-4-
سائق البولمان كان شديد الترحيب به.. سأله عن أسباب استدعاء فاضل مسعود له.
عندما جاءت لتجلس إلى جانبه.. تراجع سائق البولمان إلى الوراء.. وظل ينتظر إجابة الجبلاوي.. وعندما يئس من مجيء الإجابة.. تضاحك بشكل مصطنع.
-هم يقولون أشياء كثيرة.
-يقولون.
-إن شاء الله ما يقولونه سيتحقق.
التفت إلى المرأة التي تجلس إلى جواره بطرف عينيه.. أدرك أن عينيها زرقاوان، وارتاح لابتسامتها التي تقصدت أن تجعلها مزهرة في وجهه.
عندما مدّت يدها لإزاحة ستارة النافذة تركت جسدها يتكئ عليه، كان صدرها طرياً، وأحس به يتقافز بقوة..
وعبقت رائحة أنوثتها في داخله. خرج الباص إلى الأوتستراد. أصر على تجاهلها، ومارس على مشاعره الداخلية حالة من القمع.
"أنت يا جبلاوي تمارس هذا الاشتهاء؟!".
كان دائم الابتعاد عن مثل هذه العلاقات التي تنمو مصادفة كبذور نباتات برية، هو لا يرتاح إلى تلك العلاقات السرية التي كان يسمعها من زملائه.. يرى فيها نوعاً من اللصوصية. لم يكن بإمكانه أن يغيّر من سلوكه في مدينة تعرفه كلها. اتخذ قراراً بقطع كل رغبة كانت تنمو فيه.
هربت نظراته من نافذة البولمان الذي اجتاز حدود المدينة تجوب بيارات البرتقال، هو محكوم دائماً بسطوة هذا القانون الاجتماعي الذي يجعل من أية علاقة خروجاً على قوانين الاحترام. حاول ألا يشغل نفسه في هذه المسألة رغم أن أنوثة المرأة التي تشاركه المقعد، كانت ترسل فيه نداءات ساخنة. فكر بكتابة قصيدة تنز سخونة.. كل ما في داخله من أحاسيس مستنفرة كان يدفعه إلى كتابة قصيدة رمادية. هو يكره هذا النوع من القصائد، ومع ذلك أمسك بعدة مقاطع شعرية فيها وهج عشقي اعتقد أنه فقده منذ زمن. وجدها مناسبة لكتابة قصيدة عاشقة إلى شادن. منذ زمن بعيد غفت فيه كل حروف العشق وإن كانت تستيقظ فيه أحياناً في شكل ومضات بسيطة وقصيرة لا تلبث أن تخبو كلما جاءه وجه شادن الأمومي (الأدهمية) تغانجت.
"أبي، اكتب لنا قصيدة من قصائدك الجميلة أيام زمان".
"ما الذي تقصدينه بأيام زمان؟".
"يوم كنت عاشقاً لماما".
أراد أن يقول لها إن أمك أطفأت فيّ هذه الفورة العشقية بعد أن صارت أماً.. أحس بأن الإجابة تحمل نوعاً من الضعف.. واتسعت فيه دائرة الانهزام.. هزّ لها رأسه: "سأكتب".
القصيدة التي بدأت تنبثق حروفها في رأسه، لا علاقة لها بشادن.. هي لم تأته منسابة كما كانت تأتيه قصائده الأولى.. ظل يستجمع أطرافها كخيمة ضربت فيها الريح وفشل في توجيهها.
صوت أبي حمدو كان لا يزال يفجِّر فيه ضحكة طويلة، وهو يتحدث عن مستقبل المقهى في المدينة النائمة أبو حمدو الذي رسب في الشهادة الابتدائية مرتين متتاليتين.. ثم توقف عن الدراسة.. صار يتلفظ بكلمات أفرنجية.. صحيح هي مكسرة مثل شكله.. لكنه يحاول أن يخترق غباءه.
-"ما رأيك يا جبلاوي أن تحوِّل بيت الجبلاوي التراثي إلى مقهى أو مطعم؟!."
"أنت مجنون يا أبا حمدو".
"أنا! هه.. ستكتشف مع الزمن من هو المجنون".
تحركت المرأة في المقعد وانزاح جسدها نحوه أكثر، وأحس بأنفاسها تلفح وجهه. وانكمش أكثر في مكانه. بطرف عينيه نظر إليها.. لم يستطع أن يخفي إعجابه الشديد بصفاء وجهها.. وشدة زرقة عينيها، واسترسال شعرها على كتفيها.. وأحس برائحة عطرها يتعربش على مشاعره، ويوقظ فيه رغبة خجولة إليها للوقوف عند تفاصيل جمالية في جسدها كله.. واستهوته حمرة شفتيها التي رسمت خطوطاً ناعسة ورقيقة حول الشفة العليا.
