- 8-
في شريط الأنباء على الجزيرة والعربية وغيرها كتبت هذه الفقرة لمدة أيام تقول :
- قالت الهيئة العامة للثورة السورية إن اشتباكات عنيفة وقعت في حي بابا عمرو بين قوات الجيش النظامي التي تحاول اقتحام الحي والجيش السوري الحر الذي يتصدى لهذه المحاولات.
تهجم كتائب الأسد بالدبابات والمدرعات والمصفحات ، ويقابلها الجيش الحـر بمشاته ، وبأسلحته الفردية ، البندقية والرشاش والقاذف الأربجي ...كتائب الأسد لاتعرف لماذا تقاتل الشعب ، مكرهة ومجبرة ، وبعضهم ينتظر الفرصة المناسبة كي ينشق عن كتائب الأسد ويلتحق بالجيش السوري الـــحر ...يصدهم الجيش السوري الحـر بكثير من الشباب الذين جاءوا يبحثون عن الشهادة في سبيل الله ، وبكثير من الجنود والضباط المنشقين عن كتائب الأسد ...وكثير من المواطنين الذين سبق لهم تأدية الخدمة الإلزامية في الجيش السوري ، ودربوا على الأسلحة الفردية ....لذلك الفرق كبير في الروح المعنوية بين الفريقين .....
وعلى مدى سبعة وعشرين يوماً، تقصف كتائب الأسد حي بابا عمرو بالمدفعية والهاون وحتى الصواريخ، لأنه لم يجرؤ على دخول الحي، بعد أن أحكم الجيش السوري الحر على مداخل الحي ...وأردى قتيلاً كل من حاول دخول الحي .... وكثر عدد الجرحى، مما جعل الجيش الحر يبني عدة مشافي ميدانية، يعمل في كل منها طبيـبان أوثلاثــة، وتعمل الدكتورة ( حصة ) طالبة الطب التي لم تتخرج بعد، تعمل في أحدها، ووسط هذا العمل المكثف قابلت (حصة ) خطيبها ( الملازم أول حسين النواف ) في بيت والدها ...
- أخبريني عن أحوالكم في المشفى الميداني يادكتورة ؟ قال حسين النواف .
- المشفى الميداني عندنا ثلاث شقق متلاصقة في طابق واحد في إحدى العمارات ، هاجر أصحابها ، وسلموها لنا لنستفيد منها في صالح الثورة ....
- عسى أن تكون أحوالكم جيدة ؟
- أحوالنا لاتصدق، معظم مادرسناه في كلية الطب لانطبقه الآن، خيوط الجراحة أنواع، لكل عضو نوع خاص به، أما عندنا فالخيط المتوفر هو الموجود والذي نستعمله ...
- والجراحون !!؟
- مساكين الجرحى، حتى أنا صرت ( جرَّاحة ) أخيط جروحاً عميقة أحياناً،بعد تنظيفها بالسرعة الممكنة، وأحياناً أخرج منها الرصاصة، وهل تصدق أن هذا كله بدون مخدر( بنج )، وكمية البنج المحدودة عندنا محجوزة للعمليات الجراحية الكبيرة التي قد تطول أكثر من ساعة، أما العمليات الصغرى ( نصف ساعة ) فتتم بدون تخدير ...
- وكيف يصبر المصابون ؟
- والله إنهم أبطال فعلاً، كثير منهم يتلو آيات من القرآن، ونحن نقص ونخيط في جسمه، وكأن التلاوة تبعد عنه الإحساس بالألم ...
- إنهم مجاهدون حقاً، يطلبون الشهادة، ويتشوقون إلى الجنة ...
- بل الأعجب من هذا أن كثيرين منهم يلح علينا أن نسمح له بالعودة إلى ميدان القتال، ويبكي عندما يسمع عن أخبار الميدان، وينتظر الدقائق التي يسمح له بالعودة للقتال ...إنهم مجاهدون فعلاً، وربما أقول يندر مثلهم في هذا الزمن الرديء .
- وهل تصلكم الإمدادات الطبية من دواء وأدوات ؟
- نعم، تصل، كميات محدودة ، ولكنها لاتكفي ...
- الرمد أهون من العمـى، وليس في الإمكان أبدع مما كان ...
- المهم توفر الحبوب المضادة للالتهابات، التي تحفظ الجروح من التعفن...وخيوط ومقصات الجراحة، ويومياً يصل المندوب الطبي القادم من لبنان، ومعه كميات من هـذه الأدويــة والأدوات، وبعض الأجهــزة الطبيـــة الصغيرة والضرورية للمشفى ....
