-3-

9 0 00

-3-

عرضت شادن عليه ما رتبته له في حقيبة سفره.

-بيجامة نوم.. أدويتك المعتادة.. قليل من الطعام.

-هي وصلة ورجعة.

-لن يتعبك حملها.

أراد أن يمازحها

-قد أجد امرأة هناك تكفيني ما سأحمله الآن.

-لا أحد يأخذ الهم عن قلب صاحبه.

أدخلته كلماتها في حالة من الغضب.. أحس بها تصادر حالة الفرح التي كانت أيقظتها فيه.. اكتفى أن تنهد أمامها ليشعرها بانزعاجه من سخريتها التي أصابته في مشاعره.. واجهته اللوحة الجدارية التي تحمل صورة أبيه. الجبلاوي يظل دائم الاعتزاز بوالده الحاج محمد الجبلاوي.. يروي عنه قصص نضاله في وجه فرنسا، ودخوله على رأس قوة إلى مركز القائد الفرنسي في القلعة، وأحس بالصورة تأخذ شكل مدخل في الحائط الذي تستند إليه المكتبة.. ويخرج الحاج محمد الجبلاوي، إليه ويحتضنه.. ورأى رأسه يسقط كرأس طفل على صدر أبيه..

-جبلاوي.. ما الذي حدث لك؟!.

وجد رأسه على حافة الكنبة الواسعة. وسمع صوت بكائه

-ألا ترغب بوداع الأولاد!؟

استنهضته شادن:

-هل من الضروري أن تسافر، وأنت متعب؟!.

-المدينة عرفت أن فاضل مسعود اتصل يبلغني بالحضور إليه.

-صحتك أهم!

-المقابلة فرصة العمر

-لم يجد صدى مريحاً لجوابه في نفسها.. فهي لم ترغب من قبل أن يكون الجبلاوي محسوباً على أحد..

-لماذا لا تسافرين معي؟!.

لفّت ابتسامتها باردة حول وجهه المتعب.

-لمقابلة فاضل مسعود؟!.

-لا.. أحتاج إليك معي.

-والأولاد!؟.

كان يتوقع أن يأتيه جوابها يحمل هذه الحجة التي تكررها دائماً "الأولاد.. الأولاد".

حفظ عن ظهر قلب نمط الأجوبة التي تأتيه في كل المناسبات.

كان بقاء شادن الطويل في المنزل يؤرقه. ترفض محاولاته للخروج بها في نزهة إلى خارج المدينة، أو لدخول السينما، أو الجلوس في مقهى بحري، ليترك لنفسه حرية التخيل إلى جانبها.. فقد يدفعه الموقف المتخيل لكتابة بعض المقاطع الشعرية التي تتناثر مثل كومة من قش جاءتها ريح هوجاء.

-أنت زعلت؟!. هل يمكن أن أترك الأولاد هنا، وأسافر معك. كبرنا على ذلك.

-وأنا أيضاً بحاجة إليك.

تقصدت أن تضحك في وجهه.

-أعرفك عاقلاً.

جاء الأولاد من غرف نومهم، والتفّوا حوله.. نثروا فوقه أسئلتهم الكثيرة.. ومطالبهم.

محمد قال بما يشبه اللهفة:

-آه يا أبي، لو يعطينا فاضل مسعود سيارة شبح!.

استغرق عامر في حلمه.. حلم بمال ولباس وسيارات بألوان وأشكال. عادل استوقف جموحه:

-ومن أين سيكون لنا كل ذلك!؟

-الموقع.. الموقع يا عزيزي يحضر كل شيء مثل خاتم شبيك لبيك.

-تريدني أن أسرق يا ولد!؟.

-لا يا أبي.. المال يأتيك وحده. نسيت أني درست الاقتصاد!؟.

اكتفى بتأمل وجوههم التي كانت تفيض بفرح غامر.. وأدهمية تركت رأسها على صدره كعصفورة صغيرة، ومرتجفة في برد الصباح. تسكن عينيها ضياءات صورة أمه.. وصورة زمن بعيد كأضواء قناديل هاربة نحو الماء حيث تبحر سفن ذات أشرعة أرجوانية.. ارتعشت ذاكرته وهو يطل من النافذة نحو البحر.

"ثمة معركة بحرية مع قبائل شعوب البحر. كان القتال الضاري يختصر السفن الأوغاريتية، ويمتد كحريق نحو الشاطئ. هز رأسه كسارية سقط شراعها."

