-3-

7 0 00

-3-

ترانيم الهواء

[4]

مرًّ بين المقابر التي تحاذي السور الأثري ، وقف في وسط القبور وهو يتأملها، البعض منها كان مسيجاً وعليه شواهد منمقة تحمل أسماء أصحابها، وحتى بعض الألقاب دكتور.. إلخ..

ومنها ما كان يحمل شارة الصليب وبجانب الشاهدة مكان لشعلة النار وعاد بذكرته إلى قريته والمقبرة، تذكر قبر والده المحدودب بالحجارة والتراب، تمنى في داخله أن يحمل شاهدة مثل هذه أبعد هذه الفكرة سريعاً، وهو يخاطب القبور.

- هل حققتم ما كنتم تسعون إليه وتكدحون من أجله في الحياة كم من آمالٍ وأحلام دفنت معكم دون أن تحققوها.

عالم الموتى كعالم الأحياء، مثل المجتمع فيه فوارق طبقية، بعض القبور مهمل لا تعرفه سوى من الحجارة أنه قبر ومجهول الهوية، وهزأ متن كلام شيخ نوحو في تلك اللحظة، كان يقول إن الغني والفقير يتساوون في القبر كل شخص يستهلك أمتاراً قليلة من القماش، ليس صحيحاً كلام شيخ نوحو إنهم لا يتساوون حتى في القبر.

وكم شبّه »الرميلة« الحي الذي يسكن فيه بهذه المقبرة رميلة رائحة »التفل« مستنقعات المياه الآسنة، والوحول في شوارعها شتاءً، البعوض والذباب صيفاً، بمعالمها الموحشة والعشوائية، لكن لا يوجد فيها ألقاب سوى الطمبرجي. والعتال.. وعمال البلوك.. وعمال التنظيفات وليس تنظيفها هي ، بل تنظيف الأمكنة الأخرى ! . .

نادراً ما تلاقي فيها مهنة غير شاقة، رميلة تدفن الأحلام والأفكار في أزقتها الموحلة.

خلف ورائه المقبرة، نظر إلى العشب الأخضر على حافة السور كان يرتفع مقدار سنتيمترات عن الأرض بسيقانه الفضية، والشمس ترتفع من ناحية الشرق كملكة آسيوية تنثر خصلاتها الذهبية بإهمال.

الجو ربيعي ساحر، الشمس دافئة، قال في داخله ما زال الوقت مبكراً قبل وصول المعلم، سأصل المحل، سحب إلى رئتيه نسمات من الهواء الرطب الممزوج بالندى الصباحي.

جاءه مستو بينما كان شاهو يجلس على كرسي حديدي، يرتشف الشاي من أبريق لا لون له.

- أهلاً يا مصطفى…

الا تود أن تشرب كأساً من الشاي.

فنظر مصطفى إلى الكاسات الملطخة ببقع سوداء..

- رد لا.. لا.. شكراً أنا في عجلة من أمري..

- قال له شاهو: ما هي أخبار الأهل..

- بخير..

- وخالتي »آلو« وتذكر هنا كلام ألو عن أمه بين النساء »يجب أن تتزوج« ما زالت شابة وكان يشعر بغصة وتتكوم كرة من البكاء في حنجرته وهو يتخيل أن تنام أمه في أحضان رجلٍ آخر.

- بخير هي أيضاً، لكنني لم أزرهم منذ مدة أنا مشغول هنا في تحضير الامتحانات، ولدي دورات كثيرة، والعمل الحزبي.

- كل هذا يمنعني من زيارة الأهل والأصدقاء..

- حسناً ماذا تريد أن تخبرني..

إن المنظمة ستقوم برحلة إلى »قلعة جعبر« ومن هناك ستأتي »منظمة الطبقة« وأنتَ مدعو إيها الإتحادي.

قال هذه الكلمة بتعالٍ باعتباره حزبياً وشاهو عضواً في إتحاد الشباب..

كان مستو يقول هذا الكلام دون أن يجلس، خوفاً على ثيابه، وأنهى كلامه الأخير دفعة واحدة.

بينما كان شاهو يتأمل وجهه المسطح الذي لا ينم عن أية موهبة.

- قال بسرور: وهل أرفض هذا؟‍‍‍‍‍‍ على الأقل أرتاح يوماً من عمل »كيركور«.

غادره مزهواً يتمختر في ثيابه الجديدة كديك يظن أنالشمس لاتطلع إلا لأنه يصيح.

في اليوم الثاني أجتمعت ثّلة من الشباب والصبايا، بينهم ثلاثة أوأربعة كبار في السن هم من القياديين في التنظيم، بالقرب من النهر، بين الشجر، ثم أنهمكوا في تنظيف المكان من أجل الاحتفال بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس الحزب، وبدأوا بأغنية جماعية، ثم توزعت الأغاني عن نيكارغوا، وتشيلي والمقاومة الفلسطينية، شعر شاهو بغصة في حلقه، إننا أمميين، لكن ما المانع، بأن نغني عن كردستان التي تئن على مرمى أعيننا.

وفي تلك الفترة كانت قد وصلت أخبار مقاومة السجون من دياربكر وغيرها من المدن.

ذاب الجميع في الرقص، راحت الأجساد ترتفع وتنخفض، تلتوي على أنغام الموسيقى، أستمر الرقص، وتمرد على الإيقاع وفي هذا الصخب ألتقت أعينهما.

القتاة التي جذبت انتباه شاهو في هذه اللحظة كانت تستند بظهرها إلى شجرة وتنظر إلى المشاركين في الرقص.

خاطب نفسه: إنها أكثر من جميلة وحدق فيها ملياً، شعرها أسود وقصير وخطه الشيب، ليس عمرا فهي صغيرة,ولا شك أن هذا الشيب وراثيً هذا، ثم تقاطع بصرهما ثانية، أخفضت رأسها بخجل وحدقت في الإرض.

