-1-

6 0 00

-1-

تنهيدة التراب

[0]

كل شيءً يصخب في هذه الليلة الحزينة، صفير الهواء يُسمع مع هطول المطر… قَصَف الرعد مرات متتالية، أشتد نباح الكلاب، البرق يرسم سيوفاً من نار في السماء، تدخل شهبها إلى قتامة الحجرة الكئيبة، تأسر ضوؤها لحظات، ثم تتلاشى الخطوط الحمراء في عتمة الليل، يتوالى هذا الإيقاع رتيباً.

النار تشع في المدفأة، النسوة يتحلّقن حولها يغزلن الصوف، يأخذ شاهو مكانه بينهنَّ مع صبي آخر من أترابه، يحتمي بأمه، الحجرة مسكونة بالقصص والأنفاس، الوقت يعصر الكلمات في قبضته ويخفي المجهول المقبل، أحشاء الحجرة تمتص الحكايات التي تطلقها ألسنة النسوة، راحت الوجوه تحاصره، خاوية ومقيتة كعواء الكلاب الذي يصدم نفسه الصغيرة، يرتجف، يشعر برغبة قوية لا تقاوم بالفرار من هذا الصخب، الذي يغتال طمأنينته...

الليل يرتل طقوسه على روح الزمن، ذبالة القنديل البترولي تغصُّ بأنفاسها صابغةً أحد جوانب الزجاج بهبابها، سواداً قاتماً.

كانت النسوة قد سردن بضع حكايات عن الحب والثأر، إلى أن بدأت »ألو« تسرد قصة دلال … وهي تتقمص شخصية الحبيبة »عدول« عندما علمت بموت دلالها »دوريش« بحثت عنه في البراري حتى وجدته ووضعت رأسه على ركبتها وناحت عليه…

حبيبي: أيها المهر المحمم في براري الفجر ياطائر الروح الأخضر.

زاد كل هذا مع كلمات الأغنية عليه وعلى جدران الغرفة الباردة غموضاً، أستسلم لإيقاع الرعب، في هذه الليلة الشتوية الطويلة وقال في نفسه بضراعة وخوف:

- آه لو كنت قوياً وشجاعاً مثل دلال لما خفت من الليل والرعد، ولكن لِمَ مات دلال؟!..

منذ أن بدأت آلو تسرد الفتاة التي أوثقوها، أصغى شاهو بكل حواسه وجعل من أذنيه نافذتين تلتقطان كل كلمة تقولها:

- الفتاة أحبت شاباً غريباً رفضه أهلها، وأجبروها على الاقتران بأحد أقربائها، كانت عنيدة ومتشبثة بحبها الأول، ولم يستطع أن يدخل بها ثلاث ليالٍ متتالية، كانت تقاومه بأظافرها وأسنانها ولم تنل منها حبال القنب المبتلة بالماء والضرب، يئس أهل العريس من هذه الحالة وأن هم تركوها تعود إلى بيت ذويها.. فكأنما يستأصلون رجولة العريس بسكينً حادة.

تنهدت آلو وقالت: اهتدوا لفكرةٍ جهنمية بأن دقوا أربعة أوتاد وربطوا وثاقها بأطرافها الأربعة وأدخلوا عليها العريس العتيد بعد أن ربتوا على ظهره وشجعوه…

وكأنني أرى المشهد ماثلاً أمامي بكل تفاصيله الحسية، ورافق دخوله إلى المحراب الإلهي للفتاة المغلوبة على أمرها، وكأنما تصاحب طقوس وثنية بائدة، من زغاريد وتشجيع، صار ذئبُ لذته الوحشية ينشبُ براثنه في صفاء طهارتها، وكانت تغرق أكثر فأكثر في حمأة الدنس، من اغتصابٍ «شرعيٍ» كان يلوث نقاء العشق الذي راح يطرق أذنيها بضجيج لهاث الوحش الرابض بقسوة على صدرها، وحلِمت أنها تغرق .. تغرق ميتةً في أطباق اللاوعي، وتنغرز عميقاً في أحضانِ أمها الأرض هكذا أعمق فأعمق، وهذا الوحش الذي يفحُّ ناراً على وجهها وشواظاً من رائحةٍ شيطانية يبقى معلقاً في فراغ دمامله الموروثة..

- لا ليس هذا جسدي الذي ينمحق الآن تحت لعابك الذي يسيل كاوياً وجهي كالفضة المذابة، بكارة الجسد فانية، أما بكارة روحي فليست لك، ولتأخذكَ عاصفةُ دمائي المتدفقة نافورةً من غضب إلى نجاسةِ وحشيتك الشيطانية، فأنا أغوص عميقاً في رحم أمي هذه الأرض.. الأرض البريئة الخيّرة، كحلم من النضارة، أعود إليها بذرة طهارة كجوزة برية، لن أصرخ أيها الحيوان تحت سياط لهاثك، فقط سأنغرس هنا في التراب، بذرةً لم تخلع ثوبها إلا في قلب أمها المياه العظيمة، لتخترق السطح ثانيةً وتخرج شجرة تحبل بعناقيد الدم.

أخيراً، ذلك الذي لايمكن أن نقول عنه بأنه وحش لأن الوحوش تأنف من فعلته، خرج ذلك «الكائن» الذي له صورة إنسان معلناً «فحولته» بحزقة بيضاء عليها لطخ حمراء من دنس الإستلاب، وأشلاء الطهارة.. تنهدت آلو، وهمستْ:

-مسكينة

تلمس شاهو وجه أمه وبلهفةٍ سأل: وهل ماتت الفتاة؟

لم ترد عليه أمه، كرر سؤاله، نظرت في عينيه القلقتين وقالت:

لا يا ولدي لم تمت.

- والدماء من أين خرجت ولماذا لوح بقطعة قماش؟؟

ضحكت النسوة وقالت آلو وهي تهمُّ بالوقوف موجهة كلامها لشاهو:

- ستكبر وتعرف ذلك بنفسك

ومدت يدها إلى عضوه الصغير، سيعلّمك هذا.

خجل شاهو وأنكمش في مكانه.

تلفلفن جيداً بثيابهن عائدات إلى بيوتهن:

- تصبحن على خير

ردت أمه وأنتنَّ بخير

- » هذه الليلة باردة جداً« قالت وهي واقفةٌ بالباب واصطحبت شاهو إلى فراشه.

اللحظة الخطرة تتثاءب وتلتوي داخلةٍ إلى جحرها، لتلحق بها لحظةٍ أخرى، وتمضي اللحظات غير آبهة بعينيّْ شاهو المذعورتين، تحت اللحاف، هدأ المطر في الخارج، إحساسه ثقيل، قاتم في الداخل وكأن جدران الغرفة تطبق عليه وتقطع أنفاسه، شعورٌ خفيٌ قاده إلى النوم مرغماً، مع أن رأسه امتلأتْ بالوساوس والأفكار، امتدت الأصابع الخشنة إلى نعومة أحلامه، شاهد في حلمه (وتد… اثنان….) والفتاة المربوطة إليها، خرجت منها الدماء على شكل نافورة متدفقة نحوه صرخ بكل صوته:

- دم… دم.. دم.. أمي الدم في الغرفة، في الفراش في الوسادة، أختي تغرق في الدماء وصل دم أختي إلى ثيابي… حلقي.. عينيَّ.. الدم في دمي….!

