-2-
أرجوحة النار
[3]
هتاو يسير في الشارع يحمل في يده صحيفة، » في شارع الستين« يتطلع يمنةً ويسرة، يبدو عليه أنه في مهمة عاجلة يود الوصول إليها.
المتسوقون في حركة كالنمال،استدار إلى اليمين وأنحنى برأسه، يبدو بطوله مثل نبتة دوار الشمس، شعره الذهبي يتراقص على جبهته، سرب الأفكار في رأسه يحلقّ بعيداً تذكر ميديا وماذا قالت له في آخر لقاء لهما » ماذا أقدم لك؟«.
الظلام يمضغ الأفق بثغرٍ سكران، فقط الإرتعاشةُ دائمة الحضور لجسدين غضين.
أعادت السؤال وكل شيءٍ فيها يرتجف، حتى الغسق فوق الجبال.
دغدغت الصمت برؤوس أناملها، أقتربت منه أكثر، أحست أن أنفاسه الدافئة تتسرب إلى شفتيها، وأندمجا في عناقٍ طويل…
دون أن تفلت يديها التي تحاصر خصره، أنسحبت بشفاهها المتشهية إلى الوراء، وألقت برأسها على كتفه، وهي تشده أكثر.. أكثر.. إليها، وبصوتٍ تملؤه الشهوة: خذني كلي، أو دعني أشطر جسدك وأختبئ فيه، أبتلعني، دعني أذوب فيك، مسد شعرها الفاحم وجذبها إليه أكثر.
- لا أتصور كيف سأعيش بدونك إنكِ وجدتِ على هذه الأرض لتكوني لي وأكون لك أمسك هتاو بيديها الناعمتين وخاطبها: -يا عزيزتي صعب ما تمنحينه لي لا أستطيع أخذه…
- سألته ثانيةٍ وكل جسدها يرتجف:
بودي أنا أهبك كل عمري وهتاو كان يمشط شعرها بأصابعه…
أرتدى الليل معطفه، وبانت على كتفيه النجوم والأوسمة، كان قد أعفى خفير النهار من مهمته قبل ساعةٍ من الآن.
وقال: أن تبقي معي لا أريد شيئاً أكثر من هذا، إن لذة اللقاء بكِ، تجعلني أطلب الموت، وأطبق عيني على هذه السعادة مدى العمر، عندما تكونين معي الحياة أجمل.
صمت الاثنان معاً، وأطلقا أيديهما وشفاهما بحريةً تامة، الزمن يودعهما ويعدو سريعاً.
- كم تحبني يا عزيزي..
- لا أستطيع الإجابة..
- لماذا؟
- لساني وحده عاجز عمّا أريد قوله.. أحتاج إلى الطبيعة وكل كائناتها ليقولوا معي: الحياة بدونكِ جافة، وهذا الكون يضيق بهذا الحب الكبير.
- وإذا أحببت غيري؟
- هز رأسه –أنتِ- »ميديا « الساحرة.
رفعت رأسها ونظرت في عينيه وتعانقا ثانيةً في قبلة طويلة ولفتهما الطبيعة بروائها الأسود.
شعرا بأرتخاء جسديهما أسندت رأسها على صدره وهما أقرب إلى الغيبوبة، وذابا في شهوةٍ كبيرة، نشوة اللذة جعلتهما يشعران بأن الأرض تدور بهما!..
لا يستطيع هتاو نسيان تلك السعادة مدى العمر.
قبل أن تودعه قال لها: أرجو أن نلتقي يوم الأحد المقبل، أستدارت دون أن تنظر إلى الخلف، وأختفى شبحها في أجمةٍ كثيفة الأغصان..
كان هتاو يبني كثيراً من الآمال على رابية الموعد القادم وآماله ترتفع كالقلعة تشرف على كل »هولير« وأعلى وأكبر من جبل »سفين«.
نشوته غامرة ، الدنيا لا تتسع لأحلامه.. هو الآن قادر على احتواء المدينة بناسها وكلابها وغبارها في قلبه الصغير.
الأشياء التي تحدث حوله، لا تثير انتباهه، خطواته تطبع أقدامه خلفه، بعد ان مرّ من فوق بركة ماء صغيرة.
أمرأة تمسك بيد صبي، وتنبهه إلى السيارّات المارّة، تحمل بيدها الأخرى كيساً، الصبي يشير بأصابعه الصغيرة، وكزته أمه.
صوت الباعة يرتفع وينخفض بموسيقاه الشاذة ينادون بأسماء معروضاتهم.
صوت الطلقات يتناهى إلى سمعه، نزل من قلعة «هولير » بغبطةٍ، وصل إلى وزارة العدل وقف برهة يقرأ اللوحة المكتوبة بحروف بيض على أرضية سوداء، وسخر في داخله من كلمة العدل، التي تشوهت أمام ناظريه، وتحولت إلى لوحة سوريالية، لها قرون تقف على قائمتيها الخلفيتين وتناطح الضحية.
تابع طريقه بجانب جدار القلعة على الرصيف، شاهد مجلات أجنبية وكردية وعربية معروضة، وصور لأبطال السينما (أرنولد، سيلفستر، فاندام، ومادونا بأثدائها المثيرة) ومجموعة كبيرة من الكتب القديمة، وسلك دقيق عُلقت عليه صور (آبو، والبرزاني، الطالباني، شفان بلحيته الكثة وكأنه ينادي بمعزوفته ويدعو القادة إلى الوحدة) وعندما سأله عن سعر الصور، أجاب الرجل بدون اكتراث.
