-1-

9 0 00

-1-

-اشرب يا رجل.

-تكفيني رائحة النبيذ.

أجبروه على ارتشاف الكأس الأولى، وأحس بدبيب ناعس يسري في رأسه، أراد أن يختبر متعة الخمر، فألح على الكأس الثانية. خلع رأسه، ومشى دون رأس. عيناه اتسعتا كمرآتين مدورتين، صارتا مكان الرأس كله.. وبدا له وجه الميناء أكثر صخباً، وإضاءة.

-ستسافر في الصباح!

كان يحتاج إلى مزيد من النبيذ، فهو لم يجرّبه من قبل. يظل حمدوش يزرع فيه صوته:

-الدنيا دون شراب خراب.

لم يكن الجبلاوي فرحاً ولا حزيناً.. فهو يجهل تماماً تحديد مشاعره.

يتذكر أنهم جاؤوا به إلى مقهى الميناء للاحتفال قبل سفره.

-ما الذي يريده فاضل مسعود؟!.

سألوه ذلك بإلحاح لمعرفة الغاية من اللقاء. هو لم يفكر بلقائه من قبل، ولم يكن يعنيه أي نوع من الرجال يكون، وضع احتمالات كثيرة لهذا اللقاء المرتقب الذي حدده فاضل مسعود.. لكنه لم يتوقف عند إحداها. عيناه ظلتا تتوغلان في الميناء. كان ضوء القمر ينسكب متغانجاً على أمواج ناعسة، وثمة زوارق ذات أشرعة تدخل الميناء.. هو لم يتبيّن لون الأشرعة.. خمَّن أنه أرجواني.

رأى وجوهاً تتراقص أمامه، وتنزلق فوق أعناق دقيقة، ومرنة كأعواد الخيزران، في حركتها للمجاذيف وهي تغوص وترتفع كأصابع طويلة داخل الماء، مسألة السفر ظلت تشغله.. ما كان يقلقه، هو جهله السبب الذي يطلبه من أجله فاضل مسعود. حسم الأمر بصوت عالٍ، وهو يصب لنفسه الكأس الثالثة:

-اليوم خمر وغداً أمر.

دقّوا كؤوسهم بكأسه:

-بصحة الجبلاوي.

ظلت عيناه ترقبان مدخل الميناء من خلف زجاج المقهى الذي غطّاه غبش أنفاسه.. كانت وجوه البحارة متجهمة، وهم يدخلون الميناء. انتابه شعور بأنهم جاؤوا من (تل سيانو) أو من (تل التويني) أو من (قريطو) عبر النهر إلى ميناء (الرميلة) وأنه يعرفهم منذ زمان بعيد.. كان أحدهم يوم مشى (أيل) بمحاذاة النهر القادم من (قريطو) المزنره بضفاف نهرية مزروعة بأشجار الحور والدلب والصفصاف والتين.

هو لم يعد نهراً صار مجرى فضلات الصرف الصحي للمعامل والمنشآت التي يتزايد عددها. حتى رمال شاطئ الرميلة التي كانت تشع في وهج الشمس كذهب أصفر، صار معتماً، وتكسوه طبقة سوداء، تركتها فضلات المشفى المجاور له.

-ستسافر غداً يا رجل!.

أمسك بزجاجة النبيذ.. وصبّ كأساً. أحس بحرقة في عينيه، وتثاقلت أجفانه. ظلت مواكب البحارة تتقدم في الميناء نحو الشاطئ.

وتخيّل (شادن) تقف في الشرفة القوسية ترقبهم في العتمة. تظل مصرّة على أن الألفية الثالثة ستكون مخيفة، وأن العالم سيشهد متغيرات مدهشة.

هو لم يكن مقتنعاً بأن الاندهاش سيكون مفرحاً.

فأشياء كثيرة بدأت تفقد ملامحها وتتخذ ملامح بديلة، كأكاذيب مغلّفة بسلوفان ذهبي. كانت ساعة مقهى الميناء تعلن عن اقتراب موعد الفجر بدقات حادة كالصهيل.

اعتقد الجبلاوي نفسه داخل غرفة مغلقة تماماً ومعتمة، ووجه المغاربي كان يقترب منه.. وكان شخيره، يختلط بصوت احتكاك شفتيه فيكّون صريراً حاداً كتساقط الحجارة في بركة ماء عميقة.

-بصحة فاضل مسعود.

-بصحة الألفية الجديدة.

وجد نفسه يصغي بخوف إلى صوت شفتي المغاربي "تؤلف ولا تؤلفان".. حاول الجبلاوي أن يطوق كأسه بأصابعه المرتعشة.. لم يستطع.. سقط الكأس على الطاولة، واندلق نبيذه.. أعاد الكأس سريعاً إلى وضعها، واكتشف أنه مستغرق في حلم لا يغادره منذ زمن.