- كم حالة تعالجونها في اليوم ؟
- أولاً : ليس عندنا يوم في المشفى الميداني، لأن العمل مستمر، الجرحى أكثر من طاقتنا بخمسة أضعاف، لذلك نعمل بشكل مستمر، حتى يكاد أحدنا يسقط من التعب، نلح عليه أن ينام ساعتين أوثلاث، ثم يعود للعمل.
- ماهي أكبر مشكلة تواجهونها ؟
- انقطاع الكهرباء ...فالمولدات التي زود بها المشفى، لا تعوض التيار الكهربائي الأصلي، الذي يشغل الأجهزة، وخاصة الثلاجات التي نحفظ فيها جثث الشهداء ... التي نضطر للاحتفاظ بها حتى يتم التعرف على هويتها قبل دفنها ....
- وكيف هي الروح المعنوية في المشفى ؟
- عالية جداً، الأطباء يواصلون العمل ساعات طويلة، كل منهم يعمل ثلاثة أضعاف المدة المقــررة عــادة في المشــافي، وهم سعداء ويكررون قوله تعالى { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً .....المائدة 32} .ويرون لعملهم أهمية كبيرة عند الله عزوجل { فكأنما أحيا الناس جميعاً }، لذلك لايشعرون بالتعب والملل، ونجبرهم على النوم ساعتين أو ثلاث في اليوم ...عندما نراهم يتمايلون من الإرهاق ....فينامون في المشفى الميداني بين أنين الجرحى ...على فراش مؤقت ومتواضع...يأكلون قليلاً ، وينامون قليلاً ، ويعملون كثيراً ...
- وكذلك كل من يعمل في المشفى الميداني، ومنهم المراسل الذي يحضر الأدوية والأدوات بسيارته أو على دراجته النارية، وكل حركة له مغامرة بحياته، ولو ضبط مزقوه بحرابهم، لأنهم صاروا يحقدون كثيراً على هذه المشافي الميدانية، يدخل هذا المراسل والفرح يملأ وجهه، وهو يقدم الأدوية والأدوات للصيدلي أو من ينوب عنه الذي يستلمها، ويوزعها على الأطباء خلال العمل ...
- سبحان الله ! لماذا يكرهون المشافي الميدانية ؟ هل يريدون القضاء على الشعب السوري ؟؟؟؟
- نعم ، يريدون أن يموت الجرحى أمام الآخرين ؛ من أجل إذلال الشعب السوري وإرهابه ، يريدون إرهاب الشعب السوري كي يخنع ويطاطئ رأسه ، بضع عقود كما مضى ...
* * *
من مسببات النصر، والقضاء على الحكم الجبري، كما أراد الله ذلك، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ( ...ثم يكون حكمأ جبرياً فيكون فيكم ماشاء الله أن يكون ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه ...) من هذه المسببات تطور وسائل الاتصال، فالانترنت، واليوتوب، والفيسبوك، والتويتر، وكاميرات التصوير في الجوالات، وشبكة الانترنت التي تستقبل الرسائل الصوتية وأفلام الفيديو، وتبثها في الحال، حتى – كما يقول آصف شوكت – أن المندســين(الثـوار) يملكـون أجهــزة بــث متصلة بقناة الجزيرة والعربية ؛ تبث الحدث في اللحظة ذاتها ... والفضل لله ثم لجماعة الإخوان المسلمين التي زودت الثوار بعدد من هذه الكاميرات، ومنذ الشهر الأول أرسلت الجماعة مئات من أجهزة الثريا، ثم أرسلت عشرات الكاميرات للتصوير، ثم أرسلت عشرات الكاميرات التي تنقل صورة الشارع وتعكسها على قناة الجزيرة والعربية، هذه المتغيرات لم يحسب النظام الأسدي حسابها، ففي عام (1982) كان العالم كله ينتظر نشرة الأخبار الأردنية ليقول المذيع : أفاد قادمون من سوريا أنه تم إعدام عشرات المواطنين في حي الحاضر بحماة، اليوم ظهراً، أمام ذويهم في الشارع العام .... ثم ينتظر الناس يوماً كاملاً ليسمعوا تفصيلاً للنبأ أو يسمعوا نبأ آخر .....أما اليوم بعد ثلاثين عاماً وقد أراد الله انهزام الحكم الجبري ؛ فقد هيأ وسائل الاتصال الحديثة التي تنقل الخبر بالصوت والصورة حال وقوعه ....وتكشف للعالم أجمع مدى إجرام النظام الأسدي الذي يقتل شعبه بالأسلحة الثقيلة التي أعدها للعدو، والتي لم ولن يستخدمها مع الصهاينة، لكنه اليوم يستخدمها ضد الشعب السوري، عدوه الحقيقي، وقد برع الشباب في استخدام وسائل الاتصال الحديثة، قتفوق الشباب على إعلام الكتائب الأسدية .....وبرزت أسماء لامعة في حمص خاصة عاصمة الثورة السورية، يتكرر ظهورهم بالصوت والصورة على الفضائيات مثل الشاب خالد أبو صلاح، وهادي العبد الله وآخرون في المحافظات الأخرى ... وصاروا مراسلين محترفين لوسائل الإعلام، بعد أن منع النظام الأسدي وسائل الإعلام من إرسال مندوبين عنها إلى سوريا .... وظهرت كوادر إعلامية عظيمة في الثورة السورية....