- قال شاهو: لا بد أن أكرر المحاولة-

أبتسم لها، لم تحرك ساكناً، أقترب منها أكثر، حاول أن يكلمها وتراجع عن هذا القرار في اللحظة الأخيرة.

- إنني أعرف إنها تنظر إليَّ، وتتظاهر بالحديث مع الآخرين، والإنشغال عني، عيونها تناديني،أهدابها، خلايا جسدي تلقت كل هذه النداءات، تلوذ بعينيها وتفر من عيني، لكن نظراتنا في عناق عبر المسافة الفاصلة.

ما زال في حيرة من أمره.

- هل حقاً إنها تنظر إليَّ، لم تعد تهمه الحفلة.. ونسمات الربيع، والضجر يركله، يمزقه تلوذ أمنياته بالصمت، تفر من الصخب والموسيقى، ولم يعد يرى أمامه سوى الذي فجر في داخله ينابيع الأمل.

في هذه الدوامة شعر بشيء أشبه بالمخدر في أحساسه وجسده.

في المسابقة تم أختيار تلك الفتاة مع شاب آخر من الفريق »ب« في مجموعة شاهو، أدهشته هذه الصدفة.

- أجل إنها الصدفة.

لملم شتات أفكاره وأحس بالطمأنينة والارتياح.

- الآن أصبحت الظروف مؤاتية لكسر حاجز الخوف، يجب أن أتحرك.

وعند الأسئلة الموجهة لهم، كان يعصر ذهنه ليستحضر الإجابات الصحيحة، وفي النهاية، فازت مجموعة شاهو بالمسابقة وحصل كل واحد منهم على هدية، وهي عبارة عن مجلة »الطريق إلى الاشتراكية« وصورة فوتوغرافية لغيفارا.

أثناء المسابقة كان ينظر إليها بإمعان، عندما تنتقل الأسئلة، إلى فريق »آ« انجرف إليها بانجذاب قاسٍ وكانت أجمل مما يحلم، تتفجر بالأنوثة، أجمل مما رآها للمرة الأولى، أثناء الإجابات كان يقترب منها أكثر، يستنشق أنفاسها وعبيرها الفاغم يكاد يسبب له الدوار، بحجة إنه يشاورها.

لم يعد شاهو يهتم بالاحتفال والآخرين، صديقته في المسابقة، استحوذت على أفكاره، تمنى في داخله، أن يطول هذا اليوم أكثر من قرن، وإلى نهاية العمر.

أصبحت بالنسبة له مركز الكون ولم يستطع أن يقاوم انجذابه الطاغي نحوها فلحق بها إلى ضفة النهر، أقتفى أثرها، ثم أختار مسافة أبعد ليواجهها مباشرةًَ، وفعل ذلك شعرت بالخجل، جلس على صخرة قريبة وهو يراقبها.

- آه لقد ذهبت إلى النهر.

هذه فرصتك يا شاهو، سألحق بها، وليكن ما يكون.

كان ينظر إلى الأخرين، ويراقب الممر الذي ينزل إلى النهر استغلّ خلاء المكان، وسارع في خطاه، دنا منها أكثر، كانت تغسل وجهها.

قال: مرحباً…

رددّت بحياء:

- أهلاً ونظرت إليه ملياً،في عينيها بحرٌ متلاطم من الأسئلة ,لكنها لم تطرح أي واحدٍ منها.

- أراد أن يختصر الزمن، ويقتحم المسافة الباقية، بجمل سريعة كل شيء فيها يثيره، شفاهها الممتلئة، شعرها القصير، وجنتاها البرونزيتان، نحافتها، مسحة الحزن الخفيفة على وجهها، أنفها الدقيق، عيناها الجميلتان، حاجباها، قامتها المنتصبة.

- أنتِ شديدة الخجل..

عبثت بأصابعها الرفيعة الطويلة، دون أن ترفع رأسها.

- لا ليس دائماً.

شاهو في موقف لا يحسد عليه، يشعر اضطرابا، لكن تلك النظرة الأولى أعطته القوة والأمل وأخرجته من اضطرابه..

أردف يقول: أود أن أعرفك.

عندما رفعت رأسها، توردت خدودها خجلاً، تأملها قليلاً ثم نظر إلى السماء وجدها صافية، ثم استدار بإتجاه القلعة، انعقد لسانه، تعثرت الكلمات والجمل في حنجرته، أبت أن تخرج، تطلع إلى النهر ثانيةً، وحمل من الأرض حصاة ورماها في الماء، وقبل أن ينسحب بارتباكه، أراد أن يرمي حجراً آخر في النبع الراقد أمامه، وهو يعلم أنه لو باءت محاولته هذه بالفشل ربما لن يلتقي بها ثانيةً، وسيضطر أن يسأل عنها بعض الرفاق، وهذا مالا يحبذه.

تجرأ وخاطبها: أنتِ في غاية الجمال.

جاوبته: دون أن تنظر إليه..

- أشكرك.

شجعته هذه الكلمة على المضي، بعد أن أستعاد أنفاسه قليلاً وأستقرت ضربات قلبه بعض الشيء.

- اغفري لي فضولي، هل لي أن أعرف أسمكِ؟!!.

إذا أردتِ ذلك.

- قالت ببرود ظاهر أفين.

- هل تعرفين معناه؟.

- بالتأكيد..

- ثم قالت له: إنك تملك ثقافة واسعة..

- لا ليس بالقدر الذي أطمح إليه.

وتوقفت كأنها غير مهتمة به، وتريد أن تنهي الحديث،فسألها مع أنه كان يعرف أنها من عفرين لكنه أراد أن يتكلم معها قدر المستطاع.