استيقظت أمه هلعةً على صوته، فركضتْ نحو فراشه.

- ماذا حدث؟ ماذا حدث؟ يا ولدي.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسملت وقرأت الفاتحة بخشوع، أرتجف في حضن أمه كعصفورٍ مذعور في قبضةٍ خشنة، جلبت أخته الماء وسقته.

بسم الله.. بسم الله، اختلط صوته بصوت مؤذن الجامع، أجفل على صوته وصمَّ أذنيه كي لا يسمع أيقظ بصراخه «حداتو » النائمة منذ ثلاثة آلاف عام ومقبرتها والجيران وترافدت تلك الجراح تدفع أمامها (مزوبوتاميا) بأكملها إلى الدم والخراب وزلزلت المنطقة كلها على ضفاف دم وفاضت اللزوجة تحمل رائحة الموت.

في الصباح أستقبلهم ضبابٌ كثيف مع نسماتٍ باردة وتوجهوا إلى الشيخ ليعمل لشاهو »حجاباً« كي لا تعاوده الكوابيس.

[1]

تنتصب الجدران أمامه بصمت، وتتشح بالسواد كلوحةٍ مدرسية عبث بها طبشور النزلاء، أٍسماءهم ذكرياتهم هواجسهم، كأنهم الآن فقط قد غادروا.. يجول بنظره بين موجودات المكان وأخذ يتابع الجدران مطعوناً بحزنٍ عميق، مغرقاً الآن، كما في كل الفراغ النزق، الذي يشاكسه مسامات جسده وأنفاس حياته.

تدلّت يداه وكان ينتفض في داخله، كأنَّ قضيباً حامياً يغوص في أعماق جراح الروح، المفتوحة على وسعها.

كل شخص هنا له عالمه الخاص وجسده يحمل قيحه الشخصي، مع حقائق عارية جداً من الداخل، فهو منزوٍ في داخله، وفي ركنه المعتاد منفرداً بنفسه حتى في هذا المكان، كما في كل الأمكنة الأخرى...

تحرر شاهو قليلاً من الألم الذي أنتابه، وضع كفيه المتشابكتين فوق ركبتيه المنحنيتين، واتكأ بجبهته عليهما.

طير الذكريات يمد جنحيه، ويبتعد عنه لا يأبه بالحواجز الزمنية والجغرافية يحاول الهروب من تحت مخلب التاريخ، يجوب البراري على صهوةٍ من الألم، جراحه ما زالت ندية ترزح مكبّلة بنزيف الدم والأوجاع، أحياناً تنتابه الحمى والهذيان، أمه تناوله كأس الماء، النبع الذي شرب منه في »سيدار «، الغارات الجوية القذائف، أزيز الرصاص «أفين» الطلقات التي أصابت كتفه وساقه، المدرسة، القرية، الرفاق، السلاح، الثلج انتابته جميع المشاعر التي تعكسها هذه المشاهد.. أشواكٌ تخزُّ في أشلائه في هذيانه يفرك أذن المشاعية التي تعتّقت البشرية في جرارها.

يمسك تلابيب الليل، ليسأل عن الفجر المختفي خلفهُ؟ وهو في يقين أن الأسمال البالية لا تستر عري الصباح، اعد لديه سوط الذاكرة مع مهماز النسيان، تنعسُ عظامه في شبق الليل بتأوهات العوانس ولولا قدوم السجان مع حساء العدس وشتائمه (قاخ هيشك لر ) فالظلام لا ينزع رداءه، وما عُرف الليل من النهار، ارتعشت شفتاه أكثر…. أفاعٍ من الغبار تصعد نحو السماء، أقترب من النجوم يحسّ أنفاسها الدافئة في صدره، يرى السماء عارية في التجاعيد الحرفية للنجوم.

عاد إلى المشاعية شدها من أذنيها، قبر ينبتُ فوق قبر، تتكدسُ أسواق النخاسة بنخاع المراحل.

باغتته هذه الحالة عندما تنحى العقل الحارس على بوابة اللاشعور هبط هرَم اللاوعي، عاد ثانية إلى المكان بينما العرق ينساح منه، أنفاسه محمومة وبطيئة بعض الشيء، زاغت في رأسه المشاهد.. الرفاق… الطفولة… أفين.. لفتهما غمامةٌ كبيرة كثيفة وأطبقت على روحيهما في صيرورة الزمن الحادّة.

رفع جبهته وأمعن النظر في الباب الحديدي الثقيل، والنافذة المصلوبة بأربع قضبان.. أسند رأسه إلى الجدار، الجدار الذي يفصله عن أفين عن الحرية والجبال خاطب نفسه:

- هذا المكان يبعثر عمرك هباءً

حبل الأسئلة يلتف حول عنقه، سلاحه الوحيد أمام لوحة أصناف التعذيب السوريالية، إيمانه وثقته بنفسه، أوقد قنديل الإرادة في دهليز الروح.

الضوء الأصفر الباهت، يخرق أحشاء الظلام، يرتسم ظله على الجدار ولو كان ثمة ضوء أكثر، لظهرت جبهته العريضة بلون القمح، عيناه البنيتان، يستقر فيهما البريق والذكاء معاً وأنفه الأفطس الذي يُنسجم مع عينيه المتورمتين، فارع الطول يمشي منحنياً لكثرة مااعتاد حمل المخازن المليئة بالطلقات فتراتٍ طويلة على خاصرته، رفاقه في الثورة كانوا ينادونه بالصيني بشعره الأسود السبط، وشاربه الحليق غالباً، كانت الظروف الصعبة التي مرّ بها تضطره أحياناً إلى إهمال مظهره الخارجي، الظروف التي كان صدره العريض وحده خليقاً بتحملها.

دنا من هتاو وبطابعه الحماسي قال:

هتاو… هتاو قم يا صاحبي، مسّد هتاو عينيه ونظر من فوقه إلى شاهو وابتسامةً تعلو شفتيه.

- ماذا دهاك؟ هل جاء (الكارديان) لنقول ثانية (المارش)؟

جلس قربه وثنى ركبته اليسرى، تحسس جرح كتفه، شد أسنانه على شفته السفلى بقوة.

خرجت من داخله تنهدة ذبيحة أسند رأسه على كتف هتاو انتابته حمى شديدة، فتبدلت ملامحه، بان التأثير جلياً عليه.

أرخى رأسه وتمتمَ..

- لم أعد أطيق .. لم أعد أطيق! كل هذا، لو لم أستهلك الرمانتين، ولولا الجراح التي أعطبت يدي للما شاهدتني قابعاً هنا في هذه الزنزانة الضيقّة.

كان يشعر بحنان نحو هتاو ربما لأنّ الأخير يكبره بعدّة سنوات أو بسبب الروح الرفاقية التي كانت تجمعهما بين صفوف الأنصار، والخصوصيات المشتركة الكثيرة.

- خاطبه هتاو أنت تنأى بأفكارك عني –يا شاهو- دع نهر الحياة يأخذ مجراه، ماذا يمكن للضحية أن تفعل وهي تحت السكين؟!..

