3
لم يكن وجود لافتة تحمل اسمه علي رأس الشارع الذي يسكن به شيئا ذا بال لعبد الجبار.كان كل حزنه علي الجنيهات الخمسة التي دفعهم بعد شورة المرأة كما صرح لابنه حين دخل عليه يخبره بسرقة اليافطة ومن أجل ذلك ثار تلك الثورة,عبد الجباربطبيعته يثور لاتفه الاسباب. وهو وجه نستطيع أن نطلق عليه ونحن مستريحي البال وجه يحمل سمات كرهه.وبصدق لايشوبه شائبة انحيازهوكائن حامل بعزة وشرف سمات الكره كما خلقها الله عز وجل علي مادتها الخام .ومن أجل ذلك لا يمر يوم واحد لايثورعلي أحد.فبمجرد النظر إليه تنتاب الناظر قشعريرة خوف وحقد وكره وينتاب المنظور إليه تجمع كل الصفات والسمات السابق ذكرها بإخلاص من قبل رجل خلقه الله ليؤكد نظريته. بعد نهاية ثورة عبد الجبارالعادية نظر إلي ابنه ثم بعث إليه بهديته الدائمة وهي عبارة عن بصقه قوية وممتلئة بالرزاز مع البلغم فتركت موقعا فريدا علي وجه ابنه .مسح منير وجهه ثم قال لأبيه:
ـ ميه ميه عيلة الجابري هي اللي ورا السرقة؟ وانت طبعا هتسكت ذي العادة علشان ابن الفريسة أخوك.
كانت الجملة كفيلة بإشعال نار المعركة الدائمة من يوم أن خلق الله عبد الجباروبعده بسنوات أربع خلق له أخا من زوجة أخري لأبيه اطلق عليها لقب الفريسة.لقد كان يكرهه أكثر من كرهه لامرأته وأكثر من حبه للمال والطعام والجاه وللأبناء. لقد كان يكرهه أكثر من حبه وعشقه لزوجة ذلك الأخ ،لقد تزوج أخوه من المرأة الوحيدة التي كانت تستطيع أن تغير من طباع ذلك الكاره لنفسه.لقد حرمه من كل أحلامه ولذلك كره عبد الجبارأخاه عبدالرءوف .كرهه أكثر من الحياة ـ ربماحرم الله عبد الجبارمن حبيبته وزوجها لأخيه ليحقق بذلك نظرية الكره المجسد!! أمسك عبد الجباربطوبة بمجرد انتهاء منير من كلامه وصوبها بدقة وإحكام علي ساق ابنه الذي خرجت منه آهة سريعة وحاسمة وأليمةـ تشبه تماما سقوط حجرعلي ساق كلب دون أن يعرف مصدره فتخرج منه عوصة ثم يجري ناظرا الي كل الاتجاهات منتظر شر من الاتجاه الذي أتت منه الطوبة ـ هكذا فعل منيروعندما تأكد له أنه أصبح بمأمن عن يد أبيه قالها بصوت جهوري يملؤه التأنيب والحقد والكره والخوف والذل والتشفي .قالها وهو يفكر في اللحظة التي لابد ستأتي ويقع تحت يديه.قالها وهو يذكره بضعفه.قالها وهو يعلم مدى ما يضعه في قلب أبيه:
ـ روح اتشطر علي ابن الفريسة ؟
تربع علي المصطبة وهوينفخ نفس السيجارة.راح يتابع الناس التي تمر عليه دون أن تلقي عليه السلام,لم يكترث أبد لذلك.فطيلة حياته التي مضي منها ثلاثة وخمسون عاما وهو مقتنع بأن الله خلق الناس دونه خطأ. كم أنه يعلم علم اليقين أن البعد عن الناس نعمة لا تعدلها نعمة أخري غيرلحظات تخيله لزوجة أخيه وهي تمسك بعضوه.تقلصت عضلات وجه وهو يرى ابنه منيرا يخرج من باب أحد بيوته فغمغم بألفاظ غير واضحة ثم غير اتجاه وجهه, من بعيد لمح رمضان الحلاق راكبا عجلته.عدل وضع قدميه علي المصطبة ونادي عليه حين اقترب منه.ركن رمضان عجلته علي السور وبالتحديد تحت مكان اللافتة واقترب منه وهو يدعو الله سبحانه وتعالي أن يجعله خيرا .سلم عليه وهو مازال يتوجس في نفسه خيفة من ذلك النداء من قبل عبد الجبار.فهو أولا في الطريق إلي طهارة ابن أحد زبائنه,ثانية وهذا هو الأهم أنه لايحب عبد الجبار.لم يتركه عبد الجبارللأفكار وقال له:
ـ مسمعتش حاجة عن سرقة اليافطة يارمضان
ـ لا
ـ يعني محدش قالك حاجة ؟ أو زبون فك معاك لسانه
ـ لا والله يابو عبد الجبار ،تلجلج كيثرا وهو يبحث له عن اسم .هل يقول له يا بو منير أوأي اسم لأبنائه أوياعم الحاج وأخير استقر علي اسم ابنه الذي يشبهه دون عم التي وجدها ثقيلة عليه.
