الفصل الرابع

9 0 00

الفصل الرابع

وجلست ليلى إلى لين الهواء آخر عشي رقيق الشمس والنور.

وجلس إليها مدين في اطمئنان وسكون.

قالت:

في مثل هذا العشيّ، في يوم من أيام الخريف، منذ أربع سنوات. أتذكر يا مدين؟...

ولكن مدين في محبس من المشكلات، فنفسه في الأصفاد.

قالت:

يوم بارد كثير الرياح، فيه كآبة وألم، وفيه اتساع وفراغ. كأنه الكون وقد أقفر وأوحش. وكان عشيه عشياً تحن فيه النفوس أن تطلق من عقالها فتذهب سائمة على وجهها، وتكثر فيه الأشباح على ضفاف النهر شتى... وإن النهر لبين يديّ، وإن الغيم لعلى النهر والمدينة وأهلها، يكدرها جميعاً، والأشباح في ردائه كالخيال. يأخذها نور مصباح من مصابيح المحجات، فيخرجها من الخيال لحظة فيدفعها إلى الحق دفعاً، ثم تعود إلى الخيال تذوب. وتلتقي السائمة بالسائمة تجمعهما الأخوة في الغيم، فتتحدثان أغرب الأحاديث، وتكسران الكلام، وتسخران من عجزه، وتشوشان من أوتاره، وينحل الحديث من عقاله فيتبدد في نفسه...

وتاقت نفسي في ذلك العشي أن تطلق فسامت، وتاقت نفسك فسامت مثل نفسي. وأخذنا الغيم وسار بنا، فقادني إليك وقادك إلي، حتى جمعنا فالتقينا. على ضفة النهر في منعطف خال تنوح فيه المياه، ولا يجرؤ عليه إلا من تيقظت فيه دواعي الغيب فجاء يقتل نفسه ويغسل

جئته في النهر. ووقفنا فقلت أنت: أود لو يطول الليل ولا ينكشف الغيم. وقلت أنا: أود لو يكون فيّ ليلي فلا يكون أنسه لغيري، وغيمي فيَّ فلا ينكشف عني. ثم تعارفنا، فذهبنا إلى حديقة عالية وحيدة، ذات بؤس وخلاء ووحشة، وقعت لنا ولا ندري أين تقع. وجلسنا هناك على مقعد من رخام، صلب قاس وبارد طاهر كالثلج. وجعلنا نرمي في الغيب بأحلام وآمال متفقة متناقضة، بعيدة المدى قاصية المسافة. وحدثتني بما لا يتوقعه العقل ويصغر عنده الخيال ويكبو. وقلت كلاماً قاسياً فيه كبرد الحصى صباح قر. وكانت أحلامنا من أغرب الأحلام، وكلامنا من أغرب الكلام. فكأننا نهوي إلى فوق...

وقد كان منك ما كان في هذه الأيام يا مدين، فذكرت برد ذلك العشي وغيمه، وطيف حديقة الأحلام...

قال مدين وقد استذكر:

نعم، وكنا خرجنا ذلك العشي تطلبين ما قدر لك من شأن، وأطلب ما قدر لي من شأن، في هذه الحياة...

قالت:

وقد قتلت حديقة الأحلام يا مدين.

قال:

وقتلت غيرها كثيراً.

قالت:

وقد كنت تقول كلاماً بديعا. كنت تقول إنك في حاجة إلى الزعازع المدمرات، لا تستقم لك بدونها الحياة، وإن عاديّ الأحوال وخفض العيش مذهبة لنارك، وإن لك مزاج إله، به حاجة دائمة إلى أن ينفلق شيء ويتميز، وتدوي الداويات دويا. وكنت تقول: هي سنة التقلب والتحول. وليس في الكون قوة ولا بأس، ما لم يصر عدم إلى وجود أو وجود إلى عدم. ما لم ينقلب ولم ينكسر ولم يلد ولم يتحول.

قال:

لقد كنت حينئذ يا ليلى كالفلك لا تثبت إلا على الأعماق والأغوار... وكان ينصرف فكري إلى هذه الأعماق في استطاعتها أن تدعو الفلك أو تهوي بها إلى الغور ولا تهوي، فأجد فيه كالدوار والغشية. وكنت أظن أني لا أسير والأعماق إلا سكنني الدوار، وأنستني الغشية الخوف... ثم فتحت عيني فإذا دعوة الأعماق كاذبة، وإذا سنة التحول وما حسبت لها من قوة سنة كاذبة، وإذا أنت أيضاً... وتركتني الأعماق أحقاباً وتركتني سنة التحول وتركتني أنت يا ليلى على خلوة بنفسي، وكفرت وذهب إيماني بالأعماق وقوة التحول. ولم تبق لي غشية سواك ولا نسيان يا ليلى.

قالت:

وإنك لم تطلب غير الدوار والغشية من يوم عرفتك يا مدين... وقد سألتني بالحديقة عشي الغيم، أن لا أسألك لماذا تذهب في حياتك مذهب متعمد النسيان طالبه، فأقسمت لك بذلك. ونظرت فلمحت في عينك كسواد الحداد، فأدركت ما طويت في نفسك وأمسكت عنك. ولكني طلبت السر حتى عرفت قصتك مع أسماء. ثم رأيتك تتناسى وتُنسي، فغضضت وتناسيت.

