3

7 0 00

3

بتاريخ السبت ليلة الثاني من آب أغسطس 2014 عثرت الشرطة على مذكرات الدكتور سامي خلخال لدى مداهمتها منزل صديقته المومس الجميلة التي نزل عندها آخر مرة ظهر فيها قبل أن تتصدر أخباره الصحف و المجلات و نشرات الأخبار التلفزيونية و يشغل حديثه البرامج السياسية المحلية والعالمية على الشاشات، تحفظت الشرطة عليها أولاً ثم أمرت مديرية الاستخبارات بإتلافها لولا أن ضابط التحقيق دفعه الفضول لمعرفة تفاصيل حياة هذا العالِم الغريب الأطوار و الدكتور المهووس بالإضافة إلى أن حكايته بدت مادة ثرّة يضيفها إلى سجله المهني الحافل بالتحقيق في أشد الجرائم إبهاماً و غرابة فخبأها و بدلاً عنها قرر أن يحرق كراساً صغيراً يعود لولده الذي انتقل إلى الصف الرابع الإبتدائي، لقد أحرق هذا الضابط عن طريق الخطأ سجل مذكراته الذي دون فيه ملاحظاته ووثائقه عن أهم الجرائم التي فك خيوطها و حررها للعلن و القضاء.

من الطبيعي جداً أن يتعاطف حتى الشيطان مع صاحب هذه المذكرات ليدلي بعدها بشهادة في المحكمة كما فعل هذا الضابط بعد أن صور نسختين لها بعث بالأولى إلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة حيث تم تجاهلها و صفى عليها الماء ولم تأتِ أكلها إلا بعد حين، بعد أن بلغت كل الطرق انسدادها و بعد أن كاد يموت الجميع. أما النسخة الثانية فقد أعطاها لزوجته و أمرها أن تسلمها لأقرب أصدقاء الدكتور واسمه مكتوب بطريقة مشفرة في ظهر المفكرة و بحروف منفصلة تبدو كأنها شخابيط أطفال لا تثير اهتمام أحد (ص ل ا خ ل ا م ي ل س ل و س ر) يمكن قراءتها من آخر حرف لمعرفة الاسم الصريح.

أنا أكثر المطلعين على أدق تفاصيل حياة سامي خلخال و بعد أن وصلتني النسخة التي كان يعنيني بها ليس لأنني آخر من تبقى من أصدقائه المقربين القدامى فقط، إنما كنت أنا الشاهد الوحيد أيضاً على حياته وتفصيلاتها و على صحة هذه المذكرات التي توثق حقبة من حياة هذا الرجل الذي شغل الدنيا حديثه، ثم أنني معني بهذا المجد كشاهد وحيد وقفت أمام الكاميرات يشاهدني العالم جميعاً أفصّل و أبين و أشرح للناس مدى علاقتي الحميمة و المتينة مع سامي خلخال الرجل الجنوبي الأسمر الطويل و أزرع في نفوسهم العاطفة تجاه قضايا حياتنا نحن الذين يجب أن نتحدث و يجب أن نسكت في الوقت نفسه، نتحدث متى تمكنّا من الهرب و نصمت إذا لم نجد مهربا، بعد أن فقدنا رفيقين لنا كانا ثروة من ثرواتنا الفكرية راحا ضحية التفكير بصوت لم يكن عالياً جداً، فقدناهما لأننا أطلقنا صوتنا و صرنا على خط النار جميعاً، لم يجرؤ أحد منا بعدها حتى أن يناقش مسألة فيزياوية إذا كانت لها علاقة بالأحزاب المتصارعة على الحكم، هي أحزاب لا تتصارع فيما بينها فقط بل تصارعنا أيضاً نحن العزل والمغلوب على أمرنا على امتلاك الصوت، أثمن ما يمتلك الإنسان عملياً هناك هو الصوت، الأعلى صوتاً هو الأقرب للسلطة لذلك يشتد التنافس على الصياح والتهريج وتدشين الأهازيج والهوسات ويهتم الجميع بإسكات الخصوم، حتى شاع و أصبح (كاتم الصوت) سيد الموقف وصاحب الكلمة الفصل، كان سامي يقول لنا لا تظنوا أن كاتم الصوت يعني إخراس السلاح إنما إخراس من يتوجه إلى صدره هذا السلاح وهذا ما يحصل بالفعل.

