4
رن الهاتف، الرقم غريب،
ألو
هلو خالد
العفو أنا مو خالد
آسفة
لا عادي لا تتأسفين بس ممكن تسميني خالد
سمعت ضحكتها الشيطانية الهادئة التي مرت على أذني كما يمر عليها هدير السواقي في الحقول الكبيرة، هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها إلى فتاة غريبة عبر الهاتف وها هي تبدأ بالمرح دون تعقيد و دون أن تتظاهر بالتحفظ كالأخريات، يالحسن الحظ هذا ما كنت أنتظره، أريد أن أغوي امرأة، أريد أن أكون عاشقاً أريد أن أقبـّـل امرأة أحبها فيغمى عليها بين ذراعي لفرط الخدر أو أنني لا أعرف ماذا أريد بالضبط ربما أريد أن أكون على علاقة مع فتاة فقط، هذا ما أفكر به الآن في هذه اللحظة التأريخية الفاصلة بين تأريخين، تابعنا الحديث معاً عبر الهاتف أخبرتني أنها من مدينة العمارة حيث أنا أسكن أيضاً و أنها طالبة في المرحلة الإعدادية وعمرها سبعة عشر عاما و أنها بيضاء طويلة ورشيقة، شعرها ذهبي و عيناها زرقاوان.... أنت تمزح أيها القدر؟ اليس كذلك؟! قلتها و أنا ألوح للسماء
يجب أن أراكِ! قلت لها
لكنها وبمكر عاندت وتدلعت و تمنعت و مانعت و أظهرت كل ما يمكن لامرأة أن تظهره لإغراء جائع و متوحش مثلي لملاحقة طريدة تسد رمقه ربما عمراً كاملاً..... حقاً أنت تمزح أيها القدر! هل كل هذا دفعة واحدة؟!
كررت الإتصال بها بعد انتصاف الليل بعد أن حشرت جسدي الضئيل في غرفتي في آخر البيت و أطفأت أنوارها، بابها وباب المطبخ يتواجهان متناظرين يفصلهما منور صغير مكشوف إلى السماء وفي الحقيقة أنهما مطبخان فإنني فيما مضى كنت قد طبخت أفكاراً كثيرة من خلطات الكتب المكدسة فيها و طبخت الكثير من الحيل و ها أنا أطبخ المواعيد الغرامية الممنوعة و أخطط لها تخطيطاً دقيقاً كي لا أقع في ورطة أو فضيحة. وقريباً سأطبخ فيها شفتي شيرين حينما نتزوج و لا أعلم ماذا سأعد بعد ذلك من طبخات.
في غرفتي الضيقة هذه تتكدس كتبي على الأرض فرادى وجماعات تاركة فسحة صغيرة لي بينها حيث أجلس للمطالعة أمام منضدة صاجية مستطيلة، سميكة جداً ومدعمة بعدة طبقات خشبية أخرى، ترتفع عشرين سنتيمتراً عن الأرض مستندة إلى قوائمها الأربع المزخرفة، حصلت عليها من محل صديقي النجار علي مسعود أسد حينما أغلق محله فور حصوله على وظيفة مترجم مع قوات التحالف المحتلة، فأعطاني هذه المنضدة المتواضعة التي كان يستعملها كمسند ثانوي لتشريح الخشب و طرق المسامير.
عدة لوحات عالمية ومحلية تتوزع بلا انتظام على جدران الغرفة بعضها تعود لأصدقائي الرسامين يهدونني إياها في مناسبات خاصة أو لدى زيارتي معارضهم الشخصية و كانت أقربهن إلى قلبي تلك الحمراء التي رسمها فؤاد بإيحاء من شخصيتي كما يدّعي، صبي يحتضن الأرض و يشقها من وسطها كما يشق القماش من وسطه صارخاً في فضاء الشق و ملامح الحزن و الاستغاثة واضحة على وجهه و هو محاط بآلات ميكانيكية لا يُفهم منها آلة معروفة محددة. أما ملابسي فهي أيضاً معلقة بمسامير طويلة مثبتة على الجدران بارتفاع منخفض تحت اللوحات.