- تحتج

وكأن هذه الكلمة أعجبته دون سواها، أدخل أصابعه في شعره ورفع الخصلات من فوق جبهته ردد كلمته نعم أن تحتج.

قطب جبينه وهو يحدق بالسقف وخيوط من نسيج العناكب التي كانت تعقد قرانها في الزوايا.

- نحن العوبة بيد القدر، عبثاً نحاول الهروب. مازحه هتاو قائلاً:

- الهروب من ماذا؟

القدر ليس تمشيطاً عسكرياً لكي تختبئ منه، ولا غارة جوية، كفاك تمرداً، تتمرد حتى على نفسك؟!.

جاءته رعشةٌ قوية فقال بانفعال: يا لهذا القرف !!

- لا ترفع صوتك سيدخل الكارديان ويشبعنا ضرباً.

رفع رأسه بسخريةٍ

– لا أبه به فليفعل ما يشاء، الجسد يذوي ويذوب كل يوم، ولا يبقى شيء سوى أننا نعيش رغماً عنا.

خاطب رفيقه أو ربما ذاته، وهو في دخيلة نفسه يدق عتبة الأمل الضئيل بخطواتٍ نازفة ولا يصل مبتغاه، يتسكع في عتمة أحلامه المنذورة للذبح من حداتو إلى حدود أرمينيا.

همهم قائلاً؛ كلبٌ أنا سرقوا نباحهُ، سأصرخُ في وحدتي المزدحمة بصوتٍ لا صوت له!!

وبهدوء قال هتاو بتُ لا أفهمك في هذه الأيام.

- ولماذا تفهمني، وهل أنا معادلة كيميائية؟

- دعك من الفلسفة.

- كما تشاء لا أريد أن تنزعج أكثر لا زالت الحمى تعاودك بين الفينة والأخرى.

صمت وعض أكمام قميصه الذي بدا قاسياً بين أسنانه من العرق والدم، أنين موجع يحز قلبه بسكاكين، ويستنزف من قوته الكثير قلب الزمن له، فتزنّر بالقنابل، أراد أن يصرخ، صوته يضيع في شروخ جسده والجدران معاً، رغم هذا أحس بثقة وطمأنينة.

جوانحه تلتهب بأغنياتٍ ولوحاتٍ تدق في الذاكرة كالمسامير، تنقش نعشاً كالوشم على غضروف أرادته، يتثاءب الجرح في جسده، ينتفض يعانق هذيان الفكر، لحن البقاء الصدئ يئن في جراحه جرحٌ أسيوي عنيد لا يندمل.

أحس بمخاض هذا النزيف مُذ كان طفلاً يلهو مع أترابه قرب مقبرة حداتو يوم حملوا الأسود الحجرية من قريته على قاطرة ذات عجلات كثيرة.

وهو يسأل نفسه والآخرين، يكبر وتنمو في حقله الأسئلة وتتطاول عن اصوله «ومزوبوتاميا» هذا التاريخ الذي يحاول الهروب منه فيلاحقه كظله، بكل محطاته الأليمة وأنتفاضاته المجهضة.

خاطب هتاو: دعني وحدي

- أنت دائماً تفكر وحدك.

أستمر جالساً لبرهة، دون أن ينبس ببنت شفة، أنسحب إلى زاويته المعتادة.

كما تشاء.. قالها: هتاو

لم يرد عليه…

عاودته المسامير الأحياء والأموات يتصارعون في ذهنه، التاريخ الماضي البعيد يختلط مع الماضي القريب، والحاضر جثث، جرحى، أجزاء مبتورة، دخان قنابل، يتوزعون على القبور والمشافي، مقابر لا تملك أسماءً وعناوينً وليس لها مكان محدّد أمُّ تبحث بين الرسائل عن أخبار ابنها، حبيباتٍ يضطجعن الليل مع شظايا الذكريات، ها هو «حقي» الصغير يسأل عن أمه التي التحقت بالثوار، إنها الحرب يا شاهو قالها لا شيء أجمل من مصارحة الذات ونظر إلى ظل القضبان التي شكلت على الأرضية مربعات كبيرة، وصوت شاحنات يأتي من بعيد... شاحنات تذهب اتقطر وراءها التاريخ والطفولة والذكريات..

كثيرون غابوا في أتون هذه الحرب، كانوا معه في الخندق والعمليات، المشفى المحفور في عمق الجبل تحسباً من القصف اليومي، المطبخ الثوري وأرغفة الخبز التي يتصاعد منها الدخان.. اليوم دورك يا شاهو ستقوم بصنع الخبز والأكل سيكون فاصولياء. شاهو الآن يتذكر كل هذه الأشياء.

الصيف الشتاء الربيع.. الخريف، هذه الرباعية الموجودة في صيرورة الحياة، كنت ربيعاً يزهر يتدفق عنفواناً وشباباً والآن الخريف يداهمك بغتةً أسقط الآن تفقد من ركائزك الأربع اثنان.. أسقط.. لا لن أسقط.

يظهر له الجنرال الثلجي، السلام عليك أيها الوطن، أيها القاسي الحنون، أيها البارد والحارّ!!. يمد ذراعيه السماء بيضاء الأرض، الشجر كل شيء أتحد في لوحة بيضاء كالكفن، وصفير الهواء تلقين لدفن أشلاء أغنيةً دافئة.

يتذكر رفيقته زيلان، بتروا أصابعها العشر بعد أن احترقت في الثلج، وهذا خوفاً من تغلغل الغرغرينة، حرموها من نعمة كتابة القصائد.

زيلان طالبة الأدب العربي القادمة من حلب كانت تبكي بمرارة وتسأل بأي شيءٍ سأكتب وكيف سأمسك القلم؟!

تستند إلى شجرة البطم طالبة منك أن تدون بدلاً عنها مذكراتها.

- قصف مكثف في (بيت الشباب) وبعض الأحداث الهامة بالنسبة لها، مشاعرها، أحلامها التي دُفنت هناك، في الثلج والرماد.. رماد العمر.. ثلاثة جرحى وأربعة شهداء (هكاري) اشتباكات عنيفة منذ البارحة وحتى هذه الساعة وكمين يسقط فيه أحد عشر رفيقاً بينهم خمسة رفيقات.

وأنتَ تشمئز من كل هذا، وتشعر بإهانة كبرى تلحق هؤلاء الرفاق.

-نحن نعدّهم كما نعد التفاح، وننسى أنهم حيوات مليئة بالصخب والأحلام، يجب أن نغوص في ذاتهم لنتعرف بهم.

- إنني، أكره لغة الأخبار بحق الشهداء تنهدت زيلان، وقالت يا رفيق أنا أحاول أن أحصي عدد شهداء حملة الربيع، مرغماً بدافع التعاطف تكتب لها ما تريد.

حينذاك كنت جريحاً معها في المشفى، حملتك الممرضة الألمانية ميديا على ظهر البغل واسطة النقل الوحيدة في الجبال، كانت تسهر عليك كثيراً الجبس كان ملفوفاً على ساقك اليمنى حتى الورك.

