(2)

5 0 00

(2)

أغمضت عينى ومر عليها شريط حياتى , أرادت جدتى الإطمئنان على أمى , فأرسلت إلى أبي قريبة لها , تطلب منه بطريق غير مباشر أن يعيد أمى لعصمته , حتى يقوما بتربيتى معاً , لكن أبي فهم الأمر وشعر بالزهو لكرامته الذبيحة وأعلن رفضه وكان رده قاسياً قال :

- روحى لـزوجة عمى وقولى لها بنتك دى متنفعش ست أصلا , وأنا خطبت سنية أخت خليل صاحبي , وهتجوزها بعد شهرين .

ثارت جدتى لكرامتها , وقررت تزويج أمى من نعمان قبل أن يتزوج أبي من سنية , وإحتالت للأمر فتم لها ما أرادت , وكان شرط جدى أن أبقي معه ولا أذهب لأعيش فى بيت زوج أمى وتم الأمر على ذلك .

فـ عشت فى بيت جدى كأميرة , أعامل كما تعامل الأميرات , أحضر معه مجلسه أسمع كل شيئ بإنتباه شديد , أما المدرسة فلا أذهب إليها وحدى بل مع مرافق , برغم قربها من البيت , كم كنت أتمنى أن يتركنى جدى ألعب مع صديقاتى , أو حتى أذهب معهن للمدرسة , لكنه كان يرفض ذلك بشدة , كان الجميع يحسن معاملتى سواء فى البيت أو فى المدرسة.

ذات يوم إنتقل إلى مدرستنا معلم جديد , كان رجلاً طويل القامة بدأ الصلع يغزو رأسه.. دخل الفصل فوجده هائجاً الكل يلعب والأولاد يتقاذفون الحقائب والأوراق فيما بينهم , أما البنات فكن يلعبن الأولى , وقمنا برسم المستطيلات على بلاط الفصل , كنت مكتفية بالمشاهدة كعادتى , انظر لكل طرف من الأطراف , لم أشارك ابداً من قبل فى اللعب ولا فى الأحاديث ..كنت كطيف متواجد داخل كل مكان اذهب إليه . لم أكن أجيد التواصل مع من هم فى نفس عمرى ولا اجيد التواصل مع الناس من كل الأعمار . ربما كنت أرى الحياة بطريقة مختلفة عما يراها الناس .

إشتد الصراخ وتمزقت بعض الكتب . دخل المعلم الفصل فجأة , وهاله ما رأى فقرر معاقبة الفصل كله بالضرب عندما جاء دورى لم أفتح يدى وقلت للمعلم :

- لماذا أُضرب وأنا لم أفعل شيئ إسألهم جميعاً لم أتحرك من مكانى ولم ألعب ؟

تطوع بعض الأولاد للرد قائلين :

- ياسمين لم تشارك فى اللعب .

قال المعلم الحسنة تخص والسيئة تعم . كان صوته صارماً مملوء بالقسوة . لم أفهم معنى ما قاله ولكنى صممت على أغلاق يدى . لم أفتح يدى فقام بضربي على كتفى ولطمنى على وجهى إزداد عنادى وإستمررت فى رفض فتح يدى وإستمر يضربنى ويلطمنى حتى دخل الأستاذ فخرى مدرس اللغة العربية وأبعده عنى قائلاً :

- على مهلك يا استاذ عاطف دى مابتنضربش .

- ليه على راسها ريشه هتنضرب زى زمايلها .

- لا يا سيدى الفاضل لا ريشة ولا غيره لكن هى مؤدبة ومتفوقة وجدها صاحب أفضال على الجميع . ماذا فعلت ؟

قال المعلم :

- ستضرب مثل باقى الطلاب .

أخذه الاستاذ فخرى من يده وأخرجه من الفصل

التف حولى زملائى من ضرب ومن لم يضرب بعد , كانت أكفهم تمسح دموعى , وتربت على كتفى .

