2
بعدما أدركت أن الشارع لم يعد مأهولاً وأن المطر في هذه المدينة يرعب الناس إلى درجة أن المدينة تغدو أشبه بمدينة أشباح كئيبة مع أول زخة للمطر على عكس ما تفعل الشعوب التي تحتفل به وتقيم أعراسها وكرنفالاتها إحتفاءً بهطوله وتبركاً به كهبةٍ تغدقها السماء على الناس ليصنعوا بهجتهم............
لم أجد ما يكبح جماح رغبتي التي تقودني كل يوم الى هذا الشارع أتفحصه وأستمتع بإطلاق العنان للعين تفعل ما تشاء مع كل ما يسحرها ويأسرها، أحيانا يتم كل ذلك برمشة عين أو بثوان قليلة جدا لأخذ فكرة كاملة عن منظر جميل أو هندسة جسد أو ميزة فتاة أو سلوك بشر.
رغم أن المطر قد توقف لكن الفيضان الذي خلّفه وراءه جعل الناس أحلاس بيوتهم إلا القليل ممن كان خروجهم ضروريا حسب ضرورات المعيشة (التبضع ومراجعة الطبيب) حتى أن العمل في هكذا أيام يتم تعطيله أو بصورة عامة يتفشى التسيب في العمل، المقاهي تكاد تخلو من روادها إلا النزر اليسير من مدمني الأرجيلة ولاعبي الدومينو والطاولة، تمر بعض السيارات تشق عباب الفيضان بعجلاتها وتخفق المارة بالماء المتطاير منها فتعلو أصوات السباب، الأشجار تصبح أشد خضرة، الشوارع سوداء سوداء و الأرصفة يشتد صراخ ألوانها، ألوان المدينة كلها تتغير، الشجر و الحجر، بعدما كانت المدينة رمادية أو صحراوية اللون مغطاة بالتراب، نعم، قبل المطر كانت كل الألوان باهته لا حياة فيها و لا تسر ناظراً.
مع هذا كان لابد أن أقطع الشارع سيرا كعادتي وقد غمرته المياه وصار مفروشاً بالطين والقذارات لكنني فعلتها بنشوة كبيرة فقد أدركت حينها أن هذا الشارع لا تربطني به المحلات التجارية ولا النساء ولا رفقة الأصدقاء إنما هي علاقة بمكان صرت أحبه و إن كان مشوَّه الوجه، تتسع فيه روحي بكل ما فيه من روح اجتماعية عالية تطورت الى هذا الشكل الذي يربط عاشقا بشجرة كانت تظله مع حبيبته ذات يوم، هذا مكان تسامى إلى رتبة القيمة و أصبح يمثل لي معنىً روحياً لا غنى لي عنه.
ساعة أو أكثر بقليل ثم عاد المطر لينهمر بغزارة أشد من جولته السابقة مما زادني فرحاً حيث بدأت أستدعي هذا الطفل المختبئ منذ أعوام تجاوزت العشرين، كنت أتقشر مثل بيضة فقّست عن جنينها لأنطلق مع صديق طفولتي الماء، أركض تارة وأفتح ذراعيَّ وأغني وأضحك بسرور غامر تارة أخرى - نادراً ما أطلق هكذا ضحكات طفولية - غير مبالٍ بملابسي التي أصبحت كمناشف الحمامات العامة ولا بهاتفي النقال الذي أحمله في جيبي بل كنت أخرجه بين الحين والآخر ألتقط الصور لما يحلو لي من المناظر في هذه الأجواء الجميلة الخلابة.
*من كتاب المذكرات
الفصل الأول
روما