لم يكن باستطاعتك قضاء حاجاتك، تجلب لك المبولة، علبة من الصفيح، وأنت تعلم أنها ستصدر صوتاً، تطلب منها أن تبقى خارجاً وهي بقامتها الهيفاء وشقرتها الضاربة إلى الحمرة، تهز برأسها وتقول (أولماذ هفال ) وأحياناً تمتزج مفرداتها التركية والألمانية والكردية وأنت تبتسم لذلك.

هو الآن في اللحظة المفتوحة على مصراعيها.

تعود إلى حفلة المعنويات في المشفى العسكري، كان الممثلون الجرحى وكنت بينهم في دور الطبيب وتحاول بدورك بتر ساق أحدهم بالمنشار، والرفاق والرفيقات من حولك يضحكون ويصفقون لإتقانك الدور، وتبتعد الذاكرة به هاهو طفلٌ صغير بوجهً أحمر يبتسم لنفسه.

كَارا- أرضروم- ديرسم- آرارات- مناطق من الوطن توزعت فيها أحلامهم وتبعثرت أشلاؤهم، البندقية التي عانقتها بعد أفين- يا عزيزتي ألثم فمكِ، أدللكِ أحملك على كتفي أسطّر بكِ حروف الثورة المضيئة بدل القلم الذي أهملته منذ زمن في غمار الحرب كان يخاطب البندقية وهو بعيدٌ عنها.

- لماذا قمت بخيانتي؟ ألم أحميك وأحضنك كل ليلة؟! لم أهملك لحظة، أحببتك مثل أفين، أما أفين.. أفين مخلصة أكثر منك، التحقت بالثورة، واختارت طريقي، صحا قليلاً لا لم تخونيني كان العطب في يدي ولم يكن فيكِ، المحرمات والتابو في حياتنا الثورية، جعلتنا ننظر إلى البعض كالغرباء، الإلتزام بالنضال جعلنا ننسى هواجس الحب، أو نتناساها، وهمّنا كان أن نكسب هذه الحرب، لم يكن ثمة متسع للاثنين معاً، شعرت أن أفين ستأخذني من اهتماماتي الوطنية، كنا نقمع في داخلنا مارد الحب.

تقول: الحب يحطم جوهر النضال، فليكن حبنا روحياً، بالطبع كنا نخدع أنفسنا وهي تردد على مسامعي تجارب كثيرة عرفتها عن كثب، ولا وجه للمقارنة بالثورات في البلدان الأخرى.

بين كل هذه الدماء كيف نتعاطى الحب؟ الموت كان يداهم شفاهنا، وتولد الطلقة من فم البندقية مرفوقةً بلزوجة حمراء، تستقر في الأجساد، عطشى تبحث عن الضحية في المقهى والجبل، الأزقة والنوم، رغم أنف المقدسات نتلثم بالروح، ومن حولنا يحترق (المازيا) والشفق لايستطيع التنفس من الدخان، جراح تندمل وأخرى تفتح أفواهها، والدروب كانت جريحة بأقدامنا والموت ينتشر كالرياح، النزيف متواصل، وأي معنى حقيقي للبقاء، ويطلُّ الفراق برأسه من بين الجروح، المعركة متواصلة، سقط القمر، والغيث من العينين يهطل، الأيام تنشد لحنها الجنائزي وتندثر الوجوه من حولنا وتختفي.

اضطرم في كيانه نهر الذكريات، وهو يتقلب على جمرها، ما عاد للمستقبل حلم والحاضر أصفاد، فقط الماضي كان ينتصب أمامه، كالجدران ويعتقله بقيودً لا مرئية، ربما وجد شاهو في ذلك راحة نفسية، فهو يتلذذ بالعذاب!!.

قرية نائية في بلدته » كوباني « ضلت أعمدة الكهرباء الطريق إليها مثل كل قرى الشمال شمال التاريخ، لا تعرف من المدنية سوى روثها، وهي ترتفع حتى خصر التلة الأثري ببقايا أحجار قلعتها الأثرية، هذا المكان في يومٍ من الأيام كان حاضنة بشرية، وهي الآن ذرة رماد لا تعرفها كتب الجغرافيا، تحتضن أناساً ريفيين بسطاء، هذا المكان يعني لهم الشيء الكثير الأصالة والجذور. أرواح الأجداد الحائمة فوق المكان والذكريات المدفونة في..

الأرض منبسطة تمتد حتى أقدام البيوت الترابية، المخروطية الشكل بعضها له قبب مسطحة تتناثر بشكل عشوائي، وهذه الأراضي تشكل مربعات ومستطيلات خضراء وحمراء، حسب ما تقتضيه الطقوس الزراعية، أيام الربيع تنتقل قافلة الصبايا والنساء والأغاني والحمير والكلاب إلى المرتفعات الجنوبية لحلب الأغنام، بألوانهم الخضر والحمر، كأنهم في كرنفالِ أزياء، يهفهف »القفطان« طرباًَ لناي الراعي وهو يطل عليهم من عليائه.

شاهو في عيد اليوم، الخروج مع «البيريفان » وبرفقة كلبه جومر، بين الفنية والأخرى كان ينهمك أمام نبتة «الكرنك» ينبش جذورها من الأرض الرطبة ليحصل على الكنز الثمين، يحاول انتزاعها ببعض الأعواد تارةً وبأظافره تارة أخرى.

أمه توبخه- اذهب إلى بركة الماء واغسل يديكَ.

آثار الوحل بادية على ركبتيه، يركض وراء جومر ليعود إلى القرية، شاهو كبقية أطفال القرى المنسية في أحضان التاريخ، يرتدون أسمالاً بالية، المخاط الأصفر يسيل من أنوفهم، يمارسون ألعاباً بريئة في المقبرة التي تحد القرية من الشرق.

الغميضة، «البوليس» والحرامية، ومصطفى يتباهى أمام شاهو والأخرين لأنه جلب هذه اللعبة من المدينة، يرتفع ضجيجهم وصخبهم، مصطفى يقول: شاهو لا تذهب إلى المقبرة الشمالية.

طريق ترابية تمتد كذيل أفعى تفصل بين المقبرتين

- هذه لأقربائنا لا تتبول هناك، حرام، لنلعب في مقبرة الكفار.

التي يعلو قبورها رمز الصليب، هذه المقبرة كانت بداية تفتق عقله الصغير، على الأسئلة الكبيرة.

- لماذا مستو يقول هذه للكفار؟

ألا تضّم الجميع أرضٌ واحدة؟! يلعن في داخله مستو الذي ينزعج من هذا اللقب كثيراً.

- لا تقولوا مستو.. سماني أبي على اسم المرحوم شيخ مصطفى مصّرو، وهو من أولياء الله الصالحين، عبر مرةً نهر الفرات إلى جرابلس ومن ثم إلى حلب وعاد في نفس اليوم وهو لا يحتاج إلى جسر لأنه بقدرة قادر يطير أو يمشي على الماء ولايغرق.

- شاهو لا أصدق ذلك.

- أسأل أمك، وهل الشيخ نوحو يكذب؟

يهرب شاهو من الأستاذ ولغته إلى المقبرة، يبكي يخاطب قبر والده يمرغ رأسه بالتراب.