- ديناران، ديناران، خمسة دنانير، وأشار بيده إلى صورة »آبو«
- ولَمِ هذه أغلى؟!!
- ابتسم البائع من تحت شاربيه لأن هذا يطالب.. بكردستان وهؤلاء بحكم ذاتي، وخرجت ضحكة هازئة ولا مبالية من بين أسنان لم تعرف الغسل منذ زمن طويل.
- قال هتاو بينه وبين نفسه »حتى قانون العرض والطلب دخل إلى صور قادتنا« !!..
همّ بالحركة.. خالجه شعور وهو ينظر إلى بائع الكتب والصحف والمجلات العتيقة على الرصيف، شارباه الكثان علتهما طبقةً صفراء من الدخان، حدّق بالأشجار المهملة على الرصيف، كانت مطلية بالكلس، والأغصان مهملة كذلك وبدون تقليم، نفذت إلى أنفه رائحة الشواء من مطعم قريب للشاورما ثم استدار إلى بائع الكتب تناول كتاب «لشيركو بيكس» نظر إلى الغلاف، وبرغبة قوبة وضعه بجانب كتاب «كوران» والحق أنه لم يكن يملك ثمنه لكي يشتريه وخاطب صاحب المعروضات:
- هكذا أفضل؟؟
لم يتلق الجواب… كان جاثياً أمام كتب صفراء الأوراق يرتبها بأنشغال تام عنه فجاوب نفسه.
- أليس كذلك…
وتدفق نهرٌ من الضجر في داخله، أشمأز من السيجارة التي كادت تحرق أصابعه، ووضع عقبها تحت قدمه بقوة وسحقها.
عبر كل هذه الأشياء وهو يود أن يختصر الطريق والزمن معاً يقبض على الزمن، ويضع صدره تحت نعليه ويسحقه كما فعل بعقب السيجارة، جسده مثخن بجراح لامرئية، قبل تعلقه بميديا حياته ظلام وليل دامس، هي وحدها النجمة المضيئة ومن خلالها يرى النور، ويبدد سواد أيامه.
سقوط قذائف في «عين كاوى» تلك المدينة التي أعتادت على الصخب والدماء لا تعرف الهدوء من » نبوخذ نصر« إلى الآن وهي تحترق ولا تموت.
أستنتج المعادلة الرهيبة التي تقوم فوقها هذه المدينة، نار، دخان، دم، موت.. هذه هي إذاً أربيل وهذا هو مجمعها الإلهي…
في الجهة المقابلة شاهد مجموعة من رجال البوليس بثيابهم الرسمية، يتراكضون نحو محلة » شورش« قال في داخله: هناك شيء غير طبيعي يتراكض الناس من أجله إلى تلك الجهة، لكن اللقاء المرتقب مع ميديا، وحّبه الشديد لها، وخوفه من تعكير صفوهما في ذلك اللقاء جعله لا يفكر فيما يمكن أن يزعجهما، كان كأنه يطير على آلاف أجنحة الفراشات ، الجو أمامه سديم يتراقص بأفراح اللقاء، حتى السماء نفسها بدت له آنذاك وكأنها ملاءة من الزبد الأزرق الفاخر، لكنه أحسّ فجأةً وكأن طائراً أسطورياً ينقض على مضغة قلبه الصغير، وينشب فيها مخالبه لقد تحوّل عصفور الفرح الذي كان يظن أنه قد قبض عليه وراح يداعبه إلى جمرةٍ ملتهبةٍ تحرق كفه، فعندما أقترب من بيت ميديا شاهد جمعاً غفيراً من الناس حول منزلهم تلاطمت أمواج الأفكار في رأسه وقع في حيرةٍ من أمره، لا يعرف كيف يتصرف، صعد الدرجات إحساسه وقلبه يسبقانه، شقَّ لنفسه الطريق وصعقته المفاجأة وأطارت لبه، لقد وجد ميديا متخبطة بدمائها، ومن حولها النسوة يصرخن، لقد طارت طلقة بدون جنسية، لتستقر في صدرها، أرتج كيانه كله، داهمه الدوار وأرتخت مفاصله، ولم تعد ساقاه تستطيعان حمله، كأن الرصاصة قد أستقرت في قلبه هو، مزقته، بعثرت كيانه، وجعلته حطام أشلاء كانت جراحه تضاهي جراح الوطن الأخير وقد فغرت أفواهها، لم تكن تنزف، بل ترسل طوفان دم، يقتلع كل شيء، كل شخص كل أحساس في تياره الجارف، لكنه كان دماً أبيض.. ياللرعب، كل ذلك الدم كان حليباً مسفوحاً.. دم براءة وصدق، دم غزال مطعون في برية من الوحوش الضارية.. (ميديا.. ميديا..) يا حبيبتي، يا أميّ!! هذا صراخي.. صراخ العاشق.. فليسمعني دمك الطاهر، أقدامك، شعرك، أصابعك التي من بريق!..
يا ميديا، يا زهرة الجبال، التي تنبثق من عبّ الثلج والطهارة، يا شمس صبحي ونرجسة الندى أيتها الحبيبة الأكثر نقاءً من دمعة طفل.. والأعلى شموخاً من جبال آرارات.. أيمكن أنكِ تتمرغين في أحضان الموت، إي يد للبغض أستطاعت الأنقضاض على رهافتكِ؟ وإي مخلب أسود للوحشية أستطاع أن يجرح عذوبتك؟..