وأن يجرها إلى الحديث، سألها.

- من إي بلد أنتِ؟!!.

- عفرين..

- لقد زرتها مدينة جميلة بعكس كوباني بلدتي.

جاملته…

وقالت: كوباني جميلة بناسها..

- أشكرك أنتِ لطيفة جداً، أود أن نلتقي ثانيةً.

وهو يتمسك بالأمل الذي يقف على كلمة منها، ويرغب أن يضمها ويفاجئها، أحُبكِ.

لكنه لم يستطع ذلك.

جلس امامها وهو يحدق فيها.. وقفت بدورها، وخرجت من الماء بدا بنطالها مبلولاً إلى الركبة، لونه مختلف وهوأكثر غماقة، وحدقت فيه،كان يبدو لها غريباً في تصرفاته بعض الشيء كرر سؤاله، بصيغة أخرى..

- أود أن نلتقي قالها برجاء.

أبتسمت

- أتركها للصدفة..

- لا لا أرجوكِ، أقترب منها أكثر كادت أنفاسه تصل إلى وجهها.

- قالت: أبتعد، لا تفضحنا، فالرفاق قريبون.

فهمس بصوت خافت:

- وهل الحب فضيحة؟!

ضحكت ووضعت يديها في جيب بنطالها، بدت سيقانها متناسقة، ثم صعد بنظره إلى الأعلى، تكويرة نهديها وحجمهما وقميصها الأسود الذي يعطي عمقاً أكثر للوجه.

أحسّ لوهلةٍ أنه كان متهوراً، فشعر بالخجل من غبائه وتصرفه الطائش،ولكن بعد أن أخذ أسم المدرسة التي تتعّلم فيها، شعر كأنه حصل على المستحيل. وامتلك العالم برمته.

أستودعها قائلاً: أشكرك أشكرك إلى اللقاء.

لم تتفوه أفين بكلمة.

وقفت برهة وتطلعت إلى الشمس التي كانت ستجنح بعد قليل خلف التلال البعيدة، هبت أنسام عليلة، قبل أن يركبوا حافلاتهم عائدين من حيث أتو..

أقترب شاهو منها، وبصوت أقرب إلى الهمس..

قال: لا تنسي سأتي لأراك..

قالت: أفين بأدب جم:

- سأنتظرك.

- هتف في داخله، رائع : إنها تنتظرني، لا بد أنها تبادلني نفس الشعور، وإلا لما قالت: هذا..

بين الحلم واليقظة، أراد أن يخر ساجداً على ركبتيه أمام آلهة حلمه، وفي طريق العودة لم يأبه بأعمدة الكهرباء التي تجري إلى الخلف والتلال، ولا بالمساحات الخضراء وتنثر معها المساء للبوح بدواخل شاهو المشتتة الجذلى، وشعر للمرة الأولى برغبة جارفة في أن يصرخ للعالم بأجمعه، أنه يحب، وحتى »مستو« أبن قريته تمنى أن يعانقه في هذه اللحظة.

ولا لشيء تداعت أفكاره، تذكر الأستاذ والرحلة إلى »عين عروس« والحلم الذي يزوره بين فترة وأخرى، حلم الأوتاد.

والصراع العشائري، في بلدته، والنكات المتبادلة بين الشيخان والكيتكان، والثأر، ومواسم القطن، وحداتو التي كبرت معه ومضافة »زيتو« كوباني لياليها، و (الجيكه ) والأزقة.

أعاد صياغة كلامه مع أفين.. ماذا قالت؟ للمرة الألف، كيف أغلقت عينيها؟ بأهدابها الطويلة.

كان مغزل هذه الواقعة الجميلة، ينسج وجعاً لذيذاً منحدراً في كل جسده وأحاسيسه، كان فرحاً مسروراً وهو يدخل إلى البيت، ركض إلى أمه قبل يديها.

قفز، صرخ غنى بصوته الناشز، تقلب في فراشه كثيراً، لم يغمض له جفن، تمرغ على كفن الفراش الأبيض، الابتهاج والاضطراب أمتزجا معاً في وعاء قلبه.

وهو يخطط لذهابه للإلتقاء بها..

- لن أرتبك مثل اليوم- لا..

بينما راحت أفكاره، ترسم لوحات، جميلة للقاء، وكلمات أجمل، وغفى على حلم جميل وهو يعانقها.

* * *

أنكب شاهو على الدراسة والتثقيف الذاتي، وأنضم إلى الحلقات الماركسية التي ينظمها، إتحاد الشباب الديمقراطي في مدينة الرقة وجد في الحزب الشيوعي الحل في إزالة التناقض القومي والصراع الطبقي وفي تلك الأثناء كان النقاش يحتدم كثيراً عن اليسار والحركة الكردية التي كانت تشهد تصاعد وتيرة العمل الثوري نوعياً في أجزائها الثلاثة معاً، تحدثوا في ندوتهم الأخيرة، عن أمور كثيرةٍ، الكومونة، وبيان عصبة الشيوعيين، وصولاً إلى التطورات التي يشهدها المعسكر الشرقي، والشرق الأوسط، بدأ هو بإدارة دفة الحوار وأحس بأن هذه الأحداث تندلق طازجة على مائدة النقاش.

وتثقل الفكر والروح، خرج من الإجتماع مرهقاً…

صار في شارع »تل أبيض« يتأمل وجوه المارة القليلين، والأضواء الباهتة، وقف فوق الجسر اتكأ على الحاجز الحديدي، ونظر إلى مياه المطحنة الضحلة دونما هدف، شعر بالغثيان، وبخطى متثاقلة إتجه إلى البيت، تراوده الأفكار، الغصة سدّت بطبقة من الإسمنت حلقه، هل هذا هو الحب؟!! الذي يسمونه الحب، لسعني في شراييني جاعلاً منها شوارع تزدحم بالمارة في ارتباك يهربون، يختفون ، ثم يظهرون، هذا يشبه قتال الشوارع الذي سيخوضه شاهو وهو يجهل قوانينه.