- لماذا لم تأخذني معك، قم أسمعني؟ يقول لي مستو أبن الأرملة، مستو وخلو يجلسان مع أبائهم على العشب والخبيز ويشربان البابونج وأنت لست معهم، أين أنت ياأبي؟ بغيابك انقطّعت جذوري وانبترت أصولي.

عندما يضربني مستو تنادي أمه عليه »حرام لا تضربه أنت كبير ماذا تريد من هذا اليتيم؟.

سمعته يقول أن أمه قالت بأن أمي لا بد أن تتزوج، لماذا مت؟ كلمة اليتيم تلاحقني كاللعنة، لم أبكِ من الدم الذي سال من أنفي، ولا لعضات مستو على كتفي بقدر ما أبكي من كلمة اليتيم.

قم يا أبي. يرفع كفّيه الصغيرتين نحو السماء فتعرى التلة والقرية وشجرة التوت، في دمعه ولم يقم أباه، وستلازمه هذه العادة، يناجي الأموات ويزور المقابر خلسةً حتى في الليل البهيم…

تأتي الأيام رتيبةٍ، ما أن ينهي الصف الثالث، حتى تنتقل اسرته إلى «ديشته» للعمل في القطن، ولم يشعر بالغربة هناك، البيوت نفسها لكنها أكثر، وفرح أكثر لأنه أقترب من البلدة وكاد ينسى قريته الصغيرة، في لهوه وعبثه هناك.

[2]

الأشياء التي تسكن خلف عيني شاهو أكثر مما أمامهما، أطلالته دائمة إلى الكوة الأليمة، محاجره ترصد الشرخ العميق، تقاسم الفقر والحرمان فراش طفولته.

مات أبوه، ولم يكن قد أكمل ربيعه الثالث، ترتيبه الخامس والأخير بين أخوته، لا يتذكر شيئاً من ملامح الوالد سوى صورة (فوتوغرافية) قديمة تملؤها التجاعيد، مازالت أمه تحتفظ بها بين ثيابها في صندوق خشبي مزخرف.

كثيراً ما فاجأها وهي تذرف الدموع، فوق محتويات الصندوق.

قررت المدرسة القيام برحلة إلى نبع عين العروس، بعد قراءة الأسماء لم يظهر اسم شاهو في قاتمة المشاركين، أستفسر المعلم وخاطبه بحدة (لماذا لا تشترك بالرحلة؟).

وقف «شاهو خجلاً رث الثياب».. طأطأ برأسه وحكَّ خلف أذنه وبعد برهة قصيرة خرجت حشرجة من حنجرته مع الدموع.

«لا أشتاز أنتَ ما يروح!».

ضحك الأستاذ وشده من أذنه، ثمَّ مسح إبهامه وسبابته بمنديل ورقي… وقال:

- قل لن أذهب…

وقف تلميذ آخر أكبر منه سناً وقال: نعم أستاذ، شاهو لا يعرف العربية ومن فوق كتفه قال: ومن سمح لك بالتكلم.

ذلك التلميذ هو مصطفى الذي أصبح طبيب أسنان في بلدة شاهو بعد أن أشترى شهادة »بكالوريا« من دولة مجاورة وتخرج من روسية…

أما شاهو فقد أجلسوه -ذلك اليوم- على الكرسي، رفعوا أقدامه، أشبعه المعلم ضربا،ً لم يقل.. أنا لا أملك نفقة الرحلة، وقد أن طلبتُ ذلك من أمي.. ولم يكن معها أي نقود.

قال: فقط لا أحب الرحلات.

هو عنيد بطبعه، حينذاك كان يخجل من الفقر والعوز أما الآن فقد شيد مملكةً للفقر في رأسه وسن شرائعها وقوانينها المقبولة منه ومن أنداده!!.

صوته مشحون بالأسى وكانت الكلمات تتدفق على الذهن، كسيل عارم وتغمر عالم الفكر، تنزل متأبطة فلولك التي تتشبث بذيل الهزيمة.

من الحرمان يلجأ إلى الحرمان، يسكنه ضباب كثيف يغلف كوة الذاكرة والقلب.

تفجرت عيناه بالدموع، لا يعرف ماذا يزرع في حاكورة الروح، الدم، الحلم، الحب، ويحصد طفولته بمنجل خرافي..

يلملم ظلال الإيمان، يهرب من ظلال صليب النافذة، يبحث عن قصائد لم تسطّر بعد، يحاول الأضطجاع مع أحلامه الصدئة.

تستحيل سراباً، لبه مليئ بهموم صفراء كالقيح، جراحه أفاعٍ تفتح أشداقها في قيظ العمر والمكان!..

كان أصعب يوم في حياته آنذاك، يوم تخلى عن المدرسة في المرحلة المتوسطة، وعمل أجيراً في محلات الصناعة، وعندما كان يشاهد الطلبة بزيهم المدرسي يقارن بها ثيابه المصبوغة بالشحوم والزيوت، ويشعر بالقرف من ذاته لهذه المقارنة.

بعد أن هم بالحركة، وقف مبهوتاً وجامداً ونظر إلى هتاو بعينيه المتورمتين وشفتيه المشققتين.

بادره هتاو مشغفاً

- كفاك تعذيباً لنفسك

بصوت ناعم وأبتسامة هادئة قال: ليس لدي رغبة بالكلام، أريد أن أكون وحدي.

حرك هتاو حاجبيه بهدوء ثم نظر إليه.

ببرود: ومن طلب منك الكلام، أصبحت كهذه الجدران وأشار بيده ناحية «القاووش» الشمالي.

ونظر من فوق إلى هتاو… لقد أستطالت لحيته الشقراء، وأختفت آثار تلك الندبة، التي أحدثتها شظية في عملية »شمذينان« وكان يبدو بعينيه الزرقاوين وشعره أشبه بالممثل الذي أخذ دور السيد المسيح، في الفيلم الذي شاهده مدبلجاً إلى اللغة الكوردية وهكذا بدا له: أن المسيح بذاته في السجن ينتظر جلاديه، كان هتاو يقلد في حفلات السمر ذلك الممثل.

ويردد هذه الجملة كثيراً (Er. seyda ku yek, \iqamek liminda Ez `i bikim r/ye xw, d,n p.de )

وتناقشا مرة أن هذا التسامح الزائد يولد لدى المرء الخنوع.

شاهو لم يتنازل عن رأيه لهتاو بخصوص هذا الكلام.

ما زال محدقاً فيه وهو يمضغ ألمه في غيبوبة.

بينما كان هتاو يعود بذاكرته إلى «شقلاوة» آمن بحب ميديا وببقائها إلى جانبه، لا أن ترحل دون سابق أنذار، وهو يسرح في أماكن لقاءات سابقة بخياله خارج أسوار السجن، لقد جعلها مزاراً مقدساً يقصدها للعبادة.

في هذا الشارع مشينا معاً.. وتحدثنا.. وهناك جلسنا…

ومن هذا الكشك أشترينا الصحف.. وأهديتها رواية.. وفي هولي ميديا شاهدنا عرض المسرحية…… معاً.

و…….

و……

و…..

هو أسير ذكرياته، يحمل سر الضياع بين طيّات ضلوعه، ودارت في مخيلته صورة الهجرة المليونية، والتشرد من أيران إلى تركية، عقوداً من الخيبة، جرجر خطواته الحجرية إلى لامكان؟..

