(2)

6 0 00

(2)

الولادة والألم

كلما مرّت"زكية"بناحية ما؛تجد الأسئلة على قارعة الطريق،وفى الهمس الدائر،حتى العيون معلّقة على بطنها .

- هاه ..ا تكلمتى مع ابنك اليوم ؟!

- وحفظت كلامه

- قولي لنا كلامه!

- قال:"يا زكية"، لا تفتحي حنكك قبل يوم سبوعى.

تضحك النسوة،ويتحسسن بطونهن المنفوحة،ويمهدن الطريق بحكايات مماثلة حدثتْ لهن.

{أنّى لي أن أُعرف،والعرافون والمنجمون لم ينشروا في الأرض أخبار قدومي.اشهدوا لي.لن يشهدوا إلا بما يعوا بأسماعهم وأبصارهم.سأقف على حدود قلوب من يعرفني.سكتوا،والبشارة في قلوبهم. صرختٌ:أنا سيف العشيرة،فاعرفوني؛أعرفكم}

هذا ما قالته"زكية "عن ابن بطنها يوم" سبوعه"

****

زففتُ البشارة إلى امرأة"فتوح"،ورجوتها أن تجعل البشارة في قلبها بقدر الاستطاعة.ألقتْ سرّ وجودي على الرائح والغادي.فضحتني امرأة فتوح،وفضحتْ نفسها،فقد كانت بشارتى انتفاخ بطنها.

من يتلقاني حين أصرخ صرختي الأولى،معلناً في الفضاء وجودي المحسوس ؟! لابد من يد حكيمة تأخذ بيدي،فجلدي رقيق،وبدنى ضعيف،وصوتي حبيس .

"زكية"لا تفكر في شيء غير الخلاص من أوجاعها،لكنها صرختْ بكل عزمها ،وقوّضتْ سكون العالم ،ولمّتْ صرختها العدو،و انتصبتْ"ستوتة"واقفة تمنع الداخلين لحرمها الآمن.الألم الآن مشاع.الشىء الوحيد المخبأ عن عيون الناس جسد"زكية"التي تحفظه"ستوتة"مرغمة.وقفتْ"ستوتة"شامخة، وانحنتْ على"زكية"المركونة على الفرن،ورفعتْ جلبابها المبلول بسوائل مختلطة الألوان،ورأتْ بعضاً من الغيب المفرح لها{ ولد يا ستوتة.ولد يرفع –رأسى – قوائم بيتنا التى تتوارثه الحريم من خمسين عاماً أو يزيد.ولد يصلّى لنا،ويذكرنا الناس به}ونسيتْ نفسها في الغائب الحاضر،وفى ذِكّرها الدائم..خلودها،وفى تعديل كفّة الميراث{ الولد يقش}قالت لنفسها،وابتسمتْ.ساعتها؛تحسستْ بفرحة عمرها ماتملكه فى وجهها المكر مش،و فعصتْ دماملها،واستعادتْ ذكرياتها،واحتلتْ ابنتها فاطمة التى تسعى فى بلاد الله كل الصورة،وانكمشت من الألم،لكنها لم تندم،ولم تتذكر من ولادتها غير أنها لم ترضع ابنتها مدة أسبوع حتى كاد اللبن ينشف من صدرها،وسألتْ نفسها عن سرّ كرهها للبنات.ربما الزمن وعدم الإنجاب يفرزان إجابة مقنعة.هذا سرّها دائماً وأبداً.لا أحد يعرف،وهى لا تفصح.وتذكرتْ زوجها الذي فارقها منذ ثلاثين عاماً أو يزيد.لا تعرف له قبراً،أو مطرحاً.لاتعرف أحى هو أو ميت ؟

الخبط على الباب أجّل سرحانها.رأتْ "زكية"شرود" ستوتة"،واستعادتْ تفاصيل الولادة السابقة، وكيف أن"ستوتة"استلمتْ هدية البطن الأولى،والكلام الذى قالته،وكيف أرادتْ تطليقها من"فتوح"، وتذكرتْ يوم سبوع البنت،واستعادتْ مشهد"ستوتة"،وهى تحاول أن تخنق ابنتها.ساعتها،صرختْ صرخة أخرى

- الحقينى يا خالتي!

وغابتْ زكية عن الوعي.

هرولتْ"ستوتة"،وصاحتْ في"أم الفار"التي تسكن أمامنا،هرولتْ القابلة إلى"زكية"حين كنتُ أفسح مكاناً لنفسي،جالباً بعض الألم وكل النشوة لمن ينتظر.سأتركهم في هواجسهم وأفراحهم،ولن أكلمهم!

تلقتني"أم الفار"،وكانت تسحبنى بحكمتها. وأنا كالجَمل،إن قِيد انقاد،وإن أنيخ على صخرة استناخ.أخذتني،ورمتني على خرق بالية كثيرة بعدما مسحتْ عنى الدم الفاسد.والمنتظرون يلتفون حولي،يمنعوننى الرؤيا والهواء.وأنّى لي أن أزجرهم؛فحيثما تكن الجثة،فهناك تجتمع النسور!.

اجتمع خلق كثير حينما لبوا ندائي وصراخي،فأتوا مهرولين،ليشهدوا منافع لهم،وليميزونى، وليتقربوا لي بالقرابين،معلنين وجودي على الملأ.كانوا يدورون حولي كشيخ مقطوع نذره،يبتهلون ويترنمون.حين انتهوا من الطواف –وقد قبلتُ طوافهم-وإنارة القناديل والدعاء؛أشرتُ إلى من وكلتهم بضيوفي أن يُخرجوا من كل صنف بهيج .وبهجنا جميعاً.وبين الحين والحين أصرخ متذكراً شيئا ما لا أعرفه.

دخان النرجيلة يغشى المكان،ويفرق بين الأجساد.لم أتعود بعد عليه؛فسعلتُ كثيراً.والصباح على وشك الانفلاق.

لم أبد اعتراضاً في الأيام الأولى حتى كبرتْ سعلاتي في صدري،وأصبحتْ تلازمني كحضن وثدي أمي،حتى بلغتُ خمس سنين.

بعدها بقليل؛أفرغتْ اللوزتان ماءً وصديداً نتناً في أذني،حتى كَلَّ سمعى.بتُ أنظر، وأمعن النظر في حركة الشفاه.وحُملتُ قسراً إلى الطبيب رماح بالمدينة المجاورة التي يقطن فيها شيخ العرب. هدّنى الألم.وآهاتي تسربل وجوههم بالغم.الطبيب أصلع.يكسوه لحماً أحمر.له نابان كأرنب جبلي. نظرته من خلف نظارته حادة.أعترف أنه جزار،وله ملامح جزار أعرفه عن قرب.