أدارت أدهمية مفتاح (الراديو). جاءه صوت فيروز يوقظ فيه هذه اللهفة الممتزجة بالحنين.. رغب أن يغيّر رأيه ويرفض السفر.. وجاءته رغبة كبيرة للغناء. فيروز بأغنيتها "على جسر اللوزية" تتابع الأغنية السير في كل شرايينه. حاول أن يقرأ في عيني شادن صدى تلك الأغنية التي تطرب لها.. كانت عيناها باردتين كنسمة الصباح القادمة من النافذة البحرية. جرّب الابتسام لها.. لم ترد له ابتسامته.. تركتها تسقط عند قدميها.

عادل طلب إليه أن يحضر له بعض الكتب من سوق الخجا. وعامر سخر منه:

-لا تحضر له شيئاً من أجل ألا يتصلب عقله أكثر مما هو متصلب. كانت المكتبة الواسعة تحتل الجدار كله.. هي المكتبة الأضخم في المدينة. والده قبل موته أكد له "إنها كنزنا، وذاكرتنا".

الأولاد طلبوا إليه بإلحاح: بع المكتبة.. واشتر بثمنها جهاز كومبيوتر وهاتفاً نقّالاً، وجهاز تلفزيون مرتبط بدش يستقدم لك مئات المحطات.

"المكتبة!؟"

"هه! هي لا تساوي ثمن ورقها."

"إنها كنز الجبلاوية".

عرف الجبلاوي أن المكتبة لم تعد تستهوي أحداً. في أوقات قليلة كانت شادن تقرأ بعض الكتب فيها. في السنوات الأخيرة.. صار أكثر التصاقاً بالمكتبة.. وأكثر إحساساً بأن هذه الكتب ستموت معه عندما يموت.

محمد كان أكثر أولاده تحريضاً له للتخلص من المكتبة، والبيت الواسع الذي يضم رائحة وحكايات العائلة.. دعنا نبيع قسماً من البيت ونشتري به سيارة مرسيدس. الناس الآن بسيارتها.

حاول تجاوز ردة الفعل لديه. ظل يتأمل واجهة المكتبة.

حمدوش نصحه ألا يقتل ضوء عينيه في قراءة الكتب..

"احتفظ بضوء عينيك يا رجل".

كل زملائه في العمل يتحدثون عن النساء.. بعضهم تجاوزت أعمارهم هذا النوع من الأحاديث العشقية.. مذ فتح الجبلاوي عينيه على الحياة.. وجد شادن في وجهه.. كبرا معاً. زرعا أرصفة الميناء بأحلامهما كانت أحلامهما تستريح على مقاعد الكورنيش الحجرية… لم تكن يومها على الشاطئ مصابيح كهربائية. كانت روحاهما تنفلتان في تشابك شفيف على المقعد المواجه لنادي النقابة.. ويرقبان ضوء القمر المشلوح على الأمواج الناعسة، وزوارق الصيادين التي أشعلت فوانيسها، ويقرأ لها ما كتبه من قصائد عاشقة.. وتقدم له ابتسامتها، وفي بعض الأحيان محرمة مطرزة، عليها بعض من مقاطع أشعاره وحرفان من اسميهما داخل قلب.

الحاج محمد الجبلاوي اكتشف حالته العشقية مع شادن.

"سأزوجك يا جبلاوي".

"لا أريد".

"وأنا لا أريد أن يقال إن ابن الحاج محمد الجبلاوي يلتقي فتاته عند الشاطئ.. ومن.. شادن!؟".

وجد نفسه محاصراً، ومنكمشاً أمامه بفزع. خشي أن يتخذ قراراً قاطعاً بحرمانه من شادن. فاجأه:

"وإن طلبنا لك شادن؟".

توهجت ابتسامته كضوء زورق بحري.

"في هذا المساء سنطلبها لك".

توغلت فيه أغنية فيروز "على جسر اللوزية".

ووجد وجه شادن رقيقاً وطفولياً، وتتقافز نظراتها إليه مملوءة بالاشتياق، والتغانج الرقيق المملوء بالحب.

-لماذا تضحك يا جبلاوي؟!.

بسؤالها اكتشف أنه كان يبتسم.

أكد لها أن شريط الذكريات عاد به إلى زمن بعيد..

حيث طلب الحاج محمد الجبلاوي يدها له. لم تضحك، ولم تظهر فرحها له.. ظل وجهها محتفظاً بطفولته.

-حكم عليِّ بعذاب أبدي.

-تقولين ذلك من قلبك؟.