المحطة الأولى هي انتقالهم من قرية (هيران) إلى مدينة (هولير) لقاءهُ الأول مع ميديا- حلبجة- الإنتفاضة، نكسة أيلول، طوت في أكفانها والده، مذابح الأنفال أنزلت الستار- الأبدي- على شقيقه الأكبر.

- آه يا وطني كم تشبهني أنا نموذج مصغر منك وذاكرةٌ لك، أمي أين أنتِ؟! ماذا تفعلين؟! كيف هو خوشناو؟

أنا بحرٌ كل أنهر الحزنِ تصب في داخلي، آه يا أمي….

فجأة سأل شاهو وهو يقطع خيوط تأمله كيف تصبح الأصفاد ظلاً للمعاصي؟ فالثلج يدفع نصاعة لونه في وجه السواد ولا تنصاع براءته!!..

- يجب أن تُعرّى الحقيقة.

وعندما أتم عبارته قال وكأنما يحمل في أعماقه العجز.

- كنت أتمنى حدوث شيء فوق طاقتي، أقوى مني، ومن الهزيمة.

أمسكه هتاو من كتفه براحة يده محاولاً تشجيعه والشد من عزيمته ولم يكن ينتبه إلى أنه قد أمسك كتفه المصابة، وأنه كانت تؤلمه.

- لم تهزم يا رفيقي الهزيمة تكون في الداخل، في القلب، في الروح..

أحس بارتياح لهذا الكلام فاسترخى وكأنه عائدٌ من مهمة ٍ صعبة بين الأنصار في الجبل.

- أجل الهزيمة تكون في النفس، نعم هي كذلك.

وقال لهتاو: كلماتك، تجعلني في حالة يقظة، أنت وأنا نتجرع مرارت الألم.

أبتسم هتاو أنت دائماً هكذا، كلامك يحمل أكثر من معنى، لماذا لا توضح كلامك.

- ماذا تقول؟

- أنا وأنتَ بل الآلاف مثلنا في بقاع مختلفة من العالم، لا تقل ما شأني بالآخرين!!.

راقبه شاهو بقلق وقال: إنني أشعر بالصدمة كل يوم أكثر من الذي قبله، من كان يصدق أن عمر سينهار ويعترف بكل شيء، من يكون في درجته من المسؤولية يجب أن لا يعترف، ويتقبل الموت بشهية مفتوحة.

قال هتاو: هذا عين الصواب، إن مجموعتكم المتحركة بعد أن فقدت الإتصال بالمركز والرفاق، تعرضت لمخاطرٍ جمةٍ من الجوع والمسير الطويل في الثلج، كثيرٌ من الرفاق بترت أطرافهم ومنهم من مات لكنكم لم تستسلموا، هذه المجموعة كانت الأشهر واسمها كان يسبقها إلى كل الإيالات.

تابع هتاو بعد أن مد قدميه

- لكن ظروف السجن تختلف عن حياة الانصار في الخارج، حيث هناك الروح الجماعية ترفع المعنويات، وكل شخص من »الكريلا« يحمل سلاحه بيده.

- أجابه شاهو لا تقنعني بهذه المواعظ، إرادة الثوري يجب أن لا تلين أينما كان، كيف كان جورجي ديمتروف في محاكمته التاريخية.

- قال هتاو بسخرية.. وهل ستقارن عمر بجورجي والآخرين؟

- قال شاهو قانطاً: لاتذكر أمامي اسم ذلك الجبان.. كفى إنه جبان.

- أجابه هتاو : وهل أنا تحدثت عنه أم أنت.

- أنا، أنت.. كفى لا تزعجني أكثر مما تفعل بي.

والواقع أنه كان يتهرب من النقاش ويعود إلى تأملاته.

يا….

- أرجوك لا تحدثني أكثر.

هبَّ مذعوراً ومتضايقاً إلى ركنه وقال في داخله: خنزيرٌ أنتَ، كيف كنت تقف أمامنا وترفع صوتك، الإنضباط، الثورة، الإيمان، هل هذه مجرد كلمات؟.

وها أنت تنهار جرثومة لا تستحق العيش بين الأنصار، إلى الجحيم، إلى أحضان الفاشية يا عمر..

أسدل جفنيه، ورفع عن نافذة العقل الستائر، ينبش حضن الماضي، ويفرز جينات أيامه الوراثية.

الجسد يتشظى في مشهد ضبابي، يبحث عن انتمائه سراً وعلناً.

تعثر التاريخ، عدوت خلفه، بعد زرداشت وقبل المسيح، مرَّ على أشلائكَ ملوك، قلاع، حوافر، رماح، الاسكندر وكورش.

هذه الجغرافية لا تتسع لحلقة رأس أحلامه، كان هنا وعقله يحلق في الألف الثالثة قبل الميلاد، إنانا، ميثرا، مياه الحضارات الأولى.. مياه الإنسان..

يحس أن العالم مقفر مهجور، الحق أنه وجد في هذه الأفكار التي تراوده، إشارات استفهام إضافية تحاصره أكثر، وبأنفاسٍ متقطعة لا يخرج من دائرة الظلام الهلامية، يبحث عن أبعاده دون جدوى. يحاول الهرب من مخالب أنشبتها الذئاب الرمادية وهي تهدده بموسيقا الموت.

انقلبت عين أفكاره إلى الوراء، وراحت تنقّب في الماضي البعيد:

- قم من رقادك: صرخ بخاني إفرح بالأوتاد التي توثق أطراف «زين» الأربعة، تربطها مع الكون المادي الصغير وتحرمها من التحليق في مدى الروح، العاصفة لا تبرح جسدي، ترسل السهام إلى صدرِ «اهرمزدا»، بل إليّ، الدريئة الشاخصة أمام الكل، تطعنني في جهاتي الستة، لتخرج مدمّات في زمن.. الجهة السابعة الأعمق للروح.

تطلّع إلى هتاو الذي كان في سبات عميق، يتدثرُ »ببطانية« رمادية اللون، ثم نظر إلى قدميه الكبيرتين خارج البطانية.

وكأنه أحتجاج على وعاء الوجود، الذي لم يعد يتسع للكائن، فتخرج أيدينا من أحشائه أو رؤوسنا من عينيه، أو أقدامنا من بطنه المترهل.

غفى على حلمٍ جميل وهو يسير بجانب النهر والمطر يتساقط رذاذاً، حبات الندى كانت تنزل من أوراق الشجر، ظهر له نورٌ باهرٌ، وتوضحت ملامح ذلك النور وإذا بقوس قزح يخرج من صدر فتاة جميلة فاتنة إنها أفين.

لا ليست هي، أمعن النظر فيها جيداً وجدها بدون شفاه وعيون، كان وجهها مسطحاً، مستوياً تماماً، وبلا ملامح!!....

وأتسعت ساحة أحلامه لتشمل تلك الفتاة الموثوقة بالأوتاد، كانت قد مضت فترة طويلة، لم يشاهد ذلك الحلم، اجتاحته نافورة دماء من جديد تغمر الجبال والشوارع، بل ان السماء أيضاً كانت تمطر دم.. دم.. دم.. دم!!..