- يحتاج عملية

فهزّتْ"زكية"رأسها بالموافقة

- يدخل المستشفى،ويعمل العملية بعد يومين

- الله يبارك فيك.

- البركة فيكِ.

وهو يلوح لها لتحدف المطلوب.

- أنا على باب الكريم !

- كلنا على باب الكريم ،ثلاثون جنيهاً يا حاجة

ضربتْ أمي صدرها بحرقة مما أوقع الطبيب في حيرة.غبّرتْ النهار،وسوّدته؛فطردنا الطبيب شرّ طرده.رجعتْ إليه عسى أن يخفف.يأستْ منه،وجرّتني.كادتْ تخلع ذراعي.لم تلحظ تأوهي.عادتْ إليه عسى أن يخفف عنا.توسلتْ،ودعتْ إليه بأدعية مخصوصة.رقّ حاله قليلاً،وسأل عن زوجها.أسرعتْ في الإجابة:

- عاطل

خبط كفاً بكف،ومصّ شفتيه،وتعلّقتْ نظرته على هدومها.أحسّتْ بموقفها الحرج وغير القانوني، فقالت:

- أبيع الفجل والجرجير

قال بصوت عال:

- بتكسبي كثير

سحبتني غاضبة،وكانتْ تبرطم،وتود أن تدعو عليه.لحقها قبل خروجنا،وخفف عنا ثمن العملية، وجعلها عشرين.

كل ما كان يعمله"فتوح"معرفة ما جري فقط،ثم يعود إلى الحانة ونرجيلته.أصابنى فزع وهمّ مذ كانت أمى تهرع إلى الممرض والطبيب.تتوسل.تدعو ،وتبكي أحياناً،وتجلس على البلاط البارد بجلبابها المتشح سواداً.كان بكاؤها يرطب قدميها الوارمة.التصقتْ بالأرض،وعفرتْ جبهتها شكراً لربها حين وافقوا على الدخول.

المستشفى الكبيرة،وليس لى بها عهد.توسمتُ فيها كل الخوف والرهبة.حاولتْ"زكية"تهدئتي، وأفرحتني بسباطة موز بلدي؛التهمتها خوف الجوع.تركتنى وهى تتوسل إلىّ أن أتحمّل الليلة فقط. شغلني السريرالمريح –وكنا ننام علي الأرض –وجسدي النحيل يغوص فيه ليعرف أسراره،حتى أدركنى النعاس.وبطنى مملؤءه فاكهة كثيرة .

صحوتُ على هزّة هينة من الممرضة المتشحة بالبياض.قمتُ،والفزع يتملكني.سرتُ وراءها كما أمرتنى،وهى تقرقع بخفها.والنور الأبيض البسيط يقع على البلاط فيزيدنى رهبة،ورغبة في الهرب.أين أنت يا أمى؟والليل قد انتصف،وليس معى نقود.ليس لى حيلة في الرجوع.استسلمتُ لها،وكشحتُ ملابسي عن آخرها،حتى بانتْ مؤخرتي.ماذا تريد؟لو تعلم آنى لا أضاجع أحداً والخوف معي.وكيف لى أن اسرق ماء الحياة من عين الحياة؟تأمرنى بالانحناء.سيدتى لم ابلغ الحُلم بعد.اغتاظتْ،ورشقتْ بمؤخرتي حقنة،وأفرغتْ في جوفي ماءً مختلطاً بالصابون.بكيتُ –وقضاء أخف من قضاء-والماء دافئ فى بطني،وعلى خدي.قرقع جوفى كما كانت تقرقع الممرضة بخفها. كررتْ معي المحاولة.لم تفلح،حتى أنفلق الصباح،فصمتُ ذلك اليوم شكراً،حتى خلا جسمي النحيل من لُقمة تقيم أودى.لمّا انقضى وقتي.سحبوني على وجهي فوق منضدة تسير.دخلتُ الغرفة،وأمي لم تدخل،والأشباح الموجودة ملثمة،مستعدة لتقطيعى-وما اجتنيتُ ذنباً-بالسكاكين التي من كل صنف ولون،وهى بكثرة تسد عين الشمس.وحدث ما حدث،ولستُ أهلاً لمعرفة تفاصيله،ورحمتُ نفسي بمعرفة قدرى.غبتُ عن الوجود،من الشروق إلى الأصيل.نطقتُ؛فانطلقتْ أمي تتحسسني.حاولتُ القيام؛فقامتْ القيامة من جوفى،وانكبّ ما في جوفي من مخدر .

نظرتُ حولي،فلم أجد إلا أمى.وحين خرجتُ،تعكزتُ عليها،وسرتُ أتنسم من المدينة وضجيجها المعهود لأصحابها والغريب على سمعى،ودبيب فى بطنى يمزق أحشائى.وقفتُ أمام عربة متجولة تبيع الكشرى-للأغراب-المخلوط بالذباب والطين والزلط.حينئذ؛أخرجتْ"زكية"كيسها المربوط دوماً على صدرها .

دخلنا قعر الدار.والحصيرة فى صحنها."وفتوح"قاعد،ممدد،يدخن نرجيلته.التف أخوتى حولى، يمنحوننى رؤية كانت غائبة،وشوقاً يملأ جوارحى.والجيران من كل صوب وجهة يباركون خدى بالقُبل فقد عرفوا موعد قدومى.لم يقم"فتوح"،ولم يبد التفافاً،حتى قعدتُ بجواره؛فتبسم ؛وانتهى إلى نرجيلته.

وعد بالعودة

قطعنا الزمن متعجلين،ومتذكرين وعدنا للطبيب.والدود فى عظام السمع يتعبّد،ويواظب علي نُسكه.والألم يقضى ساعات بالنهار،وساعات بالليل يجالسني،ويؤنسني.

عدنا إلي الطبيب"رمّاح"،وفى جعبتنا الشىء الكثير.و الشوق إلى رؤيته جعل المقابلة غاية في السخونة.لم يهتم بشوقنا.و لم نستطع أن نتذكّر المبلغ الذي حدده.تمسكّنا حتى نتمكن؛فلم يزدنا إلا صراخاً،وعويلاً.لم تنفع معه الأدعية المستحبة والمخصوصة.تغيّر كثيراً.قالت أمي:

- نقسم البلد نصفين .

