مقدمة

5 0 00

ممدوح عبد الستار

رواية

أنا،وهو

إهداء

إلي كل من غابوا عنا،ومازلنا نحبهم!

وإلي زهوري الصغيرة،وبهجة روحي،وبسمة حياتي الباقية-أولادي- أحمد،وهاجر.

وإلي زوجتي،وتوأمي

إليكم، وإليكم فقط!

المثقل بأحلام ناقصة

الدم الحار، والفعل الحار

يقول الراوي : الولد الأعور يتعقب"حامد"، وأن أصحابه يأتمرون بأمره .

تقول الراوية :"حامد"هو الذي فقأ عين الولد الغلبان، حينما ركل زلطة كبيرة، فصفّتْ العين اليمنى. ويقول الراوي : أبو الولد الأعور لم يستطع فقأ عين"حامد"، ولم يستطع إثبات أنه حتى السبب، فاحتفظ بتلك الزلطة المكسوة بدم العين.

وتقول الراوية : ومن يومها؛ والولد الأعور يلمّ الحصى المتلون باللون الأحمر.

ويقول الرواة :ترك الأب وصية واجبة التنفيذ للولد الأعور، وأمره بتربية كلب ابن كلب من فصيلة نادرة لوقت اللزوم.

وأجزم الجميع من يومها بأسرار صغيرة، وضعوها في قلوبهم المُغلقة.

****

رمى"فتوح"شريط الدواء في وجه"زكية"طالباً غيّره. نَظَرته"زكية"- مرغمة –نظرة طويلة. لم تقو روحه على نظرتها الوقحة، واستكان رأسه على جسده. لم تتركه"زكية" لحاله، وحاولتْ أن تُقنعه بطريقتها الوحيدة التي تعودتْ عليها، ومسكتْ كُمّ جلبابه المُتسخ، وأخرجتْ جيب سيالتها- المخروم- الدمور، وأجبرته على النظر. بعزم رغبته، زعق"فتوح"طالباً شريط الدواء، وخبط الأرض بقدميه، ورمى الأشياء التي تطولها يده.

الآذان المتلصصة ترنو ناحية الدار المُقفلة على أصحابها. أحسّتْ"زكية"بأقدامهم؛ فانحنتْ بكل

عزمها تقفل حنكها الواسع.

بينما"حامد"لا يرد علي تحية أحد، وهو يركل الحصى. تبتهج نفسه، وهو يسمع ارتطام الحصى الصغير ببعضه مع كل خطوة. في الفترة الأخيرة؛ تعوّد بعض الصغار السير وراءه، ينتشلون الحصى الملون بدمه، فقد كان حذاؤه مفتوقاً .

كان"حامد"دائم الخوف-فقط- من الولد الأعور وكلبه الذي يلازمه. هذا سرّه الذي لا يعرفه أحد. ولمّا يتخيل الولد الأعور وكلبه، يرتعش، ويمضى عائداً للدار المُقفلة على أصحابها. ويتلفتْ باستمرار عسى أن يلمح أحداً، ويراهن"حامد"بين إحساسه ورؤية عينيه. المرّة الوحيدة التي رأى فيها الأعور –وهو يتخطى الخرابة البعيدة التي يزورها يومياً وقت الغروب- حينما تخطى كلب ابن كلب حدود اللياقة، وهبش لحم المؤخرة. جرى"حامد"وراء الكلب لمّا لمس بأصابعه قطعة من لحمه تتدلى . الكلب والولد الأعور وقفا"لحامد". نظر"حامد"إلى عين الولد العوراء، وركل الحصى الذي أمامه بقوة، ولم يفعل أكثر من ذلك. ومن يومها، وهو يتلفتْ يمنة ويسرة، عسى أن يرى الولد الأعور مرّة أخرى.

أزاحتْ"زكية"ما تبقى من بشاشة وجهها الرائق حينما أزاحتْ مزلاج الباب. خشّ"حامد"بسرعة ، وتسمّر أمام"فتوح". انزوتْ"زكية" في ركن تضع يدها على قلبها. انفرجتْ من بين أسنان"فتوح" ضحكة صافية حينما لمح بداية ابتسامة على وشك أن تأخذ طريقها إلى وجه"حامد". عَدّل"فتوح" من نظراته، وعزف عن"حامد"بفرك أصابعه، وفى مكانه رقد، وتستر بالسخونة والهلوسة، وارتجف الجسد المكرمش، ملتحفاً بجلبابه الذي تجاوز عمره الافتراضي، وقابضاً جمرات من أشياء مستورة داخل الصدر المُغلق. شيء ما يجذبه إلى حيث هو. قابع لا يحرّك ساكناً. نظر"حامد"إليه بإمعان: عينيه،طوله، عرضه، وتقاطيع وجهه، وسحنته القمحية.

"زكية"تنظر"حامد"مليّاً، وتعضّ علي شفتيها. فرحة وحزينة في آن واحد بعدما انزوي"حامد"-بعد نظرته المتأملة-إلي نفسه المفعمة بأشياء كثيرة، ومشاعر تجاوزتْ كل حدّ. كانت شفتاه تعلنان بشكل متقطع بعض تفاصيل نفسه:{ لن أندم كثيراً حين أفقدك، وربما أُمارس حياتي بشكل تلقائي أُحسد عليه، وربما يُضحكني صديق، أو أضحك من تلقاء نفسي، وربما أغتم. صبراً حتى تحمل سيفك الخشبي وحمارتك العرجاء، وتنازلني وجهاً لوجه. وحين تكون المبارزةغير متكافئة؛ سأعطيك بعضاً مما تشتهيه – نقوداً تلعب بها النرد أو الورق – حافزاً لك، وربما أعطيك خنجري}.

ترك"حامد"وراءه لُقيمات تسدّ بعضاً من الرمق حينما وجد"فتوح"على هذه الحالة، واستباح لنفسه خلوة، يطرد فيها ما عَلَقَ بداخله حتى لا يجهر بصوته؛ فتكون مشاجرة تعلو لرب السماء .