بدأت أعمل على إصلاح المذكرات فور وصولها لمنفاي الأول فمن الواضح أنها كانت مخبأة في مكان مهمل أو مدفونة في حديقة فلا تكاد تخلو ورقة منها من شق أو تجعد أو انكماش وعليها آثار سوائل وصدأ وتراب. كانت المهمة صعبة للغاية لكني أتممتها على أحسن وجه وفي وقت قياسي لم يتعدَ عشرة أيام على الأكثر، تمكنت من قراءتها بفضل خبرتي بخطه الذي حفظته من خلال رسائله التي كانت تصلني قبل الحادثة أسبوعياً أو شهرياً وبتوقيعه ومؤمّنة بشفرات لا يفهمها غيرنا ثم رحت أدون قصة هذا الرجل بعد أن حذفت منها فصولاً بعضها يضر بآخرين و بعضها الآخر لا أهمية له في هذه الحكاية على ما أعتقد لكني حرصت على الأمانة في نقل ما نقلت منها و لأنني حين كتبت أغلب فصولها كنت تحت الإقامة الجبرية مسجوناً في غرفة وحيدة متعددة الاستعمال ويجب أن أقضي فيها كل تفاصيل حياتي حتى الخراء كنت أضعه على ورقة أفصلها عن أحد الكتب التي لدي ثم أدفعه من الشباك إلى الخارج، وما الضير في ذلك؟ كثير من الأوراق التي نظنها تحمل المعرفة في الكتب هي في الحقيقة تحمل خراءً لا معرفة. وكثير من المؤلفين لا يخلفون سوى الروث وراءهم في بطون الكتب. أعجبتني فكرة أن أغلف خرائي بمرحاض دايل كارنيجي (دع القلق و ابدأ الحياة) أما مائدة طعامي فكنت أصنعها من أوراق أخلعها من كتب الفلسفة نكاية بها فالفلسفة عاقر لا تنفخ بطناً ولا تحشو جيباً أما التنظيف فعادة يكون بكتب التأريخ التي وسّخت حياتنا و سرطنتها وعليها أن تدفع الثمن. إلا مذكرات صديقي التي وصلتني في سجني مع سيت ملابس داخلية في كيس نايلون أسود لم يشأ أن يدقق الحارس في تفتيشه بعد أن علم أنها مجرد ملابس داخلية تحملها امرأة متوسطة العمر و لا تثير الرغبة في نفس أحد. دسّت المرأة في الكيس قصاصة ورقية مكتوب فيها: لقد عثر على جثة دموع في برميل في مكب النفايات و عليها آثار تعذيب و ثلاثة إطلاقات نارية في رأسها وقد قطع جسدها إلى خمسة أجزاء أما زوجي فمصيره مجهول ولم نعلم عنه شيئاً منذ ذهابه إلى المحكمة. يحرسك الله يا سيد رسول لعلك تساعدنا.

أتلفت القصاصة الورقية فور قراءتها خشية أن تضبط لدي فألحق بربعي في الغياب الأبدي الفسيح، لكنّي أدركت أهمية هذه المخطوطة لدى الجميع، أملنا في النجاة هي هذه المخطوطة، و أمل تلك الجهات العليا المجهولة في سحق الدكتور و جماعته هو إتلاف هذه المخطوطة. إنه الصراع من أجل البقاء بالنسبة لنا، أو بالأحرى بالنسبة لي فلم يبق غيري أنا و الدكتور الذي لا أعلم مصيره. وما كان سجني غير المبرر هذا إلا لأنه ذكر اسمي فيها مرتين أو ثلاث، فضحني سامحه الله! قد قال الحقيقة، كنت كذلك ولم أكن! وها أنا أقول (فضحني سامحه الله) وهذا خير دليل.

دونت كل شيء بأمانة قبل أن يؤمر بنقلي إلى منزل جديد لم أترك لهم فرصة تعذيبي فيه فقد زحفت ليلة المغادرة على الطين تحت مطر لم يهدأ لليلتين متواصلتين. وقد ساعدني ابن عمي حنون تاجر السلاح على عبور الحدود إلى الأردن حسب خطة الدكتور القديمة مع مجموعة من أصدقائه المهربين (القجاقة) الذين عبروا بي صحراء الجزيرة مشياً في البوادي و على الهضاب تحت صقيع السماء الحاد إلى أن عبرنا الحدود وسلمت نفسي للسلطات الأردنية ورتبوا لي عدة لقاءات مع مسؤولي مؤسسات دولية كبيرة كمفوضية حقوق الإنسان و منظمة اليونسكو و منظمة الشفافية و ممثلين عن الأمين العام للأمم المتحدة. وبعدها خيروني بين بلدان كثيرة اخترت منها مدينة أحلامي روما، لجأت مباشرة إلى إيطاليا حيث أقيم الآن مع زوجتي ومنذ أربعة أشهر في كامب للّاجئين و المهاجرين غير الشرعيين شرقي روما و قد حظيت هنا باهتمام محلي ودولي خاص أما تسليتي فهي أنني في كل يوم أعيد قراءة هذه المذكرات وما ألحقته بها من حكاية صديقي الدكتور سامي خلخال.

الفصل الثاني

مذكرات الدكتور