عيّرها ببيع الفجل.انه يتذكّرها.نكّسنا رؤوسنا،وهبطنا مقهورين نلوم الشح واليد القصيرة.صرخ"فتوح"لاعناً كل الأطباء."زكية"متأرجحة بين الرجوع والمضى قُدماً.تتمتم،وتشدّ فتوح من إزاره.نصعد درجات السلم مكرهين.تدعو له.ربما يرقّ لحالنا.مثقوبة السماء للفقراء.الله –الدمع – وحده يخفف عنا.لم يتزحزح مطلبه،وزاد عليه.هبطنا."وزكية"تدعو عليه،وتحاول أن تكشف رأسها.دلّنا رجل طيب على الطبيب شعبان.عمل اللازم،وحدد المبلغ.كان هيناً ليناً معنا،ولم يك جزاراً.رقّ لحالنا، وقسّم المبلغ نصفين من تكرار الأدعية المخصوصة.طلبنا مهلة لندبر أمرنا.عدنا إليه،وفى جعبتنا ما طلبه.

أكلتُ كثيراً."وفتوح""و زكية"رجعا إلى البلدة.

الأسرّة كثيرة.والوجوه صفراء فاقع لونها.جزع أنا.الآهات تقتلنى،والألم قابع في كل شق.جلستُ وحيداً أتفرج.الفرجة زنقتنى من الظهر حتى الغروب.زهقتُ، وقررتُ العودة.تحسستُ جيبى.كانت "زكية"قد دسّتْ فيه مبلغاً على سبيل الفرحة.لم يعترضنى أى شخص.أحسستُ بالفرحة حين مشيتُ، حتى انتهيتُ من أسوار المستشفى.

سرتُ قافزاً،فرحاً،وركبتُ وحدى إلى بلدتى،وحددتُ معالمها من الذاكرة،وحفظتُ اسمها ورددته للسائق دون خوف،متباهياً.وخطواتى سريعة .

الوقت غروب حين نزلتُ.وخطواتي كالحافلة التى ركبتها وحدى."وفتوح"قاعد في صحن الدار. وأخوتى في زوايا متفرقة.وزكية تعمل شاياً.حين لمحنى"فتوح"؛قال:-

- القيامة قامت ؟

لم أرد

-كفياك خيبة.اشبعى يا"زكية"بخلفتك !

وضرب نفسه بحذائه على صدغه.توسمتٌ أن يضربني،وركنتُ إلى دمعي.قامتْ"زكية"تهدئني، واعترضتنى فى صدرها.

- رح المستشفى حالاً

لم أرد؛فلبستْ "زكية"زيّها المتشح سواداً في الحال.

سحبتني"زكية"،وأنا أخطو إثر خطواتها..نقلة بنقلة.فزعتُ حين رأيتُ سور المستشفى.أدخلتني، وأوصتْ علىّ أصحاب العاهات والمرضى.تسامروا معي؛فأنسوني خوفي.

تآلفتُ سريعاً مع محمود صاحب التراتيل المنغمة..تقريباً نفس عمري.يلازمني في الداء،وفى الصحبة والتجوال،حتى حفظنا الوجوه والأقسام والأطباء.بتنا نخرج نتنسم هواء وضجيج المدينة. محمود أزهري،يحشر كل شيء فى الدين،وقد كنتُ –قبل دخولي –على وشك الانضمام إلى الجماعة المشهورة فى بلدتنا.داومنا على صلاتنا وصلتنا؛حتى بات كل شيء هيناً.وكنا ندخل مقر الموتى،فيشتد يقينى"إنا لله وإنا إليه راجعون"

رجعتُ.حضنني" ياسر"بالتناوب مع الآخرين،وقد جلسوا على عتبة الدار انتظاراً،وباركني من باركني بالقُبل.والضمادة على رأسي أحاول إخفاءها.اغتبط"فتوح"،وصافحني.جلستُ بجواره."وفتوح"ينفخ في نرجيلته تارة،وينظرنى تارة.

اعتذار

بعد عودتي،التحفتُ بالدار أياماً،ثم سرتُ داخلاً،وخارجاً..يزهو بنا اللعب،ولا يفارقنا،ونرجع بيوتنا غانمين بالتعب الأكيد؛فنستلقي على الحصير مستسلمين للجسد.

غضب"فتوح"من سيرتي حين علمها من"زكية"؛فوجّه كل اتهاماته لي،وبعنف.وأنا-واقف- أنظره شذراً.غافلني،وانقض يضربني،ويسبني.ربما أرعبته نظرتي.لم أستجب لضربه وتهوره.نظرتي أكثر حدة ،ورغبتي أكيدة في أن أرفع ذراعي،وألطمه كما لطمني.شُل ذراعي،ولم يبد حراكاً.لستُ أعرف ذلك. جريتُ من أمامه.وكان الباب مغلقاً؛فصعدتُ درجات السلم قافزاً،منكفئاً،وألقيتُ بنفسى فى الشارع الخلفي.وظلّتْ هرولتي معي حتى ابتعدتُ .

التصقتُ أنا و"فوزي"كجسد واحد.تناول عشاءه،وأنا بجواره أقضم الأرغفة سريعاً.لم يعد أمامي إلا سكن الجسد المتعب.أويتُ بعد العشاء مكاني،واستسلمتُ للنوم."زكية"تنقّب عنى،حتى تحسستني ملقى بجوار"فوزي".رجعتْ بيتها المسكون بصوت"فتوح"الجهوري؛فقالت:

- مريض يا فتوح..مريض !

- يسمع كلامي يا زكية الأول

عادتْ "زكية"تلاطفني،وتحاول إزالة ما عَلَقَ بجسدي من لطماته وقبضته،وأنا استشيط وأعلن رفضي.إهانتي لا يزيلها إلا رفضي وتركه وشأنه. بكى؛فأبكى.ألقى فى وجهها فعله؛فتزجر"فتوح"في نفسها.أعرف ذلك من تمتمتها التي تحاول إخفائها.

- استسمحه،وارجع

فأشحتُ بوجهي عنها.وأم فوزي لاتحبنى.أعرف ذلك من بقايا الطعام التي تحدفه أمامي. نظرتها إلىّ ريبة وقرف رغم أنها خالتي.

بعدها بيومين؛عنفتني"زكية"بشدة.سوف أرضخ لعفو نفسي إن ألقي اعتذاراً.أجلسوني مرغماً، وأكبرتُ نفسي للمسنين.وأم فوزي فرحة.قالوا جميعاً :

- بُس راسه

تأبيتُ.نفسي عزيزة.للاعتذار قواعد،فهممتُ بالقيام هرباً.يمكن لى ضرب توسلاتهم في الحائط. الدمع يسح من عين"زكية".وقلبي ما ارتضى الاعتذار،وليس لي جرم غير نظرتي-والنظرة الأولى لي، والثانية علىّ –فأنختُ نفسي لدموعها،وقمتُ‘محمولاً على همّ عظيم،ومسكتُ‘ رأسه،وكان في استطاعتي أن أقطعها أو أبصق عليها . قبّلتها بقرف،ورائحة العرق زكمتنى.