وضعتْ"زكية"رأسها بين الركبتين، ووضعتْ كفيها على أُذنيها، وأعلنتْ رغبتها في الصراخ، لكن صراخ"فتوح"يزيد طبقة أوطبقتين، ثم رضختْ له:{ لكِ الله، حين تتجلدين، وتقطعين من قوت العيال ؛ لتُرضى هذا اليافوخ المضغوط بالدم الحار، والفعل الحار} بين اليد اليمنى، واليد اليسرى ينتقل شريط الدواء الجديد، كطفل يقذفه إلى أعلى-ليستقر في حجره مرّات عديدة –منتشياً من الضحك. وقف"حامد"قُبالته دونما حركة؛ فأخفى"فتوح"بسمة جميلة، وعتاباً مع شريط الدواء الذي استقر في جيب الصد يرى. بعد لحظة، أحسّ"حامد"بدمه يُلطخ حذاءه المثقوب؛ فتخطى"فتوح"حتى وصل إلى الفرن، ومسك حفنات الرماد، ووضعها على الجُرح.

ضَغَطَ الدم الحار على يافوخ"فتوح"كثيراً، فأنفقتْ القلوب ألحانها القديمة المختبئة، والصدئة. وجلس"حامد"بجواره، وتحسسه على فترات متقطعة، ثم مسك رأسه المضغوط، ووضعه علي صدره ،"وزكية"تساعد"حامد"بهرولتها الكثيرة. وجوارحها وأطرافها المبعثرة لا تستطيع لمّها، تذهب إلى الباب سريعاً، وتُلقى نظرات مرتجفة على الخارج، وتعود سريعاً. يطلب"حامد"منها أشياءً تنساها في الحال. أحسّ"حامد"بصدره يرتجف. انتقلتْ حرارة اليافوخ إلى صدره. تعجب لأمره. تحسس نفسه، ثم تحسس"فتوح"الذي يذرف دموعاً من جسده، وعيناه تعاقران صورة حامد.

هرولتْ"زكية"سبعاً من المشاوير بين الباب وبينهما. عانقها"حامد"بحرارة، وقال:

- اهدئي

لم ترد"زكية"، فقد كان صوتها محبوساً، يخرج ضعيفاً، مبحوحاً. أدرك"حامد"خشيتها في أن يعايرها الجيران، فترك"فتوح"على وسادة من قش القصب، وقال:

- هو بخير

عيناها مازالت متوجسة. قلّد"حامد"صوت"زكية"وطريقة مشيتها، وانتزع منها ابتسامة ناقصة، ثم نفض عن جسمه دمعة كانت غائبة بين ثنايا قلبه، وعاش في الصمت حياة طويلة. بعدها؛ قفز كالمجنون ، وراح يقلّد"فتوح"في كل شيء، وأسعفته الذاكرة الممتلئة، حتى غرق في الضحك والبكاء معاً.

استكانتْ"زكية"قليلاً علي الجدار الذي أمامها، وراحتْ تسبل جفونها الوارمة.

الدقائق الوارمة بنبض مرتفع تمر، والحال كما هو الحال، إلا أن"فتوح"تمدد، وراح يغطّ في نوم عميق، وتحول الجسد المسجي إلي صورة رائعة. وبين الحين والحين؛تنادى"زكية""حامد"بإشارة من سبابتها المرتجفة .

الطبيب الآن يلقى سماعته الحديدية على الجسد الممدد، يقيس النبض، وربما العمر، والضغط، والحرارة التي لحقتهم جميعاً. سألته"زكية". لم يرد الطبيب، واستقر نظره على"حامد"المتسمّر، ومن ثم؛ على"فتوح"الممدد، وقال بلكنة غريبة :

- الدوا بسرعة

ومضى الطبيب مسرعاً، بعد أن ألقى في وجوههم أسماءً أجنبية .

لملم"حامد"شتات اللحظات المبعثرة، وخرج يركل الحصى. في عودته- والأسماء الأجنبية تثقل كاهله-وقف أمام محل صغير للأدوات الكهربائية، والتصق وجهه بزجاج الفترينة، وتعلقتْ عيناه على المبتكرات الحديثة، وتذكّر الريكوردر المستعمل، والمركون جنب"الكراكيب"في"المندرة"، وتمنى شريطاً يملأه بكلامه، أو كلام غيره، وفتش جيوبه، وعاد لفتوح محملاً برغبتين متساويتين. رغبة آنية ملّحة، تعطيه بهجة الفُرجة لنهاية يتمناها. ورغبة مؤجلة لا يعرفها مطلقاً، لكنه يودها حاضرة، رغم خوفه منها .

سقى"حامد"فتوح"من الدواء ما استطاع، ونام بجواره بعد أن زهق من متابعته، وهو يعدّ أنفاسه. أتى الصبح سريعاً على غير عادته، والممدد يطلب ماءً. استبشر"حامد"خيراً، ونادى"زكية"، وقد راحتْ البُحة من صوتها المحبوس، حمدتْ "زكية"الله، وعملتْ فطوراً كوليمة، وأحرقتْ البخور؛ فأكلا في صمت لذيذ، وغبش المبخرة يحجبهم جميعاً،"وزكية"فرحة بهذا الالتصاق، وفى عينيها ريبة. نظر"حامد" بإمعان إليه، وهو يلوك الطعام.

بين الغضب والرضا؛ علّق"فتوح"بين يديه شريط"حامد"،وقهقه عالياً، كأنما فاض الحزن بالفرح. تمالك"حامد"نفسه، وعلامات الاستفهام خوازيق تخرم ظاهره وباطنه. حدف"فتوح"شريطاً لحامد، ووضع شريطه المملوء بليل البارحة تحت وركه. قال"حامد" لنفسه:{ كيف استبدل الشريطين، وكيف عرف نيتي، ومتى ابتاع الشريط الآخر؟}

أحسّ"حامد"أنه بجسدين أو روحين، وخبط رأسه بكلوة يديه. أشار"فتوح"بيديه إشارات؛ جعلته يحسّ أن سريرته مفضوحة؛ فلاذ"حامد"بالصمت. بعد مدة علا صوت"فتوح"

- آه من السؤال.الصمت أحسن لك

عقدتْ الدهشة جوارح"حامد"،وأدرك أنه ينازله وجهاً لوجه، وكأنما يود أن يقول له:{ قل ما تريد معرفته، اسأل}نطق"حامد"بسرعة، كأنما ردد جسمه صدى السؤال، لكنه أدرك نفسه، وقال:

- كل شيء، كل شيء

وحاول"حامد"أن يستعطفه، ويمنحه قرباً حميماً، وأبدياً، والتصق به، وناوشه بكلمات وغمزات، وابتسم رغماً عنه، وقال:

- لا تكذب

- اخرس، والزم حدك

واندفع"فتوح"بسرعة إلي سكة أخري، يعرفها جسمه فقط.