لم يكن الجبلاوي قادراً على تخيل لحظة الانتقال من ألفية إلى ألفية أخرى. أخبرهم أن أجهزة الكومبيوتر ستتوقف. وقد تنفجر الصواريخ النووية في لحظة الصفر.. وينتهي العالم. قرأ في وجوههم امتعاضاً مرّاً.

قال قاسم المحمود:

-كلها بإرادته.

تمطّى إليه وجه حمدوش، وطوّقه بضحكة استخفاف.

-لم تترك شيئاً من مسراتها.. فما الذي يحزنك؟!.

-ما زال في الجسد اشتهاء لمسرات جديدة.

تضاحك أبو شهلة:

-والآخرة خير لك من الأولى.

تضخَّم لسان الجبلاوي، وصار رخواً.. أراد أن يغني.. تحرك لسانه كعجلة عربة محطمة، فأحدث ضجة مضحكة.

ظلت ذاكرته تفور بأسئلتها:

"لماذا لا تشتري لنا دشاً، لنشهد لحظة انتقال الزمن؟".

"والأولاد؟."

"ما بهم؟."

"سيهجرون دراستهم."

"لماذا تريد أن تفصل بينهم وبين الزمن."

"أخاف عليهم من الزمن الجديد".

وعليّ؟!".

منذ زمن لم تسأله إن كان لا يزال مشتعلاً بحبها.. كانت برودتها نحوه تزرع فيه حالة من الامتعاض الصامت. مع الزمن بدأ يدرب نفسه على تقبل هذه الحالة.. أحياناً يتقصد إعلان حالة من المشاكسة معها، دون أن يحدد سبباً بعينه.. تظل صامتة، وتظل عيناها تهفوان إليه بنظرة ملؤها الغموض، وأحياناً مع مزيج من اللهفة المندّاة بحنان صامت. هو لا يحب هذا النوع من اللهفة الأمومية الباردة.. يريد لهفة من نوعٍ آخر، تستنفره إليها في عشق لم يقترب إليه ثلج الحياة اليومية، والأولاد.

-ما الذي ستفعله يا جبلاوي للألفية الثالثة؟

-لا أدري.. قد نصل إليها وقد لا نصل.

-هه.. اضحك يا رجل.. فاضل مسعود يعدّك لألفية جديدة في مدينتنا.

ظل عدد من رواد المقهى الذين لم ينصرفوا، يتصايحون، بعضهم كان يلعب الورق ويدخن النارجيلة، وآخرون كانوا مندمجين في حوار طويل، وساخن سمعهم يتحدثون عنه.

..القاضي عمران كان أكثرهم اقتناعاً بأن فاضل مسعود يعدُّ الجبلاوي ليكون رجل القرن الجديد في "جابالا".

لم يكترث بآرائهم التي كانت تصله.. هم كانوا يتقصدون وصولها إليه كنوع من إظهار عواطفهم التي استفاضت نحوه في هذه الليلة فجأة.

منذ بداية السهرة، وهم يلقون إليه بابتساماتهم، وتحياتهم.. تقصّد في أغلب المرات أن يتجاهلها.. عندما نهض القاضي عمران للانصراف جاء إلى طاولة الجبلاوي، وسلّم عليه ولحق به الباقون. أراد أن ينهض لوداعهم، أقسموا بالله أن يظل جالساً. رغب أن ينفجر من الضحك في لحظة واحدة.. أدرك أن ذلك سينقص من مهابته التي ظل محتفظاً بها منذ أشاعوا في المدينة كلها خبر لقائه المحتمل بفاضل مسعود. حمدوش مال إلى أُذنه.

-القاضي عمران بلحمه وشحمه يأتيك يا عم!

كانت كل الوجوه التي تغادر المقهى تعلن له عن دهشتها به.

-عمران ينافقك.

يظل وجه شادن المندى باللهفة يندفع إليه.

"كل محطات التلفزة ستبث تلك اللحظة من كل عواصم العالم".

"تقصدين اللحظة المجنونة المنفلتة من الزمن".

"تظل أفكارك قاتمة".

أراد أن يغيّر الحوار معها.. هما دائماً يصلان في النهاية إلى نقطة التصادم. غيّر مجرى الحديث. سألها إن كانت قد روّت ورود الجوري في الحديقة. تصنعت شادن برودة ساخرة.

"البيضاء أم القرمزية أم الحمراء؟".

أجبر نفسه على الضحك.

أفاضوا أسئلتهم الكثيرة في رأسه المتضخم، الذي اصطدم بزجاج النافذة.

-ما الذي سيكون بينك وبين فاضل مسعود!؟.