* * *
الحبر هذا الكائن الأسود، لايعرف الموت، من يمتطيه يسير على السطور نقاط وحروف تجتمع لتشكل اللغة، بها نهدي الآخرين وغالباً نخدعهم.
هؤلاء القساة الذين بكلماتهم، يرفعون من شأننا إلى أنصاف آلهة فوق مستوى البشر، وبكلمات يهدمون القلعة التي بنيتها بدموعي، وإذا كانت الطلقة تخرج بقرارات وتستقر في جسد الضحية، وترتفع الشعارات منارات شاهقة، يذهب في سبيلها المئات بل الآلاف، ولاتبقى طويلاً حتى تنهار، كأنك تحلم بشيء جميل وفجأة يتحول إلى كابوس مرعب، لتضاف إليها أرقام جديدة، تذهب إلى المكان الذي لايعود منه المسافرون.
كان هتاو يفكر بصوت عالٍ ودموع صامتة.
- آهٍ ليتكِ الآن بجانبي لتعرفي مدى معاناتي.
استيقظ من غفوة الحلم التي أغلق أهدابه عليها، هي نهاية كائن وضع آخر حلم له على وسادة أحلامها، وهي تركت الوسادة خالية، ودخل الكابوس إلى شرفة الحلم، واسودت الدنيا في وجهه.
ارتعد، ارتجف، وبكى، خاطب نفسه:
أنت كائن مسخ لاتستحق الحب والتضحية، الذي سمعناه وتحدثنا به كلمات مجرد كلمات، فارغة جوفاء، نحن نبيع الكلام والشعارات، وتقاس الوطنية بمقاسات سراويلنا، لأن من بين كل الكائنات، البشر وحدهم يرصدون أموالاً طائلة وأرواحاً كثيرة يزهقونها، يسمونها الحرب، من أجل الوصول إلى غاياتهم، إنهم سيدفعون المحررين في الجرائد ليسلطوا سيوفهم على رقاب الحقيقة، إنها الحرب من أجل الفوز بالسلطة، لايخجلون كل السفالات مباحة في السياسة، والكتاب المأجورون هم سفلة حقيقيون، ليقولوا: إن الحزب الأصفر على حق، أو الأخضر على حق، وبذلك ترتفع أصوات أبواقهم.
ألسنا في مجتمع استهلاكي، ندفع فاتورة الحب، وضريبة المشي، لاأرصدة ثابتة، إنها البورصة، بورصة الموت التي تجعل من الذات أسهم ناقصة في شركة الحياة، أنت مجرد صفر في أرشيف العدم ياهتاو.
-لماذا تبحث عن نفسك، فقد سقطت سهواً بين فخذي الحياة «أناديكٍ ياذاتي المهترئة، على الطرقات، الترحال ظلك والألم زوادة سفر».
وهاهو في حلقة أوتاد تكبل أطرافه بوحشية، يترنح في حلبة الأوتاد التي تحاصره وهو مبهوت، رائحة الشواء في جسده دهنٌ على الجمر، يبحث عن الدفء في الثلج، وعن منديل جاف ليمسح به شرارة الألم من عينيه، خطوات تجرجر أيامه الشاحبة المصفرة، وتنزف منها القصائد على التراب. أي فوضى تغرز أظافرها، وتهرش فوضى الروح، وهو يختنق بحبل التاريخ ولايخرج من حلقة الموت، التي تزيد الخناق عليه، وتتدفق أفكاره دماء قديمة وحديثة، جلس على الرصيف، مد قدميه، أسند ظهره إلى الجدار، وهو لايعي شيئاً مما حدث له، ولا كيف قطع الشارع؟ وترك خلفه حبيبته تغرق بدمائها.
يحدث نفسه: «إن هذه العبثية ارتدت عباءة الديمقراطية، وأية ديمقراطية أتحدث عنها وماهي شكلها، وهل يوجد شيء بهذا الأسم في الواقع؟ أم هي كلمة اخترعها البشر، مثل كل الكلام، والكلام هو الكلام ولا شيء سوى الكلمات».؟!
- وإذا كانت هذه المفردة تخفي في جسدها مزرعة من الصبار، وكل شوكة تحمل سموم العشائرية واقليمية اللهجة.
- ماهي الألوان؟
ألعن الألوان، وأبا الألوان، وصنع خلق الالوان, أصفر موت أخضر موت, نزاع, خلاف, كراسي, سلطة.
تزاحمت كل هذه الافكار في رأسه, وأمتد هذا الانقسام إلى داخله, اشتد وطيس المعركة.
شاهد أحشاءه تندلق امام قدميه, وكل عضو في جسده يحمل راية, يتكلم لهجة, ويعتنق ديانه, ديمقراطيون, يساريون, المحافظون, لاويوّن..
اراد أن يهاجم تلك الصور التي شاهدها على الرصيف, وأن يمزقها بأسنانه, وصرخ بهم أن يبتعدوا عن جسده, صرخ حتى أغمي عليه.
أمتد إلى كل خيط في حياته، ليشمل عُري الأشياء والأيام المُرة التي مّرت، وبعثرت آخر حلم له هكذا تراءت له الأشياء، ولم ينتبه إلى حقيقة نفسه إلا على صوت الزمور والمكابح على بعد أقل من متر منه، شتمه السائق كأنه لم يسمع شيئاً، وأتجه ثانيةً ولا يعرف إلى أين يسير، كانوا يتحدثون بجانبه عن المذابح في «قوش تبه» والهجوم على المشفى وقتل الجرحى فيه.