وأحس بالانكماش الخجول.. وأدهشه التناغم اللوني بين لون بشرتها السمراء بفعل الشمس وبين لون عينيها الزرقاوين وشعرها الأشقر المنسدل على كتفين ناعمين. لا يذكر أنه وجد هذا التناسق في "جابالا" من قبل.. إنها أشبه بنساء "الموديل". كامل محمد الرّجوب الذي لا تغادره حكاياته السياسية قال: لا نستطيع أن نقول إن للمدينة جذراً واحداً لم يدخل إليه التهجين. من هنا مرت شعوب وأقوام جميعهم عبروا، وبقينا نحن.. لكنهم تركوا فينا بعضاً من بشرتهم وعيونهم وثقافاتهم، وأشياء أخرى.
في المدينة اتخذوا موقفاً منه. اتهموه بالتشكيك في أصل المدينة.
بعضهم تعرض له بالإساءة "إن كنت يا رجوب دون أصل فنحن لا نسمح لأحد أن يشكك بأصولنا." وجد نفسه يضحك.
سائق باص البولمان رد له ابتسامته، ورفع له يده بتحية حارة.. ووضع كفه على رأسه كنوع من الاحترام. وأرسل له كأساً من القهوة مع معاونه رغم أنه كان يجد نفسه تحت مظلة واسعة من العيون التي تراقبه في فضول. عرض فنجان القهوة على المرأة.. لم ترفض. أمسكت بالفنجان، والتقت أطراف أصابعها بأصابعه.
أحس بها ناعمة وساخنة.. ترك لها الفنجان.. رشفت منه مرتين متتاليتين، وأعادته إليه.. اعتبر الجبلاوي ذلك نوعاً من الجرأة.. وأن في حركة أصابعها تحرشاً واضحاً به. لم تقل له شكراً.. أخبرته بأنها تستطيع أن تشاركه كأس القهوة..
طلبت إليه أن يطلب من سائق البولمان وضع الشريط الذي بحوزتها في جهاز التسجيل الخاص بالبولمان. وجد نفسه في موقف حرج لا يستطيع الإفلات منه.. نادى معاون السائق وقدَّم له الشريط.
-ضعه في جهاز التسجيل.
انساب صوت فيروز كرعشة ناعمة. بدأ يستنشق صوت فيروز إلى كل مشاعره. منذ زمن طويل لم تشاركه شادن تلك الحالة الحالمة وتستمع إلى صوت فيروز. كان يريد أن يفجر فيها تلك الحالة العشقية التي كانت تظهرها له كلما استمعت إلى فيروز. يأتيه صوتها قاطعاً كسكين "تظل فايق ورايق".
لم يعلن إعجابه بالشريط رغم استجابته الراعشة.
-ألا تحب فيروز؟
-أحبها.
قدمت له كأس القهوة.
-دعيه معك. فقد شربت قهوتي في مقهى القلعة.
صححت له: تغير اسمه.. صار "ملتقى العشاق".
اسم جميل، أليس كذلك!؟.
أراد أن يرشف القهوة من المكان الذي وضعت شفتيها عليه، أدرك أنها تراقبه.. لم يجرؤ على المتابعة.. رشف قليلاً من القهوة.. وقدم الكأس إليها من جديد.. ضحكت بعذوبة.
-جميل أن تكون ثمة أشياء مشتركة بين رجل وامرأة، لا يعرف أحدهما الآخر.
-كيف؟
-نحن نشترك الآن في مقعد واحد، وفنجان واحد من القهوة، وبمحبة الأغنيات الفيروزية.. وربما في أشياء أخرى!.
لم يعرف الجبلاوي ما الذي سيقوله لها.. لأول مرّة يجد نفسه في مواجهة امرأة تمارس نوعاً من الحوار المباشر الذي يحمل كثيراً من التحدي.. وربما التحرش. تركت له الرشفة الأخيرة في الفنجان.. كانت حوافه ملونة بأحمر الشفاه.. رشف ما تبقى في كأس القهوة. ونادى معاون السائق إليه.. مدَّ له الكأس، صار نصفه القريب منها متكئاً على صدرها النافر إلى الأمام.. والتهبت فيه حالة من التشهي.
لم يتحرش به من قبل جسد امرأة. لم يفسح المجال لأية امرأة أن تخترقه بهذه السرعة، وبهذه السهولة.. لم يكن في نيته بالأساس أن يسمح لنفسه حتى التفكير بذلك.. كان وجه شادن يقترب منه..
وتحاشى أن يقترب بمشاعره من تلك المرأة التي كانت تتسلل إلى روحه.. وأحس بها تجرده من المقاومة التي بذل جهوداً مضنية لإبقائها قوية. أحس بالتعب وهو يهرب من أحاسيسه وتظاهر بالإغفاء وأسند رأسه إلى زجاج النافذة. وأحس بنفسه كبطل جاهز لرواية بدأت تنمو في رأسه. هو ليس قادراً على أن يأخذ دور البطل المندفع باشتهاء جنوني إلى المرأة التي تسكب فيه عواطفها.. هو قادر أن يأخذ دور البطل المعتصر بين عاطفته المندفعة وبين عاطفته إلى تلك المرأة التي حاكت معه نسيجاً واسعاً من الحياة المشتركة.
-مسافر إلى العاصمة؟.
-نعم.
-تعمل فيها؟.
-لا.