قام"فتوح"شاكراً الجميع-و أم فوزي منشرحة،فقد وفرتُ‘ لها بقايا الطعام للطيور –مزهواً بجلبابه الصوف،وحبك طاقيته،وعوجهاً،وسار مرحاً.مشينا وراءه،"و زكية"تلاطفني.

الكيل والميزان

يعلمني"فتوح" الكيل والميزان والقدح والاردب،ويلح في تعليمي."وياسر"يجاوبه بسبب القدح والأردب والكيلة وتقسيماتها اللعينة والمألوفة لديه،و لياسر.ومنعاً للشجار والخلاف؛اختفى منه.ينادينى ؛فأعطيه كتابي.يقلّب الورق،كأنما يبحث عن صورة لامرأة

- شفت

فيشتمني أمام"ياسر"{ يرحمك الله.لن أستطيع فيما بعد أن أرفع رأسي أمامه؛فالأخ سلاب}

وينهى حديثه معي:

- مخك زنخ

فألمّ كتبي مزمجراً –ولم أعرف معنى الكملة إلا متأخراً،وكانت تصيبني بأذى من تكرارها –وفى عيني دمعة،وفى فمي شتائمه –ولكنى لا أقوى على ردها –وأضع شكايتى أمام"زكية"لعل وعسى.

مرّتْ الأعوام سريعة.وطلب كتبي مثل الأعوام الماضية.تفحصها؛فوارى رأسه الخاوية إلا من الكيل والميزان

البرزخ

تعلم"ياسر"الكيل والميزان،وحفظ تقسيماتها عن ظهر قلب،ولم تسعفني ذاكرتي."وياسر"يسلبني كل شىء{ فلتأخذ مكاني إن أردت}

- مخك زنخ{ قل ما بدا لك ،فلن أغيّر موقفي}

يخصني الصيف وحدي،أمرح وألعب كيفما أشاء،وأظلّ هكذا مدة،حتى تفيض جوارحي بصيف الأكابر..نوادي،شواطئ،مصروف،هدايا،ملابس.أحاول أن أمرح؛فلا أجد مرتعاً إلا طين ترعة الباجورية،ويشاركني في العوم زملاء أعزاء..البط والديدان ومخلفات البهائم وما نفق منها.تيأس"زكية"من نظافتي وهدومي المتسخة.تحاول إرسالي عنوة نفراً إلى(الخولى)لنقاوم دودة القطن –لا أستطيع مقاومة"زكية" –فأستسمحها ببكائي.تغمض عينيها على يومين فقط.ومن ناحيتى؛أمطّ اليومين أياماً كثيرة بالهرب من وجهها الكريم،أو بالنوم المصحوب بالألم المزيف .

مطيع"ياسر"أشار علىّ بعدما أشار على"زكية"أن نستأجر عربة يد،نبيع فيها"الدندرمة".استحييتُ .ثم تسلينا بالأطفال،ولحس"الدندرمة"،وجيب سالتي ينتفخ بالربح المبارك.وكنا نمر مرور الكرام على شار عنا لتطمئن"زكية "؛ولنحصل على أرغفة وغموس.حين عبرنا الشارع؛سمعنا مناد ينادى:أن ارجعوا لفتوح

- خير إن شاء الله

- عايزكُم

قلت لياسر:

- أول مرة يطلبنا

ولهثنا،حتى أسلمنا العربة لصاحبها،وهرولنا حتى دخلنا قعر الدار مجفلين.جلس"ياسر"سريعاً في حضرته بجوار رأسه،وقفتُ بعيداً عنه،ألهث وانتظر.يتأوه؛فأطل بجذعي،واختلس النظر إلى رقدته.لا أقدر على الدخول وأقدامى مسمّرة."وياسر" ابض على يد"فتوح"الذي يناديني،وأنا ملجم بالألم الذى يعصرني،والعجز.أنّى لي أن أقف أمام جلال الألم الذي يمزقني،ويجعلني كالبعوضة!إن دخلتُ ؛فلن أقدر على التحدث والولوج في حضرة الألم.يتأوه"فتوح"؛فأطل بجذعي،واختلس النظر إلى رقدته.أشار"فتوح"بأصابعه المهترأة ناحيتي،وأنا أخبئ جذعي

- يكرهني يا ياسر،وأنا..

حين تأوه"فتوح"؛لم أطلّ بجذعي،ولم أختلس النظر إلى رقدته ."وياسر"في حضرته بجوار رأسه.

ميراث الفتنة..بائعة الخضار،والولد

في أكثر الأحيان؛يقوم"فتوح"من رقدته داعكاً عينيه،ماسحاً إياها بإصبعين مبلولين،وراشفاً بعض الماء المتبقي في الإناء الفخار،وهابطاً بسرعة.

كانت زوجة العسال حين تراه؛تتمايل أردافها،وتنادى بصوتها الرخيم الوخم على الطماطم والخضار.وحين يلمحها تفتح الدكان؛يقوم سريعاً،مخلفاً وراءه دخان نرجيلته،وظاهراً لها كل النخوة والشهامة.يساعدها في جلب أقفاص الخضار،و يعرضها علي قارعة الطريق،وهى تتمايل،وتلقى عليه غزل الصباح الرطب،ثم يبدى استعداده الخرافي في إلقاء أناشيد الصباح المرتلة ترتيلاً منغماً،يلحس القلب،ويجعل الجسد يرتعد صبابة ووجداً،ولهفة إلى ليل.

في أكثر الأحيان؛يقوم"فتوح"من رقدته متسللاً،داعكاً عينه،وماسحاً إياها بإصبعين مبلولين،وراشفاً بعض الماء المتبقي في الإناء الفخار.وحين يرانى على غير العادة واقفاً أمامه –كتمثال- في المرحاض يتمتم –أحسبه دعاء الصباح –فأرهف سمعي،ربما يحدفنى بصباح جميل،أو تحية،أو لمسة على فروة دماغي،أو مصروف يقيني شر الطريق الطويل،أو حسد الزملاء.لا يلقى لي بالاً،ويعتريه عبوساً، وحركة نشطة،فأتمتم كتمتمته –يحسبه دعاء الصباح –فيرهف السمع.لا يسمع إلا صهيلاً مشوشاً؛ فيمضى سريعاً.أدعو أن ينجّيه من عثرات الطريق ،وأقلّها شوكة،ومن المنزوين في انحناءات، فيطلعون بعد اختفاء..شاهرين المُديات اللامعة في وجوه الغلابة.ادركنى الذعر حين أيقنتُ أن الأذى ليس له كبير.قذفتُ بجسدي كله من النافذة،وقلتُ بصوت ضعيف:

- امش جنب الحيطان

لن يسمعني،ولن ينفذ نصيحتي.هرولته ظاهرة وهو على مشارف انتهاء شارعنا المؤدى إلى الحانة. آه.يالك من ملعون!تترك كل شىء لأجل هذه البائعة،وتنصت دائماً إلى زبائنها،وتراوغهم في سعر أزيّد من التسعيرة، لتحصل على رزق وفير،وقدُّ أسيلُ في نهاية الليل،وتحرق بواسطة النرجيلة تنهداتك وأشواقك،وتفرح حين تغمز لك،وهى لا تخجل أن تناديك علانية لمساعدتها.والخروف زوجها قاعد أمامها تاركاً الذباب يحوم حوله، فهو في حلاوة ومياعة النسوة اللاتي يعرفن سرّ شبق الرجال،ولهاثهم المستمر .

