(5)

6 0 00

(5)

مرت الأيام ثقيلة الخطى لا أشعر بشئ غير الألم والشوق لجدى . اذهب إلى الحظيرة لأعتنى بحصانه الذى أصابه المرض منذ يوم وفاة جدى , أحاول إطعامه لكنه ظل يرفض تناول الطعام حتى مات حزناً على صاحبه .

كان إحتضان جدتى لى يهون على كثيراً ونجحت محاولتها فعلاً فى تعويض حنان جدى , فقد هدأت نفسي وإطمأن قلبي , ولكن زوجة خالى وخالتى كانتا غلاظاً معى

لم أكن أعيرهن إهتماماً , تغيرت حالتى .. تعودت أيام جدى أن أطلب فيلبي طلبي فوراً لكن الأمور تغيرت الآن . كان نعمان يعاملنى بحنان شديد يدخل البيت فيسأل عنى يحضر لى الحلوى ويلاطفنى ..قال لأمى :

- ما رأيك أن تأتى ياسمين لتعيش معكِ ومع أخوتها ؟

كادت أمى أن تطير من الفرحة إستبشرت خيراً قام نعمان بتجهيز حجرة لى فى بيته .. قام بطلاءها بلون وردى وأحضر لها ستارة جميلة .. كنت أقضي معهم طيلة اليوم وأعود لأنام مع جدتى , حتى لا أتركها وحيدة فقد تزوجت خالتى سوسن . لكن عندما إنتقل خالى فتحى إلى البيت للإقامة مع جدتى بشكل نهائى , إنتقلت أنا أيضا للأقامة فى بيت أمى .

بدأ نعمان يلمح بضرورة أن تطلب أمى ميراثها حتى يشترى به نعمان أرضاً فهو يربي لها إبنتها , وفعلا ذهبت أمى لأشقاءها وطالبت بميراثها ولم تمهلهم فإقترضوا حتى يشتروا نصيبها ..

فقد كان من عادة أهل الريف ألا يعطوا البنات ميراثهم ومن يعطيهن لا يعطيهم أرضا زراعية للبنات , ويقوم الأشقاء الذكور بشراء نصيب الإناث , أخذ نعمان المال وقام بشراء أرض زراعيه سجلها بإسمه لم تستطع أمى الأعتراض , فهو يذكرها دائماً بأنه يربي لها إبنتها

خضعت أمى إذاً وإستكانت لكن نعمان بدأ يفتعل المشكلات معى ..

عندما تضع امى الطعام نجلس جميعاً فـينظر ناحيتى بغل ثم يجلس مبتعداً عنى مشيحاً بوجهه كما لو أنه يشم رائحة كريهة

وجدنى مرة أجلس أمام باب البيت لأشاهد مجموعة من البنات يلعبن معاً , نادانى فذهبت إليه مسرعة ضربنى على وجهى بالقلم , صرخت فى وجهه

- بتضربنى ليه هو أنا عملت حاجه ؟

جاءت أمى مسرعة :

- بتضربها ليه إيه اللى حصل ؟

- بتلعب فى التراب ووسخت هدومها .

- والله مكنتش بلعب ووهدومى نضيفه أهوه كنت بتفرج على اللعب بس .

قالت أمى :

- ياسمين دايماً نظيفة وعمرها لا لعبت ولا بهدلت نفسها , كمان مسمحلكش تضربها تانى .

جلس على طرف المقعد ينظر لها بغضب كان يضم كفه على ساقه اليسرى بقبضة محكمة كانت العروق نافرة تحت جلده الغامق لم يرخ قبضته.. كانت يده مفتولة العضلات قوية جعلتنى اشعر بألم صفعته على وجهى فأتحسسه وأنا أمسح دموعى , رفع قبضته ولوح بها قائلاً :

- ربي بنتك يا سامية بلاش الدلع اللى هيبوظها , وبلاش تخلى بنت الكلب دى تكون سبب فى طلاقك وخراب بيتك .

وجد تهديده طريقه إلى قلب أمى كانت تخاف ان تطلق مرة أخرى ثم إنها الآن قد باعت ميراثها ولم تعد تملك شيئاً وأصبح لديها ثلاثة أطفال غيرى مسحت دموعى وقبلتنى وجلست صامتة .

أما هو فظل يحدق بى والإشمئزاز يملأ عينيه السوداوين . دخلت حجرتى وجلست متجمدة أفكر فى وضاعته وظلمه يفعل كل ذلك ليتخلص منى.

منذ أيام قليلة كان يدللنى ويشترى لى الحلوى , حتى تحصل أمى على ميراثها والآن ينقلب هكذا تصل الأمور للضرب . عندما دخل لينام تركت البيت وذهبت لبيت جدتى وحكيت لها ما حدث فجاءت مع خالى . قائلة :

- هى حصلت الضرب .. تتقطع إيده .

استيقظ من النوم على صوت جدتى خرج بشعره المشعث . وقف أمامها ثم نظر ناحيتى . وقال وقد تقوس ظهره ليمسك بى من ملابسي

- هى حصلت رايحة تشكى للهانم جدتك .

أمسك يدى شعرت بنوبة من الخوف الشديد جعلت شعرى يقف .

- من النهارده مالكيش مكان فى بيتى تلمى هدومك وتخرجى منه .

صمتت أمى تماماً . أفرغت جدتى وخالى كل غضبهما فى وجهه البشع . ثم خرجنا من البيت . فشلت فى كبت دموعى طيلة الطريق .