-ما الذي ستفعله هناك؟
-زيارة.
في المرآة.. كان وجه السائق يتابعه وأحس بالإحراج.. هو لم يتهيأ لحالة حوار مع امرأة. إرث الجبلاوية الذي يسكنه منذ طفولته جعل النظرة إلى المرأة خروجاً على حدود مقدسة. كامل الرجوب كان له في المرأة رأي "كله بيض". لم يعجب قاسم المحمود رأي الرجّوب: "ثمة فرق بين بيض النعام وبين عصافير الدوري يا رجوب.. جرب قبل أن تعطي رأيك في مسألة هي من اختصاصي".
هزَّ حمدوش رأسه: "اسأل من كان بها خبيراً" في الآونة الأخيرة اختفت كلمات الغزل الناعم من أحاديثه مع شادن.. حتى كلمة "حبيبي" التي كانت نقطة التقاء في كل حوار بينهما اختفت. رأت فيها شادن نوعاً من الإسفاف الذي لا يليق بهما أمام أولادهما الذين كبروا فجأة كأشجار الحور التي تظلل ضفاف نهر قريطو.
الأدهمية كانت ترقب نظراتهما بفضول "هي صارت صبية". في هذا الصباح وجد شادن إلى جانبه بكل عواطفها. اعتبر أنها تقصدت مسايرته قبل أن يسافر.. هي لم تقل له شيئاً يستفزه إليها أو يعلن رغبتها به..
اعتبرت أنها قدَّمت له رغبته فيها كما تقدم له صحن إفطاره الصباحي..
"عجّزت يا رجل".
حتى كلماتها التي تتقصد ممازحته.. صارت تصفع مشاعره.. أراد أن يؤكد لها أنه ما يزال يحتفظ بحرارته.. فرش ذراعه تحت رأسها.. حدثته عن "محمد" الذي ترك الجامعة "هو لا يطيق الدراسة حصل على الثانوية بصعوبة "محمد يدخن.. محمد يشرب.. محمد كله على بعضه لم يعد يعجبني.. لا أصدق أن محمداً تحوّل إلى رجل آخر." عامر الذي لا يعجبه شيء وأن (الأدهمية) تكتب القصائد الغزلية إلى شاب لا تعرف من هو. الأدهمية شاعرة مثل أبيها. أحزنه استهزاؤها بشاعريته. في كل يوم تكسِّر جزءاً من روحه.. مع الزمن صارت روحه أشبه "بفاز" من الكريستال تحطم.
"ما بك يا رجل؟!".
اطفأت جمر الاشتياق فيه وتكاثف في روحه رماد بارد.
ظل التفكير بالمرأة التي تجلس إلى جانبه يواصل تقدمه. كان يتساءل إن كانت المصادفة هي التي أعدت لهذا اللقاء أم من جهة ما تعمدت ذلك.. فكل الأمور واردة في هذا الزمان. الرجوب كان يحذره حتى من غبار سريره. "أنت لا تعرف كيف يضعون المرأة طعماً. إنه صيد السمك بالصنارة يا جبلاوي" تعمقت في داخله فكرة أن لا شيء يحدث مصادفة في هذا الزمان. فثمة جهة تريد أن تستدرجه إلى هذا الفخ.
الرئيس كلنتون استدرجته مونيكا لصالح اليهود وفرضوا عليه ما أرادوا.
"واحدة مقابل واحدة".
أحس بالخوف والقلق.
"هل يعقل أن أحداً تقصد أن يرسلها إليه!."
دكران وحده له مصلحة بذلك. لا. لا يعقل أن يفعلها!
حرر الجبلاوي رأسه من أصابعه التي تطوقه.. وظل يحدق بعينين ذاهلتين إلى المساحات الزراعية التي كان يخترقها باص البولمان.. وحث نفسه على التحرر من خوفه تجاه المرأة.
جاءه صوتها كسهم:
-ستظل تحدّق من النافذة إلى تلك المساحات الواسعة؟!.
-ما الذي سأفعله غير ذلك؟.
-ما الذي ستفعله في العاصمة!؟.
سؤالها أكد فيه ريبته منها "هذا النوع من الحوار المباشر، وجهها، وأنوثة صوتها، كل ما فيها كان يخلق في داخله نوعاً من التصادم بين الرغبة، والانكفاء على الذات.
-وجهك يدفعني إليك.
-إليَّ!؟
-نعم.
سألته إن كانا التقيا من قبل.. فثمة شعور لديها أنها رأته قبل الآن.. ولكنها لا تتذكر أين؟!. ورأى وجهه في صفاء عينيها الزرقاوين اتسعتا.. صارتا باتساع الميناء.. وجاء البحارة الأوغاريتيون ينشدون. وتصبب العرق من جبينه.
-إلى أين سرحت!؟.
أحس بكلماتها تتقدم فيه، وتضرم فيه نوعاً من الخوف.
لم يخطر بباله أن يسألها عن نفسها، وما الذي تريد أن تفعله في العاصمة. صرف النظر عن هذه الأسئلة كلها..