- قال: بما أننا نحب مدننا كثيراً لذلك نكافؤها بالقرابين الحرب الأهلية والصراع على أربيل قتلت الأمل الذي نسجناه بأزهار الحب.
أنت تتذكر صغائر الأمور معها، لون ثيابها، ضحكتها، شعرها، طريقة نومها، أحمر الشفاه، فتحة الصدر، كتابها المفضل ، آخر يوم قضيتماه معاً في «شقلاوة».
كانت المرارة تزنر خصر أيامه، أنهارت قلعة آماله، وتربع هتاو ملكاً على عرش الضياع، مع أشلاء ذكرياته، يبحث عن ظلال المازيا وينبوع الحب.
-كفاني وقوفاً كالتمثال على مفترق الطرق، يجب أن أقرر.
وصورة ميديا احتلت في متحف أفكاره، مكاناً بارزاً تواجه رغماً عنه هتاو يحمل ذاكرة مغبرة، يتصاعد منها الدخان، وتسيل منها الدماء، تركن إليها الجماجم، ويختلط فيها النابالم بالندى، أكبر مساحة فيها هي الموت.
هاهو يتذكر اللقاء الأول، عندما كانت تلميذة صغيرة، تجدل شعرها
في ضفيرتين ، وتعلو فمها الصغير أبتسامة دائمة، وعندما تتحدث ترسم غمازتين على وجنتيها.
يذرع بوابة المدرسة، ينتظر خطواتها المراهقة بصبر، يصطحبها إلى أقرب شارع من الحي، يفترق عنها.
- قال لها أحُبكِ…
وكرر هذه الكلمة آلاف المرات، آنذاك كانت تحمل على صدرها ثمرتين لم تنضجا، أما في اللقاء الأخير فقد قبلها بشوقٍ كبير، شعر بأن نهديها كزوج حمام يحاول الهروب من سجن القميص.
- يا عزيزتي كم كبرت بسرعة، أم أن الوقت معكِ يمضي سريعاً دون أن أشعر به، كم أشتاق إليكِ وأنتِ معي.
- أنا معك ولن أفترق عنك أبداً، حبيبي لن أحب أحداً سواك.
أجابته وهي تعبث بشعر صدره، ورفعت رأسها نحو الأعلى أردفت تقول.. قبلني إذاً أكثر وأشارت إلى رقبتها، يعجبني ذلك كثيراً، يكفينا مارأيناه من القسوة حتى الآن، لماذا أبكي وحيدة، دثرني… دثرني.. لفني…لفني.. عانقني أكثر.. لا أريد الابتعاد عنك أبداً.
تمنت أن تتعرى من ثيابها، وهي تطبق عينيها على هذه النشوة، لكن الحياء والخوف جعلاها تمضغ الحب بجسدها، شفاهها وأصابعها بدون صوت .
فتح هتاو عينيه، ونظر إلى عينيها المغمضتين، ومن ثم إلى فمها الغير مغلق تماماً، كانت شفتها السفلى اكثر أحمراراً.
خاطبها: ها أنتِ معي فلماذا الحزن؟
ونزلت دمعة من عينيها فلثمها.
- أشعر بكل حنان الدنيا معك، عانقته بقوة جذبته نحوها بشدة وهي تود أن تسحق نهديها على صدره.
- أنتِ ملاكي ولا يليق بالملائكة البكاء، أنتِ لي وأنا لكِ، إذاً نحن شخصٌ واحد.
شعرت ميديا بالإرتياح والطمأنينة فالصق هتاو شفتيه بثغرها المرتعش وطبع قبلة عليه.
- لاتخشي شيئاً في الدنيا عندما تكونين معي.
أجلسها في حضنه وهو يطوقها بذراعيه من الخلف.
همست: من يضمن بأنني سأبقى معكِ إلى الأبد وأستدارت لتنظر من فوق كتفها إلى هتاو.
هتاو يعيد صياغة كل هذا الحوار.. وهو يلتقط أنفاسها على رصيف الغياب، رمقه الرحيل معاتباً من يضمن بقائها إلى جانبك،؟! أجل من يضمن ذلك يا هتاو؟!!.
تاه في الشوارع كثيراً ولا يعرف بالضبط في أي ساعة من الليل وصل إلى البيت، أجال بصره في الحجرة، وقعت عيناه على آلته المحبوبة وضعها في حضنه، أنحنى فوقها كأنه يعانقها، ثم تناول الريشة وبدأ العزف كان أزيز الأوتار يحمل رائحة الدم والموت.. جنازة.. جنازة… جنازة، هكذا كانت تخرج النغمات، وأغمض عينيه متقياً وهج الموت، الموت المقبل نحوه بكل قوةٍ، وصل إليه.. جاذبه، فرّ منه، وعاد يسمع أصوات الطنبور كأنها صارت تلفّه، تمّد أذرعتها الكثيفة، تلتف حول عنقه، وبعضها يقترب من شفتيه المعضوضتين إلى حدِّ البتر..
- شفتيّ تراب.. وفمي، لا تقتربي يا حبيبتي.. قلبي مليئ بآهةٍ على وسع الدم، وسع الوطن.. حبيبي، ضمني أكثر.. قبلني، خذني إليك، ضمني بعنف.. الطنبور صار لدناً أكثر، كأنثى في ذروة الشبق.. زحام النغمات والأصوات وصخبها يطبق على سمعِ هتاو، كصراخٍ ما زال يتردد منذ آلاف الأجيال:
- يا حبيبي… يا حبيبي..
