مقدمة

6 0 00

رواية الأوتاد

مقدمة

حين تتوه الجهات الأربع من البوصلة، وكذلك الجهات الأصلية الأخرى.. وتنطبق الأبعاد، فلا وراء ولا أمام ولا فوق ولا تحت.. وتأتي الدوخةُ، فلا أفق يسند البصر، ولا قوة تحمل الجسد.. أتوجه إليكَ، ألوذ بشموخكَ، أتمسّكُ بحفنةٍ من طهارةِ ترابكَ، أيها المجيد أكثر من أي مجد أيها العظيم فوق كل عظمة، وأحتمي بك يا وطني..

* * *

الأوتاد عمل أدبي أعرض من الرواية، وأعلى من القصيدة، إنه مختبر للروح والكلمة، وهيكل منذور للوطن، ومشرحة لنا … من منّا الوفيّ، ومن الأكثر وفاءً؟!…‍

الروح التي تختزن البروق في داخلها للحظة الطوفان، ولا يبدو على وجهها إلا جليد الخيبة ‍.. كأنك تعود إلى صمت صدر أمكَ الحنون، ونطقه دون أي بغام، والأسطول كله خلفك، ينهزم، محطم الصواري، تعود.. لتتعلم اللعب بالحلمة الدافئة مرة أخرى، وتتقن الرضاعة بشفتيك من جديد، فإنْ أفلتَّ صدر أمك ثانيةٍ، يسيل الحليب على عينيك ووجهك، نهراً من دمٍ أصفر كالقبح.. يسقط وقتٌ كالراية المحطمة في أتون الخيانة..

الوطن.. الوطن، هذا الذي من جهاتٍ أربع، ومن أصولٍ أربعةٍ يتشكل منها لبنةً لبنة، تراها، نفسها تنغرز عميقاً في جسده كالأوتاد، نقيّده إليها بأيدينا، ونترك عفّته مهدورة تحت أنفاس الاغتصاب النتنة..

* * *

حبيبتي أيتها المقيدة من جهاتك الأربعْ، المقطّعة الأوصال رُبعاً رُبعاً، من الماء والتراب، إلى الهواء والنار، طهارتك أكبر من الدنس وعفّتك فوق الاغتصاب.. لأنّكِ ما زلتِ العاشقة الأوفى، وما زلتِ المعشوقةَ التي يوقد حبيبها لها شموع النذور..

كردستان.. أيتها الحبيبة، الصبية التي بلون ألباب الجوز، وثلج آرارات، حيث تلقين رأسك الشامخ على سفوحه فيسيل شعرك انهاراً أكثر نقاءً من الخصب، وتربطين شرائطك الخضر على قمم طوروس، حيث تنفخ فيها رياحٌ بحرية تدّفأت على زاويةٍ زرقاء من المتوسط، فرفرفت حانية لطيفة الظل على المدى، لتداعب بظلها الرهيف خصر زغروس الأملود..

* * *

الأوتاد: ملحمة الحب والثورة، القهر والأمل.. ملحمة الوطن المشظّى إلى أبعاضه الأربعة، في بعدٍ خامس هو الزمن.

وبُعدٍ سادس، بل أول وأخير، هو الإنسان، المتهاون أو الحازم، العاشق المتردد، المغصوب، والغاصب معاً!…

وجان بابير، الراوي هو البطل الرابع أو السابع في الرواية جان بابير الذي لا ينتمي حقيقةً لاسمه ينحدر من سلالة الشعر ويكتبه بلغتين الكردية والعربية، وهو الآن يحاول أن يثبت أصالته في أرومة » الرواية «

يكتب روايته هو، وقصة مخاضه الشخصي، لأن له نسباً آخر يسميه بشكلٍ أصيل، غصناً حقيقياً في شجرة الثورة، وهو يحاول أن ينقل إلينا صورة» معايشته « ومشاركته المريرة، لتفتّح تلك الشجرة وازدهارها، ومن ثم ذبولها.. والآن، محاولة قيامتها من جديد، ولكن بطريقة مختلفة..

لقد نجح جان في صياغاته الشعرية، وهو هنا يصوغ رواية، فهل نستطيع أن نحكم بأنه نجح في هذا أيضاً؟

أحياناً، تطغى الشاعرية، على النص، فنقع معه في مصيدة القصيدة، وأحياناً أخرى، ينخفض التوتر الشاعري ملامساً ضفاف » الحكاية« دون أن يضيع منه كرادٍ وشاعر، أو يفلت منا » كقراء« ذلك الخيط الشعري الواضح تماماً والذي ينظم الفصول والكلمات في هذا العمل، الذي يبدو وكأنه «نص شاعري» عن أحداث وقعت بالفعل هناك، حدثت للكاتب نفسه، كما حدثت معنا جميعاً..

تخليص الوطن، نبوءة حاولناها جميعاً، فللجميع وطن والجميع حاول أن يخلصه ولكن بطرائق مختلفة، إنما امتياز الكاتب، أنه بعد أن حاول تخليصه بالدم والنار وبالتضحية الشخصية، عاد ليحاول تعميده بالقصيدةِ والنص..

لم ييأس- فما زال لك أيها الوطن المربع الأبعاد مشروعية القيامة وسأستمر بدفع الأمل ضد صفر اليأس الذي وصل إليه بعض الناس-

ليست تلك العبارة خلاصة وحيدة يمكننا استشفافها في عمل الشاعر- والكاتب الروائي الآن- جان بابير..

بل إننا مدفوعون تماماً، بقوة اللغة والحدث، لاستنتاجات أخرى، أشّد أو أقل وضوحاً، لكنها ليست – أبداً- أقل إيلاماً..

وبالنسبة لي- منذ أن طلب إليَّ-مني صديقي جان كتابة هذه المقدمة- لم أنوِ إطلاقاً أن أعرّيْ نص عمله أبداً، فهذه طريقة في الرؤية تتسم بقلة الحياء.. أو على الأقل بالمجون، أن تعرّي كائناً على هذا القدر من طهارة المعاناة.. معاناة الوجود كما هو، بكل تشكلاّته، أنت إذاً تريد فقط أن تحرق براقع الاحتشام!..

كما أنني لا أريد أن أنظر إلى أعضاء هذا العمل- مكوناته الرئيسية كما درج الدارسون، فذلك «نقد المشرحة» وأنا لا أرغب أن أخرج من هذه الرؤية ويدي ملطّخة بالدماء!.

لنترك الكلمات إذاً تقول ما تريد، وتفعل ما تشاء، لنترك جان و كردستان يفعلان بنا، كقراء، ما يشاءان ولنجرّب- مرّة- أن نرى انفعالنا الشخصي المحض، يحكم… دون الرجوع إلى فجاجة المناهج، ويباس «الإيديولوجيات» الموضوعة بعيداً عن الأحاسيس…

لنمشي إذاً مع »جان – شاهو« إلى » قبره « الخيالي، أو قيامته الوطنية، في تشكّلها الأخير…

أحمد.ع.ونوس