في محطة الاستراحة.. تقصّدت الجلوس قبالته على الطاولة التي غطّاها هباب رمل ناعم.. مسحت الطاولة بمنديل ورقي.. اكتشف أن أصابعها خالية من أي خاتم يشير إلى أنها متزوجة. فهي تعلن بأصابعها عن حالتها هذه. تمكن من رؤية ملامحها وهي في مواجهته. بدا وجهها أكثر نعومة مما توقع رغم الأصباغ المتداخلة فوقه، وجسدها أكثر إثارة داخل فستان زهري باذخ الأنوثة. فكّر بالذي يمكن أن يقوله لها وهما يجلسان متواجهين.. هو لم يجرب الحديث مع أية امرأة لا يعرفها.. دائماً تأخذ حواراته مع المرأة مسائل افتراضية وجدية. وجد نفسه مستغرقاً في الحديث عن الألفية القادمة .. أخبرها بالذي قاله رجوب له.
-ثمة توقعات كثيرة بشأن الألفية.. جميعها تبعث على الخوف.
-وأنت.. ما هو الذي تتوقعه؟!.
أدرك أنها تريد أن تدخل إلى مشاعره الداخلية وإن كان ثمة خوف ينسرب إلى روحه تقصد أن يفلسف لها الأمور.. بأن الزمن تمتلكه قوة خفية.. وأن كل الأشياء تسير في حركة مدروسة ومحسوبة وتتحكم بمصائر العالم لتعلن النهاية كما أعلنت البداية.
سألته بشكل مفاجئ:
-ما الذي كان سيحدث لو أن هتلر هو الذي امتلك سبق إنتاج القنبلة الذرية..
هرب من السؤال بسؤال آخر
-ما الذي كان سيحدث لو لم تكن القنبلة الذرية!؟.
قدمت له نظرتها في الحياة. كلما تحدثت أكثر كلما كانت ابتسامتها تتسع وتتقدم فيه كأمواجٍ صخبت فيها الريح.. أظهرت له مقتها للرجال الذين يتشهون جسد المرأة فقط. "في هذا تجاهل لوجودها". وأنها تحب الرجل "المودرن".
كان كلامها مباشراً.
-أنت "مودرن".
وأحس باشتعال في داخله. قال لها أنه يرغب بكازوزة فهل تشاركه رغبته. أومأت له برأسها وابتسمت: من أجلك فقط.
وهبت ريح صحراوية ساخنة.. وجاءته رائحة عطر شعرها الذي تطاير.. وكبر فيه اشتهاؤه إليها.
وضع الكازوزة على فمه مباشرة. لم تكن مثلجة.. وأحس بالقرف من لزوجتها.. تركتها على الطاولة.. وأحس بعرق لزج يسقط في عينيه.. وظلت ضحكاتها تتقدم فيه.
كان مقتنعاً بأنها تبحث فيه عن ردة فعل. دون أن ينظر إليها ضحك.. هو لم يضحك لأنها وصفته "بالمودرن" أولاده في حوارات كثيرة بينه وبينهم يجد نفسه متهماً بالتخلف. أحياناً تقف إلى جانبه شادن، وأحياناً أخرى تلوذ بالصمت.. يطالبونه بشراء دش، وبأشياء كثيرة. شادن طالبته بالامتثال لطلباتهم.
"نريد دشاً نشهد فيه انتقال الزمن من ألفية إلى ألفية جديدة.
"الزمن الجديد ليس في الدش.
لفت انتباهها إلى وضع الأولاد.
" ما بهم؟!".
"دون دش المحطات الفضائية والأرضية المجاورة تدخل إليهم كالريح من كل نافذة".
"العالم يتغير ونحن لا نقوى على المقاومة".
وجد نفسه ينفجر في وجهها.
كانت أنفاس المرأة تقتحمه. وتساقط في داخله اشتهاء كمطر مفاجئ. وجد نفسه متروكاً بصمت لها. هي لم تقل له: أنت الرجل الذي أبحث عنه.. لم تدخل إليه بهذه المباشرة.. كل إشاراتها باتجاهه كانت تحمل رسالة بهذا المعنى.. لتمهّد مجالاً لأنوثتها في داخله . قدّمت له سيجارة تبغ فاخرة..
-لا أدخن.
-أرى نفسي أدخن كثيراً للهروب من هموم الحياة.
-هل في حياتك أزمة؟.
-العالم من حولي كله متأزم. وإن ثمة إحساس يدفعني إلى الاعتقاد بأن عيون الرجال تمشي إليَّ كعفاريت من جان". أحس بها تعرض أنوثتها عليه.. ترك رأسه إلى النافذة. جاءته صورة برصوما الذي عاد من حرب اليمن في زمن سفر برلك يقطع هذه القفار سيراً على قدميه.. كان وجهه متعباً مهزوماً بوجع وألم. لا يعرف لماذا كان يرى في برصوما وجهاً أوغاريتياً. لا يزال في "قريطو" المجاورة للنهر الذي يصل الجبل بالبحر.
مرة سمع حديثه مع أبيه الحاج محمد الجبلاوي
"في زمن سفر برلك. انحبس المطر.. وجاء الهواء الأصفر والجوع، والخوف، ونفق كل شيء.
