذلك المغامرة بإنزال قوات الجيش إلى شوارع المدن الثائرة.
وسمحت إسرائيل للنظام الأسدي بإدخال دباباته وأسلحته الثقيلة إلى درعا، مخالفاً شروط فك الاشتباك المتفق عليه بواسطة ( كيسنجر ) عام (1974) الذي يمنع سوريا من إدخال أسلحة ثقيلة إلى درعـا لأنها خط أول مع العدو الصهيوني، لكن مادام النظام الأسدي سيقتل الثوار، العرب المسلمين، ويفعل كما فعل في لبنان، فيقتل المقاومة نيابة عن إسرائيل، فلتسمح له بما يشاء من هذا القتل الذي يصب في مصلحتها ...
واتضح أن النظام في مأزق يزداد تفاقماً. فالواضح أنه قرر منذ الجمعة 22 إبريل/ نيسان اللجوء إلى ما يعرف بخيار حماة، بمعنى إطلاق يد قوات الجيش الموالية لقمع مدينة درعا التي أصبحت رمزاً للانتفاضة، مهما كان حجم الخسائر في صفوف الأهالي والدمار الذي يمكن إيقاعه بالمدينة. وبإخضاع درعا، يعتقد أركان النظام، أنه يمكن تلقين المدن السورية الأخرى درساً كافياً لإخماد الحراك الشعبي، تماماً كما وقع في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.