خيمة كبيرة من الصمت احتوتهم جميعاً،"وفتوح"يرتجف قليلاً. أطرق"حامد"رأسه، وحمله إلى سريره، واختلى"بزكية".ولمّا أحسّتْ برغبة "حامد"العارمة، حاولتْ أن تفتح حنكها، و بدأتْ تلم أطراف الحكاية. والحكاية ترسم على وجهها أزمنة. أول الحكاية الصلاة على النبي الهادي. سمع"فتوح" حكيها، وهو ممدد على السرير؛ فقام وهو يلهث، وقال:

- أنا الأول

ضحك"حامد"عالياً، وأدرك أن له شارباً قد طال هذه الأيام .

قامتْ"زكية"،واستكانتْ في غرفتها، ونامتْ من التعب، وقد كانتْ منتظرة دورها.

عائلة فتوح

قالت الراوية : لن أدّعى – والبينة على من أدّعى – أن "فتوح" ليس له أب، أو عائلة.

قال الراوي :قبعتْ أساطير عائلته ، ومجدها الرفيع فى قلبه ، وحفظ روايتها.

وقالت الراوية :عائلته –تجاوزاً لرفع مكانة "فتوح"- حديثة التكوين استقرتْ في البلدة؛حين تمتعتْ بالأمن والرزق والسلطة في بعض الأحيان.وتناقل أسرارها الأبناء،والعارفون بها ، والمجاملون،والمقربون.

وقال الراوي :أقدار البلاد الواسعة،وموازينها بين أقدام الرجال،وسواعدهم .

وكان دعاؤهم :(بارك اللهم لنا في اللصوص،لولاهم ما حدث ما نحن فيه،ولتغيّرمجرى التاريخ!)

****

لم يجد اللصوص ذهباً،أو فضة،أو خيلاً عربية،أو بهائم؛فاستأنسوا الأطفال ببعض الألعاب القليلة، وأركبوهم البغال،وكمموا أفواههم بأياديهم المباركة،حتى ابتعدوا قليلاً.كانت إغارتهم مشهودة، وأصبح هذا اليوم كيوم السبت،لا يجوز فيه إلا الحزن.وكانت بالتحديد في الخرطوم،شهر مارس،أمام عائلتي المهدى ورباب..أكبر العائلات،فملكوا ممن ملكوا طفلاً من عائلة رباب،لا يتعدى الثامنة. استغاث بكل صفاء الطفولة التي يعيشها.لم يكن له صدى أبداً..غير أنين مكتوم.وكان نحيبه يعلو فوق شوقه إلى أهله.وآه من نحيب الغربة والمجهول !

مرّ اللصوص الكرام على المستخدمين في الأرض،يبشرونهم بأن الرق للجميع.والأحرار القلائل يقلدون اللصوص الذهب والفضة والنساء.وفرحوا حين امتلكوا ناصية المحروسة،وتابعوا سيرهم حتى رستْ سفينتهم في بلدة الدلجمون،وفي جعبتهم الطفل الأسود"رباب".هكذا نسميه كما سمي نفسه."ورباب" بقيهّ بضاعتهم .

حين رآه عبد المجيد الفقى –الذي يملك من الطين ما يسد عين الشمس –انفرجتْ أساريره، وبانتْ أسنانه.ولمّا تحقق من الصبى؛ضجّ في قلبه شك وريبة،وهاجس يلحّ عليه بقوة لشرائه.شاورهم في بيعه،لم يجد اللصوص مهرباً من بيعه بخساً،ومرغمين.

أسدل عبد المجيد الفقي على الصبى كرماً،وأسبغ نعماءه عليه،واستخلصه لنفسه{ لا تظنوا بعبد المجيد الظنون،كما يظن ندماؤه}.

نشط"رباب"،وازدادكرّه وفرهّ،وبدتْ سواعده كعيدان من حديد صلب؛تمكنه من ضرب عشرين نفراً،وقد جرّب ذلك مع خمسة أنفار من أحرار البلدة حين تحرشوا به،وعيرّوه:أنه عبد أسود،وليس له أبٌ.صار طوله مترين..عظيم الجثة ترهب المناوئين،والشتّامين،وأصبح خليلاً،ونديماً لصاحب الطين.

حين تلمس الذكرى شغاف قلبه،ويتذكر الواقعة؛يئن أنيناً مكتوماً،ولا يجد إلا البكاء صدراً يريحه،ثم يلعن كل الآباء{ لو يعرف آباؤنا في أى هزيع يأتي اللصوص لسهروا، ووضعونا في قمقم ،ولظل حالي مع أخوتي}ثم يضحك،ويلقي في روعه اطمئناناً{كلنا مسروقون،رضينا أم أبينا ! ورب ضارة نافعة }ثم يصمت،ويمسح بزيّه الأبيض علامات البكاء حين يلمح عبد المجيد قادماً.

يقال:إن عبد المجيد يملك ثلاثة آلاف فدان، حتى شاع أمره إلي السلطان أو الملك .

علم عبد المجيد بقدوم الدرملى باشا،ففرش الأرض بساطاً أحمر..من موضع الحافلة إلي الدوار، وعلّق الفوانيس فى الشوارع.أضاءها بالنهار،وساعد الشمس الخابية،وأظهر كرمه البليغ،وذبح ما يكفي البلدة وضيوفها.

صافح عبد المجيد الدرملى باشا،وقبّل الأرض بين يديه.كان الوقت شديد البرودة.فأمر غلمانه أن

يوقدوا التنور.

} فار التنور الذي يقبع رضياً تحت الدوار، وأرسل حرارته في الغرف وعظام الدرملى ، ولم يُحدث غباراً أو وهجاً نلمحه ، مما تأكد لنا أنه من عجائب الدنيا السبع ، ولم يرد ذكّره في الكتب{

انتهى الغلمان والعبيد من التدفئة،وبساط المائدة ممدود،ومملوء بما لذ وطاب.

- أدام الله عزك يا ..

- عبدك عبد المجيد .

- يا عبد المجيد

- أدام الله عز مولانا

كان من نصيب"رباب"أن يقف بجوار الدرملى باشا –وياله من شرف !- حاملاً الإبريق ليغتسل . مسح الدر ملى باشا يديه بجلباب عبد المجيد،ومسحها في ذقنه،وفركها – وعبد المجيد يتأوه –وطلب من حراسه أن يكملوا الوليمة بجلد عبد المجيد عشرين جلدة،وانتزاع نصف ما يملك،كما أمره الملك.