جاء الناظر بصحبة الأستاذ فخرى وطلب منى ألا أخبر جدى حتى لا يغضب , وفعلاً كنت قد قررت ألا أخبره , لأنه لو علم لن يدع الأمر يمر بسلام .

عدت إلى البيت ودخلت حجرتى , رفضت تناول الطعام حتى لا تلاحظ جدتى وجهى فكل صديقاتى قلن لى أن وجهى وعيونى محمرة ,

وقالت منال صوابع المعلم إللى يتشك فى دراعه مرسومة على وشك

نمت طويلاً وأستيقظت على صوت جدى يسأل عنى خرجت وإرتميت فى احضانه ونسيت ما حدث لى عندما رأى وجهى أصابه الفزع وغضب غضباً شديداً ,عندما حكيت له ما حدث فى الصباح أوصلنى خالى إلى المدرسة كما يوصلنى كل يوم , دخل المعلم الفصل ونظر إلى مبتسماً ,وكأنه قد نوى أمرا لم تعجبنى إبتسامته طلب منى أن أخرج لمسح السبورة لم يكن يعهد بمسح السبورة إلا للأولاد المقصرين ولم أخرج لمسح السبورة من قبل , لكننى استلمت البشورة وبدأت أمسح السبورة فبدأ المعلم الجديد ذو الشعر الأسود اللامع المدهون بالفزلين . يختار لى أصعب الاسئلة أملاً منه بأن أخطئ فيعاقبنى ثانية , لكنه لم يكن يعلم مقدار تفوقى فلم أخطئ فى أى سؤال .

ترك الحساب بعد أن سمعت له جدول الضرب , وبدأ فى اللغة العربية طلب منى أن أسمع الأناشيد وسألنى فى معانى المفردات يأس تماماً منى لكنه ظل مستمراً فى محاولة الإيقاع بى وجعلى أخطئ حتى أعاقب لم يكتفى بما صنعه بالأمس المسألة إذاً مسألة تحدى .

فجأة سمعنا صوت ضوضاء شديدة وفتح الباب فى مشهد أسطورى , فوجئنا جميعاً بدخول جدى للفصل ممتطياً حصانه الأبيض , أمسك المعلم من كتفه وهزه هزة عنيفة فما كان من المعلم إلا أن قال :

- هو فى إيه هو أحمد عرابي لسه عايش ولا إيه !

ابتسمت رغما عنى عندما رأيت إرتعاش المعلم بين يدى جدى .

قال جدى للمعلم كلمات كثيرة غاضبه لم أفهم كلامه لكنى رأيته مرسوماً على وجه المعلم

جاء الناظر والمعلمون وحاولوا تهدئة ثورة جدى واتفقوا أن يأتى الناظر وكل العاملين بالمدرسة ليعتذروا لى فى بيت جدى عما بدر من هذا المعلم الأحمق , لم أكن أشفق عليه , فقد كرر خطأه , متناسياً أنى مجرد طفلة صغيرة .

نادتنى أبلة سعاد قائلة :

- متنسيش يا ياسمين قولى لجدتك أن المدرسات مش هييجوا العزومة بكرة خللى جدتك تبعت لنا نايبنا وتتوصي بالفطير .

ركبت خلف جدى على حصانه وأنا أفكر لماذا يعاملنى جدى هكذا , هل نزع حبي من قلب أبي وأمى ووضع فى قلب جدى .

إستقبلتنى خالتى بسيل من الكلمات الغاضبة قائلة

- مافيش يوم يعدى يا ماما من غير عزايم المدرسة كلها يا نهار اسود .. إمتى اتجوز وارتاح زى باقى أخواتى .

قالت جدتى :

- كلها كام شهر وتتجوزى وتسيبينى أنتِ كمان زى أخواتك .

قالت خالتى :

- كله من تحت راس المفعوصة دى , وفيها إيه يعنى لما تنضرب ما إحنا كلنا كنا بننضرب وبابا كان بيوصى المدرسين يضربونا علشان نتشطر .