"جابالا" صارت مدينتين واحدة للأحياء وأخرى للأموات، في كل يوم تكبر مدينة الأموات، وتحتل مساحات جديدة، وتتجه في استطالات بين تل التويني وميناء الرميلة".
أيقظه صوتها من شروده:
-لم تقل لي عن طبيعة سفرك إلى دمشق! لا أتصور أنك في زيارة عادية!
اتسعت ضحكته لها. أراد أن يخبرها بحكاية فاضل مسعود واستدعائه له. وبدأ شعور بالبلاهة يتعمق في داخله
أحس بها تتصيد انفعالات وجهه. فأصر على الصمت.
-أين ستنام؟
-في الفندق.
-ما رأيك لو تذهب برفقتي؟.
-إلى أين؟.
-إلى بيتي.
دهش الجبلاوي بجرأة عرضها.. بجرأتها كلها.. تأتيه أسئلتها مباغتة، وشهية الإغواء.. لكنه لم يستطع أن يتخلى عن خوفه.. أدهشه عرضها أن يلازمها للنوم في منزلها.. أراد أن يظهر لها عدم استغرابه لرأيها. وأعلن لها أن عرضها ليس مرفوضاً، ولكنه مرتبط بمواعيد مع أقرباء له. هم ينتظرونه ومعهم حكاياتهم وأسئلتهم، هو يحب هذه اللحظات الحميمة مع الأهل من أجل ذلك هو مضطر للاعتذار منها.. وإلا فمن الصعب أن يرفض دعوة امرأة جميلة وفاتنة مثلها.
تلقت إجابته بابتسامة رقيقة.
-لو كنت رجلاً آخر لما فكرت حتى بفتح حوار معك غالباً ما ينتابني الصمت في سفري. وجهك هو الذي شجعني على إقامة الحوار. في وجهك جاذبية هدوء خاص.. يتمدد إلى روحي كعبق وردة فل. على فكرة.. أعتقدك تحب ورود الفل؟
أومأ لها برأسه.. تابع صوتها تحركه في مشاعره وظلت ملامح وجهها، وعيناها.. واندفاع صدرها تعلن فيه ضراوتها مثل الشمس التي بدأت تصهد بقوة.
أخبرته أنها لا تخافه، من أجل ذلك طرحت عليه فكرة استضافته. فهي لا تقرأ في نظراته تلك الفورة الجارفة المملوءة باشتهاءات الجنس.
-في عينيك اشتهاءات رجل متزن.
تيقظت في الجبلاوي رغبة لفرش مشاعره أمامها.. ضحكتها التي انفلتت في البولمان كانت تصخب بالرغبة.. وجد أن ما يفصله عنها جدار هائل في العلو والسماكة مصنوع من الخوف لم يعترض على بقاء أطراف أصابعها التي لامست أصابعه للحظة وهي تتحدث في نوع من التأكيد على حقيقة مشاعرها التي تعرضها.. وأحس بها تتماوج فتحدث فيه نوعاً من الارتعاش.
***
وهو يدخل العاصمة التي بدت مضاءة داخل سحابة من دخان رمادي بدا في ضوء الغروب مغبراً.
منذ زمن لم يدخل العاصمة.. لم يستطع أن يقرأ وجه شوارعها.. بدا وجه العاصمة متعباً، ومغبّراً.. تبعثرت نظراته إلى الأبنية التي انتصبت إلى أعلى في السماء الرمادية وسال فيه نوع من القلق.
-بماذا تفكر الآن؟
-كأني لا أعرف المدينة من قبل.
أراد أن يخبرها أنه فقد القدرة على معرفة الجهات.. هذه الحالة جاءته مرة واحدة.. عندما كان في الجبهة، وخرج الطيران الإسرائيلي يقصف معسكره.. كانت طائرات الميراج السوداء تصخب بجنون فوقه.. وفقد القدرة على معرفة الجهات.. في المرات التالية لم تأته الحالة.. صوب نيران مدفعه /م/ ط وأطلق.. وأطلق.. لم يكن ير شيئاً وهو يطلق.
-تعرف العاصمة جيداً!؟..
مع تكرار حالة الاشتباك.. عرف كيف يسدد على مكان خزان الوقود في الطائرة.. ووجدها تهوي عند تل الهش.
لم يكترث لسقوطها.. انشغل بجمع أشلاء رفاقه الذين سقطوا.
-المدينة كبرت كثيراً.. ولكنها تبقى جميلة.
-وفاتنة كصبية ترفض أن تشيخ.
-أرافقك إلى المكان الذي تقصده؟
-سأتدبر أمري.. فأنا أعرف العاصمة. قبل أن تكبر كأخطبوط خرافي وقبل أن تصبح سماؤها غبارية.
وجد عباراته تنساب إليها طرية وسريعة، ومع ذلك توقف.. فالرحلة في نهايتها..
بدأ البولمان يتباطأ في سيره.. وخشي أن يسمع أحد في المقاعد الجانبية حواره مع المرأة.