اتجه نحو الباب الخارجي..

-لماذا لا تأخذ الحقيبة معك؟!.

-لا أستطيع أن أحمل شيئاً.

تجاوز الصالة.. كانت شادن لا تزال تمشي إلى جانبه. تقصدت أن تمسك بأصابعه.. وتقف في مواجهته.

وجد رأسها قريباً من صدره.. وترشح عيناها عبقاً يخترقه بقوة. تتفتح ابتسامتها كوردة جورية في روحه. بابتسامة واحدة تستنبت في روحه كل أيام عشقه لها.. أحس بأن لون شفتيها الوردي لا يزال مندىً كوردة جورية في الصباح جاءته رغبة بامتصاص الندى الذي تقطر على شفتيها.

وجد "محمداً" في مواجهته. اكتفى بأن ضمَّ رأسها إلى صدره، وزرع فيه قبلة طويلة.

عندما رفعت وجهها إليه قرأ في عينيها إحساساً بالحزن في عائلة شادن حزن قديم.. يشتعل فيهم كحريق في لحظات حميمة.

هطلت بهدوء دمعة على خدها وتركت رأسها على صدره.. وأحس بتنهداتها تتوغل باتجاه قلبه. فرش أصابعه في شعرها.

-لا تسافر.

-ولكن كثيرين يتمنون اللقاء الذي ينتظرني!.

اشتد اختراق تنهداتها نحو قلبه.. مشت في شرايينه.

أحس بأنه دخل أكثر في عتمة روحها التي تماوجت في عينيها، ووجد من الضروري التحرك سريعاً، فهو لا يقوى على التماسك طويلاً في مشهد تراجيدي مع شادن.

هبط درجات السلم الحجري بهدوء. منذ زمن والأولاد يطالبونه بتغيير أحجار السلم الرملية بأحجار رخامية.. واستفاضوا بطلباتهم.. رغبوا بإكساء الجدران الخارجية للبناء بأحجار بيضاء. لم يستطع أن يقنعهم أن الأحجار الرملية لجدران المنزل ذات اللون الذهبي المتماوج مع اللون الوردي لا وجود لها في كل مباني الدنيا، "هذا النوع من الحجر يا أولاد لا وجود له إلا في بلاد الفينيقيين، وبالتحديد عند شاطئ "الشقيفات". لم تعجبهم إجابته..

قبل أن يغادر تفقد شجيرات الفل وشتول الحبق..

تسلقت عيناه شجيرة الياسمين المتعربشة على الواجهة الحجرية. وجد شادن ترقبه من النافذة القوسية. أحس بحرارة نظراتها نحوه.. لوّح لها بيده. ومشى.

كان لا يزال بعض الوقت يفصل بينه وبين موعد سفره. فكر بالتوجه إلى نادي النقابة القديم لتناول قهوة الصباح كعادته في أغلب أيامه. يجلس مع أبي يوسف.. يتحدثان في هموم الحياة الجديدة التي تخلع ثوبها في كل يوم كأفعى.. وعن ذكريات الطفولة والشباب. العلاقة بين الجبلاوي وأبي يوسف عميقة.. تعود إلى أيام عشقه لشادن.. فغالباً ما كان يقوم بتوصيل قصائده العاشقة إليها، ويحضر له منها المحارم المطرَّزة. تأمل الميناء البحري.. وبحث عن البحارة الأوغاريتيين الذين رآهم البارحة يدخلون بسفنهم ذات الأشرعة الأرجوانية. كان وجه الميناء هادئاً.. تذكر اللحظة التي انفصل فيها رأسه عن جسده. شتم النبيذ. أدهشته تماوجات مياه الميناء.. كانت ناعسة.. وكان صمت الصباح يأتيه كصلاة خاشعة فيبعث فيه حالة من التأمل الشفيف.

في أغلب الصباحات يقف الجبلاوي في النافذة، وتروح عيناه إلى الميناء.. تفور مخيلته بصور كثيرة، وتأتيه وجوه الأوغاريتيين ويسمع غناءهم. يفرك عينيه في محاولة لاكتشاف إن كان في حلم.. يظلون في وجهه يسمعهم، ويتفحص وجوههم. هو لم يكن يصدق أن هذا الذي يحدث في الميناء هو حقيقي رغم تأكده من سلامة عقله وكل حواسه.. لم يكن يجرؤ على قول ذلك لأحد. شادن اتهمته بالتوهم.. هي لم تقل له "أنت جننت" لكنه قرأ استغراباً في عينيها. رغم ذلك ظل متأكداً من مجيئهم في كل ليلة إلى الميناء..