يقالإنه أصلع –وقد رأيته بأم رأسي –أحمر الخدين،متوسط القامة،واللحم يكسو عظامه بوفرة. يرص الحشيش على نرجيلة الحشاشين في الموالد والأفراح وأسابيع المواليد الجدد،ويرقص بخلاعة أمام الراقصات المستوردات من أماكن الفجور المشهورة.وكانت الراقصات ينخطفن علناً للأقوى حتى تلتحم ذوائب الخاطف والمخطوف.كان يحاول أن يفتدى الراقصة بنفسه،فيكون من نصيب المتلهفين على الراقصة.ومن لم يحصل على اللحم فليغرق في المرق! وكانت الراقصة تعرف معنى الجميل فتكافئه في نهاية الأمر بأن تقّبله على تضحيته الجليلة،وتضربه في مؤخرته بمؤخرتها اللينة، وتعطيه نقودأ،وتدعوه للفرح القادم..في قرى يعرف هو أسماءها،فقد أصبح من أفراد جوقتها،وعزيزاً على قلبها البحبوح .

صَبَرَ"العسال"على مهنته مع الراقصات،وعانى أشد المعاناة،حتى بدت سيرته وردية كوجهه الأحمر

ظلّ"العسال"جرباً يخافه الناس حتى زبائن زوجته،وتبدل حاله.وكان"فتوح"يدخن النرجلية دوماً ساعة العصارى،وعيناه ترمق العسال وزجته.وقد خلا الدكان من الزبائن التي تملأ عينيه،وتجعله نشواناً حتى يدخن الحشيش مع أصحابه ليلاً.تودد"فتوح"إلي العسال وزوجته علناً.

يقول الناس:ما عنده دم..جبلّة!

صمّ"فتوح"أذنيه،و أدرك أن الناس تحترس منه بسوء الظن.تقوقع أياماً قليلة بداره حتى هدأت الحالة.

"العسال"وزوجته الآن يراسلانه في الخفاء،حتى أن زوجة العسال ذات مرة– أذكرها-جاءت إلى هذه الدار،وطرقتها طرقاً خفيفاً،حيث كان الوقت متأخراً وليلاً.فتحتْ"زكية" الباب،و قالتْ:

- ادخلي

وكانتْ قد سمعتْ كلاماً أوسخ من وسخ الآذان،وعملتْ لها شاياً،ووضعتْ لها طعاماً من بقايا طعامنا

- خير

- خير إن شاء الله

وخرجتْ"زكية"تملأ كوز الماء.قالت زوجة العسال لفتوح{……}وخيّم الصمت لمّا دخلتْ"زكية" .توجستْ"زكية"،وتلهفتْ لمعرفة زيارتها المفاجئة.

- خير يا أختي

- العسال مريض،والوقت متأخر

تسربل"فتوح"بصوفه،وترك رأسه عارياً.خرج وزوجة العسال بجواره ملتصقة.أخبر"زكية"وقدمه بالشارع

-...أتأخر

لم تسمع"زكية"،لكنها هزّتْ رأسها.وحين أطلّتْ من كوة الغرفة ارتابتْ.الأثير يحمل ضحكة "فتوح"،فحلفتْ أن العبرة بالنهاية.ومن يعمل في الخفاء لابد وأن يعشق الظلام،وستعلن الأيام بركاته في وضح النهار.

يتقابل"فتوح"مع صديقه"رفاعي".يجتمع الأربعة،وضحكهم يغشى الحارة ليلاً،ويمزق سرب المتهكمين.استلطف"العسال""رفاعي".والحوارات جانبية وملتهبة.وكان"فتوح"يلبى طلبات"رفاعي" .. من فاكهة وحشيش ومصاريف جيب،حتى لا يملّ من"العسال".

خبتْ الضحكة قليلاً حين فارق"رفاعي"الجماعة.والحوار الجانبى بين"فتوح"وبين زوجه العسال ملتهب.والخوف فقط من قنوط"العسال"نفسه.وحين لامه بعض الناس قال"فتوح":

- اختاروني،واخترتهم

- السمعة كنز

أعتقد أن لفتوح ريعاً أو نصيباً من البيع والشراء؛ليعمر يافوخه بالشاي ويدخن التبغ.أغلب الظن وهذا ما أصدقه،وتؤكده بعض الشائعات –أن البضاعة مقسمة على ثلاثة في رأس المال والربح.

انتفختْ بطن زوجة العسال."وفتوح"يعدّ لها الأيام.والعسال يضع كل يوم قرشاً في حصالته.الفرحة متوجسة في عيني"فتوح"،وقد سألته زوجة العسال:

- طلباتك ؟!

رد العسال

-لا اعتراض على أمره

وكان"فتوح"سارحاً في ملكوته،يرسم أشياءً من ذاكرته،وتلعثم فمه بأمنية:

- آه..ولد

- يحمل اسمك

جاءها الطلق مؤكداً نبوءة "فتوح".ونثر "العسال"كل ما ادخره في عمل طبيخ معتبر.

الشائعات تتوالد،"وفتوح"لا يكترث.وزوجة العسال ترضع وليدها بحنان."والعسال"يبيع للزبائن بالتناوب مع"فتوح".

قبل دخول الشتاء؛طلبتْ "زكية من"فتوح" –اضطراراً –حطباً لتعريش الغرف المنورة.ركب رأسه، ولم يلبِّ طلبها في حينه إلا حينما أشار على زوجة العسال.

كانت"زكية"تربط حزم الحطب،وأجرّه أنا "وياسر"،وأحياناً زوجه العسال."وفتوح"يستلم الحطب، ويفرشه على الغرف المنورة.حين انتهينا من حمل الحطب؛كافأتنا"زكية"بقرش لي ولياسر،ودعكتْ جسدينا بالصابون الذي يحرق العين،وألبستنا ملابس مغسولة ونظيفة.قال لي"ياسر"على مرئي ومسمع من زكية –وكان قد تعلّم سحب الولد المخنث إلى الخرابة،ويلعب معه عروس وعروس–كلاماً عن "فتوح" الذي حضن المرأة من خلف،وناما –على الحطب-من الضحك،ومن التعب.

