(1)
خرجت القرية بـرجالها ونساءها وأطفالها للبحث عنى .. كنت طفلة صغيرة فى الثانية عشرة من عمرى , خرجت من الصباح ولم أعد إلى البيت , لم يلاحظ أحد تغيبى طيلة اليوم , فقد كان خروجى من البيت كل يوم من الصباح المبكر أمر طبيعى , فنحن فى عطلة نهاية العام
كذلك أنا لم يكن أحد يسأل عنى أو يهتم لأمرى , برغم أننى لست يتيمة , فـلى أب ميسور الحال ومتعلم فى قرية كان عدد المتعلمين فيها قليل , وأم ربة بيت جميلة ومن بيت كريم , ولى أعمام وعمات وأخوال وخالات .
كنت أقضى كل يوم فى بيت من هذه البيوت الكثيرة , ولكننى هذا الصباح خرجت ولم أعد , فى المساء بحثت عنى جدتى لأنام معها فلم تجدنى , خرجت الجدة تمر على منازل الأسرة التى تعودت أن أزورها يومياً .فلم تعثر لى على أثر.
كانت جدتى تُقابل بإجابة واحدة.....
"ستعود هى هتروح فين !"
كان أخر بيت تزوره جدتى هو بيت امى التى شعرت بألم يعتصر قلبها وصرخت ابنتى أين ذهبت ؟
عندما صرخت أمى كانت هذه الصرخة هى بداية البحث عنى.
وعُرضت على أمى وجدتى إقتراحات كثيرة بكيفية البحث .
أول هذه الإقتراحات كان أن يُنْادَى علي فى ميكرفون المسجد وقد نُفذ الإقتراح على الفور ولكن دون إجابة.
كانت قدرة أمى على الإحتمال تنهار فى كل دقيقة .. دقات الساعة تعلن العاشرة مساءً وأنا لم أعد. كان هناك سؤال واحد يتردد على ألسنة الجميع . تُرى أين ستكون وإلى أين ذهبت .هل خطفت؟ كادت أمى تُجن أما جدتى فقد عاودتها آلام القلب فحُملت إلى البيت ولازمته.
الكل يبحث إلا أبى فلم يعلم أننى مختفية فقد كانت تمر الشهور ولا يرانى , وكذلك أمى
عندما وصلت السيارة التى يركبها أبي إلى موقف السيارات قابله دسوقى صاحب المقهى قائلا له (إذهب الى المسجد الكبير يا استاذ على فالكل مجتمعون للبحث عن إبنتك )
جن جنون أبي فقال :
- بنتى ؟ راحت فين؟
كانت زوجته فى بيتها تجلس أمام التلفاز , دخل إلى البيت وسالها ماذا حدث ؟
قالت له :
- جت مرات عمك وسألتنى على ياسمين فقلت لها مجتش ولا شفتها.
كانت نظراته قلقة وحائرة .
- هقوم أحضر لك الأكل .
- أكل إيه وبنتى مش لقيينها .
- متخافش عليها البلد كلها بتدور هترجع دى زى الجنية البرانى , راجعة لك ولا زى مركوب أبو القاسم على رأى نعمان .
أراد أن يلطمها على وجهها فنظرت له نظرة متحديه فخفض يده على الفور وسألها
- لو كانت دى ابنتك ؟
شهقت ووضعت يدها فى جنبها ثم نظرت له نظرة تحدى وتعالى ورفعت صوتها قائلة
- بنتى بعد الشر... لو بنتى كنت هعرف أربيها لكن دى محدش رباها , و جدها دلعها .
خرج أبى وتركها بعد أن يأس من الحديث معها ليبحث مع أهل البلدة عنى فكان الحشد قد وصل إلى المقابر .
قال أحد الفلاحين :
- ربما تكون جاءت إلى مقبرة جدها فكثيراً ما كانت تتردد على المقبرة , وتجلس تحدث جدها بالساعات .
ثم خفض صوته مشفقا من هول ما سيكمل به جملته .. ربما نامت أمام القبرأو أصابها شئ .
سمعت الأصوات تنادينى ياسميين ياسميين......... الكل ينادى وأنا صامتة , حتى سمعت صوت أمى تصرخ منادية علىً : ياسمين .....!!
خرجت من القبر . وأردت أن أذهب إلى أمى , الظلمة شديدة لا أستطيع الرؤية . لا أستطيع رؤية الأرض . لا أستطيع رؤية يدى الممدودتين أمامى . كان صوت نبضى شديداً اشعر به خلف أذنى . كان خوفى أقوى من التفكير فى أى شيئ ويحجب كل شيئ... كان البرد شديد لا يجوز لى التفكير فى البرد أو الخوف . الست انا التى قررت البقاء فى القبر . إنتظاراً للموت .