كان يستطيع أن يميز بين وجوه الذين جاؤوا من أوغاريت، أو صيدون، أو من عمريت، أو تل سوكاس.. رجال مملكة سيانو كانوا أكثر عصبية وهم يدخلون الميناء ومعهم الملح والتوابل والأقمشة الأرجوانية وجرار الخمر.. وجد نفسه مستغرقاً بتأمل تماوج البحر.. كانت أشعة الشمس الصباحية تسكب على الموج الهادئ لونها الذهبي.. وتعبر نقطة الضوء إلى خط الأفق..

استوقفه صوت (الشرنكا) من البناء المجاور للشاطئ الشرنكا يتصيد حركة الناس على الشاطئ، لديه اعتقاد بأن "الشرنكا" يستطيع تلويث مياه الشاطئ لسواد أفعاله. في كل مرّة يقدم تقريره اليومي إلى دكران. فهو بارع بإقامة علاقات نفعية مع كل مفاصل المدينة.

-إلى أين؟!.

عرف أن (الشرنكا) سيفتح معه حواراً حول موضوع لقائه بفاضل مسعود.

فهو يتلقف أخبار المدينة ليعرف من سيكون له شأن أو من كان ذا شأن وانتهى أمره.. كل ذلك في إطار مصالحه. هو بالتأكيد تدارس طوال ليل البارحة هذا الأمر مع (دكران). في مجلس الإنماء.. الشرنكا ساق دكران ولسانه ويده. كل الإشاعات التي تدور في المدينة لصالح دكران يقف وراءها الشرنكا بألوانه الحربائية.. كل يوم بوجه جديد ولسان جديد.

دعاه "الشرنكا" لتناول القهوة معه في شرفة البناء التي احتلت قسماً من الرصيف البحري عبر علاقته بدكران. اعتذر منه.

-لا أستطيع سأرى أبا يوسف في نادي النقابة.

ركض من الطابق الثاني

-على مهل.. لن ترحل.. قبل أن أودِّعك!.

احتضنه الشرنكا إليه.. وترك لزوجة شفتيه ورائحتهما على وجهه.

أحبك يا رجل. بماذا أقسم لك.. بشرفي ورحمة أبي أني أحبك وسأكون فرحاً من أجلك إن تسلمت ولو مكان دكران. يجب أن تكون مكانه.

-هو صديقك.

-وأنت تستحق أن تكون مكانه.

لم يكن الجبلاوي مرتاحاً للحوار معه.. لزوجة كلمات الشرنكا بدأت تفرز فيه حالة من التقزز. انفلت منه سريعاً.

كان الرصيف البحري الذي تناثر فوقه رذاذ الموج، ورائحة النباتات البحرية يوقظ فيه شهية متفجرة للكتابة، والقفز طويلاً كطفل صغير، والتراكض بين الأجران الصخرية المملوءة بالماء وبأسماك صغيرة، وببعض السلاطعين التي تمد أفواهها كأذرع الروافع البحرية إلى الأصابع.. وتضغطها بقوة إلى أن يسيل دمها.

بدأت الذبذبات الشعرية في رأسه تؤكد على وجود قصيدة في طريقها إلى الولادة.

دهمه شعور بالفرح. ثمة مقاطع شعرية كاملة في شاشة دماغه بدأت تنزلق إلى لسانه.

منذ زمن لم تأته هذه الحالة. تجاوز مجموعة من الرجال والنساء كانوا يمشون لم يرغب بالنظر إليهم. كان لا يريد أن تفلت منه تلك القصيدة التي تعيش حالة المخاض.

صدمه كتف شاب

-تطلع أمامك.

أدرك الجبلاوي أن كلمة واحدة.. يمكن لها أن تفجر معركة.. فحساسية الناس في المدينة لم تعد كما كانت في السابق فأبسط الأمور قادرة على استنفارهم.

-اعتذر منك، يا بني

أظهر وجه الشاب رفضاً للاعتذار. وظل يحملق فيه، ثم أطلق شتائم مسموعة..

لم يتألم الجبلاوي بشأن الشتائم التي جاءته، وإنما لأجل أشياء كثيرة تغيرت في "جابالا". وجد نادي النقابة مغلقاً على غير عادته. وقرأ ورقة النعي تعلن رحيل أبي يوسف: واه!. وسقط رأسه ثقيلاً على ورقة النعي.