اغتاظتْ"زكية"،وهاجتْ.نفرتْ من كل شىء،وكادت تحرقه بالنار.سحبتُه ، وحكى لي.

تذكرتُ.و حين تذكرتُ ؛كان الزمن قد مرّ.والشائعات قد خفّتْ حدتها،واندثرتْ.وأصبح الجميع يدورون كالبهائم بحثاً عن الرزق."وفتوح"مازال جالساً في الحانة يداعب زوجة العسال،ويساعدها في حمل أقفاصها،وهى تتمايل،وتلقى إليه غنج الصباح الرطب.والطفل المسمى على اسمه يلعب فى حجره،ويدغدغه.أدركتُ أن الولد محظوظ .محظوظ"فتوح"..فتوح الصغير !

كلما مررتُ؛أحاول أن أتحقق من سحنة الطفل المحظوظ،حتى أدركتُ بفراستي أن قسماته تشبه إلى حد كبير قسماتنا.توجستُ،فربما يقاسمنا ميراثنا.والتاريخ هو الشاهد والبائعة،وربما تنقلب الموازين،ونكون جميعاً مخطئين.

قِربَة مخرومة

تُوقد البائعة سراجها في الشارع؛فتلتم النسوة،و يزبدن من أفواههن ما تعجز عن فهمه،أو تجد له معنى،أو صدى.أصوات مختلطة،جعجعة،بقبقة،خوار،هسيس،حركة نشطة،ويحوط البائعة المشترون من الرجال.

حين تطفئ سراجها؛ينزوي الرجال والنساء إلى الجحور.يتكرر كل ليلة هذا الصخب حين يكون الدكان مفتوحاً.

استوحش"فتوح"رقدته،وفي فراشه يتقلب كالمجنون،ويحادث وسادته التي يضمها دوماً.هو الآن؛ لا يملك إلا أن يحضن وسادته.وزوجته"زكية"لا تعاشره منذ فترة طويلة حينما سمعتْ،وتأكدتْ من علاقته ببائعة الخضار،وابنها الذي سمى على اسمه.

يأكل"فتوح"بسرعة،ويجلس أمام الدار حتى تفتح البائعة دكانها،ويعمل نظره حين تغدو،أو تأتي .والمشترون لا ينقطع سيرهم،ويتهامسون أيضاً مع البائعة.كل فترة؛يتزحزح قليلاً..قليلاً حتى يصبح بجوار البائعة،ويتمسح بها كقطة.لمحه"حامد"مرات عديدة{ أعتقد أنه يفكر في خلوة معها.لن ترضي.ولما لا ؟}هكذا كان يفكر"حامد"الذي صرف هواجسه مُكرهاً..لكنها عادتْ بقوة؛لمّا بدا له الأمر جلياً،ومخيفاً؛حين لمح" فتوح"يجالس البائعة.يتودد،ويلقى ما في جعبته.يوشوشها،ويلقى في روعها حميته ورجولته.لام"حامد"نفسه،وأدرك أن الظن لا يغني الآن.

تناوب"حامد""وفتوح"الجلوس مع البائعة.حين يكون"فتوح"جالساً مع البائعة؛يناوشها "حامد".حينئذ؛يقوم" فتوح"متمتماً،ولاعناً.والبائعة تضحك بدلال

- ما أنت قاعد يا عم فتوح

ولمّا يجد"فتوح""حامد"يداعب البائعة؛يتسمّر مكانه،وينظره شذراً.

في الليل؛يترك"فتوح"باب غرفته،ويعرّي نفسه،ويتحسسها.رأي"فتوح""حامد"واقفاً علي باب غرفته؛فستر نفسه،وقذفه بوسادته.تريث"حامد"في إعادتها.والسخط ظاهر علي جسد"فتوح" المرتعش{أعرف يا فتوح أن للجسد طقوس؛فليجتهد كل منا. حتى يصيب راحة جسده}

قام"فتوح"من رقدته متأخراً علي غير عادته،وألقي في وجه"حامد"

- صباحك زفت

ودخل المرحاض.بعدها بقليل؛سمع"حامد" صرخاته المتقطعة:آه..آه{لو يجاهر برغبته؛فلن يسلم هذه المرّة؛فزكية من أمامه،وأنا من خلفه}

قالت"زكية""لفتوح":

- عايز إيه من البياعه؟!

- مفيش

رد"فتوح".والنوايا ملك أصحابها.والمخبوء لا يظهره إلا الزمن،والرغبة العارمة .معذور"فتوح"!

لم يملك"حامد"امرأة في حياته.ومواجهته مع"فتوح"جعلته يخوض في الممنوع،ولا يمكنه التراجع.ولا يعلم طريقاً جيداً لمعاشرة امرأة.وقد انقطعتْ أسباب"فتوح"،وجعلته قاعداً،ناظراً إلى "حامد"الذي دائماً ما يردد.

- شبعت من الدنيا يا فتوح

- أنا عارف نفسي

هكذا كان الحال.رغبة،ورغبة مضادة.والزمن كفيل بتوحيد الرغبات.

برغبتهم الأولى وإحساسهم بالفرحة والونس؛كان عيال البائعة يتلهفون على جلوس"حامد"بجوار أمهم،التى كثيراً ما كانت تفرّ من تحت يده مكسوفة من عيالها .يشدّها "حامد"؛فتجلس..نصفها على جسمه، ونصفها الأخر على الكنبة،وتفرّ منها ابتسامة مطبوعة دائماً علي وجهها.ساعتها؛ يحاول"حامد" أن يٌسكتْ إرتعاشة شفتيها.يلمح"حامد"العيال؛فيرتعش،وينكمش على نفسه قليلاً،ويعطيهم قروشاً قليلة ،لكنهم يخرجون بتلكؤ،يناوش العيال بعضهم البعض،ويتلصصون بعضاً من الوقت،ثم يجلسون بصحن البيت،ويقلّدون زفة عروس شاهدوها اليوم.يندهش الناس من فرحتهم المباغتة،ويتلصصون.ومن ثم؛ يضحك العيال عالياً

- تعالوا الفرح

- فرح مين؟!

- فرح ماما ،وعمى حامد

مجبرة كانت البائعة،تبيع كل شيء حتى الابتسامة..لكنها أبداً لم تجرّب تلك الرغبة اللعينة المسماة بالاختيار؛بعدما أحسّتْ بذلك الصراع الخفي بين"حامد""وفتوح"،وأدركته.هي وحدها القادرة علي حسم هذا الصراع.تلك الفكرة أعجبتها.وكان الجسد-مرغماً-قد دخل في تلك اللعبة.