إذا كانت الحياة تكراراً مملاً وإحباطاً محبطاً فسيكون الموت جميلاً فقط لو جاء فجأة ولم أضطر لإنتظاره وسط هؤلاء الأحياء .
منذ وفاة جدى وأنا أشعر أنى مِت , أن جزء منى قد مات ودفن معه , هل يجوز لمن قررت انتظار الموت التفكير فى الخوف أو فى البرد .. لكن البرد يؤلمنى ليلة من ليالى شهر سبتمبر المؤلمة . كان الإحساس بتدفق الهواء فى انفى محملاً برائحة المقابر العطنة يزعجنى . هواء سيئ ورائحة سيئة . إمتلأ قلبي بالرعب . لا يزالون ينادوننى فتتقلص معدتى . سوف أصاب بالغثيان . لو كان فى معدتى أى طعام لتقيأته على الفور . لكنها كانت خاوية . لقد أصبحوا قريبين جداً . سيعثرون علىً ..
فشلت خطة هروبي . أعلم أن الإنتحار حرام فلم أكن أريد الانتحار أردت إنتظار الموت فقط . فـ أتيت هنا لأنتظره بعيداً عنهم . هم جميعاً معاً وأنا وحدى لقد فشلت . أعلم ما سيقولونه الآن لقد أفسدها تدليل جدها لها . حمدت الله أن الظلمة ستبتلعنى فلا يروننى لكنهم يحملون معهم ((كلوبات)) تملأ بالكيوروسين كان يستخدمها أهل الريف فى ذلك الوقت لتنير لهم عتمة الليل
بعد قليلا سيروننى ويعيدوننى إلى عالمهم مرة أخرى . كانت الظلمة الشديدة تبتلع كل شيئ إلا ذلك الوجه الذى أراه أمامى الآن وتلك
العينين اللتين تشتعلان لهبا . من أين جاء أسمع صوت أنفاسه واشم رائحته , هل هذا كلب أم ذئب ؟
لا أعلم يشبه الكلب وحجمه كبير ويزمجر فى وجهى غاضباً
هل تجاوزت حدودى وأعتديت على أملاكك هذا القبر ليس ملكك إنه قبر جدى ,لم أرث من جدى غير هذا القبر
زمجر مرة أخرى وكأنه إستمع إلى أفكارى الخائفة جعلت هذه الزمجرة رعدة من الخوف تسرى فى ظهرى . إنه رد فعل غريزي إنه حب البقاء . لكن لا يوجد سبب يجعلنى أحب الإنتماء لتلك الحياة بطبيعة الحال .. جئت اتمنى الموت وها هو يقف أمامى متحفزاً فى صورة حيوان برى سيفترسنى فى لحظات قبل وصولهم إلىً .
أرى الأضواء تقترب منى وأنا خائفة . لازمت مكانى ولم أستطع الصراخ حتى ينقذونى , سمعت هسيس الخطوات تقترب شيئاً فشيئاً والأصوات تتضح وأسندت ظهرى إلى حائط قبر جدى . فلتحمى ظهرى يا جدى , كما حميتنى طيلة حياتك , بدأت فى قراءة آيات القرآن الكريم , تركنى الذئب وإبتعد خائفاً عندما رأى اقتراب الناس , واصلت قراءة ما أحفظ من القرآن . كنت قد تركت حفظ القرآن منذ وفاة جدى , قلت فى نفسي أعاهدك يا ربي أن أعود لحفظ القرآن مرة أخرى , كنت فى هذا القبر منذ الصباح , لا أذكر أخر مرة تناولت فيها الطعام فكانت معدتى تصرخ من الجوع . لكننى دخلت المقبرة مرة أخرى لا أريدهم أن يجدوننى أنا لا أخشاهم ولا أخشي عقابهم . لكنهم لا يريدوننى ..أنا أيضا لا أريدهم .
حتى أمى هذه التى تصرخ وتولول حزينة من أجلى فقد كنت دوماً مصدر تعاستها . والشيئ الوحيد الذى يعكر صفو هناءها مع زوجها وأولادها . رأيتهم يقتربون ..أردت أن أصرخ فى وجوههم ارحلوا لا أريدكم . لقد نسيتم وصية جدى , ألم يوصيكم بى؟ .
هذا نعمان زوج أمى يمسك يدها ويحتضنها حتى لا تسقط ..كم أكره هذا الرجل أكرهه أكثر مما أكره الشيطان فهذا الرجل سر مأساتى .
تقدم نعمان للزواج من أمى قبل زواجها من أبي . كان يحبها فتقدم لها أكثر من مرة , لكن جدى كان يرفضه لأنه عاطل , وأمه تنفق عليه.. حتى أرضه لا يزرعها , ولاهم له فى الحياة سوى الجلوس على المقهى .