شاهد الاسكندر وهو يضاجع روكسان بعنف حيث أختلط دمها بالخمر، وفي ذات اللحظة هجم عشرة آلاف من جنوده تتقدمهم دماء ضحاياهم، الدم يصبغ كل شيء الثياب، الوجوه، السيوف، أقدام الخيل، عجلات العربات، القلوب، والصرخات أيضاً، كان كل شيء من دم.. دم كان في يومٍ ما نقيّاً.. يغمر ميديا وفارس.. وأنتصروا كجنس، وبذلك تم تطعيم العرق البشري بالخمر والدم لقد ذاب الآن ذلك الحلم عن مملكة أصحاب الوجوه الجميلة أولئك الذين وقفوا مرّة كالسد - بشعورهم الطويلة – أمام الريح القالعة والرحى التي تطحن الأناشيد الجبلية، وأحلام الفتيان ذوي الحلقات في آذانهم، أولئك الذين روضوا الجبال بمهارة ذكور الأيائل، للعشق والغناء والفرح..

لقد ذابوا الآن في نافورة الحقد والدم، طحنتهم العجلات المنقادة للقوة الغاشمة، وأُخرس صوت الغناء والحب ..

إن شعباً كاملاً، كان جميلاً ومرحاً بقوةٍ، قد تم ذبحه بأنصال الهمجية والإفتراس الغاشمة.

حتى أحلامه صارت تنام في أحضان الكوابيس، إلى حد الهوس كانت تراوده الكوابيس الممزوجة بالواقع، المعاش في حياته الشخصية إن نفسه في داخلها، تحمل – دون أن يريد كل ذلك الشريط الطويل من القهر، والقتل- خرجوا يتمنطقون أسلحتهم، وبندقيته تتدلى على كتفه بنشوة.

من يستطيع الآن أن يدفع المخلب عن عنق الأغاني..

أستمدوا من الجبال قسوتها، ومن الثلوج غضبها، ومن الزمهرير جموده، ومن الموت الضحك في وجه الموت، الجو بارد، الهواء صفعات حادة، وجهه مكفهر كالسحب، فالموت على رقاب الجميع، أنهم يحملون أكفانهم على راحاتهم، لا وقت للتفكير الأمطار غزيرة، توحّلُ الممرات الجبلية.

رغم هذا الطقس تحاول أن تكون خفيفاً، تتجرد من ثيابك، فهي تشكل حملاً إضافياً، والطرق الجبلية تمتد طلوعاً ونزولاً، التوى الطريق كثيراً، 0وأنت يمتد فكرك ويقف على المحطات، والمفارق.. تتذكر المعارك التي شاركت فيها…

مجموعتك المؤلفة من ثمانية وثلاثين رفيقةً ورفيقا، عندما عبرتم نهر «دجلة» ودخلتم حياة الأنصار، أنتَ تفتقدهم جميعاً كان ذلك نهاية ما سمّي »حرب الخليج« من الذي بقي من هؤلاء الرفاق؟!

كلهم رحلوا… إلا أربعة أنت واحدٌ منهم!!

رحلوا، دون داعٍ، لم يبق في المرج من يمشط له شعره، ولم يبق من يصرخ موّاله الصباحي في أذن الجبال، أنقطع صوت الناي والطنبور، أمام الطعنات الغاشمة، إن شعب الصبحِ ذاته قد أنمحى الآن، ولم يبق إلا الطيور ذات الأجنحةِ السود، التي تنقر بمناقيرها المعقوفةِ المدببة تلك العيون التي بقيت مفتوحة هناك على سفوح ميديا، تنظر نحو السماء بدهشةٍ وأستغراب، وربما فقط.. بعض الدموع الحائرة مازالت تترجرج كأنَّ بها بعض الحياة في أطراف المآقي.. ومنها، ربما سيخرج الأبناء، ليقتفوا آثار قرقعة العجلات الغادرة لعربات الهمجية الغازية التي ما زالت ترحل من الأمس، إلى اليوم، وربما إلى الغد..

تلحق بها لتقتصَّ منها بعض دين الدم والأغاني الذبيحة.. وهاهم يخرجون متنكبين أسلحتهم حيث تمتد غابات المازية، والبطم والجبال تحتضن الوديان برفق، يعرفه أولاد الدموع والدم هؤلاء، ويمدون أذرعة قلوبهم لتحتضن ذلك الأفق المديد من سفح إلى سفح ومن قمة إلى أخرى..

هبطوا الوديان وتسلقوا مئات التلال، ما أن تصعد أحدها حتى تظن أن هذه هي نهاية الصعود فتظهر لك أخرى.. البرد يلدغ بقسوة كملايين الوخزات في الجسد والروح..

تطّلع إلى نهر««zap كأفعوان يلتف ويختفي على خاصرة الجبل، ويمد رأسه بعيداً حتى آخر البيوت المتناثرة من ، ديرلوك عبروا النهر وتسلقوا المنحدر نحو القمة، أنهمر المطر بغرازةٍ، الطقس بارد جداً تفحص مظهر المجموعة ومن فوق نظر إلى قمة «`ar `.la»

رؤوس قببها الأربعة تختفي بين السحب، وهي تهرول من فوقها، وكل واحد في المجموعة، يمشي بحذر وحرص شديدين، فإن أنزلقت حصاة من تحت القدم، فستنهي العملية كلها…

يجب تفادي الاصطدام قبل البدء بالعملية » أختبئتم في المغارة أتقاءً للبرد وكسباً لبعض الوقت والراحة، أشعلتم النار، أحتسيتم الشاي من ابريق لا لون له، علبة الدخان الوحيدة تدور من رفيق لآخر«..

كم تشتاق الآن إلى تلك اللفائف، أصغر قطعة ثياب تسرب إليها المطر، تدير ظهرك للنار تنفث دخانك الأزرق من سيجارةٍ تفضلها بل تحبها نحو الأشنيات النابتة على جدران الكهف »توزعتم للإصطياد، وفزتم بخنزير جبلي، أبتسامتك عريضة في هذا اليوم«.

وأنقطع نهار طويل ذو ظل أسود، قامت مجموعتان بالكشف والإستطلاع »رسمتم مجسماً صغيراً على التراب بيّنتم الغاية والأهداف من العملية« تم فرز المجموعات مجموعة لقطع الطريق المؤدي إلى الثكنة العسكرية، مجموعتان للهجوم كنت بينهم، أثنتان للتقوية، مجموعتان للدفاع مع ثلاثة بغال، ثلاثة أجهزة لاسلكي الدكتور «نومان» الممرضتان: هيفي وميديا.

نظمتم حلقة للرقص، حياتكم ضمن الأنصار شكلت فرقة فلكلورية تضم كافة المناطق، رقصتم «بابلكان، شيخاني، جاجاني » مترافقة بأغانيها الخاصة.

أعطى الآمر كلمتي السر للجريح والشهيد وتحركتم نحو الهدف والطريق تطول بكم بممراتها الوعرة والضيقة، في الواحدة صباحاً حَانت ساعة الصفر وتلقيتم الأمر في اللاسلكي »نضج الأكل« وهذا يعني البدء بالهجوم، المفارز كلها في المواقع المحددة، مع الطلقة الأولى صدرت الطلقات من الجهات الأربع، المجموعة المهاجمة الثانية تضم سبعة رفاق يقودهم شاهو كانوا يحصدون الموقع المعادي بنيرانهم.