بعد العِشاء؛ارتمى أولاد زكية بزوايا مختلفة علي الحصير المفروش وسط الدار،وقد انتفختْ بطونهم من"فتّة العدس"،و ناموا."وفتوح"ممدد علي طرف الحصير..واضعاً تحت رأسه مسنداً،ناظراً لحامد الذي ينظر إليه-أيضاً-خلسة علي فترات متقطعة.

- الشاي

قال"فتوح"،وأغمض عينيه.

قامتْ"زكية"تغسل الصحون،وركنتْ الطبلية علي الفرن،وأتتْ بقصعة،ووضعتْ القوالح بها،وبعض الخشب،ورشّتْ فوقها بعض الجاز،وأشعلتْ النار.سعل"حامد "من الدخان؛فقام، وفتح باب الدار،ونظر إلي بيت البائعة.

- الدنيا برد يا ابني

قالتْ"زكية"،وتنهدتْ، ونظرتْ لعيالها.ثم؛ غسلتْ"كنكة" الشاي،ووضعتها علي جمرات القوالح والخشب.

قام"حامد"مرّات عديدة بلهفة إلي باب الدار،وألقي نظرات علي بيت البائعة جملات،وعاد.نظراته زائغة.أطرافه مرتعشة.يفرك يديه دون أن يدري."وفتوح"يبص له من تحت"لتحت"."وزكية"تقول لحامد:

- يا ابني وراك أيه؟!

لم يرد"حامد"علي"زكية"،وظلّ صامتاً،يداعب أفكاره.فجأة؛ تزحزح"حامد"بخفة خارج الدار.وزكية تمد يدها"لفتوح"بكوب الشاي.التفت" فتوح" بسرعة ناحية"حامد"الذي انحرف قليلاً ناحية اليسار،وانكبّ الشاي علي الحصير.

- سرحان في إيه يا راجل؟!

لم يرد"فتوح"علي"زكية"

- خير إن شاء الله!

قالتْ"زكية"لنفسها، وقامتْ تبحث عن خرقة قديمة،تمسح بها الحصير.

أيقن"فتوح"شيئاً،وصدّق إحساسه،وخرج وراء"حامد"،ولمحه يدق باب البائعة"جملات"،دقاً خفيفاً،ويناديها بصوت هامس.جسد"فتوح" بداره،ورأسه بالخارج تتابع ما يحدث.نظرتْ البائعة يميناً وشمالاً،واطمأنتْ،وجذبتْ"حامد"بسرعة،وأغلقتْ بابها.

لبستْ"زكية"هدومها السوداء،وطرحتها،وسارتْ حتى باب الدار المقفولة بجسد"فتوح"الآن.

- واقف كده ليه يا راجل؟!

لم يرد..لكنه أزاح جسده قليلاً،ورأسه مازالتْ بالخارج.بصعوبة خرجتْ"زكية"،وراحتْ لحميدة.. أختها الكسيحة التي تزورها يومياً بعد العِشاء.

أغرقتْ البائعة-جملات-"حامد"بأشياء كثيرة لم يرها من قبل.وكان فرحاً بها طالباً المزيد.وعلى رجولته رشّتْ-بحب-أنوثتها العفيةالمستترة عن عيون الناس،وعن زوجها.شهدها "حامد"متوهجة كالحياة،أو هو تصور ذلك.كان العناق توحد،والتلامس رحيق للحياة،ومعنى.

( هذه اللحظات مسروقة من الحياة التي لا تجود إلا بالممل والرتابة.نعم، اللحظات المسروقة تواصل،ومعنى،ومصير محتوم لكل منا )كان"حامد"شارداً يفكر في هذه اللحظة التي لم يعشها أبداً.

علي باب البائعة وضع"فتوح"أذنيه الكبيرتين علي جدار بيت البائعة،وأرهف السمع،وعضّ علي شفتيه

- طيّب

قال لنفسه،ومشي في الشارع..ناسياً فردة من" بُلّغته"،وخبط علي أبواب كل البيوت التي استقبلته بدهشة،وريبة.

- خير يا عم فتوح!

- حامد مع جملات في بيتها

- أعوذ بالله!

- باين عليه ابن حرام

- مش قادر عليه يا ناس! أعمل إيه؟!

رد"فتوح"،ومضي مسرعاً لداره.جسمه بداره،ورأسه بالخارج.

لبستْ النسوة هدومهن علي عجل.والرجال مسكوا فروع شجر ناشف،ومناجل،وأسياخ حديد،ونسوا أنفسهم،وساروا حفاة حتى وقفوا أمام دار البائعة.

أحسّ الأطفال بحركة متعجلة،وزعيق؛ فنفضوا عن أنفسهم نوما ثقيلاً،ومسكوا جلابيب أمهاتهم وهم يمسحون عُماص العين الناعسة.

الشيخ أحمد-الأعمى-هو الوحيد الذي تأخر قليلاً.نادى علي أخيه الصغير الذي رجع إليه في الحال

- أَيوَْه يا أخويا

- يمكن يكون ملعوب!

- دلوقت نشوف

- يارب سترك!

قال الأعمى،وتأبط أخيه،وسار ببطء حتى وصل إلي دار البائعة،وركن جسده علي الجدار،ثم وضع أذنيه علي باب البائعة،وقال:

- مفيش حد يا ناس!

لكزته"خضرة"..جارة البائعة،التي تعاركتْ معها منذ يومين فقط،وكانتْ خناقة لرب السماء،وقالتْ:

- اسكت يا أعمي

- أعوذ بالله من لسانك!

تمتم الأعمى بكلمات لنفسه،وانزوى برأسه للناحية الأخرىلاعناً الحريم،"وخضرة"بالذات

- ياما تحت السواهي دواهي

قالتْ "خضرة"،ونظرتْ للخلق الواقف..المكتسي بالصمت.قطعتْ"خضرة"صمت الجميع،وقالتْ بعزم صوتها:

- اطلعي يا فاجرة

ووشوشتْ ابنها بكلمات يقولها مع الأطفال الموجودين الآن.

سمع"حامد"والبائعة صخباً شديداً،وشتائم مقرونة باسم كل منهما.وقبل أن يخطو"حامد"الخطوة الأولي من دار البائعة لشارعه المليء بالنسوة والرجال؛رأي البائعةجملات-التي كانت في حضنه منذ قليل-قد ارتدتْ علي عَجل ملابسها بالمقلوب.ابتسم"حامد"،وكتم ضحكة كانت تداعبه بقوة.بين نداء الشارع وبكاء البائعة؛يتأرجح"حامد".وأولاد البائعة ارتموا في حضنها خائفين."وجملات"تلطم خدها المتورد من لحظة فائتة.صراخ بالداخل،وصراخ بالخارج.تقدم حامد خطوة؛فمسكتْ "جملات"ذيل جلبابه بقوة؛فمال برأسه إلي أسفل.

