(4)
تركت الجميع ودخلت حجرة جدى وجدتى هذه الحجرة التى كنت اقضي فيها أوقاتى السعيدة .
الآن أهرب إليها من الحزن والألم , نسينى الجميع وأغلقت الحجرة طيلة اليوم بالمفتاح من الخارج وأنا بداخلها , لكنى لم أشعر بالخوف أو الوحشة .
أذكر الآن أيامى فيها ..
حجرة جدتى كانت جنتى , كنت ألجأ إليها دائماً وأرتمى فى أحضانها , أذكر أول صلاة لى كانت خلف جدتى , رأيتها تصلى لا أذكر كم كان عمرى وقتها ربما كنت فى الرابعة أو أكبر قليلاً , كنت أذهب لكُتًّاب القرية منذ الرابعة من عمرى
رأيتها تصلى , جلست أصلى بجانبها بدون وضوء ولكننى حرصت أن أغطى شعرى , وبرغم قصر ثوبي ..
ركعت جدتى فركعت , سجدت فسجدت , كنت لا أقرأ شيئا إلا الفاتحة فلم أكن أحفظ غيرها . وبعد أن سَلْمَّت سَلمتْ .
رأيت جدى يقف بباب الحجرة ويبتسم ثم جاء وحملنى وقال لى :
- حبيتى الصلاة ؟
إبتسمت واختضنته .. قالت جدتى :
- بس هى كانت بتلخبط فى قراءة الفاتحة وكانت بترفع صوتها .
قال جدى :
- مش مشكلة علميها تصلى إزاى .
كانت هذه الحجرة هى جنتى فعلاً , أهرب إليها وإلى أحضان العجوزين حينما تعنفنى خالتى أو يضايقنى أى شخص فى هذا العالم , فأجد أحضانهم مفتوحة دائماً لإستقبالى ومسح دموعى وغسل همومى الصغيرة بالكلمات الحانية .
عندما كنت أرى جدتى أرى نوراً يشع من وجهها . ما أجملها وما أحن قلبها .. ملأت هذه السيدة قلبي بالحنان .
كان كُتاب القرية فى المسجد فى مصلى السيدات بالدور العلوى , وأمام المسجد ساحة كبيرة كان الأولاد يلعبون بها , أما أنا فكنت أجلس على السلالم أكتفى بالمشاهدة ,
وقت الدرس بين آذان الظهر والعصر نجلس نردد خلف الشيح الآيات وعندما نسمع الآذان ينزل الأولاد بصحبة الشيخ لأداء الصلاة فى الدور الأول , وتصعد السيدات للصلاة .. كنت أترك المسجد لأذهب إلى جدتى لأصلى خلفها . عندما كبرت قليلاً ورأى جدى حبي لحفظ القرآن إتفق مع الشيخ أن يأتى للبيت ليقوم بتحفيظى القرآن .
أجمل الليالى هى التى كنت أقضيها بين أحضان العجوزين كنت أنادى جدتى زوزو كما يناديها جدى وأناديه عبده كما تناديه جدتى , رأيت معهما أجمل قصص الحب بين عاشقين .. مر على زواجهما أربعون سنة ولا يزال الحب يملأ حياتهما . إذا تأخر انتظرته فى الفارندا وعندما تراه تشرق ملامج وجهها .
كان يرسل لها رسائل من المضيفة رسائل مملوءة بالحب والشوق .. اذكر بعض هذه الرسائل ..
" يا مليكتى حضرى لنا الغداء "
" يا زهرة الياسمين عندى مجلس وهتأخر عليكى "
" يا نوارة فؤادى خليهم يحضروا عشا للناس اللى معايا "
وأحيانا كان يكتب لها " يا حبيبتى وحشتينى فى الساعتين دول , انتظرينى سأحاول انهى المجلس لأعود لكى سريعا , مع حبي وغرامى " كانت جدتى تحتفظ بهذه الرسائل فى حقيبة جلدية ..
لم أكن أعلم أن قراءة هذه الرسائل عيب حتى رأتنى خالتى سوسن ذات مرة وعنفتنى , وعندما علمت جدتى إبتسمت حياءً كفتاة صغيرة أما جدى فقد ابتسم وبدأ يرسل لى رسائل أنا أيضاً .
رأيتها يوم وفاته تقبل قدميه ويديه وهو يطوحهما من الألم عندما يذهب فى أغماءة ثم يفيق فيناديها فترد عليه فيدعو لها..رأيتها حزينة وأن الحزن يسكنها ولا ينوى الرحيل رأيتها شاحبة وكأن الدماء قد فارقتها إلى غير عودة .يريدونها أن تخرج من حجرته فيناديها قلبها إلى أين تذهبين وتتركى رجلك وقلبك ثم تجلس وقد تيقنت أنه قد فارق الحياة فتطيل الجلوس فتحاول الحركة فلا تستطيع ..تحاول الصراخ فلا يطاوعها صوتها .تحاول أن تخرج مكنون قلبها لمن حولها فلا تستطيع .وكأنما قد منعها مانع الموت الذى منع زوجها من الحركة .ثم فجأة تعاودها الحياة فتنطلق وكأنما تحررت من عقالها فتطرق الباب عليهم لماذا يوصدون باب حجرتها دونها هذا ابنها الطبيب يخرج من الحجرة ويخرج من بروده المعهود تجده يضطرب ويعانقها باكيا ثم يقبل ابنها الحنون فيلثم يدها وقدمها
تساءلت هل لو تزوج العشاق أصحاب القصص الشهيرة أمثال روميو وجولييت وقيس وليلي أكان الحب يدوم بينهما هكذا ,
لم ترى جدتى جدى قبل زواجهما ولم يعيشا قصة حب عنيفة ولم يلتقيا فى مدرجات الجامعة ولا الندوات والكازينوهات , جمعهم بيتاً فملآه بالحب والمودة والرحمة .
بعد وفاته كانت تقف أمام صورته تناجيها بعينيها ..
وتمر الأيام وتمر الأعوام ويتقدم السن بجدتى
عاشت بعده ثلاثين عاماً.. تنظف طربوشه وعمامته وشاله , وتغسل ملابسه وتعلقها على الشماعة كل يوم تقرأ ورده من القرآن ووردها كما أعتادا
واجداه وا حبيباه .. ابكيكما الآن بدموع القلب بعد أن جفت دموع العين .