بعد أن اعترفت بحبي لها، ارتفعت عن الأرض، والناس من تحتِ يبقون أقزاماً، ارتفعت بقامتها هي أيضاً حتى عانقنا السحب نزحت اللحظة، غبار الأحزان المتراكمة في داخله، أولاً ثم الجدران و حلم الأوتاد ولفتها زوبعة تغوص في تضاريس الأرض بقوة، قذفت بكل شيء من داخله، وجعلت من شاهو شخصاً آخر، ولم تعد تنبعث من أمانيه رائحة الحزن، تعمق كثيراً في الفلسفة واللاهوت، الأسطورة تجذبه بقوة إلى عالمها المسحور، كان مستو يسخر منه ويناديه بالأسطورة، لكثرة تعلقه بها والحديث عنها دون ملل.

يتوقف أوقاتاً طويلة أمام واجهة مكتبة السلام وهو يلتهم العناوين المعروضة، يدخر ثمنها ويقتنيها، والكتب الغير موجودة يرسل عناوينها إلى دمشق لجلبها، ازداد شغفاً بالمطالعة، حتى غدا لديه مكتبة جميلة وكبيرة بالنسبة لعمره، من روايات عالمية وكراريس ماركسية، وبعض الكتب في المثيولوجيا.

يعود من عمله في الصناعة يتفقد كتبه، يجلس ساعات بين أوراقه يقرأ بنهم، وشعر بانقلاب وغبطة كبيرين، بعد أن نشرت مجلة حزبية قصيدة له لكنه صار هدفاً لسخرية مستو اللاذعة، صار ينعته بالشاعر الأسطورة.

وكان يقول: لو أحب مستو فتاة رائعة مثل أفين، ربما يغدو هو الآخر شاعراً وكاتباَ، لكن من أين له أن يحب فهو لا يؤمن حتى بوجود هذه الكلمة…

بينما كان يسبح في أحلامه، وكانت الكتب مبعثرة حوله لدرجة الفوضى، نادت أمه عليه من خارج الغرفة وهي منهكة بإعداد الطعام.

- يا ولدي إنك تذهب ، إلى العمل وتعود متأخراً، فإننا كدنا لا نراك أفي يوم عطلتك لا تشاركنا الجلوس…

كأنه لم يسمع…

- هب شاهو.. لماذا لا ترد؟!!!..

- نعم ماذا يا أمي…ريثما أنتهي من قراءة هذه الصفحات..

دخلت أمه عليه غاضبة..

- ستفقد بصرك بهذه الكتب الملعونة..

- ماذا تريدين يا أمي؟

- يا ولدي أبتعد عن هذه الكتب، لا أريد منك شيئاً..

- ماذا في الكتب؟ قالها بضجر ورمى الكتاب بانفعال..

ثم ندم على ذلك التصرف.

- ماذا في الكتب..؟!

- قال أخاك بوزان: إنك" شوعي"، والشيوعيين كفار

ولا أريد الكفار في بيتي، وكتب الزناديق لا تجلب إلا النحس هل تفهم.؟!

- نعم يا أمي.. أفهم هذا اقسم بالله لستُ شيوعياً ولا أعرفهم،و…

- يا بني أفعل إي شيء تريد، لكن ابتعد عن السياسة فهي خطيرة إن خالك أحمد سجن بسببها خمس سنوات، وبعد خروجه أصبح إنساناً أخر….

- خالك…خالك…. ألا تملين من هذا الحديث، كلما رأيتني تقولين خالك..

إذا سأله أحد ما ماذا فعلت بنفسك.

-يقول السياسة رداء من نار إن ارتديته، احترقت، وبدونه أنت عارٍ.

خطرت بذهنه فكرة عندما نظر إلى كتاب انجلس الملقى بجانبه وعلى الغلاف صورته بلحيته الكثة الطويلة، حمل الكتاب وضرب بكفه عليه، أقسم بحياة هذا الشيخ الجليل لست شيوعياً، هنا صدقت أمه ماتفوه به.. عند هذا استدار، وابتسم لسذاجة الأم، وخرجت الأم متأفأفة، بينما شاهو يقوم بكل التحضيرات في مخيلته من أجل الذهاب، إلى أفين.

***

خرج من الشارع العام، المتصل بطريق فرعي يؤدي إلى حديقة »كرين« اليتيمة، في مدينة الطبقة، جلس على كرسي خشبي، نثر رماد سيجارته، وطاغوت الإنتظار يترصده، كان ذلك يوماً خريفياً جميلاً،رغم تساقط أوراق الشجر وبذلك تتم دورة الفصول مع برودة الطقس،

رغم وجود الناس والشجر، أحس بأنها الحواء التي يبحث عنها وألتقاها، بعد طردهم من الجنة، كانت تلبس بنطالاً من الجينز، وقميصاً خاكياً، ينساب بتكاسل على صدرها، ومعطفاً أسود ، لملمت أكمامه بعناية، وهي قادمة بملامحها التي تنبئك بالفطنة والذكاء.

قام من مكانه، وسار بإتجاهها خطوات، أضطرب في مشيته، وأحس بثقل في قدميه، كاد قلبه يتوقف.

أهلاً.. أهلاً.. بكِ

- ردت أفين بابتسامة، يجب أن أرحب بك أنا..

وشد على أناملها برشاقة.

-المهم أن نرحب ببعضنا.

فدخلت قشعريرة لذيذة إلى جسده، أراد أن يجذبها إلى صدره ويحضنها لكنه لم يفعل.. جلس بقربها وهو يحدق فيها، دون أن يتكلم..