حين همّ الحراس بتنفيذ الأمر الملكي،وعلامات الضيق بادية على الوجوه،إلا الدرملى باشا؛وقف

"رباب"شاهراً سوطه.اندهش الدر ملى باشا،وأعلن أن العبيد يقاومون الملوك،فلما لم يجد صدى أو خوفاً لدى رباب –وجثته عظيمة ترهب الملوك –أعلن هدم هذه الناحية{ ولسنا نعرف غضب مولانا المعظم،حين استخفّّّوا بأمره}وهاصتْ البلد بالفرحة،واختلط العبيد والأحرار،وفرح عبد المجيد، وقرّب إليه"رباب"،وأغتم كثيراً،وبدتْ دهشته وريبته واضحة.ساعتها قال"رباب":

- أفديك أنا،وابعد عن الغمّ،وقل:عبد تطاول على أسياده

عانقه عبد المجيد بحرارة،وبكى .

- وهبتك مائة فدان

- لا . يكفينى رضاك،والأكل،والشرب

قالها"رباب"تعففاً،فهو يعرف سرَ الأفدنة الكثيرة،وسرَ عبد المجيد في بئر عميقة.صحيح أنه العمدة ،والآمر الناهي،لكنه ضعيف،وهو يعرف ذلك من عيني"رباب"،فقد نزح أبوه من المغرب،واستقر بين ظهورنا،ينعم ويشرب،وجعل خليفته عبد المجيد،وقد كان حسن السيرة،جميل الطلعة،شاف فتاة من عائلة ماضي–وكانوا أسياد البلدة،ويملكون كل الطين –فتزوجها.ماتت؛فورث مائة فدان،وتزوج أختها ،وجعل لها السم من نصيبها،والمائة الأخرى من نصيبه،وتزوج من الصغرى حتى امتلك خمسمائة فدان.تودد للمأمور ، وللسلطة،حتى أصبح العمدة.

تزوج "رباب"من دار شلفوطة،ورَزَقه الله عيالاً يخلفونه في عمله،ويستأنس بهم،وينسى بعض أنينه المكتوم،وشوقه إلى أهله،وسمى عياله بأسماء أخوته،وتوالدوا كما الأرانب،واستقر بهم المقام،وأصبح لهم اسم،وعائلة،وشرف،ومجد لا ينكره إلا الجاحد.

عائلة زكية

يقول الرواة : أبوها يدُعى" شكامه"وليس تحت أيدينا ما يشفى غلّ الصدر ، ويزيح بعض تساؤلاتنا العقيمة،وبدايته غير معروفة لنا أسبابها .

****

قال بعض أصحابه،والداخلين تحت لوائه،والساردين بعض أساطيره:

{ كان يلبس جلباباً واحداً على عرّيه،ولا يتكلم إلا عند الضرورة،وطعامه مرة واحدة .. وقت الغروب ، ولم يكن طعامه إلا كِسرة خبز،ولم يرقد على فراش،وقد حفر في جدار بيته حفرة،لا تزيد حين يقف فيها على طوله وعرضه،وكأنها برزخه،وكثيراً ما كان يحبس نفسه فيها،ويسد أذنيه؛لكيلا تصل إليه أصوات المتجبرين.وكان في بعض الليالي يربط نفسه بحبل،ويتدلى برأسه في بئر،بعيداً عن البلدة..ناحبة الحوض الشرقى،يتأوه، ويعذّب نفسه،ويستدعى الشيطان الأقرع؛ليلهمه الشجاعة، حتى انسل شعر رأسه،وسقطتْ حواجبه،وأكل قلب هدهد،وذئباً مسعوراً،وبعض الحناشة السامة}.

سار"شكامه"برأسه المسلوت وحواجبه الساقطة شعرها،متباهياً بقرا عته،وكان يبحث عن بعض الرجال،وشق عليه ذلك،وساح في مناطق مجاورة،حتى اجتمع له عشرون رجلاً.كلهم على شاكلته.

"شكامه"لم يكنز الجباية.كان يوزعها بالتساوى،ولم يخص نفسه بزيادة،مما جعله مسموع الكلمة، مهاب الطلعة،حتى ذاع أمره،وانتشر،ولم يقدر أن يبوح الرجال والنساء بأن"شكامه"هو شيخ (المنصر ) الحرامية،وكان الضعفاء يتهافتون عليه طالبين نصرته،فيرد إليهم بهائمهم،ويحميهم بحمايته.وقد اشترى حماراً،ليقيه السير،والحرَّ،فكان يربطه بعيداً عن داره،فينعم الحمار بالفول والعليق،كما ينعم صاحبه بالجباية.

تزوج"شكامه""مبروكة"،فوضعت له طفلاً،وكان الجو بارداً،والتنور ينعم ببعض الدفء بعد انتهاء الخبيز،فوضعتْ"مبروكة"طفلها في التنور لينعم بالحرارة،فمات،وماتتْ بعده بشهور حزناً عليه.تزوج أختها الصغرى"جملات"؛فتسرّى قليلاً،وأنجبتْ له فاطمة؛فقرّ عيناً.ماتتْ؛وتركتْ إرثها أمانة في عنقه. دفنها،وبحث عن عروس.أعجبته"زينة محمود"،وهو لا يدفع مهراً،ولا يعمل فرشاً،ولا يبنى خُصاً.هو المال،والسكن،والحماية كما كان يقول.

راودته"زينة محمود"عن نفسها،وخلعتْ جلبابها؛فأبى.أشعلتْ في قلبه النخوة،وأنها مرغوبة من كثير ،وأن فلان قد تكلّم عليها ليخطبها؛فطلقها بعد ثلاث ليال فقط .

كان"شكامه"يتردد على العمدة كثيراً،حتى مرّ عليه"زينهم" زوج بنت عمه.ردد صاحب له اسم "زينهم"كأنما يردد أغنية.سمع"شكامه"دندنته.تلكأ في مشيته.ومسك أصحابه خطواتهم المتنقلة بين الموت والحياة،وبين الخوف والأمان.

وقف"شكامه"،وتحقق من هيئة"زينهم"،وسار إلى غايته.ارتجف"زينهم"،ومشى هرولة،ماسكاً ذيل جلبابه.مضى النهار الطويل،وأرسل"شكامه"إلى"زينهم" .