وفعلاً صمتت أمى وعاشت وعدت إلى بيت جدتى , لكنه لم يعد بيت جدتى , فقدأصبحت له سيدة أخرى الرأى رأيها ,

وإنزوت جدتى فى حجرتها منعاً للمشاكل , بدأت زوجة خالى تضايقنى أنا وجدتى بكل الطرق , تتعمد إهانتى تضربنى وتهيننى وجدتى لا تستطيع الرد , أشكوها لخالى فيكلمها بهدوء لكنها ترفع صوتها وتلفق لى الأتهامات , ثم حملت أولادها وتركت له البيت وإشترطت أنها لن تعود حتى أخرج من البيت ,

لكن تدخل الجميع وأعادوها للبيت , فأصبح البيت جحيماً لذلك كنت أخرج من البيت صباحاً ولا أعود إلا على موعد النوم , حتى جدتى التى لم تكن تطيق إبتعادى عنها لحظة تركتنى اذهب لبيوت أقاربي , تجنباً للمشاكل ,

قمت بتدريب نفسى على الجلوس طيلة اليوم بلا كلام ولا طعام , أجلس فى مكان واحد لا أتحرك منه , لكن عقلى يعمل .

وحتى لا يملنى من اكون ببيته من أقاربي كنت أنزوى فى أحد الأركان لا أبارحه , كانوا لا يشعرون بوجودى .ألاعب الأطفال الصغيرة .او أقوم بمساعدتهم فى أداء بعض الأعمال المنزلية . كان هذا الوضع يحتاج إلى التعامل بمرح ودبلوماسية لكننى كنت فاشلة فى هذه الامور.. دربت نفسي أيضاً على عدم الذهاب للحمام إلا مرتين.. مرة صباحاً وأخرى مساءً , وعندما أشعر بالإشتياق لجدى أذهب لزيارته فى قبره .

كانت كل المنازل مفتوحة لى ومرحبة بي إلا منزل أمى وابي

كانت زوجة أبى ترفض مجرد دخولى للبيت فكنت أنتهز فرصة ذهاب أحدى عماتى لزيارة أبي فأذهب بصحبتها .. فكانت زوجتة تخجل أن تطردنى أمام عمتى

كنت أثناء اللقاء بابى أظل أنظر له حتى أحفظ ملامحة , قال لى أبى :

- إنتِ بتبصى لى كتير قوى ليه كدا يا ياسمين . فقلت :

- بصراحة بخاف أنسي ملامحك , يابابا لأنى مبشوفش حضرتك إلا كل سنة مرة .

تنحنح أبي وقال :

- ابقى تعالى يا حبيبتى .

- باجى كتير يا بابا علشان أشوفك وأشوف أخواتى لكن طنط سنية بتقولى إن أنت مش موجود .

نظر أبى لزوجته وقال :

- إبقي خللى ياسمين تدخل يا سنية علشان تتغدى وتلعب مع أخواتها .

قالت له بغضب :

- حاضر .

كان أبي يشعر بالإحراج ..

استمر الوضع على هذا الحال حتى مزق إبن خالى كتابي , وعندما أخذته منه بكى جاءت زينات وظنت أننى ضربته فظلت تضربنى وأنا أخبرها أننى لم أضربه أخذت كتابي منه فقط لكنها رفعت صوتها وأخبرت الجميع أننى ضربت ابنها الصغير , وبدأ الجميع يوجه لى اللوم حتى جدتى .

وإمتنع خالى عن الحديث معى وقالت خالتى سوسن :

- مش كفاية متحملينك وإنتِ ليكى اب وأم روحى لأهلك وريحيهم .

لذلك تركت البيت وتوجهت إلى القبر .. قررت أن ابقى هناك حتى أموت لم يكن لى أى سبب لإستمرارى فى هذه الحياة .

ولا أريد أن أسبب ألماً أكثر لمن حولى فقد كنت مصدر تعاسة للجميع .

عندما يولد أى مولود فى العائلة , كنت أرى فرحة أهله به . وكنت اتخيل نفسي مكانه , هل فرح بى أحد كما فرح والدا هذا الطفل به !

مؤكد لا , ومؤكد أن الجميع تمنوا موتى قبل ولادتى .. ليتنى مت قبل أن اولد . لكن لا هناك من فرح بولادتى وقام بإحتضانى وقربنى منه هأنا ذا معك الآن يا حبيبي أمسح على جدران قبرك .

أسبوع كامل بعد خروجى من القبر , لم اتحدث ولا بكلمة واحدة , ظللت أستعرض شريط حياتى , أتذكركل ما مر بي , وأفكر هل أسأت لهم ؟

كل ما كنت أتمناه مكان أعيش فيه .. ليتهم تركونى حتى أعيش بمفردى .

طلبت من جدتى أن تقول لى حكاية مركوب أبو القاسم . كانت زوجة خالى عندما عدت من القبر تقول :

- رجع مركوب أبو القاسم .

قالت جدتى :

- عمى فى قلبها بقي القمر الجميل ده يبقى مركوب أبو القاسم

تأثرت أمى عندما سمعت ذلك فقلت لها إن نعمان أيضاً قال لى إنت مركوب أبو القاسم وسنية زوجة أبي ..

- نفسي أعرف الحكاية .

صمتوا جميعاً ولم يحكى لى أحد الحكاية ..

بدأت حالتى فى التحسن أو هكذا ظنت أمى فعادت لبيتها . لكن زوجة خالى تركت البيت , فلقد كان الجميع يتهمها بإساءة معاملتى إلى الدرجة التى فضلت فيها البقاء بالقبر على العيش معها لكن ما حدث لى بعد ذلك جعلنى أعتقد أن زينات زوجة خالى هى ملاك من ملائكة الرحمة .