لاذ بالصمت.. رغم أن شهيته إلى الكلام معها كانت تشتعل فيه بتلذذ لم يمارسه من قبل. أعاد لهما معاون البولمان شريط التسجيل. أصرت على إبقاء الشريط مع الجبلاوي.
-إنه ذكرى لقائنا.
لم يمانع من أن يحتفظ به.. وجد في قبوله نوعاً من الاعتراف بانجذابه إليها.
-تعال معي نسهر، ونتابع الحديث.
-لا أستطيع. فثمة مواعيد تنتظرني كما أخبرتك.
-قد تندم!
صار أكثر اقتناعاً بأنها تحاول اصطياده.. هي تلقي كل شباك إغراءاتها حوله. ورغم اقتناعه بذلك، فإن وجهها ظل يبعث فيه حالة من الاطمئنان، وينثر في مشاعره حالة من الاجتذاب العشقي. ظل الجبلاوي يتمسح بمشاعره الخفية كل أنوثتها المتدفقة فيه. لم يأبه للنظرات التي كانت تتشابك حوله.. ظل منهمكاً بها.
لا يمكن أن تكون من أولئك.
رغب أن يبوح لها بحقيقة اللقاء الذي ينتظره. خشي أن ترى في ذلك نوعاً من التباهي الذي يكرهه.. منذ البداية كان يريد أن يخفي أمر لقائه مع فاضل مسعود عن الجميع.
قاسم المحمود هو الذي نشر الخبر في المدينة كلها. وأضاف إليه كثيراً من عنده وأقسم لهم بأنه كان يسمع الحوار حرفاً بحرف. وأن الجبلاوي هذا الرجل المخبأ في ثيابه يمتلك كثيراً من الاحترام لدى فاضل مسعود.
وتقصّد قاسم المحمود أن يخبر كل مفاصل المدينة بذلك.. تركهم يتخوفون من أن يكون الجبلاوي قد وضع في حسابه أن يكون بديلاً عن أحدهم. دكران رغم علاقته السيئة بقاسم المحمود أصر على معرفة إن كان الجبلاوي يفكر بمكانه. أراد المحمود أن يلعب بأعصابه.
-فالجبلاوي لا يخبر أحداً بأسراره.. لا أستغرب"
كانت مباني العاصمة شديدة النهوض إلى أعلى، والباص يعبر الشارع الرئيس.. ورأى الجبل بوجهه الصخري يعلن عن أزمنة كثيرة.. كانت مصابيح الجبل المضيئة مع بداية المساء ترسم ملامح تجاعيد وجه الجبل. توقف باص "البولمان في الساحة الواسعة.. اقتربت أنفاسها منه.. ثمة مسافة قصيرة جداً بعرض الأصبع تفصل بين الشفتين.. اعتقد أنها ستقبّله.
-نلتقي غداً؟.
-لا أستطيع.. ربما أعود الليلة.
-إن عدت إلى "جابالا" كيف أتصل بك؟
وجد نفسه يكتب لها على ورقة صغيرة اسمه ورقم هاتفه في مكتبه.
طلبت منه رقم هاتفه في المنزل.. وظلت أنفاسها تلفح وجهه. فكر بالذي سيكون عليه موقف شادن إن جاء صوتها يطلبه.
قبل سنوات جاء صوت نسائي يسأل عنه.. ردت شادن باستفزاز:
"ما الذي يعجبك بالجبلاوي؟".
كان سؤال شادن واخزاً. أعلن احتجاجه قبل أن تترك سماعة الهاتف. "وأنت ألا ترين بي ما يعجبك؟".
أقسمت له بأنها لا تقصد ما فهمه من سؤالها.. هي تريد ممازحتها
"إنها مداعبة سخيفة".
أرادت أن تخرجه من امتعاضه.. بدأت تشعله بعذوبتها التي صدئت فيها منذ زمن طويل:
"ما الذي كنت ستهتف به إليّ لو كان الهاتف في زمننا؟".
"تقصدين في زمن عشقنا؟".
احتجت على كلمة عشق.
"لماذا نستحضر العبارات القديمة.. نسيتها يا جبلاوي".
"وأنا لم أنسها".
تركت شفتيها له:
"ما الذي كنت ستهتف به إليّ؟".
"سأرفض الحديث معك عبر الهاتف".
فاجأتها إجابته.. وتمدد حزن بلون الخريف في عينيها. تلمس وجهها الذي بدا كئيباً.
لأني كنت سأظل مشغولاً بكتابة قصائدي العاشقة إليك.. وأنت ستظلين تطرزين لي محارم اشتياقك".
أخبرته أنها لا تزال تحتفظ بكل الذي كتبها لها من رسائل وبأوراق الحبق التي احتوتها.. وبباقة زهر البنفسج التي جاء بها من سفح الجبل الأقرع.. "أوه مرّ الزمن سريعاً يا جبلاوي".
فرشت له كل رسائله أمامه.. ثمة قصاصة صغيرة اقتربت منه، قرأها "اغتسل بشحيح المطر، والميناء حزين
كل أشجار الحور والصفصاف تعرت..
ظلت أعوادها في مواجهة البرد تنتظر الربيع..