- طلّقها

صمت قليلاً.وفى الحال؛ناخ عزمه،وأدرك ذلّ الرجال،وبللته دموع حارة،وردد:أنا ..أنا

- طلّقها قلت

- ممكن أعرف السبب؟!

- نفذ

وتركه.توجس"زينهم"،وشاور المأذون الذي قال:

- لا تلق بنفسك في التهلكة

اشتغل"شكامه"في آخر أيامه شيخاً للخفراء في عزبة الشريف،وكانت أٌجرته عشرة أفدنة،يتعيّش منها..غير تحصيل الجباية.وظلّ يعمل في عزبة الشريف حوالي عشرين عاماً.وقابل رباً كريماً قبل أن ينظر ملاحة"زكية"..آخر أبنائه،التي ماتتْ أمها بحُمّى النفاس،فحملتها أختها الكبرى،لترضعها من ثديها مع ابنها البكر.ولو ظلّ"شكامه"حياً؛لضرب"فتوح"بالحذاء،ولربطه في جذع نخلة عالية،وأحرقها لو طلب أن يتزوج"زكية".ولله في خلقه شئون،فالموت،والظلم،واللصوص يغيّرون مجرى التاريخ!

انسجام

تتزين "ستوتة"..أم فتوح مرغمة بالندوب والبثور والسُمرة.وكانتْ كلما خلتْ لنفسها؛تتحس بفرحة ما تملكه في وجهها المكر مش.لم تجد "ستوتة"مفراً في أن تعلن رغبتها الأكيدة لاقترانه ببنت الحلال التي سوف تسعده

- خلاص..تبقى نعيمة الطوخى

قمعين من السكر حملتْ،وزجاجة شربات،وأمنية تعذبها منذ أن رأتْ"فتوح"ذات ليلة شتوية،يقرّب إليه مصباح الجاز،ويكشح جلبابه الكستور،ويتحسس ما يملكه،ثم يستلقى على قفاه من الضحك،ومن التعب.بفرحتها طوتْ شوارع وتهاني وحارات ضيقة،حتى جلستْ بجوار أم نعيمة علي مصطبة الدار .

- ندخل يا خاله

وظلّتْ بجوارها علي مصطبة الدار.ساعة العصا ري،عادتْ"نعيمة"من الفبريكة.

- سلِّمي علي خالتك

إنكسفتْ البنت،ووقعتْ من يديها جزمتها البلاستيك،وتوردتْ وجنتيها قليلاً،وانحنتْ تُقبِّل"ستوتة" التي سألتها عن أشياء قليلة،"ونعيمة"متلجلجة.فرحة،وخائفة في آن واحد.

- أهلاً

قالتْ"ستوتة"،وقبّلتها من شفتيها،ولعقتْ عرق صدغها.ومن ثم؛مرقتْ"نعيمة"متوارية عن النظر، وملتحفة بداخل –ا لوحدة –الدار .

أشاعتْ أم نعيمة بعد مدة –منعا للإحراج –أن الأولاد أخوة في الرضاعة.والقلب صندوق مُغلق . والأسرار لا تنجلى إلا بعد ثلاثين عاماً أو يزيد .

قالتْ أم فتوح كلمات محببة عن النسا،وجابتْ سيرتهن من شرق البلد إلى غربها،لكن فتوح نظرها مليّاً،ونفض كفوفه التى خبطها ببعضها،وإحساسه كرجل من النسا،كأنه يقطع سؤال أمه بيقينه هو ،لكن"ستوتة"استندتْ على رغبتها الأكيدة،والتى بها تحققها أمام النسوة الأخريات .

البارحة جاءتها جارتها ببشارة ابنها الذى تحققتْ رجولته عياناً للناس الشكاكين بانتفاخ بطن زوجته التى تحمل أربعة عشر عاماً.لم تكن بشارة..لكنها شىء أخر تعرفه النسوة فقط.تذكرتْ،وكان" فتوح" على وشك الخروج.علا صوتها بالفجيعة،لكنها تداركتْ موقفها،وأشارتْ إلى ناحيتين مختلفين تذهب النسوة وبناتهن إليها باستمرار،وقالتْ:

- عندك الموردة*..مكنة الطحين

وكان"فتوح"يتابع لعبة”السبع شُقَفات”،وقدم داخل الدار،وقدم خارجها.قالت أمة أمام نسوة الشارع ، وبعض الرجال:

- أنت ما فيك للنسا..عوضى على الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

شمّر"فتوح"عن سواعد،وأظهر عريّه نفياً للإشاعة.

تقطن"زكية شكامه"الدار المُقابلة لدار"فتوح"منذ فترة قصيرة بعد عودتها من دار أختها الكبرى . هى تعيش مع أخيها سطوحي.قالتْ"ستوتة":

- قل لي رأيك في"زكية"؟

- بنت الحرامى !

- حلوة..حلوة خالص

- بنت الحرامى يا أمى ؟

في نهاية المطاف؛رد بضيق،وبصوت خفيض:

- دمها ثقيل،وباردة!

وجلس بجوار أمه فترة،يلاحظ طلوع ودخول"زكية".بعدها؛طلبتْ"ستوتة"من"زكية"الذهاب معها للبندر

- لمّا أشاور أختي الكبيرة

في البندر،نظرتْ"زكية""لفتوح"،وهو يضع بجوارها العيش والسردين المملح وأقراص الطعمية والعجوة،و نظرتْ"زكية"لأمه حينما جلس بجوارها.هى بين الولد وأمه ولا مفر

- اتكلّمى

قالت"زكية"كلمات قليلة بلا معنى.وكان"فتوح"يراها تثرثر بمرح مع نسوة الشارع.ما الذى جعله يدرك أن له سطوة عليها ؟اقترب منها،ودعاها للأكل.لم تأكل.ألحّ عليها،حتى مضغتْ لُقيمات قليلة.ظنّ أن وجبتها ضعيفة،فاستمسك بها،وفرح،وأمهرها جنيهاً أحمر غير منقوص .

------------------------------------------------------------

*الموردة: مكان بجوار شط ترعة الباجورية ، تدفع الأمهات بناتهن للذهاب إلية لملء الزلع والبلاليص بالماء ، ولتصطاد عروس من الشبان الجالسين للسمر ولهذا الغرض

مرزوقة الحمزاوى.. امرأة عمه

ترك عبد المعطى..وكيل شيخ الخفراء،وعم فتوح مهنته،وعمل ساعياً بمدرسة جريس الابتدائية بالبندر.تزوج ثلاث مرات.توفتْ اثنتان،وطلّق الثالثة .

