2

5 0 00

2

كان البيت رقم( 9) الذي ظهر في مربع الحاج طه في نهاية شهر دسيمبر من عام(70) هو بيت عم فرج ,كل ما أتذكره من مكان بيت عم فرج تلك النخلة العملاقة التي علق عليها صورة الزعيم جمال عبد الناصر يوم وفاته أو علي وجه الدقة صباح اليوم الثاني من وفاته ,أتذكر شكل سعد محيي,ذلك الشاب الثوري الثائر وهو يتسلق النخلة وفي عنقه حبل مربوط فيه صورة الزعيم ,أظنها المرة الأولي والأخيرة التي تسلق فيها سعد محيي نخلة, هل وضع موت الزعيم هذا الولد في اختبار أمام كل أهالي المنطقة ؟ حسنا ,فليكن الاختبار فى ما يمتلكه هذا الولد ,كان طالبا في السنة الثالثة بكلية الحقوق وابنا وحيدا لأب يعمل في شركة الحديد والصلب ـأهم انجازات ذلك الزعيم ـ الذي أمسك سعد بصورة له وعلقها في رقبته وراح يتسلق العملاقة , من بعيد جاء صوت عم محيي يشجع ابنه علي اجتياز مرحلة النصف الأول من النخلة التي سميت عملاقة لأنها النخلة الوحيدة التي يقترب طولها من مئذنة الجامع, اجتاز سعد النصف الأول رغم صعوبته ومن بعيد صاح عم محيي :

ـ اطلع ياسعد، اطلع يابني ,

كانت الجملة تخرج من بين أسنان جنرال يحاول التغلب علي مشاعره حيال الهزيمة أو النصر,تأتي صعوبة تلك المرحلة علي غير عادات النخل نظرا لوجود النخلة بجوار الجامع وبجوار الوسعاية التي اتخذها الأولاد ملعبا ,ومن هنا حاول الأطفال والشباب الارتكان عليها أثناء انتظار نهاية مباراة أوأثناء الفرجة , ومن وجودها الفريد هذا حاول كل الأطفال تسلقها أثناء الانتظار , بل إن الفرقة التي تهزم تخرج لتحاول الفوز بالتسلق لأبعد حد ممكن حتي تصبح فائزة في شئ ما, بدأ سعد تسلق السهل في نظرنا وتأتي سهولته من أنه مليئ ( بالكرنيفة) والكرنيفة التي لا أعرفها مثلكم سوف أصفها لكم فربما يكون لها اسم آخر هي عبارة عن العتبات التي تلتصق بلحاء النخل. ظهر الانبهار في عيوننا لانتهاء المرحلة الصعبة وابتداء المرحلة السهلة لكن نظرة في عين عم عطوة الخواص كانت كفيلة بهروب ذلك الانبهار, فالمرحلة الجديدة من وجهة نظره ترتكز علي الخبرة ,فعم عطوة هو طالع النخل الوحيد في المنطقة ـ منذ إعمارنا لها ـ فلقد عرفنا بعد ذلك أنه هنا منذ ولد فأبوه وجده جاء إلي كفر العلو في نهاية القرن التاسع عشر ,ورغم مرورسنوات كثيرة مضت علي أسرته في كفر العلو إلا أنه لم يكن من أهلها, بالطبع هو من غمازة الصغري حسب معلومتنا المستقاة من شحتة ابنه وصديقنا أيام الأجازة,ولكني لا أقصد هذا , أنا أقصد كيف حافظ عطوة الكبير علي نفسه وعائلته من عادات كفر العلو,كيف لا يتكلم شحتة مثلا تلك اللهجة التي يمتلكها كل من ينشأ داخل هذه البلدة دون إرادته ؟ ولا يقول لي أحد أن بيوت عائلة عطوة علي أطراف كفر العلو,ولهذا أقول :

ـ دعك من تلك الفلسفة الكاذبة ,أنت لم تعش في هذة البلدة أوحتي علي أطرافها ,فجميع عائلات تلك البلدة يتصفون بعادات وتقاليد من الصعب الفكاك من إغواء الكتابة عنها نظرا لسوء طويتها ,تغيرت النظرة في عيون الملتفين حول الوسعاية وبجوار الجامع ومن بيننا خرج صوت عم محيي قويا وواهنا :

ـ اختر لقدمك مكانا صحيحا .

فكر عم عطوة في الجملة, لا شك محيي علي حق , فكثيرة هي الكرا نيف المخوخة, ربما تذكر عثرات قدمه من جراء العتبات المخوخة,هل مر بيديه علي الخدوش والندوب الكثيرة التي تركتها تلك الزلات علي مدار العمر ؟ هذا ما يعلمه الله ,لكنه حين نظر الي أعلي حيث قدم سعد ويديه,أما الكتلة التي بين القدم واليد والتي تسمي الجسد لم تكن أبدا تشغل فكر أي شخص آخر غير مدرب علي طلوع النخل فكيف تشغل فكر عم عطوة ,نسى كل الندوب وراح يتساء ل بينه وبين نفسه عن معلم ذلك الولد الطالع فوق النخلة هناك؟ وفكر في اسمين لاثالث لهما,المعلم أبو حسين المترهيني والشيخ حسن أبو خليفة,هو لا شك يعرف أسماء كثيرة للعاملين في مهنة طلوع النخل,فكيف فكر في أبي حسين والشيخ حسن فقط وهو الذى تجاوز الخامسة والستين مرعليه فيهم وجوه كثير,بالتحديد حين نظر إلي أعلي حيث قدم سعد وشاهد لفة الأصابع علي بداية الكرنيفة ومدي رفع باطن القدم في الهواء جاء الاسم الأول أبو حسين المترهيني ,والمترهيني هو اسم التصق به لانتسابه إالي ميت رهينة بلدته بالجيزة, فهو الوحيد الذي شاهد لفةأصابعه وهو يصعد وكانت تشبه تماما لفة أصابع سعد ,وعلينا أن نثق في حكم المعلم عطوة , فحين يقول إن لفة أصابع سعد تشبه تماما لفة أصابع المعلم أبو حسين فهو صادق,أولا هذا رأيه وهو الخبير أيضا, فكيف لأحد غير الله أن يكذبه؟وللعلم أنا نفسي ساءلت عم عطوة هذا السؤال الذي جاء في بالكم فقال:

ـ شوف يابني ,الواحد وهو طالع النخلة يكون له عادات دائمة مثل الطلوع بالقدم اليمني وتثبيت اليسري أو العكس ,التأكد باليد اليمني أو اليسري من عدم تخوخ الجزء الذي سيقف عليه ,هز الجسم مع الأمساك الجيد باليدين بلحاء النخلة,وهكذا, قليلا هم الذين يتميزون عن غيرهم , فأنا مثلا ـ وغيري كثيرون ـ حين نضع أقدامنا علي العتبات تكون أقدا منا لداخل النخل

ـ كيف ؟ صفها لي,

هكذا قاطعته, أحمر خده وقال لي:

ـ لا تقاطعني بعد ذلك ,الزم حدود السؤال.

كان جادا تماما ومتجهم الوجه وهو يملي شروط الاستماع له, ثم أكمل

ـالقدم تكون للداخل أي تضع إصبعك الكبير فقط علي رأس الكرنيفة وباقي القدم حتي الكعب ملتصق بعتبة الكرنيفة ,المتميز فينا ياولدي معروف ,تختلف طرق التميز قليلا جدا,فمنهم من يطلع بمشط القدم كله ,ومنهم من يطلع بثلاثة أصابع،بل شاهدت من كان يترك إصبعه الكبير في الفراغ,هذا عن نقاط الاختلاف, أماشروط الاتفاق بين كل طالعي النخل مثل ذلك وأشار علي سعد المعلق هناك والذي كان يدخل مرحلته قبل الأ خيرة, فهي شروط يجب توافرها وأنا هنا أتكلم عن الطالع مثل سعد , طلوع الفتونة,سكت قليلا وحدق فيّ ليختبرني ولكني كنت قد استفدت من قصة سيدنا الخضرمع موسي عليه السلام , فهز رأسه ثم ابتسم وقال:

ـ حاكم طلوع النخل ثلاثة أصناف ثم هز راسه وكأنه تذكر شئ ما واضاف بصوت هامس,وطلع النخل برضه ثلاثة,طلوع رزق, وطلوع هم , وطلوع فتونة,أما طلوع الرزق فذلك ما خلقنا عليه,وهناك من الآيات الكثيرة التي تتحدث عن رزق النخل وأشار علي وقال لابد تعرفها ,فهززت رأسي فأكمل وقال وهناك حديث رسول الله الذي يقول فيه(أكرموا عماتكم النخل ) أما طلوع الهم فهو طلوع بعض الأشرار لسم النخل ,ولابد لطالع الرزق والهم من حبل يحمي الطالع ,أما طالع فتونةوأشار إلي سعد الذي كان قاب قوسين أو أدني من الانتهاء,فهو يعتمد علي مهارات اليدين والقدمين ومدي تصميم الطالع ,

وقف سعد بعد أن أمسك بيديه جيدا جريدة النخل ,ثم ترك يده اليسري في الهواء ثم مر بها علي رقبته وأمسك بالحبل وأخرجه من رقبته وأمسك بصورة الزعيم ثم نظر الي أهالي المنشية المجتمعين تحت النخلة وأشار بصورة الزعيم لكل الناس ,في هذة اللحظة بالتحديد تمني سعد أن يري وجه أبيه ليقول له :

ـ مات من كان يجمعنا معا .

وبهدوء ربط صورة الزعيم ثم عاود النظر إلي الناس من علّ ,

ماذا رأي؟

بماذا أحس ؟

عمن كان يبحث؟

لماذا ترك يده اليمني الممسكة بجريدة النخل؟

هل كان يريد أن يشير لأحد ؟

فلماذا إذن سقط بعيدا عن بعض الناس الملتفين حول النخلة ؟

لما قال عم محيي مع السلامة ياجمال؟وكان سعد حين ذلك يسبح في الفضاء متجنبا الرؤوس الكثيرة التي جري بعضها خوفا من سقوط جسد سعد عليها .

لماذا سكت عم عطوة ولم يكمل قصته مع النخل؟

ربما ظلت تلك الأسئلة عالقة في الفراغ ؟ أوعالقة بالرؤوس الكثيرة؟ كل ما نعرفه إن سعدا مات في تلك اللحظة أمام كل أهالي المنطقة وتم دفنه فى نفس اليوم بجنازة تليق به , وبعدها بشهر كانت النخلة العملاقة قد وقعت من تلقاء نفسها ,هل وقعت من عيون الناس الذين كانوا ينظرون إلي صورة الزعيم ويتذكرون سعد ؟ هل حزنت علي سعد كأمه التي ماتت في نفس يوم وقوعها؟

كل ما نعرفه أنه في صباح يوم لم نجدها شامخة كعادتها , نعم كانت هناك ,تنام بجوا ر الجامع ذليلة ووحيدة مع جدار الجامع . وبعدها بأيام أقام فرج منزله رقم تسعة في المنطقة وكانت الأيام الأولي بالنسبة لبعضنا لنعرف أن هناك جنسا آخر غيرنا لا يدخلون الجامع ألا وهم المسيحيون.