هتف برفاقه: إنهم يهربون ساندوني سألاحقهم، فوهة البندقية تزأر للانتقام التاريخي، قفز كنمرٍ، يحاول الانقضاض على الفريسة قفز إلى صخرةٍ أخرى، حاصرته النيران أختبأ خلفها، ونصب عينيه على الموقع الذي لابد له من الوصول إليه!!.

وما كاد يخطو خطوات أخرى.. حتى صاح آه… وأرتمى خلف الشجرة، زحف تحسس ساقه أحس بلزوجة الدم وحرارته وصلت زيلان إليه مساعدته في المجموعة.

- ماذا حدث يا رفيق؟

- لا شيء جرح بسيط

- كيف هذا أنت تنزف نزعت قطعة قماش من مشدِّ ظهرها «\/tik » وربطت مكان الإصابة باحكام وخفة لمنع النزيف، اضطرت لسحبه إلى الموقع الخلفي لعدم استطاعتها حمله.

عض شاهو شفتيه بقوة وخاطبها: لا تستطيعين حملي واصلي الانسحاب والحقي بالرفاق.

لا أستطيع هذا، ولن أتخلى عنك كيف سأتركك لوحدك هنا؟

- بقاؤكِ قربي لا يفيد بشيء.

- لا لا أستطيع.. لا لن أدعك هنا، وأرفقت جملتها بنظرةٍ يشوبها الرثاء والشفقة، التي لم يرها شاهو بعد أن حملت عنه بندقيته ودفتر مذكراته.

- لا تطيلي الحديث، غادري المكان فوراً، سأتدبر أمري.

ودعته بدموعٍ خفية تسترها عتمة الليل، النقاش الطويل ممنوعٌ في مثل هذه الحالات، تُبتر الكلمات والزمن بقليل من الكلام.

عندما يتذكر شاهو هذه الحالات، تدخل الرعشة إلى جسمه وينتابه هياج واضطراب، ومثل بداية المعركة تتصاعد وتيرة ضربات القلب، وهذا يذكره بلقائه الأول مع أفين والعملية الأخيرة التي فقد فيها نفسه ليجد نفسه هنا ملقى في الزنزانة، الشيء الذي لا يتذكره، الحلقة المفقودة بين إعطاء الأمر لمساعدته زيلان، وحضور الجنود ولكماتهم شتائمهم البذيئة..

* * *

نضج قدر أيامه على مسار الحركة الآلية للزمن، اختزن الثالوث الماضي تلقى ركلات من الحاضر، والمستقبل يصفعه بين الوعي وغيابه، خربشات على جدار الدم، لإخفاء الهواجس المترنحة بالفاجعة المسكونة بالقلق والهبوط، إنشطارات جرح العمر الذي تبعثر، يتكئ على تفاصيل الوجه المريرة، ظلام الجسد يصرخ فيه يبحث عن ملامح الوجوه والوجود بغريزةٍ تطل برأسها من ذاكرةٍ ملتوية تلتف على فاتورة الأحلام، وتطلب الضرائب الباهظة التي هي سنينه وأيامه.

جفل ارتجفت وجنتاه، أستسلم بكليته لمعزوفة الألم، شعر أضطراباً ضرورياً وصعدت أفكاره إلى قمة الهرم الذي شيده، نفض الغبار عن سعفة الأمل، وبصوت لا يخلو من الصخب خاطب الجدران :

- ما وجدت إلا للهدم وما وجدت الأصفاد إلا للكسر وضرب بقبضته الجدار.

- نظر المعتقلون ناحيته وخرجت منهم همهمات، وفي هذه اللحظة قام هتاو من مكانه أقترب منه وجلس على ركبتيه راكعاً أمامه، بينما كان شاهو يرتجف والإنفعال بادٍ على وجهه.

- ما هذا الجنون؟ أرجوك لا تصم أذنيك عما أقول.. يجب أن تتحلى بالصبر، ولا تثير انتباه السجانين إليك أتدرك حقاً ما هي الإرادة التي تتحدث عنها؟ إن كثيراً من المناضلين قضوا أكثر من عشر سنين في هذا المكان.

وأردف هتاو يقول:

الصبر - ياشاهو- هو الجدار الصلب الذي يسند ظهر الثائر، عليك أن تروض إرادتك ليصبح لك احتمال بلوط الجبال وشكيمة صخورها وهل ننسى المثل الذي ضربه مظلوم دوغان وكمال بير في عزيمتهما وقوة إرادتهما، وكيف جعلا من المعتقلات أكاديميات عليا للثوريين..

كان شاهو يصغي مطرقاً، وهو يفكر بكل حرف قاله هتاو، قبل أن يجيبه أخيراً: معك حق، فعلينا جميعاً أن نتحلى بالصبر…

سارع هتاو إلى طمئنته أكثر وقال له: على كل حال فإن الرفاق بالإشتراك مع المجموعة اليسارية التركية قد أنجزوا المرحلة الأولى من فتح النفق، ولن يطول بقاؤنا هنا، فقط اصبر وسترى ومن شروطنا انك ستكون معنا وعند ذاك ستتحسن صحتك.

- أتعلم يا هتاو إنني أشتاق للجبال ودروبها الوعرة إلى قراها الغافية بأحضان العرائش والنسيان، وللفتية الراقصين حول النيران في الأمسيات، لنغمات الطنبور وشاي أمي قال شاهو ذلك وضاع حلمه في البعيد البعيد…

أجابه هتاو: وأنا أشتاق إلى الطنبور وهب من مكانه خالجه شعور أنه يعزف لها قام من فراشه أنزل الطنبور من مسمارٍ في الجدار، نزع عنه الرداء وتذكر كم مرة قال لها: سأعزف سيمفونية حبنا على عمودك الفقري وكانت ميديا نحيلة لدرجة أنه كان يستطيع أن يحصي فقرات ظهرها من فوق القميص وكان يمرر أصابعه على ظهرها كما على الطنبور وهي تتحسس من هذه الدغدغة.

- يكفي.. يكفي.. أنت تخنقني بهذه الحركات وما زال واقفاً أمام الجدار الذي شكل سداً منيعاً، يعود به دائماً إلى الواقع رغم اللحظات التي يشعر فيها بالراحة والحسرة معاً وهو يسبح في ذكرياته.

الليلة شديدة البرودة، وفي هزيعها الأخير، كعجوز تتكئ على عكاز الفجر، والشمس في مكانٍ آخر تقوم بمهمتها الأزلية بشكل إعتيادي، توزع الضوء هناك، السماء المتلألئة بالنجوم قبل الآن بساعتين تختفي ثرياتها واحدة تلو الأخرى، رحم الظلام في مخاضه يسارع نوبات الطلق المؤلم، مِزق السواد تتلاشى، وسيبزغ الفجر بجبهته المضيئة، ويأتي يومٌ آخر.

إنحدرت دمعةٌ دافئة على وجنة شاهو تشتت أفكاره، قهقهت الزنزانة في وجهه ورماه التعب أرضاً.