إنها مثلي تعيش الانتظار المشوّق.
في مواجهة الميناء والريح شتوية أنتظر أن يبتسم الزهر.
البارحة تساقط الندى من شرفة الضوء.
وتسلقت الشمس قمة الجبل
طائر الحسون تقافز عند الشرفة.
اقترب بأجنحته الملونة
.. هو الآخر كان يغني حبيبته التي لم تأتِ".
أخبرها أنه لا يزال يحتفظ بصوتها مطرزاً على محارم قماشية، تغفو عليها قطف الحبق.
شادن لم تصارحه بحبها له مباشرة. كانت ترى في ذلك أمراً معيباً.
"لا.. لا يمكن!"
كانت ترسم له قلبين من زهر أحمر، وتنثر حروف كلمة "أحبك" مطرّزة في الزوايا.
-ألا تريد أن تقدم لي هاتفك في المنزل؟!
-لا أملك رقم هاتف.
صار وجهها حجرياً. اعتقد أنها ستتركه وتمشي.. ظلت زرقة عينيها تسيل في أوردته المتجهة إلى قلبه. كاد يقدم لها رقم الهاتف. وجه شادن هو الآخر كان حجرياً وبلون باهت.
-أوقفنا رقم منزلنا. مشاغبات الأولاد في الهاتف كثيرة. إنه جيل عجيب.
أعلنت استنكارها.
-دعهم يمارسوا حياتهم كما يرغبون.
-إنه زمن العواطف التجارية.
-العولمة التجارية وصلت إلى الحبّ وغيره.
كان الجبلاوي مقتنعاً أن عواطف الحبّ في هذا الزمان تتطاير كلماتها عبر الهواتف وفي المقاهي وعلى الأرصفة وفي البيوت المغلقة وغير المغلقة كأكياس النايلون المشلوحة على الطرقات. تخيل أن عنترة العبسي يغازل عبلة عبر الهاتف. أضحكه التخيل.. وتقافز إليه وجه جميل وقيس بن الملوح. فكر لو كان فان غوخ في زمن الهاتف. سألها:
-ما الذي كان سيفعله فان غوخ لو كان في زمن الهاتف!؟ هل كان سيقطع لها اذنه كما فعل ليرسلها إليها أم سيهتف لها "تلزمني أذني يا حبيبتي لسماع صوتك العذب في الهاتف كل يوم مرات كثيرة.
تفجر فيها ضحك صاخب.
-تدهشني يا جبلاوي. أرى نفسي مشدودة إليك. تحزنني هذه اللحظات التي تشهد نهاية طريقنا. كنت أتمنى أن تكون الرحلة أطول زمناً.
-ستظل في الذاكرة.
أخبرته أنها تأمل أن تلتقي به ثانية.
-بالتأكيد سنلتقي.
نهضا معاً في لحظة واحدة.. وتوثبت نظراتهما.. اكتشف أن رأسها قريب من شفتيه وتماوج فوقهما شعرها الأشقر، هذا النوع من الشعر يجتذبه قاسم المحمود أخبره: ليتك تمضي يوماً واحداً على وسادة من الشعر الأشقر.
تخيل شعرها ملفوفاً حول وجهه.. وجسده يزحف إليها.
أطلقت ضحكتها في شرايينه. في ممر "البولمان" كانت أجسادهم تدفعه من الخلف.
وجد ذراعيه حول خصرها من أجل ألا تسقط إلى الأمام.
سرت فيه لدونتها كموجة راعشة. وتتقدم فيه سريعة كتيار كهربائي في محاولة لتجاوز هذا الجدار الذي لا يزال منتصباً بينهما.
-هم دفعوا بي.
ضحكت.. وتغانج جسدها بين ذراعيه.. اكتشف أنها تقصدت ترك جسدها له.. وارتاح لذلك.. لكن الصوت القادم من الخلف أخرجه من دائرة الحلم.
تحركوا ياجماعة
ثمة نظرات كثيرة في "الكاراج" الواسع ترقبهما وهو يقف في مواجهتها على رصيف المحطة. عيناه كانتا لا تغادران زرقة عينيها.. ثمة أشرعة أرجوانية كانت ترتفع في فضائهما الواسع.. سحب أصابعه منها بهدوء..
-لوجهك نداءات مختلفة عن كل الوجوه.
مشت، وتركت نفسها في مشاعره.. وظلت عيناه تومضان ببريق أسطوري.
**
لم يجد مقهى الهافانا كما كان يعرفه. أناقته الجديدة قتلت فيه روح الماضي.. بان له كوجه مصبوغ بألوان متكثفة.. تقتل اللون الحقيقي. ظل رأسه مزروعاً بوجه المرأة التي تركته ومشت في جوف المدينة.. هو لا يعرف شيئاً عنها.. أدرك كم كان غباؤه كبيراً. هو لم يسألها أي سؤال خاص بها.. كل الذي حدث أنه سقط في دائرة اجتذابها. تمنى لو سألها عن اسمها، عن عملها، رقم هاتفها، أو لو ذهب معها. هي فرصة يكتشف فيها حياة جديدة لم يعرفها إلا في عقله الباطني أو في أحلامه يشعر أنه معها بعيداً عن الناس، وعن شادن. الحاج محمد الجبلاوي في وجهه دائماً "هي النفس القابعة في الداخل يا بني، إنها الأمّارة بالسوء".