الصراخ – أيها الحبيب- الصراخ!! الصراخ الذي يلف المدى والوجود والزمن، هذا كل ما كان الطنبور يصدره… إلى أن هوت يد هتاو بضربة لا وعي إلى الأوتار فقطعتها دفعةً واحدة، وراح الصدى يردد صوت تلك النغمة المبتورة التي أرتدّت كلها عن جدار الواقع، وأصطدمت بوجههِ، أعمته، وأبكمته ولم يعد يشم بعدها إلا رائحة القتل والدم.
- حبيبتي، أيتها الأوتار الذبيحة، أيتها النغمة المغدورة، المطعونة بيدي ذاتها، يا شهقتي المخنوقة قبل الفطام، قربي شفتيكِ من فمي، وسّعي الجراح والصرخة، شفتك يا حبيبتي يابسة كخطوة الموت!..
كانت الأوتار تتدلى كضروع عجفاء في الريح، والطنبور الذي كان دافئاً كنبع صيف، أضحى بارداً ذابلاً كزهرة دا ستها الأقدام عمداً بكل قسوة الكراهية..
الطنبور الآن كان فيه نداء القبر!..
صرخة واحدة كميديا التي نزفت دماً حليبياً من نصال الغدر!
هتاو الذي كانت أنامله ما تزال تخفق في الريح على وجه الطنبور وكأنه ما يزال يعزف لم يكن يدرك أن يده ذاتها هي التي بترت الموسيقا وهي التي حولت شفتي ميديا إلى تراب وكلماتها إلى موت من تماثيل الحجر!..
- دثرني، يا حبيبي، لفني بكفني، إنما أنزلني برفق في عتمة التراب ووحشة القبر، أتركني هنا وحيدةً في رحم أمي الأرض، سأطلع ثانيةً إليكَ عريشةً تظلل وجهك، أو شجرة جوز تستند إليها قامتك الطليقة.
هتاو، لم يكن يدرك الآن أنه بدأ يحفر.. يحفر.. ويحفر، في كعب جدار حجرته، ينثر التراب كيفما أتفق، هنا وهناك، غائصاً في التراب الرطب، يده طليقة من حمّى الخدر، وركبته اليمنى تغوص في زمنٍ آخر وتربةٍ أخرى، والموت يستوطن رأسه، «حبيبتي في ركنها المعهود الذي لا أعرفه، أيها الموت يا شقيقي لا تقترب منها حبيبتي، نامت على ركبتي، لا تصعدي يا ريح وتوقظي نوم حبيبتي!».
يحفر.. ويحفر، والرعاش يستولي على الإدراك ، كان كل شيء يهتز يصعد ويهبط وكل القيم والوطنية والمعاني تتساقط في عتمة نفسه، عميقاً عميقاً، هناك وراء ستائر اللاوعي، وفي ظلمة الألم القاهر. ألتفت هتاو إلى ما حوله، كان » غلاف « الطنبور مرمياً هناك – على الكرسي- صامتاً ككفن عنقه يتدلى على الحافة اليابسة للخشب البني، أما الطنبور ذاته فقد كان ملقى على السرير صامتاً وجافاً كجسد ميديا، وكلاهما قد نزفا الموسيقا والحب حتى الموت!!..
- خذني على ذراعيك يا حبيبي، لفني بالكفن، بثوب عرسي، أغلق بصري بأناملك، مسّد شعري لآخر مّرةً وأمسح على عنقي، دع لهاثك يدفئ مفاصلي الباردة، لفّني.. لفّني.. أنا لك ثمرةٌ ناضجة، من حلاوةٍ ودفءٍ، ضمني أيها القاسي كالهجران..
كما ترفع القرابين عن المذابح الملطخة بالأدعية، رفع هتاو، غلاف الطنبور، يحيط به وهج من ضياء كأن الهواء خثارة نور واسعة على مّد البصر!..
وكما يُكمل لباس العروس المزفوفة في محفة الآلهة، بهدوء وقدسية، لف هتاو الطنبورة بدثارها، هكذا على مهلٍ.. العنق.. الخصر.. الشعر… الأوتار المقطوعة صارت خصلة شعر مشطتها راهبات الهيكل وضمتها حول الجبين ضفيرةً واحدة نازلةً إلى العنق الأغيد، ويُغلق الفم الأخير نبع الحب والموسيقا، يركع هتاو ككاهن على ركبتيه يمدُّ ذراعيه برفق، برفقٍ أكثر.. فأكثر.
- إرفعني .. إرفعني يا حبيبي.. من الكاحل إلى العنق، أنا لكَ من العشبة الرطبة، إلى القلب المطعون، والعنق الرهيف، إرفعني.. إرفعني إلى صدركَ.. إلى عينيكَ.
جسدكِ بين ذراعيَّ –يقول هتاو – خمير حب لا ينتهي وقلبك المدمى قبالة قلبي قربانٌ مأخوذ للمعبد والأروقة، مقدم على مائدة الآلهة كفاكهة آسيوية مبلولة بالأرجوان، أو سمكة طازجة من نقاوة دجلة الأعلى..
أعلى.. أعلى.. يرفع »هتاو« جسد ( ميديا - الطنبور) كأضحية تُقدم للإله، ومن الزوايا الأربع للبيت، نوافير نور بدأت تصعد.. تصعد كأن كاهنات البريق حملن أباريق الحمَّام العرائسي، ورحن يتقدمن على سُحابات ضوءٍ من ذهب خالص..