كما سخر الله نشطاء إعلاميين عالميين لكشف الحقيقة، وبثها في الغرب خاصة والعالم عامة، كما نقرأ في هذا التقرير :
· في (21/ 2/ 2012) , وصلت رسالة إلى قسم الصور لصحيفة التايم في نيويورك، من المصور الفرنسي وليام دانيالز William Daniels يقول فيها بأنه تمكن من تهريب نفسه إلى حي باب عمرو المحاصر في مدينة حمص، إلى جانب المراسلة الفرنسية إديث بوفيير Édith Bouvier والمصور الفرنسي ريمي أوشليك Rémi Ochlik والمراسل الإسباني خافيير اسبينوزا Javier Espinosa , فضلاً عن المراسلة الأمريكية ماري كولفين Marie Colvin المتخصصة بتغطية الحروب، والمصور البريطاني بول كونروي Paul Conroyاللذين وصلا إلى هناك قبل يوم واحد. ولقد تسللوا جميعهم إلى البلاد بمساعدة ناشطيين سوريين ( من الجيش الحـر ) قاموا بتهريبهم عبر الحدود مع لبنان .
في الساعة 8:22 من صباح يوم (22/2)، فتح الجيش السوري النار على المنطقة التي يقيم فيها الصحافيون. حيث يقول دانيالز البالغ من العمر 35 عاماً: “لقد بدأ القصف قريباً جداً، دوى انفجار تبعه آخر، و عند الانفجار الثالث، أخبرنا السوريون الذين كانوا معنا “بضرورة الخروج”. لأن القصف يستهدفنا، فالصحفي الأوربي خطير جداً عليهم ، لأنه مصدر إعلامي مستقل ومحترف ومحايد ينقل المعلومة الصحيحة التي يخفيها النظام الأسدي بوسائل إعلامه التي لاتخجل من الكذب ....
ركض كل من كولفين وأوشليك خارج مخبأهم المؤلف من غرفتين لالتقاط أحذيتهم عند المدخل كي يتمكنوا من الفرار.
في تلك اللحظة، انفجرت قذيفة صاروخية في الجزء الأمامي من المبنى، مما أسفر عن مقتل كل من كولفين وأوشليك على الفور، وامتلأ الجو بالغبار. في خضم هذه الفوضى، سمع دانيالز صراخ بوفيير: “وليم, وليم! لا أستطيع التحرك”، حيث كانت قدمها اليسرى ملتوية، فقام بسحبها من كتفيها، و كانت تعاني من نزيف حاد.
ترنح دانيالز في طريقه إلى المدخل بينما كان يحمل زميلته. وبينما كان ينظر إلى الأسفل، رأى صديقه أوشليك, ذو الثمانية والعشرين ربيعاً فقط، ملقىً على الأرض مفارقاً الحياة، ثم قال لاهثاً لبوفيير “إديث، ريمي لن يكون معنا بعد الآن”.
اختبأ الصحفيون والسوريون المتواجدون في المنزل لمدة 10 دقائق في الحمام – أكثر الأماكن أمنا ً- وهم ينزفون ويرتعشون، إلى أن وصلت سيارة لإخراجهم من هناك. سارع الناشطون السوريون الغاضبون لأخذهم إلى عيادات ميدانية متنقلة،حيث أعلن الطبيب، وهو طبيب عسكري منشق من جيش الرئيس بشار الأسد، بأن بوفيير بحاجة إلى عملية جراحية نتيجة كسرين في عظم الفخذ.