- يا خراب بيتك يا جملات!العمل إيه دلوقت يا حامد؟!

لم يرد"حامد"،وجلس بجوارها.يحاول أن يلم فضيحتها بيديه؛فضمها مرغماً،وقال:

- أنا مش فاتح لهم الباب

لم ترد جملات،وظلّتْ تلطم خدها.

ابن خضرة وأطفال الشارع؛رددوا بصوت واحد{يا حامد يا وش القملة..إش خلاك تعمل دي العملة} وجملات تسد أذنيها بجلبابها الذي انشلح.

كلّم"حامد"نفسه{الظاهر مفيش فايدة}واستجمع جسده المرتعش،ونقل خطواته الثقيلة،وفتح الباب.ولمّا أطلّ برأسه للشارع والناس،دفعته البائعة بكل خوفها،وقفلتْ بابها بسرعة.مسكه الناس من هدومه،ولكزه بعض الواقفين،ورفع الباقون أياديهم بما معهم؛فرفع"حامد"يديه،وحاول أن يحمي رأسه.وكانتْ قدمه مسمّرة في الأرض.وعيناه الزائغة استقرتْ علي داره،ولمح"فتوح"يسد مدخل الدار،رافعاً ذيل جلبابه الدمور،والمتسخ بأسنانه الصفراء،ظاهراً سرواله أبو"دكّة".حاول"حامد"أن ينزع رجليه بخطوة..لكنه لم يقدر.نظر"حامد"مرة أخري؛فتقابلتْ عيونه بعيون"فتوح"،التي ظهرتْ بها لمعة غريبة لم يرها"حامد"من قبل.

- شفت يا أعمى الفاجرة

قالت"خضرة"للأعمى الذي لم يرد،ونغّمتْ"خضرة"كلامها{يا جملات يا وش القملة..أش خلاك تعملي دي العملة}والأطفال يرددون وراءها بحماس،والرجال يتهامسون فيما بينهم.

ظلّ"حامد"مطأطيء الرأس.ولمّا ارتختْ الأيادي الماسكة بهدومه؛خطف نفسه بسرعة..مهرولاً إلي ناحية الموردة بجوار شجرة السنط الوحيدة،تاركاً"فتوح"والناس.والأطفال جروا خلفه،يزفونه حتى اختفي.

"ياسر"الوحيد الذي استلقي علي ظهره يداعب النوم..لكنه لم ينم.ولمّا سمع اسم"حامد" يتردد؛قام مسرعاً،وخرج للشارع الضيق.ولمّا رأي الناس تلتف حول"حامد"؛كلّم"فتوح"الواقف علي الباب.نهره"فتوح"،وأسكته بصفعة علي وجهه،وأمره بالنوم مثل أخوته.

انصاع"ياسر"لفتوح برهة.ثم غافله،وتسلل مرة أخري للشارع،وهرول إلي أمه زكية التي خطفتْ الطريق. وصلتْ"زكية"،واللّمّة تلفظ أنفاسها الأخيرة.وكانت قد سمعتْ كلمات قليلة في بداية الشارع.ولمّا سألتْ آخر الواقفين،أشاح بوجهه،وقال:

- ابن حرام

لم ترد،وامتعضتْ،ونزلتْ دموعها علي الخد الوارم قليلاً.وكان"فتوح"مستلقياً علي الحصير،شاخصاً ببصره علي عش عصافير بالسقف المُعرش بالبوص.سألته"زكية".لم يرد،وابتسم لها.ولمّا وجدها تلطم خدها؛قال:

- ابنك فضحنا يا زكية!

- هو فين؟!

- راح في داهية

وقهقه"فتوح" الياً؛فأدركتْ أنه السبب.صمتتْ لحظة،وعلّقتْ عينيها علي"فتوح".

- أوعي تلوميني يا زكية.لومي نفسك.كان لازم أعمل كده

- ليه يا فتوح؟! دي كان راجل البيت،وراجلي!

- واحد فينا بس..هو راجل البيت ده

- طول عمرك قاعد وبس.حرام عليك!ضيعته،وضيعت العيال،وأنا صحتي علي قدي

- أنا مش شُرابة خُرج.كان لازم تِعدلي بينا

- خلاص..ما عادش ينفع الندم

- اسمعي كلامي

- حاضر

وبكتْ،ولمّتْ عيالها في حضنها..راغبة في الدفء، والو نس،والأمان.

لم ينم"ياسر"؛لمّا وجد"زكية"قد بللتْ هدومه،ومكان نومه بالدموع."وفتوح"قد ارتمى علي سريره النحاس القديم.

قرب الفجر بقليل؛قام" ياسر"،وبصّ علي"فتوح"المتقلّب في نومته.جذبته"زكية"ليُكمل نومه..لكنه همس:

- أنا عارف مكان حامد

- صحيح؟!

هزّ رأسه.وعلي أطراف أصابعه،نقل خطواته الصغيرة،وفتح باب الدار."وزكية"تحرسه،وتلفّه بنظراتها-خوفاً من الظلمة ،ومن البرد-حتى اختفي.

بعد انتظار قليل،غلّفه سوء الظن،والخوف؛لمحتْ"حامد""وياسر" سيران بتؤدة،وبدون صوت حتى حُضنها.

- ليه عملت كده يا ابني ؟!

قال"حامد" كلاماً مختلطاً غير مفهوم لزكية..لكنه يعرفه،ويحسه:

- الحلال قليل،وكلنا عبيد،ومسروقون.ياه علي الدنيا!

وسَكَتَ فترة.بعدها؛لملم بعض ملابسه،وبعض كتبه،وألقي نظرات كثيرة علي كل ركن،وعلي"زكية" والأولاد،ومضي متخفياً دون وداع..في ظلمة الكون،وظلمته."وفتوح"مبتسم،يتقلّب في رقدته..سعيداً بوسادته التي لا تنطق هذه المرّة.

بعد صلاة الفجر؛قام"فتوح"نشيطاً علي غير عادته.وعلي أطراف أصابعه؛سار حتى دار البائعة،وخبط علي الباب خبطاً خفيفاً.

- جملات..جملات

مسحتْ"زكية"دموعها،ونفّضتْ عنها كل ما حدث بالأمس،وسارتْ في بداية يومها الجديد-وبدايته مؤلمة-ولمّا وصلتْ إلي الباب؛قالت:

- رحلت هي كمان يا فتوح! تعالي

لكنه لم يرد،ومشي بصعوبة حتى وصل إلى غرفته،واستلقى علي سريره.ساعتها فقط، أدرك أنه قد شاخ،وأن الرغبة قد سرقته .