أربعة.. أربعة.. هذه هي جهاتك، أصولك، أجزاؤك الأربعة، رضاعتك، وشبابك، رجولتك، وشيخوختك.. أمك، أبوك، أختك وأخوك..
تحمل –يا هتاو- أرباعك الأربعة، أختك، وأمك، حبيبتك، وأبنتك، ميديا… ميديا، إلى القبر.. يأسك، أو عزاؤك، فشلك أو صمودك!!..
- لا يحدثني أحد عن الصمود والإنكسار، عن الحبيبة والوطن!.. لا يحدثني أحدٌ عني أنا الهوية والوطن، أنا الجهات الأصلية الأخرى… ستخرس أخيراً الأمكنة الرعناء في الروح وستسقط أيضاً، فيما بعد.. بعد الهدوء، بعد الرواح والغدو، أمكنة الجسد وراياته سوف تتكّسر بعد تلك الرايات حتماً، لكن!!!.
كان هتاو على شفة الحفرة، ركع حاملاً ذلك الجسد الخفيف الحبيب الموسيقا، الصمود، الحب كله، ميديا والأغاني، الأغاني الحنونة عن الثلوج والجبال والأنهار، أصوات الشلالات والجروف والحجل الملون، بتطريزات صخر الجبال العاري تحت الريح والمطر والثلج، مّد هتاو يده بالجسد المضّرج بالموسيقا..
- ميديا، يا أمي، تعودين الآن إلى الرحم الرطب..
ميديا، يا أختي، تعودين إلى البذار الأول للحياة..
ميديا، يا أبنتي، تعودين إلى العتم الذي ينشقُّ منه النور..
ميديا، يا حبيبتي، تعودين الآن.. الآن، إلى الجذر الأصيل للخصب والحب..
هذه صلاتي، صلاة العاشق، الحبيب، الأب، والأبن والأخ، أنا راكع على ركبتيَّ، ركبتيَّ الخشنتين من الصلاة وقلبي المضرج بالظلم والدموع فلتأخذي أيتها الأرض الحلوة ما أعطيتِ، ولتأخذ أيها التراب العزيز ما وهبت.
لم ينتبه هتاو إلى أركان حجرته التي بدأت تشتعل بالأنوار من أربعة أركانها، نوافير من الضوء بدأت تشرأب إلى فضاء البيت لتجتمع عاصفة بالمكان نوراً خاطفاً.
هتاو، حاول في ذهوله، أن يبدأ بإهالة التراب فوق جسد الطنبور -ميديا- لكن الأنوار الأربعة المتحدة في تشكل نوراني صاعق، أنقضت فوقه، مرّت على يديه وعينيه وقلبه، فصعق وتوقف الزمن، لحظة أنبهار أخيرةٍ.
- ياميديا، يا أمي، حبيبتي تصعدين الآن.. كانت الأنوار المنقضة قد أختطفت وعاء الحب والموسيقا، وذهبت به إلى أحضانها.. هناك، هناك، في الأعالي..
للحلم دربه السكران، للعشق مواعيده، للخصب والحنان، من ذاك يفرش ثوب الدفء على قممك الثلجية الباردة يا بلادي، من ذاك الذي خلع سترة الفجر على نقائك أيتها المعطاءة، الجميلة، رغم أنف الدم والحزن، والقهر..
يا حبيبتي يا نغمة وجودي يا ميديا يا عشقي الأخير.
بعد حين يستيقظ هتاو من صعقته، الأنوار ذهبت والحجرة يملؤها نسيمٌ معطر، ينظر إلى الحفرة ويتابع إهالة التراب معتقداً أنه مازال يدفن جسد حبيبته المثخن، وطنبوره المحطم.
يغفو متعباً مرهقاً دون أن يدرك فارقاً بين نومً ويقظة، يغفو على أحضان كابوسه المريع، وعندما تدخل امه إلى حجرته في الصباح، لا ترى شيئاً إلا أنه كان ينام متكوراً على الأرض بيأس، تصرخ به لتوقظه، وهي تنفض بعض الغبار العالق على الطنبور المعلق على الجدار، ثم تصلح وضع صورة غيفارا الذي كان ينظر كأنه حاضرٌ حيّاً هناك.
* * *
مرت الأيام الرتيبة، تثقل كاهله والحزن والفراق يتربص به من كل زاوية ولا يستطيع أن يخرج من هذه الدوامة.
شاخ الليل في الخارج، يسمع حفيف أوراق شجرة التوت التي تواجه غرفته، وفي الداخل صورة مختلفة عن الخارج، تشكل مع محتويات الغرفة لوحة غير منسجمة، الهدوء فارٌّ من كل شيء، بدءاً من التنفس إلى دخان السيجارة المنسية، الأشياء المرئية واللامرئية تتحرك، الإحساس، العاطفة، الروح، أجتمعوا كلهم دون موعد.
نزل خيط فضي من عينيه والتمع أمام الضوء الخافت، جسده كان يطبع صورة كبيرة على الجدار، بقي هكذا للحظات ينظر إلى لا شيء، سبح مع تيار أفكاره، وضده، دوائر الدخان تحتضر وهي تفارق السيجارة، وتلتقط أنفاسها على مرأى عيني هتاو.
الليل في الخارج اتشح بالسواد يؤازره في نعوته، الأيام الماضية كانت تمسك بتلابيب ذهنه، وتجعله بدون إرادة، السلطة المطلقة للذاكرة هي الحاكمة.