على المنضدة أضع حاسوبي الشخصي و هاتفي المحمول و الكتب التي هي قيد القراءة و قدح ماء و مقلمة عمودية مفتوحة من الأعلى مزينة برسومات غريبة و ملونة أعرف منها فقط قلب الحب الأحمر. و تحت المنضدة أضع عدة سجلات و دفاتر ومنفضة و تكة سجائر أسبين لم أدخن غيرها –الأسبين- حتى هذا اليوم.
كنت أسمع أن اتصال ما بعد منتصف الليل أصبح عرف العشاق وتقليدهم بعد دخول خدمة الهاتف المحمول إلى العراق بعد عام 2003 ومن لا يتصل بفتاة بعد منتصف الليل لا يمكن اعتباره عاشقاً و كذلك الصبايا بل وصل الأمر بكثير من الفتيات أن عوقبن من قبل أهاليهن بعد أن ضبطن متلبسات باتصال ما بعد منتصف الليل (إنه وقت ساخن جدا) حتى أن شركات الهاتف المحمول خفضت أجور الإتصال في هذا الوقت إلى الصباح ولا أعلم من منهم بالضبط قد دفع الآخر لهذا أهي الشركات تغري العملاء أم أن العشاق دفعوا الشركات لخفض الأجور؟ المهم أنني لم أنتظر طويلاً حتى ردت عليّ لنتحدث بأمور شتى تخصنا وتخص حياتنا الشخصية وقد أرهقتها بحكايات وقصص عني كنت أتخيلها و أحاول بكل صورة أن أبدو أمامها الفارس الذي تنتظره جميع حسناوات الشرق و استمر بنا الحديث إلى مشرق الشمس لأكون محط استهزاء زملائي وهم يشاهدونني أنجز عملي مخدراً بنعاس شديد اقاومه حد الترنح حتى أن بعضهم قد ظنني سكراناً و قد تكرر هذا كثيراً في أيام تتالت فيها اتصالاتنا و استمر ترنحي في العمل وشرود ذهني و شاع عني هناك بأنني أصبحت سكيراً، وفي صبيحة أول أيام عملي بعد انقضاء إجازتي و قبل أن ينتهي الشهر بخمسة أيام، أغلقت الهاتف مع دقات الساعة وهي تشير إلى السابعة صباحاً، نهضت من بين ركام الكتب وبقايا أعقاب السجائر مستنداً إلى المنضدة الخشبية يثقلني النعاس و يجرني إلى الأرض لكن لا فائدة ولابد من التوجه إلى العمل فوراً ولا مجال للتأخر، علقت رغوة الصابون وتجمدت على أجزاء من ذقني ورقبتي بعد أن غسلت وجهي مستعجلاً بالصابون، رحت بعدها أدخن سيجارة الصباح كعادتي في الحمام وقبل تناول وجبة الإفطار ثم انطلقت مسرعاً إلى مكان العمل مستقلاً الباص الصباحي الذي يمر في هذا التوقيت من الشارع الرئيس القريب من منزلي، ضحك الجميع حتى عاملات الخدمة على مظهري و وجهي الملطخ ببقايا رغوة الصابون، لم اكترث و اكتفيت بغسل وجهي مرة أخرى بالماء فقط، لم أتمكن من استحضار المزيد من المقاومة، خارت قواي وارتجفت أطرافي، النعاس أغرقني بجليد صلد وخدّر جفني حتى صارا يطبقان على بعض رغم مقاومتي الشديدة، صرت بطيء الحركة كمن يسبح في عالم مطاطي، تثاءبت كثيراً أمام الجميع ثم وجد النوم فرصته إلى احتلال جسدي المنهار المستسلم، نمت في مكتب رئيس عملي الذي ذهب إلى الحمام وعاد ليجدني ممدداً على الطقم المنتفخ تحت نسيم مكيف الهواء البارد و أبدو كمريض شاحب الوجه مسبل الأطراف و فاغراً فمي يملؤه الزبد كالمصابين بالجلطة الدماغية حتى انه ظنني تعرضت لمشكلة صحية قاتلة ففزع ونادى طلباً للإسعاف إلى أن استيقظت على صوت استنجاده المرتعب و طردت من العمل أثرها دون أن أقبض مرتب الشهر.