- ما بالك تنظر إلي هكذا؟!..

- لا شيء أريد أن أرتوي منك.

- وهل تجدني نبعاً؟..

ضحك..

- أنتِ نهرً، لكن من الحنان.

- إنني مشتاقة إليك، وأفتقدك أكثر ولكن قريباً سنرتاح من هذه المعاناة، سأسجل في المعهد في الرقة وسأكون قريبة منك، قال لي أبي لماذا لا تذهبين إلى حلب، فتحججت، بأنني لا أستطيع الابتعاد عنهم، ولأني أحتاج إليك يا أبي وأشارت إلى شاهو.

- هل تعلمين ماذا أريد؟

- ماذا؟

- أريدك بداخلي.. أجل أريدك بداخلي.

- إليك هذه المفاجأة الثانية سأذهب معك اليوم.

أمسكها من وجهها ودنا بفمه منه.. أبعدته.

وقالت: ماذا تفعل؟ فعلاً أنت مجنون، أستقبلني في حديقة عامة؟

- أردت.. أن أقول مدى سعادتي وأعبر عن فرحي، هذا اليوم.

- ماذا هل تظن ذلك؟

- ولم لا…

- من الآن أقول لك: لن أبقى معك أكثر من ساعة بعد وصولنا.. ومن هناك ستوصلني إلى بيت خالتي.

- أنتم دائماً هكذا أهل عفرين تميلون إلى خالاتكم أكثر من أعمامكم..

- وأنتَ ماذا يهمك، ألا تتحرر قليلاً من هذه الإقليمية.

- إذاً هيا لا أريد أن أهدر وقتاً أكثر، سأستضيفك في أقليم القلب، وأمسكها من يدها.. ومشيا معاً.. نحو مكان الحافلات.. جلسا معاً كانت الحافلة مكتظة بالركاب.

- لِمَ الوقت يمضي سريعاً معك أفين، أتمنى أن لا يتوقف بنا الطريق إلى مالا نهاية،

- لا أريد أن ينتهي كل هذا الحب في هذا المكان الخانق.

بعد أن تحركت بهم الحافلة، وضعت رأسها على كتفه، فعبث بشعرها ومسد وجهها بحنان.

- إي قدرٍ رماك إلي، ولم تحدثيني مرةً كيف انتقلت من عفرين إلى الطبقة.

- لا أتذكر جيداً كنت صغيرةً آنذاك، دخل والدي إلى الغرفة التي هي للضيوف والنوم والطعام معاً وبلهجةٍ أمرة نادى على أمي..

- ميران .. ميران.. احزمي الأغراض ستأتي السيارة بعد الظهر وسنرحل، وكانت أمي في حيرةٍ من أمرها، فتنهدت بانفعال مكبوت وهي لا تعرف بماذا تجاوبه.

- لم أخبر أمي بذلك . فغضب بابا ورد عليها.

- وهل سترضعك أمك؟! وبذلك أنهى حديثه.

كان أفراد عائلة آفين ذوي وجوهٍ ذابلة مرهقة، يبحثون عن العطاء بعد اليباس، يبحثون عن الستر والرزق، هاربون من وجه العوز، يحاولون أن يلطموا خده في منطقة أخرى.

أبو نضال كان يتفاءل بالخير، ويضع آخر حجر على جدار أحلامه، التي حشرها كلها في إيجاد العمل الجديد، ليعمل سائقاً في شركة حوض الفرات ويحسن بذلك وضعه المالي.

إنشاء السد بمساعدة الاتحاد السوفيتي أتاح هذا المشروع فرص عمل كبيرة للعمال.

أجتمع الأولاد على هذا الأمر الذي لم يعتادوا عليه وبدا غريباً على مخيلتهم الصغيرة وصاروا يصرخون ويضحكون..

- هه.. هه.. سنركب السيارة.. سنركب السيارة.

وصرخت الأم فيهم أخرسوا.

إلتزم الأطفال الصمت. ميران امرأة تتشبّث بالأرض التي ولدت عليها أحبت قريتها الصغيرة » ق « وبيوتها القليلة المتناثرة هنا وهناك، تنظر إلى الحاكورة تارةً وأخرى إلى الغرفة التي عاشت تحت سقفها شقيت في الأرض، وسقتها، بعرقها، كانت ترعى شجيرات الزيتون كما أولادها،بل إنها كانت تعاقب أولادها، إن آذوا بعض الأغصان أو علقوا أراجيحهم عليها....

كيف ستتخلى عن قريتها!!؟ عن جزء من عمرها وذكرياتها وتذهب إلى مدينة أخر،لا تعرفها ولم تسمع قط بأسمها، والناس هناك يتكلمون بلغة غير لغتهم.

أذرفت الدموع فوق أغراضها، ولثمت جدران الغرفة خلسةً.

أفين الطفلة الثالثة بعد نضال ورشو، تفعل مثلها تبكي لأن الأم تفعل ذلك.

ومن بين الدموع سألت أمها؟.

- ماما.. ماما.. هل سنأخذ كل أغراضنا؟

- نعم يا ماما نعم يا صغيرتي.

- وشيلان وخجى هل سيذهبان معنا؟

- لا يا إمي.

- ومع من سألعب..

- واه.. واه.. أفين ستجدين هناك أصدقاء آخرين.

- لن نترك هنا شجرة الجوز سنأخذها معنا.

حاولت الأم أن تفتك من أسئلة أفين المتلاحقة.

فجاوبتها:

- نعم يا أمي سنأخذها.

عندما تتذكر أفين هذا تضحك بسرها.