وسكتت ليلى كالواجد قديم ألم كان غلبه في النفس فأذكته الذكرى لحظة. ثم قالت:

... ثم رأيتك بعد ذلك، وقد رففت كالطائر أو كسرت من جناحيك تنقض، وأنت تقول: إن الحركة والسرعة تخفى عن العين شيئاً كثيراً، وتخلط ألوان قوس قزح فتجعلها بياضا، فلعلها تخفيني عن عيني وتخلطني بنفسي حتى تعميني. وذهبت في عدو الفرس السبوح، وتمردت على الثقل والإبطاء، وجئتني بأقصى القوة والحسن.

وسكتت ليلى كالواجد اللذة يسكن فيها.

قال:

لقد حسبت مثلك يا ليلى أنها سكرة ليس كمثلها سكرة؟ وأنها كمال النسيان والغشية. ثم نظرت فإذا الأحلام فانية والأماني، ترحيها شديداً رحى الزمان، وتذرو هباءها لياليّ وأيامي. فصغر عندي شأن " كبير الأطباء" وما ابتكرت من الدواء، وما غلبت من الأدواء. وثقل علي انكساري أمام الفناء وعجزي. وكرهت حياتي وأبغضت نفسي.

قالت:

وجئتني مساء وقد فل إيمانك، فكانت لنا ثلاث ليالى أرقاً أليماً. ثم إذا أنت قد تخلصت وقمت من الحطام، كالمبعوث تجتمع له العظام، ولما يزل يتصاعد من دمارك دخان ما حطمك من نارك... وأدركت أنك لم تنس أسماء... ثم طلع علينا الفجر بالرحيل، فسرنا حتى نزلنا هذه البلاد. وقلت: هذي بلاد الموت وهذا يوم الجهاد. وأقسمت لتصلن إلى تركيب دواء يجعل الحي كالجماد بل كالرخام لا يخشى عليه نفاد. وتحولت عليَّ وعني، وطلبتك فلم أجدك.

***

قال:

وقد طلبت نفسي فلم أجدها، يوم نزلنا هذه البلاد، فقلت وظننت: هو خلق معاد.

قالت:

ولكني لم أفتأ يا مدين أستقصيك حتى لحقتك. كالأمر المنسي تضيع ذكراه ثم يعود إليك على مهل. فإذا أنت قد جعلت كل شيء سبباً إلى الفعل. وصار عندك كل ما سواك من ناس وغير ناس كقطع اللعب أو خيالاً أو لعباً محضاً. وإذا أنت قد حصرت همك في مطاردة عدوك الموت، وجعلت كل مريض وكل مرض سبباً إلى ذلك وكل شيء سواك.

قال:

نعم يا ليلى، كل شيء واحد. ما استثنيت إلاك.

قالت:

وإن استثنيت فيَّ إلا غشية لك ونسيانا، كانا أصدق من الحركة والقوة والسرعة، تمد منهما فيَّ سبباً إلى الفعل يا مدين. وقد ضعت عني المرة الأولى، حتى رأيتك كالمقهور ضاع رشده واختلط عليه أمره، ثم أدركتك قبل أن تفوتني بلا رجعة. ثم ضعت عني ثانية من مساء الحمى. فهل أدركك ثانية كما أدركتك أولى؟

قال:

مساء الحمى علمت فيه يا ليلى أن كل ميت يخلف بين الأحياء ميتا... وعلمت أن الأموات تصارع الزمان صراعا. وقلت: الفعل من الحركة، وليس مثلها عذاب، وليس كالزمان محرك. ثم قلت: أليس أن في الوجود اعتدالا؟ أليس الحي والكون كله توقاً إلى اعتدال السكون واجب الوجود؟ فإن بلغه الحي كان (...) الشفاء والأبد الخلود...

قالت وعيناها هائمتان في أبعد من الغيب:

كذا. إنه يا مدين إذا اتسع الفكر فغشى على الحياة كلها، فقد أمات وسكن إلى الجمود ومات. وها أنت في طريق النهاية. وإن أخشى ما أخشى عليك يا مدين أن يكون السكون هو العدم.

قال:

وإن كان، فهل ترين للعدم بداية أو طولاً أو نهاية؟ أليس هو ضد الزمان؟ أليس هو أبد الأبد؟ القرار الذي لا يتغير ولا يتحرك، ولا يحدث ولا يزول. الكل في حضرة الكل، ليس لحقيقته اسم ولا لأبعاده حد...

ووجم مدين لحظة ثم قال في همس بعيد:

ليقعن لي سر الجمود البقاء والأبد القرار، ولأفنين الموت أو أفنين الحياة. ويكون آخر عزمي وجهدي...

***

وقام مدين كمن تيقظ فيه داع جبار لا ترد له دعوة. وتوتر واشتد. فأدركت ليلى أنه تاق إلى الغاب. فقالت:

إني أجد الغاب يدعوك. فاذهب يا مدين ودعني. فهو عشي تحن فيه النفوس أن تطلق من عقالها، فتذهب سائمة على وجهها ناشدة قرارها المفقود...

وقبل أن يسمعها ارتمى إلى الغاب وطلق شيء في نفسه... وسمعت ليلى من الغاب رقيق شوق ودعوات عظاما، وأحست منها كشديد العناق. وذهب مدين كالمسرع إلى الوصال. ودخل تحت شعور الأشجار، كالداخل على عرائس أبكار.

ولم يصبر ليلى فقامت ودخلت إثره عالم الغاب.

وأوغلا معا في الجنون الفرار.