(3)

5 0 00

(3)

عادت عزيزة إلى مصحة الشفاء حيث تركت زوجها بانتظارها.. كانت ثيابها مبللة، ودون مبالاة دخلت المصحة متجهة مباشرة إلى مكتب الطبيب الذي وجدته بانتظارها مع زوجها.. وهب يستقبلها وقد امتلأ دهشة:

- ما الذي وقع لك؟ كأنك عائدة من معركة.

ولم تشأ أن تعلق على كلامه بل راحت تستعجله:

- فواز متعب.. أصابه بلل شديد.. ويظهر أنه تناول كمية كبيرة من الخمر

وهم سالم أن يعلق فرفعت فيه عينين مخيفتين، فتراجع إلى حِمى الصمت فواصلت:

- أرجو أن تذهب معنا في سيارة الإسعاف لمعاينته وحمله إلى المصحة.. هو بحاجة إلى الراحة والمتابعة

وأسرع الطبيب يعد الأمر دون أن يعلق.. ركب سالم بوطويل في سيارة الإسعاف.. في حين ركب الطبيب مع عزيزة التي أخبرته في الطريق أن ابنها تخاصم مع صاحب ملهى الحمراء، وإذا مارُفعت دعوى ضده سيكون ذلك تشويها لسمعة العائلة.. وطلبت منه في الأخير أن يراعي ذلك فيشهد أن فواز قد دخل المصحة في حدود الرابعة مساء لتكون دليلا له على عدم ارتكابه الجرم.

ما إن أكمل الطبيب فحص فواز حتى أمر بحمله إلى سيارة الإسعاف، وعجل الممرضان إلى نقله على المحمل، وبقيا ينتظران الطبيب الذي وجد لذة في البقاء داخل البيت مع عزيزة.. ثم مافتئ أن فطن لحاله فاستأذن في الخروج، وراح يغادر البيت وعيناه مثبتتان على فريدة ذات الخامسة والعشرين ربيعا، ينساب شعرها الأسود الفاحم على كتفيها بكثير من الفرح والابتهاج، وبكثير من الانسجام مع ثوبها الأبيض الكاشف الذي لم يستطع أن يكتم أنفاس نهديها المتطلعين إلى الأعلى.. ولاحظ فيصل الطبيب ما في عينيها من سحر واهتمام صعب عليه التخلص منه، كأنه رآهما للمرة الأولى.

وأدركت عزيزة ذلك فراحت تربت على كتفي فيصل الطبيب وهي تقول بنبرة متكسرة فيها من حرقة الغيرة:

- أرجو أن تزورنا قريبا وسنسعد بالجلوس معك.. اهتم بفواز...

انطلقت سيارة الإسعاف بهم تحت جنح الظلام تاركة قلب فيصل وأحلامه خلفه.

لقد رأى فريدة عشرات المرات، وكان كلما رآها تحرك شيء ما في قلبه.. وكان قد جلس إليها وحدثها وتبادلا شيئا من النجوى، لكنه أبدا مطلقا لم يرها بمثل الفتنة التي ظهرت بها اليوم.. وأبدا مطلقا لم يحس بالحلول في ذاتها كما أحس اليوم.. أي نوع في النساء هي؟ وهل الحياة أولا وأخيرا إلا امرأة؟

لم يعد سالم بوطويل إلى فراشه، ولم يغير حتى ثيابه، بل ولم يستطع حتى أن يجلس.. عشرات من الأسئلة كانت تدور في خلده، ويجب أن يطرحها على زوجته لكنه لم يكن ليجرؤ.. يعرف أنها قد تفور وتثور كالبركان، وتقلب ليلهم كوابيس مزعجة.

وانزوى في قاعة الاستقبال.. دون أن يشعل النور، ودون أن يقفل جهاز التلفاز، وكان يقدم صورا لمجازر جنين.. أشلاء.. شباب وشيوخ وأطفال ودمار شامل للمدينة.

جلس على الأريكة الحمراء الفاخرة.. تمدد على ظهره واضعا يديه المشبكتين تحت رأسه.. ومد ساقيه على الجانب الآخر من الأريكة.. وضع اليمنى على اليسرى، ثم أحس بضغط شديد في رجليه فقام بنزع حذائه دون أن يغير من وضعيته..

لماذا لم يتزوج ذهبية بنت الطاهر وكانت رفيقة صباه؟ ورفيقة أيام الدراسة؟ لماذا لم يجرؤ ويصيح في الجميع إني أحبها ولا أريد غيرها؟

وانسابت ذاكرته تعود به إلى المحطات الأولى التي بدأ قلباهما يخفقان بالحب، وبدأ كل منهما يختصر العالم في الآخر.. لم يجرؤ كي يقول لها أحبك، ولم تجرؤ هي أيضا.. ولكن كل نبضة في جسديهما كانت تدل على ذلك.. في العيون.. والشفاه.. والخدود.. وفي اليدين.. والقدمين.. وحتى في اللباس.. في نسمات الهواء التي كانا ينشقان.. وتزوجت ذهبية شابا جاءها من بعيد.. التقتها أمه في الحمام، وأعجبت بها، وتم الزواج.. هل هو قدر الله؟ أم هي خيباتنا ننسبها زورا وبهتانا لله؟

وفي غرفتها لم تنم عزيزة رغم أنها قد أخذت حماما دافئا، وأنها لبست ثياب نومها، إلا أن النوم تمرد على جفنيها، وتنافرت حواسها جميعا كأنها لأناسي مختلفين كل الاختلاف.. كانت أصابعها منشغلة بجهاز التحكم.. وكانت عيناها تتابعان أغاني عربية راقصة.. وكان جنباها يراوحان الاتكاء على غطاء السرير الحريري.. وكان ذهنها يعيد شريط ماوقع اليوم بالتفصيل الدقيق كأنما هي ترسم خطة خوض غمار معركة ضد جيش عصري

حاشية 3:

ومدينة عين الرماد كالمومس العجوز، تنفرج على ضفتي نهر أجدب أجرب تملأه الفضلات التي يرمي بها الناس والتي تتقاذفها الرياح.. تتدرج فيها البنايات على غير نظام ولا تناسق.. يسد عليها الريح من الجنوب أشجار غابة صغيرة.. تعاود الانحدار مرة ثانية على جبل صغير تشقه طريق معبد، تنـز قريبا منها عين الرماد الأصلية التي قيل إن السكان قد هجروها ثم اتخذوها مزارا ومعبدا.. وتمتد المدينة من الجهة الأخرى مرتفعة قليلا ثم مستوية ثم هابطة إلى أسباخ نخرة..

وتمتلئ مدينة عين الرماد بالحفر وببرك المياه القذرة.. يتوسطها سوق منهار السور.. تتلوى شوارعها وأزقتها التي تضيق وتتسع في غير نظام.. إلى جانب من جنوبها تمتد مساحة كبيرة مستوية تلتصق بالمدينة ثم تغوص في الغابة.. وحدها هذه الجهة تقوم بها بنايات أنيقة منظمة أقامها الفرنسيون يوم أسسوا المدينة التي سموها (la belle ville) المدينة الجميلة، ومافتئت الكتل الإسمنتية تتكتل حولها كخلايا سرطانية حتى شوهت كل ماحولها من هكتارات ضخمة.