جاء الجيران، توافدوا عليهم، وودعوهم بالدعاء والدموع، وأنتقلت بهم السيارة والطريق ، مروا بعفرين المدينة الوديعة الغافية على سفح الجبل ، ترنوا بعيونها إلى الحدود الشمالية، وتركوا ورائهم بحيرات الزيتون تحت أقدام الجبال الضبابية.

وجاءت الأيام كتسبيحة، بين أصابع الزمن واحدة تضرب قفا الأخرى.

قال لها شاهو: اغلقي عينيك ونامي، أريدك هكذا.

هو لا يمل من التحديق في تقاسيم وجهها البريء، ومن سيصدق بأن هذه الأصابع الرقيقة ستضغط على الزناد وتطلق الرصاص وتقضي على حيوات يوماً.

ترقد كحمامة بقربي، و تلتجئ إليَّ بكليتها، شطحت أفكاري كثيراً، وتلاطمت وهي تخرج من رأسي تبحث في الأزقة، وتختار الغرفة، لا أستطيع أن أأخذها إلى البيت، سيجن جنون أمي، ويثور بحري، ويترك ملحه على الصخور التشتت بحثاً عن ملاذ يستر هذه العلاقة.

وأمتزجت الظلال الدبقة مع لزوجة حمراء في خياله.

نزل من الحافلة، ناولها المعطف فأرتدته، وشعر ببرودة كانت السماء ملبدة بالغيوم، تنذر بهطول الغيث.بعد أن أبتعد قليلاً عن محطة الحافلات.

قال لها: سنذهب إلى بيت خالي الذي أنتقل إلى القرية، توقفت وسألته؟

- هذا الذي دخل السجن..

- نعم سبق وأن حدثتك عنه، أحياناً كثيرة أذهب إلى هناك للقراءة وأشعر بالهدوء والسكينة، ونقلتُ مجموعة من كتبي إلى هناك، وسنشرب »المتة« معاً.

- آه حسناً، أنتَ أدرى بذلك..

- بإمكانكِ أن تأخذي أي كتاب تشائين..

- هل لديك »لمن تقرع الأجراس «..

- نعم.. لدي..

- سأخذ هذا الكتاب.

- قال باسماً: شاهو وحياة شاهو والمكتبة كلهم رهن إشارتك.

كان يفكر ، ويتمنى أن لا تكون »عواش الأرملة« في باب دكانها، لأنها تراقب كل حركة في الشارع، وتغزل آلاف الحكايا من لا شيء.. كيف وإذا شاهدت فتاة مع شاهو.

نظر إلى الشارع لم يكن هناك سوى بعض الأولاد.

قال لها: أسرعي يجب أن ندخل قبل أن يرانا أحد..

دخلا معاً إلى غرفة المكتبة، الجدران شاحبة، ثلاث لوحات معلقة بتسلسل على شكل درجات، زوج من الكنبات القديمة، يتوسط الغرفة طاولة صغيرة عليها بعض الأوراق ومنفضة سجائر أقترب منها شاهو أحاط وجهها بكفيه، وخاطبها بهمس شديد.

- آه أفين كم أحبك..

ثم أرتفع صوته قليلاً

- أفين أنتِ أنعم من الحرير، وأشد حرارة من الشمس، وتفعلين في الرأس مالا يستطيع نهر من الخمر فعله.

- آه لا تقل هذا..

- إنكَ تثملني برحيق كلماتك، إن عيوني تريد أن تبكي كلماتك، التي تمنحني إياها، أيها الشاعر، ماذا سأعطيك، كلمات سقطت منك.. أعيدها إليك، من فمي لتمسح على يديك..

كنت أراك في وقت متأخر من الليل، تستيقظ يداك لتحضنني، فعانقها شاهو بقوة وكأنه يعصر نهديها على صدره..

ألتصقا ببعضهما وكان كل واحد منهما يسمع دقات قلب الآخر.. والأنفاس اللاهبة تسقط على عنقيهما.

قال لها: لقد تركت الثرثرة والتنهدات ورائي هذا اليوم..

وأياماً ضريرة لا تبصر المستقبل إلا بين يديك، وجئت أصغي إلى تراتيل الجسد، لألثم الحبق في شفتيك.

لن أتلو القصائد أنتِ القصيدة التي سأكتبها، لكن الورق سيكون جسدك والقلم شفاهي، أنتِ حبي الواحد الأحد.

- أواه لا تحدثني هكذا، شفاهك التي تنطق بهذه الكلمات تدخل الرعشة إلى روحي.

نظراتها المليئة شهوة وإصراراً تخترقان روح شاهو الهشة وشعر بشيء أقوى من الشعر في كلامها.

- كنت أعريها حتى من أصغر قطعة ثياب بعيني، حركاتها، ضحكتها، أحرقتني، كيف أغفر لنفسي، عدم مراقبتها بأصغر حركة في جسدها وأدق التفاصيل.

كان جسمها أبيض بض وهي تتعرى أمامه، كانت الحلمتان الضاربتان إلى الحمرة تنقشان رخام الصدر ، مددت يدي بلهفة لم أستطع أن أتحمل أكثر.

- أتمنى أن أمضغ كل قطعة من جسدك، لأنني أريدك بداخلي.

- وأنا أيضاً أريدك بداخلي…. بداخلي.

- ويداي تفعلان في أزرارها وترفعان عن قدسية النهد رداء الطهارة وأحياناً أتساءل لماذا لا يتحد الذكر والأنثى في جسدٍ واحد، كانت الشهوة تموء في جسدي كقطة أمام اللحم وجسدها قادر على إيقاظ الآلهة وان تهوي الكواكب في حضني.

تحافظ على عذريتها، كجوهرة ثمينة لا تريد أن تفتقدها، وتقول في داخلها للمرة الألف أن تمنحني هذه البركة، لأتعمد بها، ولا تستطيع.