مرزوقة الحمزاوى امرأة جميلة،تسكن في الشارع الخلفي.تزوجتْ وهى فتاة،أو زوجوها إلى ابن خالها بقرية النحارية .

خرجتْ بالدفوف،حتى دكّتْ الأصوات جسدها،وغشاها النعاس بين أحضان العروس،وكان يأنس بشلّة يشربون الحشيش،ويمضغون الأفيون،حتى سقط مغشياً عليه بين أحضان مرزوقة.حاولتْ أن تستنجد –بصراخها وعويلها-بالجيران،فلم يسمع بها أحدٌ.هى عروس منذ عشر أيام فقط.الفرحة في قلبها،والرجوع بعد عشر أيام مصيبة كبرى،والمصيبة الأكبر انتشار إشاعة مؤكدة..مردودها:أن مرزوقة قد وضعتْ السّم لزوجها،فهربتْ بجلدها في منتصف الليل سيراً على أقدامها الحافية،حتى استقرتْ في بيت أبيها.ربما يكون ملعوباً حتى يتم الاستيلاء بسهولة على العفش المكون من:سرير نحاس،ودولاب، وصندوق ملابس مزخرف بالصور،وصابونة سمراء،وحصيرة من البوص،وبرنيّة السمن،وبعض الغيارات الداخلية .

عملتْ"مرزوقة "مع إخوتها في بيع مخلفات البهائم الناشفة إلى أصحاب الأفران والمخابز.وكانت تساعد النسوة في الغسيل والطبيخ والخبيز .

فرحات ابن عبد المعطى يعمل إسكافياً.خافتْ زوجته من دخول"مرزوقة"،وهى مبرقشة حواجبها ،ورافعة صدرها،وكانت تساعدها في الخبيز والطبيخ والغسيل.برغبة مُلّحة؛قالت زوجة فرحات:

-"مرزوقة"بنت مُنكسرة الجناح

وقال فرحات لأبيه:

- مرزوقة حلوة،وعلى مقاسك

- ...الختام

لم يسمع فرحات رد والده،لكنه قال:

- يعطيك طول العمر

وقال جابر لأخيه عبد المعطى:

- صغيرة السن لا

ردّ فرحات على عمه جابر:

- يا حاصل على الصغير يا حرامى السوق

- لا يا عبد المعطى

على بركة الله،وسُنة رسوله،وعلى وهن الجسد،وتاريخه،وطقسه الأخير،واستحلاب زهرة الماضى؛ تزوجها عبد المعطي مفعماً بحرارة يقينه هو .

وحدهما –عبد المعطى ومرزوقة –وبينهما وهمٌ، وجسد،وغرفة مجاورة لغرفة فرحات وزوجته .

في أيامه الأولى؛قبض عبد المعطى على وهمّه وجسدها بقوة.وفى أيامه التالية؛استلقى على ظهره مستسلماً لجسده،وخيبة أمله،واركبها على سنامه بعدما استقام له الأمر،وأيقن أنه جَمَل،ومسكتْ-هي– خير زانة حقيقية،وظلّتْ تضربه وتضحك،وهو يسير بها من زاوية لأخرى.وكان بعض أنينه يصل لفرحات وزوجته.قام فرحات مفزوعاً آخر الأمر –وآخر مرة –وفتح غرفة أبيه .

- سلامتك

ولمّا استفاق؛ظلّ مدة يومين يضحك،وهو يسترجع صورة أبية الجَمل.

بعد افتضاح أمرهما؛ظلّ يركبها على سنامه،ويضحك باشتياق كأنه يزيل ما تبقى له من أيام لا يعرف كنهها،وظلّتْ تضربه،ولم تنزع منها اللعبة ابتسامة،وأدركتْ أن غرفة فرحات مأهولة بأشياء لم تدركها حقيقة.تخيّلتْ قدر استطاعتها،وجسدها لم يدرك فرحته أو نفسه؛فراحتْ تسلّم نفسها لذلك الذى لم يكن أبداً لها.

تنشر"مرزوقة" بغرفتها غيظها الذى لم يعرفه عبد المعطى،وتغطيه بشتمتين،وتتمدد بجوار الجسد الناشف،وتطرح عليها وعليه آهاتها الناشفة،المنزوعة من جسد بانت شقوقه،و التي تحوى وحدة قاسية، ورغبة ملحة .

يحاول عبد المعطي كل ليلة أن يسترجع أيامه بالفعل.اعتبرها في البداية عكازه.وكانت بالنهار سنداً لجسده،وتخبز،وتطبخ،لكنها ليلاً تطرح أرض جسدها،لكنه نسى فأسه منذ مدة طويلة.

آهات زوجة فرحات –مسموعة لها –مرويّة بجسد عفي،والغرفة مفروشة بلذة مطلوبة،وغمز،وضحكات مكتومة،وأحياناً عالية .

بعد أن فضحتْ زوجة فرحات تلصص مرزوقة؛راحتْ كل يوم تمشي على أطرافها،تتحسس أنفاس غرفة"مرزوقة".وحين تتأكد من صمت الغرفة؛تملأ غرفتها بليل تملكه بالفعل،لكن مرزوقة أدركتْ ما حدث،ومن ثم قالت:

- أنا في جامع

تململ عبد المعطى في رقدته،ونظرها.تركته في استنتاجه،وأرهفتْ السمع جيداً،وكَمنتْ

- اسمع يا عبد المعطى

قام بسرعة فاتحاً باب غرفته؛فوجد غرفة فرحات تُقفل بسرعة .

صباحاً؛كان عفش فرحات وزوجته فى الشارع.بعدها؛استوى فرحات من الغم،ونشف عوده،ومات كمداً.ورقد عبد المعطى مستسلماً لجسده بعد موت فرحات .

طرق"فتوح"الباب ودخل،فوجد"مرزوقة"على الأرض،ومحمود –ابن خال عبد المعطى-جالساً عند رأسه.دار محمود بالشارع الخلفى.وأبوه يملك ثلاثة أفدنة أيضاً بجوار أفدنة عبد المعطى.قال"فتوح"لمحمود:

- أوعى تدخل الدار؛وأنا غايب!