قلت :

- بس أنا شاطرة ومؤدبة ومبعملش أى غلط أو مشاكل .

قالت خالتى :

- انتِ مغرورة وقنزوحة . ثم أكملت قائلة

إحنا كنا لو حد تعب بعد كام يوم لما تفتكروا تودونا لدكتور او نخف لوحدنا , لو التعب طول يبعت بابا يجيب لنا الدكتور , لكن انت لو تقولى آه يجرى يشيلك ويجرى بيكى وانتى زى الشحطة كدا للدكتورة , ولا اللبس يشترى لك لبسك من عند أحسن المحلات .. يسافر مخصوص علشان يشترى فساتينك و إحنا طول عمرنا بنخيط عند أم وداد .

نهرتها جدتى قائلة :

- كفاية انتى بتحسديها حرام عليكِ دى زى اليتيمة أبوها وأمها عايشين ولا داريين بيها

كانت جدتى على حق , كانت تمر الأيام والشهور, دون أن أرى أمى وكنت أشتاق إليها فأذهب لبيتها يقابلنى زوجها غاضباً ويعاملنى بجفاء شديد . كانت تلقانى أمى دامعة العينيين ممزقة بين حبها لى ورغبتها فى الإستقرار وتربية باقى أولادها , كانت نفسها مطمئنة لأنها ترانى أحيا فى كنف جدى هادئة مطمئنة , فتقر عينها قليلاً.. قرأت هذه المعانى فى عينها , وقرأت الكراهية الشديدة فى عين نعمان , نعم كنت طفلة صغيرة , لكنى فهمت جيداً لغة العيون فقررت ألا أعرض أمى لهذا الموقف ثانية , سأكتفى برؤيتها حين تأتى هى لبيت جدى .

أما أبي فكنت لا أراه لأوقات بعيدة أزوره فى بيته فتقف زوجته بالباب لتمنعنى من الدخول قائلة :

- روحى يا حلوة بابا نايم . فأعود من حيث أتيت

تركت جدتى وخالتى باكية العينين , عندما جاء الشيخ سليمان الذى عهد إليه جدى بأن يقوم بتحفيظى القرآن

دخل جدى الحجرة وسأل الشيخ

- إيه أخبار ياسمين يا شيخ سليمان .

رد الشيخ قائلاً :

- بسم الله ما شاء الله تبقي لها خمسة أجزاء , لو سارت على هذا المعدل ستحفظهم خلال خمسة أشهر بإذن الله , إن شاء الله تختم القرآن قبل أن تحصل على الإبتدائية .

قال جدى :

- شد حيلك معاها وانت جايزتك كبيرة .

لم يتم ما توقعه الشيخ , فلم أكمل حفظ القرآن لا فى خمسة أشهر ولا فى الخمسة أعوام القادمة .

فى الليل كان البيت مستعداً لقدوم هيئة المدرسة , جلسوا أولاً للمأدبة العامرة ثم إستأذن الناظر جدى لأقوم بالغناء فى حفلة المدرسة التى سيحضرها الوزير والمحافظ بمناسبة إفتتاح مجمع مدارس

قال الناظر :

- ياسمين زى ما عودتنا كل سنة هتغنى .

قال جدى :

- ياسمين كبرت . ثم نظر لوجهى فعلم أننى أكون فرحة بالغناء خصوصاً فى الحفلات الكبيرة ولم يرد أن يحرمنى من متعتى ومن كلمات الإعجاب والتشجيع

اكمل جدى ولكن .. هذه آخر مره ستغنى فيها يا ياسمين

أعدك بذلك يا جدى .. قبلت جدى وإلتفت فوجدت المعلم الذى ضربنى ينظر ناحيتى يشعر بالخجل ينظر للأرض يريد أن يتحدث . نظر له الناظر قائلاً :

- استاذ عاطف اعتذر لياسمين .

قلت له :

- عفوا يا حضرة الناظر , هو استاذى ولا انتظر منه إعتذار .