- لا أستطيع هذا يا أفين.. أريدك هكذا كما أنتِ..

- لا يا شاهو أنتَ ملكي هذا اليوم، كما أريد أنا، يجب أن تكون..

بدأتُ بإحتضانها وتقبيلها.. في كل جسدها قبلتها من الفم ثم شحمة أذنيها، أنحدرت إلى الرقبة ، ونزلتُ إلى الصرة ولعقتها، والقائم الأعلى من مثلث » فينوس « وأشتعلنا في فصلٍ وثني.

بعد كل هذا الإجتياح اللامعقول، في معقولية جسدي، ونارها تطهر أدنس وأعتم زواياه .

العينان المليئتان بالظلال.

- تقولان: أرجوك لا تذهب لا أتحمل الإبتعاد عنك..

والشفرة الحادة للفراق، أقتربت من العصب الرئيس، الذي يربطك بها، وأنتما تنزفان الوجع ألماً ومطراً..

ما هذا التغير الذي طرأ عليك، مجرد محاولة إخراج نهديك خارج أسوار القميص، كدت تفقدين عقلك..

- لأنك ستهجرني وأنا أريد أن أمنحك، ما لا أريد أن أمنحه لرجلٍ آخر…

- ومن قال لكِ ذلك؟

- إحساسي يخبرني بدنو الفراق..

جسدها العاري يلتف حول جسدي، شفاهنا في معركة جهنمية ، كان رأسي يدور.. يدور، حتى إني قبضت على كلمةمن قاموس علم النفس إنها »مازوكية« تحاول أن تنتقم من جسدي.. في صعودها وهبوطها، رقصت نهديها بجنون وهما يؤديان طقوسهما ، وشعرها المبعثر يرتفع وينخفض مع حركتهما، تغمض عينيها و تفتحهما بشهوانيةً، أرتفع أنينها حتى صار آهات صارخة.. آه.. آه ه ه ..

أدخلني أنا أريدك بداخلي… آه.. آه أكثر.. أظافرها تأكل لحم كتفي تعضني… أنساح العرق قبلني أكثر.. أي.. أي.. وعندما أصبحت بين فخذيها راكعاً أمارس طقوسي المقدسةو مثل أفعى المعبد أزحف على رخامهما ، او كالمتصوف ،الذي يهتز مرتعد في حركات لا إرادية في إبتهال مشتت من كلمات و إرتعاشات غير مفهومة ، كنت هناك أمارس عبادتي لطروتهما وأقدم لها صلاتي، وأرفع بشفاه إبتهالاتي إلى القبتين المتكورتين فوق صدرها.. تتعرين سماء طلقة، صفحة بحر من أبنوس فستقي، أمد يدي إلى وهجهما، كأنما ألمس ماءً مقدساً، ونارا أخرى، ايتها الأكثر قداسة من دماء القرابين، تسيلين هكذا أمامي، كالفرات، وأحاول أن ألثم موجةً إثر أخرى، تيارك يجرفني بعيداً… بعيداً.

وفي فخذيك رائحة الإشنة المائية والآلهة المخصبة الكبرى، أغوص كما لو أنني أنبش لؤلؤاً من عمقها، أو كما أتلمس الأعمدة المرمرية، في معابد تسكنها التوسلات، افخاذك، كأنها أعمدة من رخام الأدعية، أركع هكذا بينهما، وركبتاي الخشنتان من الصلاة، تنطويان، كما في أي فروض إلهية لأن نذراً آخر سيولد من بياض أفخاذك الزمردية.

أنتقل الأنين والفحيح إلى الجدران والمكتبة، وسقطت الكتب ومائة كلبٍ من الشهوة ينبح في داخلي، وخرجت الشخصيات من بطون التاريخ،انفتحت بعض الكتب ،لتخرج منها الأساطير ، و تمّد ألسنتها الفحمية ، كما أطّل بعض الفلاسفة بأعناقهم المجعدة ، و أعينهم الشهوانية المستفهمه..... وأطل نيتشه و بلزاك برأسيهما ......

ثم خمدت ثورتها، وارتخت ببطء مع شهقة طويلة، وانقلبت بنهديها.. فوق صدري، ارتمت وصدورنا ترتفع وتنخفض بوتيرةٍ واحدة، وذبنا كأقدم زوجين في التاريخ…

كأن الغرفة تغوص إلى العالم السفلي وتصل عشتار، من أجسادنا أدركت، إن مساماتنا توحدت أيضاً، وذّوبنا كوناً كاملاً من المحرمات بالنيران المندلعة.

- أشكرك بابا الطويل، إن هذا لشيء جميل.. استمتعتُ معكَ كثيراً..

- بل أنا أشكرك.. إنني أنسى معك الدنيا كلها..

ارتدت قميصها دون أن تحكم أزراره، وهي تدخن وحملقت في صورة »الجوكندا« المعلقة التي تعتليها طبقة خفيفة من الغبار..

بينما كنت أحضر »المتة«.

سألت :

- هل صحيح إن هذه اللوحة أخذت ستة سنوات من عمل (دافنشي)..؟.

- صحيح هكذا يقولون..

لولا حبه وشغفه لما أنجزها، إن الحب وحده يصنع المعجزات، والتضحية وحدها تحمي الخلود من الفناء..

هي نفسها ستضحي دون أن تترك أسمها على القبر..

وأنا في داخلي كنتُ أشكر خالي الذي منحني مفتاح البيت والسعادة معاً وربما الشقاء لاحقاً..

من هذه الغرفة ومثلما يحلو له، إن أرشيف الخال سيغّير حياته و يقلبها رأساً على عقب، وسيبتعد عن هذه المدينة الخجولة بتطورها، آلاف الكيلومترات.