فكَ أصابعه المتشابكة تحت رأسه، أعتدل في فراشه، نظر إلى الستارة البالية، وهي تتأرجح على النافذة، أطفأ ما تبقى من السيجارة بعد أن دخل قليلُ من دخانها في عينيه.
أرتفع صدره وأنخفض بتنهدة عميقة، سحب من تحت الوسادة دفتراً وقرأ الرسالة التي أرسلها يوماً إلى ميديا.
- في البداية أقول انني لا أدري بالضبط لماذا أكتب لكِ؟!
وتابع : كل ما في الأمر، إنني شعرت بالحاجة إلى إنسان أفضي له بقليلٍ من الأحزان، ومن أقرب إلى النفس منك، وبما أنني أتذكرك أكثر من إي إنسان آخر، فقد أتجهت كلماتي إليكِ، بالرغم مني، الشكوى تخصني وحدي، وقد تسبب لكِ بعض الحزن، أعرفك رقيقة وعاطفية الساعة الآن هي الثانية والنصف، من الصباح، اي صباح هو وقت رخو ينام الجميع، كل المدينة تقريباً نائمة، وحدي ألوث هدوء الفجر بضجيج افكاري وسجائري، أتذكرك وأقارن العالم بكِ، بل أقارن نفسي ، كنت مثلك تقريباً عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، وسيم مرح شقي أحياناً، وعندما أصبحت في التاسعة عشر، حدث إني ذهبت إلى الحرب، الحرب التي فرضوها علينا، وأنتِ لستِ غريبة عن هذه الحرب أخوتك كانوا في البيشمركه أيضاً، ورأيتُ كيف نقتل بعضنا من أجل لا شيء، أو كل شيء، مات الكثير من أصدقائي، وفقدتُ أخي وتعرضت لإصاباتٍ كثيرة ، ليس أهمها كسور العظام والجراح الجسدية، بل ذلك الشرخ الكبير في الروح، لقد مات هتاو الولد الجميل المتفائل، وولد هتاو الحزين والبائس، ليس هذا وحسب، بل لقد مات الذي كان الأول في كل شيء، ليبدأ ذلك اللامبالي باي شيء، لم يعد يهمني أن أحقق اي شيء، تصوري أن يكون هناك شخص يمارس الحياة دون مشاعر، فقط أنتِ النافذة المضيئة في عتمة العمر.
لا أحب شيئاً ولا أكره اي شيء، لقد تساوت الأشياء في نظري، ماذا جنينا بعد كل هذه السنوات من الكفاح؟ حكم ذاتي يعيش حالة التمدد والتقلص، حسب ما تقتضيه مصلحة الأقوى وحكومة الإقليم المنقسمة على نفسها.
ولا يدري هتاو أن ميديا ستكون واحدة من القرابين التي ذبحت على أقدام الإقليمية، بعد كل هذا تساوت الأشياء في نظره، ولم يعد يهمه أن تخرب الكرة الأرضية أو تعمر.
لقد صار الآن في وضع المراقب، الذي يرى الأمور من خارجها، بل تعتريه أحياناً كثيرة مشاعر الكره للبشر، وهذا يدفعه إلى حافة الإنتحار.
طبعاً من البساطة قول ذلك لكن الفعل يبدو صعباً للغاية تجتاحه أفكار متناقضة، آمن يوماً أن يموت من أجل هذا الوطن ألف مرة، لأن الموت مرةً واحدة لا يكفي، أما الآن فهو يشعر بالندم لكل ساعة قام فيها بالنضال من أجل هذا الوطن.
بل وسنرى كيف يضحي بكل شيء في سبيل قضيته، لكن المرء كتلة تناقضات، ربما يسكنه الإله والشيطان معاً، أحياناً يستيقظ إله الشر في داخلنا نقمعه، وأحياناً كثيرة نترك له العنان ليربطنا بوتد الشر الأزلي ويقودنا إلى ضفاف القتل.
يتابع الرسالة مرة أخرى.
- حسناً والآن يزحف الصباح ببطء، صباح يوم الجمعة وعلى شجرة التوت العصافير ويوم الجمعة شيء آخر للذكريات وجوان حاجو يغني:
derd. d/r, xw\tew,
yad yaran welatim roj / \ew
`on pena bu mey nebim saq, ed,
وبعد قليل سأتوقف عن الكتابة، أو الكتابة ستتوقف عني وتهملني، ربما مع فنجان القهوة الثالث أو الثالث عشر، بعد أن أنتهى من القراءة، تناول القلم من جيب قميصه المعلق، فتح صفحة جديدة وكتب فيها:
- أتذكرك الآن بقوة أكثر، عندما رأيتك للمرة الأولى عرفت أن عمق عينيك، شيء له علاقة بالعالم الأساسي، وليس بهذا العالم التافه الذي نعيش فيه، هناك مساحة واسعة من الحنان المملح.
- لماذا حرمتيني من رؤية عينيك؟
حينها كنت أطارد خطواتك بعينّي، أمام بوابة المدرسة، وأنا أشاهد مساحة من الحلم والدهشة في عينيكِ، ووجهك مثل إشراقةً شعرية للخالق، أمّا حركاتك فهي التي تفتح أمامك أبواب القلوب، إعذريني أنتِ سريعة الوصول إلى القلب، أنا لا أصدق إنكِ رحلتِ ، وحينما أفكر بهذا أجد نفسي أخاطبك.