لقد كان من المستحيل إجراء هذه العملية في ظروف الحرب هذه التي يعاني منها حي بابا عمرو المحاصر في حمص. كما كان من المستحيل أيضاً الفرار باستخدام النفق الذي جاؤوا منه، نظراً لحالة بوفيير التي لم يكن باستطاعتها المشي، ونقلها بالسيارة يشكل خطورة كبيرة على سلامتها. وكان كونري مصاباً في بطنه بالإضافة إلى جرح كبير في الساق، ولكن من الممكن نقله بسهولة.
قام الطبيب بإعطاء بوفيير حقنة مورفين, وساعد الصحفيين بالعثور على ملجأ جديد، عبارة عن غرفة ذات نافذة واحدة صغيرة محاطة بمنازل ذات ثلاثة طوابق، ولا يمكن رؤيتها من الشارع.
وخصص اثنان من الناشطين المدربين على الإسعافات الأولية لرعاية كل من بوفيير وكونري بالتناوب كل 12 ساعة، ويقومون بحقن بوفيير بمسكن ألم وأخيراً توجيه دانيالز حول كيفية التعامل مع الحقن.
قام الصحفيون بتسجيل شريط فيديو، وسلموه إلى أحد الناشطين لرفعه على موقع اليوتيوب ونشرها في جميع أنحاء العالم، وأظهر التسجيل كلاً من دانيالز, كونري وبوفيير وهم يناشدون اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقيام بإجلائهم.
كان النظام يُضيق الخِناق على بابا عمرو وقد صمم على سحق ما أصبح معقلاً للجيش الحر. وكان دانيال قد قرر عدم التخلي عن بوفييه.
وكانت كتائب الأسد قد دمّرت خزانات المياه على الأسطح عامدةً متعمدةً، وهكذا انقطعت المياه بعد أيام قليلة، لأنه يحارب أعداء يريد القضاء عليهم ، يريد أن يموتوا عطشاً ، إنه عدو حاقد يريد القضاء على الشعب كما أن الضوء الوحيد كان ضوء الشموع ومصابيح الكاز، لأنه قطع الكهرباء عن حي بابا عمرو. قام الأهالي بتزويدنا بأغطية و وقود للتدفئة من شدة البرد القارس، كان مخزون الطعام في تناقص حاد .
كان سكان بابا عمرو ودودين إلى حد يفطر القلب، وكانوا يقومون بتزويد الصحفيين بالحلويات والسجائر حتى أنهم كانوا يبحثون عن سجائر وينستون المستوردة ليقدموها لضيوفهم.
في (24/2)، كانت هدنة لمدة ساعتين، ما أتاح الفرصة لدانيال وإسبينوزا لاسترجاع بعض مقتنياتهم من مخبئهم الأول والذي كان قد تعرض للقصف، وقد أخذ دانيال بعض البطاريات من حقيبة صديقه المتوفى ريمي أوشليك، كما أنه أخد محفظة أوشليك وكمبيوتره و جواز سفره وكميرا محطمة، ليوصلها إلى ذويه ....
كانت الفرصة متاحة خلال فترة وقف إطلاق النار ليتمكن دانيال من التقاط صورللدمار في حي بابا عمرو وكان قد ذهب لرؤية جثتي كولفين وأوشليك في مشرحة ميدانية قام الأهالي بتجهيزها في شقة مجاورة وقد كتب على جثامينهم بالعربي ” رجل” و “إمراة ” لتمييزهم وقد قام دانييل بكتابة أسمائهم بأحرف كبيرة خشية أن تضيع الجثث في هذه الفوضى.
بعد ثلاثة أيام قام العاملون بالمشفى بدفن الجثتين بعد أن نفذ الوقود اللازم لتشتغيل البرادات.
استعار دانيال لاسلكي سيارة الإسعاف وتحدث إلى ممثل الصليب الأحمر في سوريا مارين غاسر قائلاً ” أخرجونا من هنا ” وقد جاء الرد متقطعاً ” لا تقلق نحن نتفاوض من أجل الوصول إلى بابا عمرو وكل شيء سيكون على مايرام”.
بعد قليل قامت قوات الأمن بإطلاق عدة صواريخ وقد بدا أنهم كانوا يستهدفون مخبأ الصحفيين بشكل مباشر.
“هنا صاروخ وهنا آخر” يقول دانيال وهو يشير إلى خريطة رسمت يدوياُ بينما يروي قصة ما حدث. لقد كُشِف الصحفيون وأصبحوا الأن أهدافاً سهلة المنال.