كانت أفين تشعر بالغبطة، عندما تلمس شاهو، فهي تشعر بالدفء والحرارة من أنفاسه، لم تكن تفارق صورتهُ مخيلتها فهو دائم الحضور بين دفتي كتبها، وتزورهُ طيفاً في اليقظة والأحلام.

زرع شاهو أغنية في حقل ثغرها، تردد ذلك اللحن دائماً، حينما ينام القمر، ويرحل المساء، تشتاق إلى لهوه وعبثه، تغلق عينيها لتستلذ بما تنعم به معه في الدقائق المعدودة، من اللقاء.

فكيف إذا كانت معه في هذا اليوم؟!! وهي تُمنح ما تريد من الجسد والروح، وتأخذ ما تشاء بحرية تامة، وفي هذا اليوم عرفت إن للجسد لغته، وكل عضو فيه حرف إن جمعته إلى عضوًٍ آخر ولدت مفردة ذات معنى حسي وإيحائي.. عندما تلتقي الشفاه تشهد ميلاد القبلة، والاحتضان يعني التوحد…

وهي تسأل تفسها هل هذا هو العشق؟! بل إن هذه الحالة أقوى، إنها الرغبة المجنونة، في داخلها تدفعها للإرتماء في أحضان شاهو لتذوب وتتلاشى، هذه الرعشة تنتابها من قمة رأسها إلى أخمص قدمها.

أحرقوا سجائر كثيرة مع »المتة« كان يتأملها كثيراً وبعمق، وكم أعجبته طريقة وضعها للسيجارة، بين مقدمة الإبهام والسبابة، بينما تنفرد أصابعها الأخرى بتكاسل.

- قالت أفين: إي حب هذا؟ الذي يجعل الساعات أسرع من الدقائق معك..

رد شاهو: لأنني أحبكِ

- وهل تنكر دوري في هذا الحب؟!!

فطبع شاهو قبلة على خدها، ورفع خصلاتٍ من شعرها السابل على جبهتها ..

لا فنحن شريكان، فأنا أقرأ في عينيك هذا الحب، فأنتِ قصيدة ثائرة مشتعلة، لا أبالغ إذا قلتُ إنكِ تشبهيني في كل شيء، وأكثر ما يعجبني فيك البداهة، وتصرفاتك التي تليق بالشباب أكثر من الفتيات، ِ هذا لا يعني إنكِ تفتقرين إلى الأنوثة بل مظهرك الخارجي الهندام وتسريحة شعرك

-

تنهدت أفين وقالت: أتمنى أن أبقى معك أكثر لكي أفهمك كم أتمنى أن تكون معي دائماً، لأفتخر بك أمام صديقاتي، لكني لا أستطيع، إنك تغوص في أعماقي.. أو ربما أنتَ ذاتي، آه يا لهذا اليوم الجميل معك.. إنه أجمل يوم في حياتي..

كلماتكِ تجعلني أبدو ضئيلاً أمامكِ،

ويجب أن تعلمي أن هذا يحدث لي أمامكِ فحسب، وهذا الشعور تملكني للمرة الأولى، مما جعلني أخشاكِ..

- أما زلت تخشاني..

- لا بل أخشى من نفسي عليكِ..

أخذ نفثاً من سيجارته، جذبها إلى حضنه.

- من أكون أمام فتاة مثلك، وفوق هذا تملكين حساً مرهف، وتستطيعين بجمالك أن تأسري أي رجل مهما كان شأنه . .

أجابته أفين: ما فائدة هذا الكلام.. أنا أعرفك ومقتنعة جداً بهذه العلاقة، ولا أريد أن أفرط بها أبداً..

وكأنهما كانا يريدون أن ينتقموا من الزمن، ليأخذوا أكبر وقت منه.

مد شاهو أصابعه إلى صدرهاوحل آخر زر من أزرار قميصها، ما عادت الكلمات تبدر من الأثنين، فالجسد كفيل بذلك، وكره شاهو الرسالات الدينية التي تحتقر الجسد ولا تقدسه، وعندما تلتقي الأصابع والشفاه، يتحول الجسدان جسداً واحداً، اللسان يصوم الكلام، ويبدو أمياً، والجسد يتقن كل اللغات، لذا يختار أكثر المفردات إثارةً.

أرتفعت دقات القلب، فارت الدماء وألتهبت نيراناً تريد أن تحرق الجسد وتمحيه من الوجود، رغم رطوبة الغرفة، أنساحت حبيبات العرق وتركت أثرها على الأريكة، دارت فيهم الغرفة ثانيةً وتوقفت مع إنطفاء تأوهاتهم.

- إنني أحبك بكل صدق

قالتها أفين: كان هذا مسلياً وممتعاً للمرة الثانية؟!!

وهي تلتقط أنفاسها.

ورمت برأسها على صدر شاهو وقالت:

- لم أشعر بمثل هذه اللذة من قبل..

قامت من مكانها.. وحملت بنطالها وهي تسرع في إرتدائه..

و قالت: يجب أن أذهب.. تأخرت، فحضنها وهي على عتبة الباب وتبادلا القبل..

- أرجو أن لا نلتقي كثيراً إلى أن تهدأ الشبهات التي تحيط بنا، لأن رفيقنا »مستو« أثار زوبعة بين الرفاق..

- ألـ… أراد أن يشتمه، وضعت سبابتها على فمه..

- وقالت: إياك يا حبيبي لا أبه به فليفعل ما يشاء.

قال شاهو بلهفة لا أستطيع الإبتعاد عنكِ..

- إنك دائماً تتحدث عن الإرادة، فلنختبر إرادتنا معاً..

وقبل أن تهم بالخروج، وهي واقفة بالباب..

- قالت مبتسمة: حل وإغلاق أزرار القميص أصبح له معنى آخر وأستدارت وخرجا معاً بعد أن أغلقا الباب.