فرح عبد المعطى،وكان يغمض عيناً،ويفتح أخرى.وطلب من"فتوح "حساء كوارع،وأن يذهب مع"مرزوقة"إلى الغيط.سار مع "مرزوقة"في اليوم التالي.فى منتصف الطريق،وقفتْ،وقالت:

- وحياتي ما تتعب نفسك

- و الأرض ؟!

- رح أنت،وانبسط

وقف لحظة،والرجوع في عينيه،وفى قلبه ريبة.سار إلى غاية عمه،حتى وجد كل الغيطان ليس فيها ثمة شبح إلا محمود.دفستْ جلبابها في بنطالها الداخلى،وابتعدتْ عن نظره،أجلسها"فتوح"على رأس الغيط حتى انتهى محمود من الرّى إلا قصبة.نزعها من هدومها،وأحاسيسها لمّا شدّها فتوح. ساعتها؛أحسّتْ أنها عارية تماما،وأن جسدها هو فكرة في حد ذاته،وأنها لا تستطيع الانفلات من جسدها الذي يرغمها علي ما هي فيه من أحاسيس متضاربة،وأدركتْ أن جسدها قيمة باقية وخالدة،وأنها أحياناً لا تعرفه.لكنها في نهاية المطاف تنصاع لأمره.أدرك"فتوح"شرودها؛فزعق فيها،وأمرها بالعودة إلي البيت.انتفض جسدها علي الصوت الجهوري الخشن؛وهبّتْ واقفة.في هذه اللحظة؛لم تفارق عيناها الناحية التى يحتلها محمود.

- نمشى جماعة أحسن يا فتوح

لكن"فتوح"لم يسمع،ولم يرد،ودخل على عمه،وطمأنه بأن كل شيء على ما يرام.

- مين كان هناك يا فتوح؟!

- محمود يا عمي

وكان المرض قد هدّ عبد المعطي الذي نظر إلي"فتوح"،وقال وهو يحاول الحصول علي نَفَسٍ طويل،يواجه به المجهول.

- خل بالك من الكلاب! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

-كلاب ؟!

ومسك يديه،وصعدتْ روحه بين يدي"فتوح"المرتعشة،والمبلولة بعرق عزرائيل .

ترك عبد المعطى ولدين صغيرين.وكان للدار باب صغير يؤدى إلى الشارع الخلفي،وكان محمود كثيراً ما يدخل منه حتى شاع الخبر .

مرّ"فتوح"وفى يديه(شومته)فوجد"مرزوقة"تغنّى،وسراجها يبعث نوراً كثيراً.والولدان أنزلتهما من السرير.وكان الفانوس المُعلّق قُبالة الدار،يُظهر نوراً أيضاً.ولمّا رأتْ صاحبة الفانوس"فتوح"يتلصص؛ قالت له –بصوت مشوش غير مسموع –كلاماً لم يسمعه.أمرها"فتوح"أن تأخذ الفانوس،وتقفل بابها . حملتْ فانوسها،ودخلتْ متلصصة.صعد إلى السطح،ونطّ على دار عمه.قالت مرزوقة الحمزاوى لفتوح، وجسدها ينتفض:

- أنا وحدي!

مزّق جلبابها.بان جسدها.تحسسه،بارداً،ونظيفاً من العرق.ارتمتْ على صدره،وهو صامت عزوف، والعرق يتصبب منه.حمل الطفلين إلى سابق عهدهما..السرير،وأسدل عليهما الغطاء.توجستْ كثيراً، وجسدها كل الرجاء.قبلّتْ أرجله حتى ترك مكانه،وصعد على السطح؛فخمد جسدها مع طفليها .

ينتظر"فتوح"كل ليلة،وقد قفل الباب الصغير المؤدى إلى الشارع الخلفي ومحمود .

رمضان –الذي يشبه الهجانة –يحمل لهجة بربرية،وشفتين غليظتين،ونظرات لا تستقر،ويتزيّن كتفه العريض ببندقية.ترك الدلجمون منذ مدة طويلة،ربما وهو طفل.لا أحد يعرف.ساح مع الهجانة في مناطق كثيرة.ولمّا بَعُدتْ الدلجمون عن مخيلته الضعيفة،ولمّا أقترب الموت من أصحابه،عاد بجَمَله إلى الدلجمون،وبنى مقبرة جميلة له،لكنه فتح كوّة في جدار المقبرة.وكان يقول:أن المقبرة بيتى .لابد أن تدخلها الشمس.وزرع بعض الصبار،وشجرة ذقن الباشا.وبعدما نسى جسده المعلول الذى تعافى،ونسى المقبرة؛عاد مرّة أخرى بجَمَله،وبنى داراً،وتزوج،وذبح الجَمل في ليلة عرسه.بعدها؛ عمل بنقطة البوليس بمركز الشهداء بالمنوفية.الشىء الوحيد الذى ساعده فى الترقى من عسكرى درك:هو أنه يستطيع فك الخط،وفك الرقاب من أجسادها.

بعد السلام،والسؤال عن الأحوال؛شمّ رمضان عبوس صاحبه"فتوح".ناوشه حتى قصّ"فتوح"عليه خبر مرزوقة ومحمود.

يقول بعض الناس عن رمضان:أنه قتل أكثر من شخص نظير مبلغ من المال .

ويقول آخرون:إنه يقتل للشرف،والحق فقط .

ارتدتْ زوجة رمضان طرحتها السوداء التى استلفتها من جارتها.هي من عائلة محمود

- خل بالك يا محمود،الموت واقف لك!

ما أصعب على الرجل حين يكون محاصراً بالموت،والمرأة، والرغبة !

تزوجها محمود في اليوم الأول بعد التحذير.ربطتْ مرزوقة الحمزاوى قسيمة الزواج على الباب، وشتمتْ حتى ضجّ من قبحها"فتوح"؛فأمر أخوته البنات بضربها كل يوم.ورّش اخوته الماء الوسخ على محمود حين كان يضاجعها.لم تنس أبداً منعها عن جسدها،ونشوتها المرهونة بمحمود.وكانت تحمل في أحشائها طفلاً منذ مدة.وفى البوسطى دفتر توفير يسع أربعمائة جنيه.لمّا انتهى المبلغ؛طلّقها،وترك البلدة.وطفلها الرضيع مازال في اللفائف.ويجزم"فتوح"أنه:ابن حرام .

فاكهة المصريين

الإنجليز على مشارف البلدة،وعددهم على رأى"فتوح"عشرة آلاف رجل .