وتزوجت من أبي إبن شقيقه المتعلم , فبعد حصول أبي على مؤهل متوسط , أكمل تعليمه فى الجامعة , وبرغم أنه مجند منذ حرب 67 إلا أنه يزرع أرضه , وهو بالإضافه الى ذلك محبوب من الجميع .
لكن أمى كانت مشاعرها تنبض مع نعمان , الذى يجيد كلمات الغزل , ويحفظ الأغانى , ولا يمل من ارسال الخطابات , يرتدى جلبابه الأبيض المزهر , ويجلس على المقهى أمام البيت , يضع يده على قلبه متنهداً من وقت للأخر , ظنا منه أن أمى تنظر ناحيته من خلف الشيش .
لم تستمر هذه الزيجة أكثر من ستة أشهر فلقد بدأتها أمى باكية العينين , وخرجت منها أيضاً باكية العينين , خوفاً على الجنين المستقر فى أحشاءها , لكن خوفها ذلك لم يجعلها تصبر وتتحمل . أما أبي فلقد كانت كرامته أيضا أهم من أن يستمر فى هذه الزيجة التى فرضت عليه كما فرضت عليها
كانت رغبة والده هى ما جعلته يتزوج من ابنة عمه . فى الحقيقة هو لم يكن ينوى الزواج أو يخطط له . كان يريد أن يكمل تعليمه الجامعى . ويسافر ليرى العالم لكن الحرب قد طالت وفترة تجنيده قاربت على أربعة أعوام ولا يعلم متى تنتهى . فحقق رغبة والده , واستقبل عروسته متعجباً من دموعها , ومن حزنها وكآبتها بين يديه , ظن أنها ككل فتاة تخشي الزواج وترهب ليلة الدخلة , فإقترب منها مطمئناً لكنه وجدها تنفر منه وإستمر نفورها وإعراضها عنه , وإستمر هدوءه وصبره فهى إبنة عمه الذى يحبه ويحترمه كما يحبه الجميع , لم يكن يقدر على الشكوى منها , لأى شخص لكن جلسة الحشيش التى جمعته مع خليل زميله فى الجيش حلت عقدة لسانه . فأفشي سره , فأخبره خليل بحب زوجته من نعمان وحب نعمان لها . لطمه على وجهه فقال خليل :
- وأنا مالى اسأل البلد كلها كل البلد عارفه انه اتقدم لها وابوها رفضه .
- أنا عارف إنه اتقدم لها واتقدم لها كتير غيره تبقي بتحبهم كلهم ؟
ضحك خليل ضحكته الصفراء :
- طبعا يا على افندى هى هتلاقى زوج زيك . ثم اكمل ابتسامته التى تعلن كذب كلامه
عاد أبي للبيت وطالب أمى أن تصارحه
فصارحته بأنها لا تحبه ولا تحب نعمان وأنها لم تكن تريد الزواج , وكانت هذه الحقيقة فهى لم تتحدث يوماً مع نعمان أو غيره لكنها مع ذلك كانت تريده .
- يعنى يا بنت الحلال أبوكى غصبك تتجوزينى ؟
نزلت دموعها وقالت بهمس :
- لأمحدش غصبنى .
- طيب مالك ليه حزينة ليه مهمومة.
لم ترد عليه فلم تكن تعرف ماذا تريد كل ما كانت تعلمه أنها لا تريده ولا ترتاح معه ولا تطيق صوت أنفاسه ..تشعر بالسعادة عندما يسافر للجيش , وينقبض قلبها عندما ياتى فى أجازة , الأسبوع الذى يقضيه معها يمر كانه دهر كامل .
- طلباتك إيه؟ وأنا أنفذها لك ..ردى عليه يا سامية . إنت بنت عمى وأم ابنى ولا بنتى الجايين .
لم ترد.. ظلت صامته مطرقة تداعب بيدها التطريز على ملاءة السرير .
- إرفعى وشك وكلمينى زى ما بكلمك.
عايزة إية ردى ؟ عايزة تتطلقى وترجعى بيت أبوكى مهو أنا مرضاش أعيش مع واحده كارهانى .
صمتت ولم ترد
هزها بعنف وضعت يدها على بطنها كنت أتحرك فى أحشاءها ضغط على يدها أكثر فآلمتها ذراعها
- ردى عايزة تتطلقى ؟
هزت رأسها موافقة
- أسمعها منك قولى عاوزة تتطلقى قولى عاوزاك تطلقنى .
وزاد من الضغط على يدها فقالت :
- عاوزة اتطلق .
فرد من فوره : أنت طالق .