أحياناً يا ميديا وحين تشردين قليلاً يخيم ظلٌ من الكآبة على وجهك، فينكشف عمقك الحزين، رأيت ذلك في اللقاء الأخير هل كنتِ تتنبأين بالموت، وتعرفين المصير الذي ينتظركِ .؟!
أنا لا أنظر كثيراً إلى وجوه الناس، لأنني أعرفهم دون أن أنظر إليهم، فالبشر يملكون أكثر من وجه!!؟
لقد أبتعدتُ وشردتُ كثيراً عن الموضوع، وبالأساس كل ما أفعله شرود عن القضية الأساسية، التي أضعها كهدف لحياتي الحالية، واي معنى هناك في أن أكتب ولن تستطعين قراءة ما أكتب ، سأكون صريحاًًً للغاية، وأرجو أن تفهميني بل أثق تماماً إنكِ تفهميني.
تعرض هتاو لتبدلات كثيرة في حياته منذ أن دخل الحرب لأول مرة، هي شيء ظالم وقاسٍ جداً أشعل هتاو سيجارة آخرى وعبَّ منها بقوة كان يقول في داخله:
- إنني أستغرب لماذا يقتل البشر بعضهم مع إنني شاركت في ذلك بوعي آو دون وعي، لماذا لا يعيشون معاً ويحبون بعضهم البعض؟.
والآن هتاو يعيش بلاَ حرب، ويحبُّّ حبيبته التي لم تعد موجودة. بل تسكن خياله وجوارحه ولا يستطيع أن يقنع نفسه أبداً بهذا الواقع.
تمر الأيام كأي شجرة عارية، أو أي حشرة، والسبت بالنسبة له لا يختلف عن الأحد.
يكتب كثيراً، يعزف لحن الوداع لها، ينزف أحزانه، كان وجود ميديا في حياته شيئاً أشبه بالسحر، فقد نجحت ميديا أن تمنحه لحظات جميلة من السعادة.
غفى هتاو بينما كانت تدنو خطوات الصبح أكثر..
في الصباح عقرب الساعة يصافح التاسعة، دخلت أمه عليه وأيقظته، أمعن هتاو في وجهها، التجاعيد التي رسمتها السنون، وسياط الزمن على وجنتيها الغائرتين، كانت تبدو أكبر بكثير من عمرها الحقيقي، القهر، الحرمان، الهجرة، والتشرد هي العناصر الرباعية لتشكيل تلك لوحة في وجه أمه البائسة، وهي الأوتاد اتي حاصرت هذا الجسد ليبدو هزيلاً، راقب أمه بنفس قلقة، يجب أن تبوح، ولكن بماذا تبوح ؟.
كان يدور في دوامةٍ لا يستطيع الخروج منها، وشعر بشيء فوق القدسية، وهو يرى غلال عطاء أمة شيئاً، في مواسم العوز، تمنى أن يعانقها، ويلثم يديها، لكن شيءٍ ما في داخله، منعه من ذلك.
ولا يدري أين قرأ هذه المقولة (كما يعود الإنسان إلى أمه الحقيقية، هكذا يجب أن تعود إلى أحضان الفلسفة، إلجأ إلى كنفها.. فتحتمل المصاعب).
مرتّ هذه الأشياء في رأسه سريعاً، وأخفض عينيه، لكي لا يستسلم ويرتمي في أحضان العاطفة المسيطرة عليه، وهو ينوء تحت أعبائها، رأسه مطرق ، عيناه تحدقان بالأرض، أستطال شعر وجهه وصارت لحيته طويلة.
- صباح الخير رد هتاو : - صباح الخير يا أمي أردفت تقول وهي تنظف يديها المبللتين بمنديلً صغير
- على غير عادتك إيقظتكَ باكراً.
أيتسم هتاو مرغماً لكي لا تعلم أمه شيئاً ، وكاد يقول لم أنم يا أمي وكبح جماح هذه الكلمة في حنجرته.
- خاطبته ثانيةً ألا تتناول شيئاً .
- نعم يا أمي.
وفي دخيلة نفسه لم يشعر بشهية لكنه قال ذلك موافقاً ربما تكون هذه آخر مرةً أكل معها ويجب أن أشاركها وهي في هذا الوضع.
دخل خوشناو أبن أخيه، يحمل لعبةً مصنوعة من الأسلاك والخشب تشبه البندقية.
مسد رأسه بحنان، وسأله.. ما هذا يا خوشناو..
- إنها.. إنها بندقية.
- ماذا ستفعل بها؟..
- سأقاتل الذين أخذوا أبي وجدي.. أمي تقول ،هي يشير إلى جدته، صدام قتلهما.
- نعم وهز رأسه بألم، وكادت أن تفلت منه هذه الكلمة ونحن أيضاً نقتل بعضنا..
لم يودع أحداً في البيت، وقف بجانب المنزل كتمثال منحوت، مرًّ بنظره على شجرة التوت، ثم دخل الغرفة بخطواته المترنحة، نظر إلى فراشه الملقى على الأرض، تفحص كتبه القليلة في المكتبة، ونظر إلى صورة أبيه المعلقة، وقبل أن يخطو خارجاً رجع وحضن طنبوره.
قال هي المرة الأخيرة التي أشاهد فيها هذه الأشياء، خرج بخطوات سريعة من الغرفة، وتفجرت دموعه.
هكذا هي الحياة، الليل يدفعنا إلى النهار، والنهار إلى الليل حتى نبقى هكذا، الفواجع عصرت روحه، ونشرتها أمام رياح الآلام.