استعرض الجبلاوي علاقته الطويلة والحميمة بالرجل الذي رحل في هذا الصباح دون وداع، وبصمت، كانت ورقة النعي سبباً آخر في إثارة مزاجه العكر.

ثمة بحة مفاجئة أصابت صوته.. كانت تنذر بعاصفة بكاء.

اكتشف أن موت أبي يوسف فتح في داخله بوابة واسعة للحزن.. اخترق الشارع المتجه نحو الشرق، كانت تبدو المدينة نائمة في هدأة الصباح الرطب. عبر باتجاه الحائط الحجري الذي يلف المقبرة.. خطر بباله أن يدخلها لإلقاء التحية وقراءة الفاتحة على قبر والده محمد الجبلاوي.. وجد البوابة الحديدية مقفلة.. وجاءته رائحة الريحان الرطب المشلوح على قبر قريب من البوابة.. رائحة الريحان أثارت فيه حزناً غير متوقع ودون أن يدرك سبباً رئيساً له.. وتثاقلت خطواته تعبر حديقة السلطان التي أضاع تفاصيل أناقتها غبار، وأوراق متناثرة بشكل فوضوي، وأغصان متكسرة، ظل دكران يتعامل مع هذه الحديقة باللامبالاة.

كانت الفوضى تستبيح جمالها، وتجعل من واجهة جامع السلطان مشهداً لا يحقق الارتياح الذي يمكن أن يكون.

فالفوضى بدأت تعبر إلى الفسحة الواسعة… التي كانت مكاناً يتجمع فيه الرجال في موسم الأعياد، وقبل صلاة الجمعة.. ويتداولون الأحاديث. كل شيء اختفى مع تلك الفوضى التي تغمر الحديقة. بدا له عند نهايتها مقهى القلعة واسعاً وأنيقاً، وبنوافذ من الألمنيوم بزجاج ملون. شدته الواجهة إلى الدخول. كان يحتاج إلى فنجان من القهوة لوقف هذا الصخب الحزين الذي يدق بقوة جدران رأسه من الداخل.. أعتقد أن أبا حمدو لم يعد موجوداً، فكل ملامح المقهى تغيرت. عبر إلى الداخل كانت أضواء ملونة تكسب اللوحات الجدارية وجو المقهى تفجراً لونياً مدهشاً، وصاخباً وهو ينفرش على الطاولات ذات الأقمشة الخضراء فيصبح لونها قزحياً. كان جلساء المقهى خليطاً من الشباب والفتيات.

أزعجته أصواتهم، ودخان نراجيلهم. كانوا يحدقون في وجوه بعضهم بعضاً بنظرات باردة، ويطلقون ضحكات باردة بلهاء. وكان صوت الراديو يشق بزعيقه جو المقهى المصعوق بالدخان والضجيج وحركة الداخلين والخارجين من المقهى. الشاب القريب منه والذي أطلق شعر لحيته كان يحدث الجالسين حوله عن فيلم السهرة في إحدى القنوات البحرية "بطلة الفيلم ألقت جسدها لبطل الفيلم كقطعة شوكولا و.. و.. و.." كان وصف الشاب للمشهد مثيراً وهو يصف تفاصيل دقيقة لذلك التواصل العشقي.

-تفضل يا أستاذ.

لولا شقّ عميق ترك ندوبه في وجه أبي حمدو متخطياً منطقة الأذن باتجاه منطقة الرأس لاعتبره رجلاً آخر.

كان أبو حمدو يرتدي قميصاً ملوناً، وربطة عنق ذات لون ذهبي مع خطوط سوداء مختلفة الأبعاد.. هي صحيح لا تنسجم مع لون القميص والبنطال، ولكنها تؤكد على انسلاخ أبي حمدو من جلده الحقيقي.

جلس أبو حمدو وراء طاولة "مكتب" تتوضع عليها حاسبة حديثة.. ورفع إلى فمه لفافة تبغ أجنبية أشعلها بقداحة "ديبّون" من نوع فاخر.. واتخذ وضعاً يوحي بالعظمة وهو يجلس على كرسي دوّار، تقصّد أن يميل جسده كرقاص ساعة يتقافز بعصبية.

-أنت تغيرت كثيراً.

-إنه "البزنس".

-لم أفهم!.

تطاولت ضحكة أبي حمدو.. وانفتح فمه كمغارة موحلة وكريهة الرائحة. "مصالح يا صديقي"

أدرك أن أبا حمدو يسخر منه. وظل الدخان المتكثف في جو المقهى يدخل إلى رئتيه ويبعث فيه حالة من التضجر.

