الفصل الثاني
ودامت بهما الحمى أياما. وجاءهما ممرض المارستان، فتداوت ليلى، وأبي مدين أن يتداوى.
وصبر ثلاثا، ثم قال: شيط كالقيح فيَّ لا بد أن ألفظه. ثم تحامل فخرج من البيت. وذهب هائما، فدخل الأجمة، وسلك بين القصب والحلفاء.
وأرسلت ليلى هندا على أثره لتسمع وترى.
فذهبت وعادت فقالت:
لا بأس عليه يا ليلى. إلا أنه دواء من غريب الدواء.
فقالت ليلى:
تعنين يا هند؟ إني لأخشى.
إنه ذهب إلى بيت "رنجهاد" الساحرة، يطلب إلى السحْر الشفاء. دخل فاستلقى. ودخلت فإذا هو كخلق الثياب طريح ملقى، وعلى رأسه رنجهاد كفلق الصبح يفضّ ليلة ليلاء، تحدثه فتذهب منه صورة وتأتى صورة أخرى، فهو كبعض ليالى الصيف البيضاء، الساكنة الحر والهواء، يسمع فيها نبات الذرة يتدافع نموا، متغير الصور والحال، تحدثه رنجهاد فتزيد الصحة وتنمو النفس والحياة، وتعود له عيناه. وكانت عليه كالآخذ من عدل بر، تجيل يدها فوقه كالزارع يزرع الحياة.
قالت:
رنجهاد؟ أهذه التي وراء الأجمة في الغاب؟
قالت:
هذه التي تُحيي وتميت.
قالت:
وأين موقع بيتها من الغاب؟
قالت:
على عين " سَلْهَوَى "...
وذكرت ليلى أن سلهوى عين حر، ماؤها حميم تسبح فيه ثعابين، ويلفظها فم من صخر، متساقط الأسنان كثير الهذر، ويسكت أحياناً وقد غص بالظلام، وعليها بخار لا يجرى إلا وجهاً واحداً لا ترده ريح ولا تلويه.
وقالت هند:
ورنجهاد على العين سادنة خادمة. منها ومن بخارها وما ملكت من قدرة سلهوى، جاء سر سحرها وغلبها الموت وإحياؤها الموتى.
قالت ليلى:
ماء العين؟ وهل رأيته قط؟ وهل أصابت منه يداك؟
قالت هند:
أعوذ بسلهوى. ومن ذا يقرب العين يا ليلى؟ تولج اليد في الماء فتذوب وتصعد صورة في الأبخرة إلى الهواء، وتضحك منك هزؤا، وتسمع العين غيضا.
قالت:
وهذا النبات الذي يتحدث عنه الناس؟
قالت:
نبات سلهوى، نبات النسيان والسلوى. وبه سمّى الناس العين باسمها. يقولون إنه كغاية الكمال، لم ير له أحد قط زيادة ولا نقصا، ولا يغيره شيء ولا تحركه ريح، ورقه مجدول، وعليه خضرة كالغبار الندي، وعروقه كالإبر تخز قلب الصخرة وخزا... وهو هناك إلى الأبد: لم يمسه السابقون ولن يمسه اللاحقون، لأنه لا يدرك إلا من العين، ومن ولج العين خرج منها بخاراً يضحك هزؤاً.
قالت:
إني لأخشى يا هند على مدين.
قالت:
وأنا مثلك يا ليلى. أخاف أن لا يكون له عندها إلا كامن الحقد. فقد عاث في دينها، وأفسد الناس عليها، وصرفهم إلى مارستانه عن دوائها سحرها.
وكأنما عاود ليلى ضائع إيمان مضى.
فشخصت ثم قالت:
نعم... لقد كان في نفسه حين جئنا هذا البلد شعلة الأنبياء. يريد محق الأمراض وإحياء الموتى... وأقمنا المارستان ونشرنا على الناس الدواء (...)...
قالت هند:
وقطعتم رنجهاد عن الناس، وكانوا قبل لا يعلمون مداوياً غيرها. وكانت تصيب العلة الواحد منا فيذهب على حافة الغاب ويدعو؟ فتخرج رنجهاد فتنظر إليه فتقول. أذهب يا هذا. فيعلم أنه مرض موته، فيعود إلى بيته (...) ويبدأ المأتم والبكاء، وتقام الجنازة والمريض بين الأحياء.
قالت ليلى:
وإنى لأذكر يوم نزلنا، وأنّا دخلنا بلداً جميع أهله في جنازة، والميت حي قائم على المحمل يشهد جنازته ويترقب أجله. وأني قلت: إنهم مصابون... أو...
قالت هند:
وإنما كان إيماناً بقضاء رنجهاد.
قالت ليلى:
أفكانت لا تقضي إلا بالموت؟
قالت هند:
لا يا ليلى. فقد يأتيها بعض المرضى، ويدعوها فتخرج فتقول: إني أرى لك معدن الحياة.
وتقول: أتريد الأبد؟. فيقول: إنه لثقل ثقيل. فأنا أكتفي بحياة كحياة آبائي مدى. فتجيل يدها فوقه كالزارع، فتعيد له الصحة وتنشئ الحياة.
قالت ليلى:
ولم يجرؤ أحد قط فسألها الخلود؟
قالت هند:
لا يا ليلى، إنه عندنا من نقمة الآلهة وأليم الشقاء.
وأمسكت هند. وأمسكت ليلى، وقد ذهبت بها خواطر شتى. وجاء الليل وتجرعت ليلى الحيرة بالظلام. وقامت هند توقد السراج. فكرهت ليلى أن تتسع الغرفة وهي على وحدتها ترقب أنساً فلا يأتيها، فقالت:
دعي يا هند.. اتركي الظلمات عليّ غطاء.
وصبرتْ حتى ذهب هزيع من الليل. ثم ضمّتها الوحدة إلى نفسها، وألحّ الليل على عينها، وألمّ بها نومها...