وملأ المخلة بملابسه التى لم تغسل بعد , وعاد إلى كتيبته دون أن يودع أحد , فى الصباح خرجت امى من البيت , وعادت إلى بيت والدها
وهكذا استقبلتنى الحياة بعد ثلاثة أشهر من طلاقهم.. ولدت لأم حزينه وأب لاه لا يريد أى شيئ يربطه بهذه المرأة ولا يريد أى ذكرى لهذا الزيجة التعيسه حتى أنه عندما علم بمولدى لم يطلب رؤيتى .
لكن الله عوضنى بجدى , أطيب قلب فى الوجود . رجل وقور.. ثرى , يهابه ويحترمه الجميع .
كان جدى الشيخ عبد الله قد حفظ القرأن الكريم فى كُتاب القرية صغيراُ ثم درس قليلاً فى الأزهر الشريف , لذا كان متنوراً يحب العلم ويجالس العلماء والأعيان .. بنى دار ضيافة بجانب بيته ليجلس بها ضيوفه الوافدين من خارج القرية . يجتمع عنده كل ليلة الأكابر والمثقفين .
كان جدى هو أول وجه أفتح عينى لآراه , ملأ بحبه قلبى وملأ حبي قلبه لا يصبر على فراقى ساعة لذلك كان يصحبنى معه فى حله وترحاله , يجلسنى خلفه على حصانه
أجلس معه فى مجالسه العرفية , ومجالس السمر التى يحضرها شاعر الربابة , أو مقرئى القرآن الكريم أو أى وافد يفد على قريتنا كانت مضيفة جدى مقصده لذا كنت مدللة يحسن الجميع معاملتى إكراماً لجدى .
رأيت أقدامهم أمام القبر مد أحدهم يده التى تحمل الكلوب ووضعها فى فتحة القبر ثم نادى وجدتها وجدت ياسمين ومد شخص آخر يده وسحبنى فأخرجنى من القبر .
وقفت على قدمى قليلاً أوصلونى لحضن أمى التى تلقتنى مرتعدة نظرت فى وجهها ثم غامت الدنيا أمام عينى ولم أعد ارى شيئ .
عندما فتحت عينى مرة أخرى وجدتنى فى حجرة جدتى وبجانبي أمى التى كانت تربط رأسها بإيشارب لونه أخضر تضغط به جبهتها كأنها تعانى من الصداع وتضغط بيدها الكمادة على جبينى . كانت تحتضننى وكنت اشم رائحتها , لطالما أحببت هذه الرائحة , رائحة امى ترتبط بداخلى بذكرى لا اعلمها لكنى أحبها , أردت أن أملأ قلبى بتلك الرائحة حتى لا أشم غيرها .
طرق الباب ودخل نعمان . كانت نظرته مألوفه بالنسبة لى كنت أحتار فى تبرير سر قسوته معى.. نعم إنها نظرة يريدنى من خلالها ان أشعر بقسوته . كان حاجباه الأسودان معقوفين قليلاً فوق عينين بهما شيئ من الجحوظ . منذ تزوج أمى عندما كان عمرى عامين وهو يلقانى بتلك النظرة . فيتولد بداخلى شعور بالغضب ممزوج بالتوتر والإنزعاج . كنت دوماً أعتبر نفسي قوية ولا أشعر بضعفى إلا امام هذا الشخص جعلنى احساسي بالضعف أرتعد وأنكمش . ضعفى هذا وخوفى منه جعلنى أشعر بالعار .
سالنى :
- عامله إيه يا ياسمين كده تخضينا عليكى عامله إيه يا بنتى .
قالت امى :
- ردى على عمك نعمان يا ياسيمن
لم يخرج صوتى إلا همسا قلت :
- الحمد لله على كل حال .
جلس ينظر ناحيتى فالتقت عيناه بعيني , كان على وجهه تعبير غريب جداً غضب ممزوج بالكراهية .
خرجت أمى وأخرجته من الحجرة عندما شعرت أننى أصبت بالتوتر من وجوده معى فى نفس الحجرة . كنت أشبه أمى كثيراً نفس الوجه البشرة العاجية والعيون التى يصعب تحديد لونها هل هى خضراء أم زرقاء ام عسلية فهى خليط من كل ذلك لكن شعرها اغمق من شعرى .
سمعت جدتى تقول لخالى :
- لو ياسمين جرا لها حاجه أنا مش هسامح نفسي أبدا أنا السبب فى كل اللى جرا لها . ثم سقطت دموعها على وجهى
نعم جدتى لها دور كبير فيما أصابنى من الأضرار , وكان لها دور كبير فى زواج أمى من نعمان , برغم حبي لها , إلا أننى أجد صعوبة فى مسامحتها على ذلك .