بعدما لقي كل من كولفين وأوشليك مصرعهما في الانفجار الذي استهدفهما، يعتقد دانيال الآن أن الجيش السوري استهدفهم بشكل مقصود. لقد توالت الانفجارات لساعات خلال الليل وحتى الصباح.
” لقد كنا خائفين حقاً” يستطرد دانيال قائلاً وهو يتنفس الصعداء. على الرغم من المخاطرة بأنهم قد يعتقلوا أو ما هو أسوأ من ذلك فقد تلقوا تعليمات من السلطات الفرنسية تقول بأن عليهم أن يغادروا بأسرع وقت ” لقد قررنا أن نغادر مع أول سيارة إسعاف تصل إلينا ولكن أياً منها لم يصل”.
في (25/2)، كان الجيش السوري قد وصل إلى أطراف حي بابا عمرو وكان على وشك أن يحطم خطوط الدفاع. كان الوقت يمضي بسرعة وقد قرر الرفاق الأربعة الهروب بالطريقة ذاتها التي جاؤوا بها من خلال نفق يمتد لأكثر من 2.5 ميل. قاموا بتثيت بوفييه إلى حمالة وقام أربعة سوريون بالتناوب على حملها ثنائياً. ولكن النفق والذي كان عبارة عن قناة لجر المياه لم يكن عالياً وكان عليهم أن يمشوا منحنيين حاملين معهم أمتعتهم الثقيلة وقد تعثروا كثيراً وهم يمشون خلف كونروي وإسبينوزا، اللذين كانا بالمقدمة مع مجموعة من الناشطين السوريين.
كثير من نشطاء المعارضة ركبوا على دراجات نارية وهي الوسيلة المستخدمة لنقل الإمدادات للمناطق المحاصرة ولنقل المصابين خارجها. وفجأة كان هناك انفجارات، لقد هاجم الجيش نهاية النفق البعيدة وقد فرّ الناس وهم يصرخون.
في العتمة الموحشة توسلت بوفيبه لصديقها قائلة علينا أن نتحرك من هنا. كان دانيال يعتقد أن بوفييه ثقيلة جدًا. حاول جاهداُ أن يحافظ على هدوئه وحاول أن يسحب الحمالة ولكنه لم يستطع تحريكها وعندها سمع صوت دراجة نارية ورأى ضوءاً خافتاً فركض باتجاهها طالباً المساعدة ثم قام هو وسائق الدراجة بوضع بوفييه على الدراجة النارية بعد تحريرها من الحمالة، وجلس دانيال خلفها وانطلقوا عبر الظلام عائدين إلى حصار بابا عمرو وقد سقطوا عدة مرات وفي أحد المرات ارتطم رأس بوفييه بقوة بسقف النفق.
في وقت متأخر من يوم الخميس وقد أضطروا أن يمضوا ليلتهم الأخيرة في سوريا بانتظار انتهاء العاصفة الثلجية. لقد استغرقت رحلتهم أربعة أيام ليسافروا 25 ميل وبعدها تم نقلهم بواسطة سيارة إسعاف إلى المشفى الفرنسي في بيروت وفي الطريق قاموا بتشغيل موبايلاتهم وأرسلوا رسائل الفرح إلى أصدقائهم. ” لقد نجونا ” يقول دانيال وهو يضع رأسه بين يديه ويبكي كما لو أنه يعيش التجربة كلها في هذه اللحظات.
في المساء التالي- بعد تسعة أيام على مقتل كولفين وأوشليك، وصل دانيال وبوفييه مطار فيلاكوبلي العسكري Villacoublay في باريس على متن طائرة فالكون حكومية فرنسية. وقد أشاد الرئيس الفرنسي ساركوزي وهو يتحدث للمراسلين بالصحفية بوفييه وبشهامة مرافقها دانيال الذي لم يتخلَ عنها للحظة على الرغم من أنه لم يكن مصاباً وكان يستطيع الهرب وحده.
بعدها بدقائق قليلة خرج دانيال من الطائرة وهو يبتسم ويلوح بيده مرتدياً سترة خضراء وقبعة سوداء ثم خرجت بوفييه محمولة على نقالة وهذه المرة بواسطة ممرضين فرنسيين.
“القصة الحقيقية ليست قصتنا .. إنها قصة الشعب السوري” يقول دانيال. “يجب أن تكتب ذلك، فما عايشناه لم يكن سوى عشرة بالمائة مما عايشه سكان بابا عمرو”