ـ أحس عبد الجبارأن رمضان يعلم شيئا بدليل تلجلجه ومن هنا قال له:
ـ تفتكرمين اللي يعمل عملة زي دي؟،
ـ معرفش
ـ طب مين غاوي يسرق اليافطة في نظرك؟أنا بقول الحكومة.انت بقى تقول إيه؟
ـوالله مانا عارف
ـ دنا عملت عليها نبطشية وبرضه اتسرقت
ـ يبقى مفيش غير عفريت.قالها وهو يحاول النهوض لمواصلة طريقه وحاول التحرك ولكن يد عبد الجبارأمسكت به وهويقول عفريت ثم سكت قليلا وأضاف ده نفس كلام الواد شكري,تغير وجه رمضان وأحس أنه وقع في مشكلة ولكن عبد الجبارالذي أرخى يده وراح يفكر في كلام رمضان وشكري لم ينتبه إلي اللون الأصفر الذي ظهر بوضوح علي وجه رمضان وقال له:
ـ مين بقي كويس يعرف في الموضوع ده؟
ـ موضوع إيه ياعم الحاج .قالها وهو يبحث عن مخرج له وبعدها أحس بالراحة وتأنيب الضمير.
ـ موضوع العفاريت يارمضان
ـ دانا كنت بضحك
ـ بتضحك علي إيه ومين ياحلاق الغبرة؟
ـ قصدي كنت بقول كلمة وخلاص
ـ مخلصش يارمضان.أنا عاوز واحد بيفهم في حكاية العفاريت دى
سكت رمضان قليلا وهو يتفرس في وجه الرجل الذي يكرهه كل الناس بلا استنثاء وراح يبحث عن أماكن الكره في ذلك الوجه,
ـ مفيش غير أبومينا بتاع المساكن, ده بقي سره باتع ومع إنه مسيحي إلا إنه مسخر عفاريت مسلمين,الأسبوع اللي فات رجع الخروف والمعزتين اللي اتسرقوا من عم رشاد
ـ رجعهم إزاي بعد ماتسرقوا؟
ـ عرفه مكانهم
ـ يعني ده ممكن,يعرف اللي سرقوا اليافطة
ـ ممكن قوي
ـ ومسيحي كمان؟
ـ آه بس شاطر قوي ,بس خلي بالك برضه المسيحي مسيحي طلع والا نزل علي ملة تانية
ـ انت رايح فين دلوقتي
ـ هطاهر ابن عم موسي أبوحامد
ـ طب خلص وتعالى علشان نروح المشوار ده مع بعض,
ـ والدكان يابوعبد الجبار؟أ
ـ بلادكان بلا خوته ,قلتلك هتروح معايا يعني هتروح ولا إنت شايف إيه.
انسحب رمضان وهو لا يعرف بماذا يجيب عليه بعد أن دعا علي اليوم الذي بد من أوله أغبر كما قال وهو يركب عجلته تاركا عبد الجباريفكر في أبى مينا وعفاريته المسلمة والمسيحية
جلس عبد الجبارورمضان في الحجرة في انتظار ظهور الشيخ أبى مينا كما سمع الناس تناديه,كان بين الحين والحين يتفقد الحجرة الغريبة,فأول ماوقعت عيونه علي الحائط كانت صورة مريم العذراء ممسكة بيدها المسيح وبجوار الصورة المعلقةبإطار خارجي من دون زجاج ينام صليب من الخشب الأبنوس.ثم نظر إلي الحائط الثاني الذي كان ينام عليه برواز جميل مكتوب في وسطه لفظ الجلالة.دخل أبو مينا ونظر اليهم عن كثب ثم جلس علي الكنبه وقال موجها حديثه الي عبد الجبار:
ـ انت تريد اشياء كثيره يلزمها وقت طويل ثم غير اتجاه وجهه إلي رمضان وأضاف وانت وراك دكانك وقاعد غصبن عنك فتوكل انت شوف حالك.
كانت الكلمات تخرج سريعة وحاسمة من فم أبى مينا مما جعل الحاسة السادسة ـ التي كانت تمني رمضان طوال الطريق بمعرفة أشياء كثيرة عن عبد الجبارـ تختفي تماما ويظهر بدلا منها ذلك الكسوف والعرق الغزير الذي نزل من تحت إبط رمضان الذي لم يجد أمامه غير الاستئذان تاركاعبد الجبارفاغرا فاه علي الآخر.