-2-

11 0 00

-2-

فتحت له الباب. كان لا يزال يردد مقاطع الأغنية.

-وتغني، يا رجل؟!.

أراد أن يتماسك أمامها في وقفته.. وسقط جسده على الحائط.

-أنت شربت؟!.

-رأيت الأوغاريتيين يدخلون الميناء، فغنيت لهم.

سخرت منه: "هه!".

-عرفتهم.. هم الأوغاريتيون تركوني عند الشط أنتظرهم.

اكتشف أنها لم تهتم بما يقوله لها. تمدد إلى جوارها رغم أنه لم يكن يشعر بالرغبة في النوم. تقصدت أن تغمض عينيها. عرف ذلك من رفيف أجفانها.. تأملها. منذ زمن لم يتأمل وجهها.

-شادن.. شادن.

ظل رفيف أجفانها يعلن عن نومها المصطنع. منذ زمن طويل تعودت أن تكون أمّاً، ولا شيء آخر. كاد ينسى مع مرور الزمن علاقته بها كزوجة رغم مشاعره التي تفيض نحوها بين الحين والحين في هبّات عشقية.. كان وجهها الأمومي البارد يطفئ اشتياقه العشقي إليها.. كان لا يريد أن يخترق مشاعر الأمومة فيها.

رضخ لها، وهي تمارس عليه دور الأم. ويتقصد احترام مشاعرها.. لا يريد أن يجبرها على الخروج من هذه المشاعر التي تدفع بها إلى ممارسة نوع من الوصاية عليه وتحوله إلى طفل كبير أمامها.

"-نم باكراً يا جبلاوي–اعتن بصحتك يا جبلاوي- لا تتأخر في العودة...".

وكانت تتعمد ذلك في كثير من المبالغة.. ويلوذ بالصمت. ظل تضجره سريّاً في داخله.

وجد أصابعه تلامس وجهها، وتمر حول شفتيها باشتهاء. لم تأته سخونتهما، ومع ذلك همّ بتقبيلهما. أحست شادن بظله فوق رأسها.. فتحت عينيها باسترخاء..

-ألم تنم بعد؟!.

تراجعت شفتاه:

-شادن.. لماذا لا نوقد النار في جمرنا المختبئ؟!.

-ماذا قلت؟.

اكتشف أن نظراتها تقافزت غاضبة إلى وجهه كأظافر هرة. كرر رغبته في نوع من الاستجداء.

-طلع الصبح، وأنت لم تنم بعد!

-ما المشكلة في ذلك؟.

-أنت غريب الأطوار في هذه الليلة!.

ظلت أصابعه تمشي حول شفتيها، وتنزلق إلى عنقها. تركت نفسها له للحظة. تمدد جسده أكثر إلى جوارها.

-جبلاوي!.

تراجعت ذراعه عن خصرها. وظل جسدها يثير فيه نوعاً من التحدي المباشر. كانت شادن كل أحلامه وقصائده. بعد مجيء ولدهما الأول (محمد) الذي سمّاه على اسم أبيه الحاج محمد الجبلاوي.. ولدت أمومتها.. كبرت الحالة فيها.. في البداية لم يأبه لخطورة هذا التحول.. اعتبره نوعاً من الرزانة المحببة.. مع الزمن.. صار تحولها نوعاً من القلق له.

ألقى رأسه المتعب على صدرها.. جاءته أفكار قصيدة ملتهبة.. ماذا يفعل بهذا الاشتعال الحاد في كل جسده!

ومشت شفتاه على رقبتها

-عيب. اكبر يا رجل.

-عشقي هو الذي يكبر.

جاءه ضوء الصباح من النافذة المطلة على البحر مباشرة.. وظلت أصوات البحارة العائدين من الصيد تجيئه كأغنية..

اختلطت أصواتهم بشخير شادن الذي تقصدته قوياً في محاولة لإقناعه بأنها غفت، للكف عن تحرشاته، التي اعتبرتها انعكاساً للنبيذ الذي تجرّعه على غير عادته. داهمته رغبة بالبكاء دون أن يدرك سبباً لذلك.. ومشت نظراته عبر فتحة فستان شادن نحو الصدر.. لم يكن قادراً على البوح لها بالذي يشعر به.. فكر باختصار عواطفه كلها باحتضانها إليه بقوة.. المهم أن يفجّر القلق المختزن في داخله.. لكن شجاعته تهدمت، وجاءه وجه الرجل المغاربي الذي جاء إلى المدينة بشكل مباغت، وسكن الجرف الصخري المواجه للبحر.. يظل يشعل البخور، ويعلن بصوت كالنداء.. "يا عباد الله.. هي تؤلف ولا تؤلفان".

"وما الذي سيحدث يا مولانا!؟.

تناثرت كلمات المغاربي المجهول الحسب والنسب كشظايا المسامير في رأسه المتعب.

"المهدي قادم مع إشراقة الشمس.. وعند ذاك يمشي الذئب والغنم معاً، ويستظل الفارس وهو على فرسه بظل نبتة الحمص".

"وبعد ذلك يا مولانا المغاربي؟!".

"يطبق الزمن جفنيه المتحجرين على كل شيء، ويصير الكون قبراً من عتمة".

يظل وجه المغاربي يلاحقه.. كان محملاً بانفعالات يتداخل فيها الخوف، والرهبة وقليل من الفرح.. فيعكس حالة من المهابة.

حاول أن يخرج من سطوة هذا الوجه.. فشل في تمزيق هذا المشهد المغروز فيه كنصل حاد.

جاءه وجه ليندا المتغانج كانت أخبرته أن المغاربي سال لعابه عليها. نساء المدينة قلن "هي فاجرة.. وتتهم الرجل" هي جاءته على غير عادتها إلى مكتبه. في البداية كانت مرتبكة.

-خذني معك إلى فاضل مسعود.

-ودكران!؟.

لأول مرة يتأمل وجهها.. كان شهياً كوردة ياسمين غضة. دلقت عواطفها إليه كمجرى من ماء متدفق.. هو لم يحزن لهذا التدفق أوصد روحه أمامها كان متأكداً أن دكران وراء مجيئها:

"امنح نفسك، يا جبلاوي، لذة العشق ولو لمرة واحدة قبل أن ينتهي العالم".

"ما الفائدة من ذلك إن كان العالم سينتهي؟!".

"كي لا تموت بحرقة الاشتهاء".

تضاحك لها:

رفع لها كفيه إلى أعلى استسلاماً

"لا أستطيع مواجهتك"

اكتشف أن رأسه اصطدم بصدرها.. كان غضاً، ومليئاً برائحة الأنوثة.. اندفعت إلى رئتيه رائحة أنوثتها كعطر نوّارة فل. زرع شفتيه باردتين على كفيه، وفار في داخله بكاء صامت.

-كان عليك ألا تشرب النبيذ.. هم فعلوها بك.

لم يكن قادراً على الحوار. غفا رأسه المثقل على صدرها.

-لا تسافر.

كان الجبلاوي يحتاج إلى كثير من النوم الهادئ، كي يفرغ أحزانه المتفجرة. منذ زمن لم تأته هذه الحالة.. ظلت أصابعها تمشي في شعره.. وأحس بجسدها يقترب منه.. ويدلق حرارته فيه ويصير مع الوقت دفقاً ساخناً.. خرج من السرداب المعتم المملوء بصور كثيرة كانت تتماوج أمامه كأشباح رمادية يفيض من عيونها شرر كأعواد ثقاب مشتعلة، والتصق بشادن.. أرخت جسدها كله له.