سأله النادل بلكنة غريبة.. هو لم يفهم في البداية عن أي شيء يسأله. أبو حمدو قال له:

-أتركه يا ولد. الجبلاوي ضيفي.

-ما رأيك بهامبرغر، وكأس من الشاي الأخضر الإنكليزي.

-هامبرغر وشاي إنكليزي!!.

قلّب الجبلاوي شفته السفلى باستغراب.. وهزّ رأسه: "أشياء كثيرة تتغير وأنت تغمض عينيك يا جبلاوي".

كان وجه أبي حمدو يتمدد.. وتروح عيناه في تطاول غريب نحو الجبهة إلى الأعلى كان كل ما يحدث أمامه يبدو عصي الفهم عليه. يكتشف أنه يرى المدينة لأول مرة. وظل يستنشق رائحة الدخان، وضجيج الحوارات الصاخبة، وزعيق آلة التسجيل التي كانت تتقيأ أغنية غربية.

وظل صوت الشاب يطلق وصفه الدقيق للحالة العشقية. انتبه أبو حمدو إلى شرود الجبلاوي وانزعاجه من الموقف كله.

-لا تفكر بهذا.. إن أصغيت.. ستسمع حكايات كثيرة وغريبة.. ألفية جديدة على الأبواب. هم عالم آخر! نحن في زمن الهامبرغر، يا جبلاوي. سمعت أنك مسافر لمقابلة فاضل مسعود.

ظل وجه أبي حمدو يتطاول، ويزداد فمه اتساعاً وتفر منه ضحكات كريهة.

-الهامبرغر يا جبلاوي.

-لا، أريد فنجاناً من القهوة.. قهوة على الريحة.

كان جهاز (الكونديشن) المواجه له، يلفح بهوائه البارده وجه الجبلاوي..

تراخى على كرسيه وأسند رأسه إلى الحائط.. غطاء الطاولة الأخضر كان ناعماً تحت أصابعه، ويحتفظ برائحة عطريه نفّاذة جداً..

-القهوة..

.. وأخذ الرشفة الأولى. تسلقت نظراته من النافذة "الفيميه".. درجات المدرج الروماني المتهدم. كانت الأعشاب البرية تنفرش على جوانبها.. وتتسلق واجهة القلعة.. تخيل الجنود الرومان يخرجون من البوابة القوسية الواسعة بقبعاتهم الحديدية ذات العرف الأحمر، ويصخبون بدروعهم..

لم يرتح الجبلاوي لوجوههم التي بدت كريهة كوجوه رجال البحر الذين اشتبكوا مع رجال السفن الفينيقية.. وراحت عيناه إلى حديقة البلدية، كانت مغبّرة، وتقطعت أسلاك سورها في أماكن متعددة.. ويتقافز عبرها طلاب الثانوية المجاورة، وتجار البالة، وباعة الدخان المهرّب وأوراق اليانصيب. احتوى رأسه بين أصابعه.. وأحس بجبهته تنزف عرقاً بارداً.

-ما الذي ستفعله عند فاضل مسعود!؟

-لا شيء.

-لا. المدينة كلها تطبّل بخبر تسلمك موقع هام..؟

ظل جهاز التسجيل يصخب بأغنية أجنبية. توقف في مواجهته شاب كان يتأبط ذراع الصبيّة التي تمشي إلى جانبه. كانا يتضاحكان ويتحدثان.. هو لم يفهم ما الذي كان يهمسه في أذنها..

-محمد ولدك من روادنا.. ألم يخبرك؟!.

صدمته عبارة أبي حمدو.. أحس بالحاجة إلى ملء رئتيه من الهواء البارد. دلق فنجان القهوة في فمه. لعن في سره ولده محمد، وأبا حمدو، والألفية القادمة، ومحطات التلفزة البحرية التي تقتحم المدينة كريح صاخبة.

-"بكير" يا رجل.

ظل جو المقهى يصخب في رأسه بقوة..

وكبرت فيه الحاجة إلى الهواء النقي.. لم يفهم ما الذي كان يبعثره في أذنيه أبو حمدو. ظل رأسه ساحة من الأفكار والتصورات المزعجة.

دفع بثمن القهوة إلى سطح الطاولة.

كانت قصيدة من نوع آخر تطفر في كل حواسه.. لم يستطع أن يجبر نفسه على تقديم ابتسامة لأبي حمدو الذي لحق به إلى البّوابة الخارجية.