صبوا الكأس السادسة له.. ورأى الزجاجة تتدحرج مع رأسه الذي انفصل عن جسده، ثم يسقطان على الأرض ويتناثران شظايا.

-لم تقل لنا لماذا يطلبك فاضل مسعود؟.

-لم تعرفه من قبل؟.

-بالتأكيد.. ثمة أمرٍ هام.

-أتوقع لك مستقبلاً.

-سنحتفل بالمناسبة لنقهر دكران.. وجه دكران عندما سمع الخبر صار أسود كحذائك.

حاول أن يجمع شظايا رأسه.. لكنه لم يستطع.. ظل مملوءاً بتشققات عميقة.

أراد الجبلاوي أن يقنعهم بأن الأمر لا يتعدى كونه لقاءً للبحث في أمور المدينة.. أو في أمرٍ لا يعرف أن يحدده كان يتوق للهرب من أسئلتهم.. رغم تعثر لسانه بمخارج الحروف أراد أن يختصر معهم حواراً طويلاً.

-هو لم يقل لي شيئاً عبر الهاتف. كل الذي أخبرني به يوم اللقاء وساعته.

وأصروا على الاقتناع بأن المقابلة لأمر هام، يتعلق بمستقبله الشخصي.

-لا أحد أفضل منك.

-أنت فينا الأكثر فهماً، وعشقاً للمدينة.

-إلى متى ستظل في تواضعك؟!. أعلن عن نفسك يا رجل.

-من لا يبكي لا ترضعه أمه.

وجد نفسه تحت سحابة تتهاطل فيضاً من الإطراءات.. هو يعرف مشاعرهم الحقيقية قبل الآن نحوه. وحده حمدوش كان يأتيه ليتنهدا معاً هموم الحياة في مدينة بدأت تفقد توازنها في عشق خرافي تبثه فيها شاشات التلفزة البحرية، واندفاعات الحياة اليومية.

وجد صوته يندفع إليهم ويطوّق وجوههم المحتقنة بالخمر والدخان وبألوان فاقعة كدم ينسفح على صخر بحري ثم يهبط.

سندخل الألفية الجديدة مع فاضل مسعود. وجد نفسه جزءاً من صورة، أرادوا أن يرسموها له.. راح يرسم لهم وجه المدينة كما يحلمون، وهي تستعد للألفية الثالثة.. طلبوا زجاجة نبيذ جديدة.

-كأس فاضل مسعود.

-بصحة الجبلاوي.

وتلاطمت الكؤوس.. وصار رأسه الملقى على الطاولة الباردة أكثر تورماً.. وأحس بأن سقف المقهى يقترب منه أكثر.

تركوا رأسه يتدحرج على الرصيف وظل يبتسم، كان في داخله يضحك من أسئلتهم واطراءاتهم الكاذبة. حسّون المحامي ملك الحكايا الكاذبة كان أكثرهم لزوجة.

-سأكون محاميك الخاص، ودون أجر.

-أصدقك يا حسون.

حمدوش يصف حسون المحامي بأنه أفضل لاعب "كحلا" في المدينة كلها.

سمع آذان الصبح يأتيه من جامع السلطان.. توجه إلى الصخرة التي تقف في مواجهة الميناء كحارس أسطوري.. كان البحارة لا يزالون يدخلون الميناء، وجد نفسه يتمتع بمراقبتهم.. لوّح لهم.. لا أحد رد له تلويحة كفه. أعتقد أنهم تحاشوا ذلك. فاجأه صوت حمدوش، وأمسك به.

-ما الذي تفعله هنا.

-أبحث عن حورية البحر.

-نحن أصدقاء، يا جبلاوي!. لحورية البحر عاشق واحد. هو حمدوش أو لا أحد.

لفحته نسائم الفجر ببرودتها.. أحس برأسه الذي يتدحرج كرة من صفيح بارد تصفر فيها ريح الصباح فتصدر صوتاً كاللهاث التعب.

لوح بيده من جديد للصيادين الذين يدخلون إلى الميناء. رفعوا له قبعاتهم البيضاء.

-كيف حالك، يا جبلاوي.

-بصحة البحارة، والبحر المتماوج عند قدمي مدينتنا البحرية.

غنى لهم "هيلا هيلا يا ريس".

وشاركه في الغناء (حمدوش).. كان صوت حمدوش ندياً، وحزيناً أكثر من أي وقت غنّى فيه أمامه.

سأل بصوت كئيب: ما نفع حياتنا كلها يا جبلاوي!؟.

لم ينتظر حمدوش إجابة الجبلاوي التي تحولت إلى تمتمة باردة.. عاد إلى الوراء، وغاص في الشارع الذي يخترق المدينة.