ذات مرة؛كان"فتوح"جالساً يمسك صنارته،يصطاد في ترعة الباجورية.هى قناة مائية يستخدمها الإنجليز في تنقلاتهم.لمحه"فليب"الإنجليزي الأحمر،وهو من لندن.له مراعى،وأغنام كثيرة يجزّ صوفها،ويبيعه نصف سنوياً.يأخذ راتباً شهرياً أربعة وعشرين جنيهاً.وأبوه يحصل على نصيبه أيضاً،نفس المبلغ تقريباً.لكنته العربية ركيكة.يمكن أن تتعامل معه،وتفهم منه.وكان عُمر"فتوح"سبعة عشر عاماً. تقرّب"فليب"منه،وأكرمه،وأعطاه علبتين"لنشون"وعلبة سجائر ماركة القسيس.لم يخف"فتوح"من عدوه ،وأبدى استعداداً طيباً للقيام بأي عمل مقابل ما يمنحنه له"فليب".وافق أن يعمل عنده لمدة شهر؛ ليتعلم منه الصيد بالصنارة المصرية.وراتب"فتوح"عشرون قرشاً .

كان"فتوح"يدخل"الكمب"- في أي وقت حسب اللوائح والتصاريح -لينهى عمله،وليكنس خيمة"فليب".وجد مسدساً،يحمل اثنتا عشرة طلقة.لمّا وضعه في جرابه،وهمّ بالخروج؛أوقفه الأسترالي ،ولطمه بيديه القوية لطمات جعلته ينكب على وجه فزعاً،حتى انتهى الأمر إلى"فليب"،الذي عرف الحكاية من الأسترالي.طلب"فليب"من" فتوح"أن يأخذ المسدس هدية.لم يرد"فتوح".قال"فليب" متنقلاً بين العربية والإنجليزية ببراعة المقيم ورغبة المهاجر للعودة،ناظراً إليه بنظرة كاشفة

- خذه لـ father

رفض"فتوح".لم يصدق فليب حكاية الأسترالي،وانتهى الأمر بهذا الموقف،ولم يحمل أي منهما ضغينة للآخر،أو توجساً .

كان"فليب"يحمل شارة خضراء على كتفه.همّ"فتوح"بالسؤال عن سرّ الشارة؛فغضب"فليب"كثيراً ، وانقطع عن الصيد مدة{" فليب" لن يعود .سيعود}عاد،وأفهم"فتوح"أن الشارة الخضراء تعنى: إنجليزياً صرفاً،والشارات الأخرى تعنى أُجراء من كل بلاد الدنيا.

قابل"فتوح"أمام"الكمب"امرأة اسمها"فاتن"،تبكى بحرقة،وتدعو على الإنجليز بكل لغات العالم

- مالك فاتن ؟

- الله يخرب بيتهم !

وعرف أن ثلاثة من أصحاب الشارات الحمراء أرادوا شراء ما بحوزتها من جميز،وكانت تنادى عليه بصوتها الشرقي الجميل.تطلعوا إليه.لم يعرفوا اسمه،أو رائحته، أو طعمه.دعوا ثلاثة آخرين للتأكد .لم يعرفوه.استداروا،ورفعوا القفص عالياً،وداسوا الجميز بأرجلهم .

سرد"فتوح"الحكاية،وطلب من فاتن كمية من أعزّ الجميز رتبة،وقَدّمه إلى"فليب"الذي تذوقه. أثنى"فليب"علي الجميز،و جمع عساكره،وأمر أصحاب الشارات الحُمر أن يدفع كل منهم عشرة صاغ نظير فعلتهم،حتى أصبح جُملة المبلغ أربعة جنيهات .

أعطى"فتوح""فاتن"خمسين قرشاً،ووضع الباقى في جرابه،وحذر"فتوح""فاتن"أن تنادى على الجميز فاكهة المصريين أمام"الكمب"

وفي يوم ما،كان" فتوح"يسير مع فتاته الجميلة –مرزوقة الحمزاوى-أمام السكة الحديد.وقف قطار إنجليزي أمامه.طلب من بعض العساكر بعض السجائر واللانشون؛فهتف جون الأنجليزى.

- شفت Girl

- No

قالها"فتوح"بسرعة،وكان"جون"قد قفز،وجري علي مرزوقة الحمزاوي،وحاول ضمّها.صرختْ،ونظرتْ لفتوح نظرة عتاب مرّ،لكنه لم يرد.ولمّا انشغل"جون"بجسد مرزوقة؛مسك زلطة كبيرة،وضرب"جون"علي رأسه من الخلف.والإنجليز يلوحون،ويصفقون .

- بر افو..برا فو

ولمّا رأي- جون-الدم يسيل علي جبينه؛مسك مرزوقة بعنف،ومزق ملابسها،حتى فزّ الصدر الأبيض،وبان للعين.وبللتْ دموع عينيها الصدر العاري،وسقطتْ علي الأرض من فرط ضعفها.

رمي المتفرجون علب سالمون وسجائر،وأشياء أخري؛لمّا زعق القطار،وهمّ بالرحيل.وجون-الذي ركب القطار بصعوبة-مسك بندقيته،وصوّبها ناحية"فتوح"الذي انحني تلقائياً؛يمسح دموع مرزوقة،وعيناه علي الصدر المكشوف.وكانت رصاصات"جون" في الهواء الطلق؛تعلن أشياء لا نعرفها بعد.

لملم"فتوح"علب السالمون والسجائر والأشياء الأخرى؛ووضعها في حجر جلبابه الواسع،وجلس أمام مرزوقةالتي حاولتْ ستر جسدها بكلتا يديها.وبعد مدة؛تركتْ نفسها لعين"فتوح"،وتلامستْ الأجساد.كان الوقت بعد العصر بقليل.ببطء؛حاول كل منهما معرفة جسد الأخر؛بعدما فتح"فتوح"علبة سالمون،ودخن سيجارتين.قطعتْ مرزوقة متعته؛وقالت:

- أزاي ح أروّح الدار

أسكتها"فتوح"بأشياء ترغبها فعلاً،حتى كلّتْ سواعده،وغطتهما الظلمة.ولمّا أدرك"فتوح"أن الناس قليلة؛خلع جلبابه،وستر به مرزوقة،وسارا متجاورين،حتى أدرك دارها.وقبل أن يمضي؛أعطاها نصف الأشياء التي معه؛فقبّلته قُبّلة طويلة برضى مفعم بالنشوة.