طوى كل أحلامه في العتمة..
مشت عيناه من نافذة المقهى في الشارع المزدحم. كانت واجهات المحلات التجارية أكثر ازدحاماً، وأصوات الباعة المتجولين تتناثر مع قصاصات الورق المرمية.. وثمة سيقان رجال ونساء.. لا يدري كيف انتابه شعور بأن ثمة علاقة بين كل رجل وامرأة في الشارع.. كل منهما يفصّل رغباته في الآخر على طول أمنياته فيه. اعتبر تفكيره هذا حالة غير صحيحة ناتجة عن تأثره بالمرأة التي تركته.
ثمة طالبات في مواجهته يحملن دفاترهن الملونة.. فساتين فتيات الجامعة لم تكن قصيرة هكذا من قبل.
يوم كان في الجامعة لم يكن يعرف أن سيقان المرأة ملساء وطويلة كأشجار الحور. كان وجه شادن معه يلازمه . مرة كتب إليها قصيدة حمزاتوف:
"يخيل إلي أنني لم أعش يوماً واحداً قبل أن تظهري في هذا الوجود".
من كان سوف يصبح سبباً لشكواي؟!..
ومن كان سيصبح مصدراً للبهجة والسعادة في حياتي؟!
ترى هل كانت الحدائق ستمتلئ بالأزهار؟!
وهل كانت الطيور تغني؟
أو كانت النجوم سوف تضيء في السماء لو لم تخلقي أنت؟!
واجهة الهافانا لا تزال من الخارج كما هي رغم أن زجاج "الفيميه" أكسبها غموضاً.. كل شيء تغير في الداخل.. لم تعد جدرانه تفيض بالفرح والحكايات والضحكات التي يهدرها بشكل مجاني رواد المقهى. حتى الكراسي المشغولة بدقة لم تكن مريحة. أحب الهافانا، لأن فيها ولدت قصائده ورسائله إلى شادن.
جاءه النادل بلباسه المميز مع بطاقة على صدره بحروف لاتينية:
-ماذا تريد مسيو؟
"أبو حمدو صاحب مقهى القلعة غير لباسه، ولون وجهه، ولون ثيابه.. وضحكته.. صار يضحك من شفتيه ببرود مقيت".
-كل ابتسامة بدولار.. أحص عدد ابتساماتك.. تعرف كم دولاراً كسبت.. الابتسامة "وسندويشة الهامبرغر بدولار.. كل الأشياء "بزنس في بزنس".
-ماذا طلبت؟
-قهوة.. من دون سكر، وصحيفة يومية.. أية صحيفة محلية.
جاءته طلباته كلها دفعة واحدة وفاتورة الحساب التي كتبت بحروف كومبيوترية.. كان يحتاج إلى نظارته لقراءتها.. رأى أرقاماً مشوهة لم يستطع فهمها.. ترك على "الصينية" ورقة نقدية من فئة "الخمسين ليرة" كان يعتقد أن كل طلباته ستكون أقل من ذلك.. تخيل أن يكون الأرسوزي في الهافانا.. وتأتيه فاتورة "كومبيوترية".. ستنهض قامته.. في وجه الجميع "النادل، وصاحب المقهى، وجلساء المقهى" ويشتم الاستعمار كعادته.
رشف قليلاً من فنجانه.. الصفحة الأولى من الجريدة التي جاءته تبرز افتتاحية رئيس التحرير.. كتابة هذا الرجل تعجبه رغم برودة المصطلحات السياسية فيها.. فهو يقيم نوعاً من التمازج بين لغة الأدب، ولغة السياسة.. يعتقد أن رئيس التحرير يدرك أن قابلية القارئ للمسائل السياسية تحتاج إلى سكر اللغة الجميلة.. فالأفكار والمصطلحات تجعل المضامين فجة كاللقمة الخشنة.. ومع ذلك تظل قراءة الافتتاحيات السياسية مضجرة.. فعندما يتعب منها يتحول إلى قراءة الأبراج.. فهو لا يجد فرقاً كبيراً بين قراءة الأبراج والافتتاحيات السياسية التي تنشرها الصحف فكل منها تتحدث عن أمور قد تكون وقد لا تحدث أبداً.
ثمة امرأة تركت نظراتها تفيض في الشارع المزدحم من خلف زجاج المقهى. توقع أنها تنتظر مجيء رجل ما. عندما غادر المقهى تقصد أن يمر من أمامها. أزعجته رائحة عطرها.. كانت شديدة النفوذ إلى رئتيه.. ولاذعة. اكتشف أن وجهها كان مقرفاً.. فالأصباغ كانت سميكة، وتتماوج كطين شتوي لزج، ساقاها الطويلتان ملفوفتان بشكل متعانق.. وتكشف التنورة الرمادية قسماً كبيراً منهما..