قال الجميع ونعم الأدب ونعم التربية الكريمة

هكذا مر اليوم بسلام وتلاه أيام وأيام تذكرت كل هذا وأنا ارقد بين أمى وجدتى فى حجرة جدى وعلى فراشه وتذكرت آخر مرة رأيت فيها جدى

3) )

آخر مرة رأيت فيها جدى كان يوم حفل المدرسة كنت عائدة من الحفلة سعيدة أكاد أطير من الفرحة , وكعادتى مررت على جدى فى مضيفته فلم أجده .

كنت غاضبة منه لأنه لم يحضر الحفل كما وعدنى رسمت على وجهى تكشيرة حتى يعلم أنى غاضبة .

سمعت أصوات بكاء مكتومة .. وجدت خالتى , وأمى فى الصالة يبكون فى صمت كانت جدتى حائرة يرتسم القلق على وجهها وعيونها محمرة . دخلت حجرة جدى وجدته نائماً فى فراشه والحجرة مملوءة بالناس دخلت جدتى . فقام خالى ليفسح لها مكاناً بجوار جدى فجلست ووضعت رأسه على كتفها . عندما رآنى فتح ذراعيه وابتسم لى دخلت فى احضانه وقلت بصوت هامس

- مالك يا حبيبي ؟

قالت جدتى :

- جدك تعبان يا ياسمين ورفض يروح المستشفى إلا لما تيجى ويسلم عليكى .

لا أعلم إن كانت تلك دموعاً التى نزلت من عينى أم نيراناً , مسحها جدى بيده , كان الألم ظاهراً على وجهه , لكنه إبتسم وقال :

- متخافيش أنا بخير وهرجع لك ماشي على رجلى إطمنى وإحكى لى عملتى إيه فى الحفلة. غمغم خالى قائلاً :

- كل دقيقة تأخير غلط على صحتك .

أشار له جدى قائلاً :

- إتلهى دوايا فى حضنى أهوه .. قولى ما ترديش على حد عملتى إيه ؟

- غنيت يا جدو والمحافظ طلب منى أغنى أغانى كتير لأم كلثوم وكان فرحان لما لاقانى حافظاها وكمان هو عارفك يا جدو وسألنى عليك وقال أنى هكون مطربة كبيرة زى أم كلثوم فى يوم من الأيام .

هنا إنتفض جدى وحاول الجلوس فاستند على جدتى ووضع يده فى يدى قائلاً :

- اوعدينى يا ياسمين ..

قلت :

- على إيه ؟

قال :

- أول حاجه تتمى حفظ القرآن الكريم وتكملى تعليمك لحد ما تاخدى الدكتوراه فى التخصص إللى يعجبك وتحافظى على صلاتك .

ونظر إلى ملابسي فوجدنى أرتدى ثوباً قصيراً وبدون أكمام وشعرى مسدول على أكتافى فوضع يده على كتفى ونظر فى عينى قائلاً :

- جسمك ميتكتفش ولا شعرك فاهمه ؟

كان ينتفض من الألم ويضغط بقسوة على ذراعى .. شعرت أن أصابعه ستمزق يدى , لكننى هززت رأسي بالإيجاب أكمل قائلاً

- متغنيش برا البيت أبداً .

فاهمه .. عارف إنك بتحبي تغنى إوعى يا ياسمين يقولولك شهرة ومجد وفلوس أوعى .. دى وصيتى تبقي بتموتينى ألف مره بعد موتى لو عملت غير اللى قلت لك عليه .

نظر جدى إلى جدتى وأخوالى قائلاً :

- وصيتكم ياسمين .

هنا تنحنح أبي وتدخل فى الكلام لأول مره ولم أكن قد انتبهت لوجوده قائلاً :

- ياسمين بنتى يا عمى .. ولا ناسي ؟

نظر له جدى نظرة غاضبة وقال :

- إنت إللى ناسي .

كان جدى لأبي يجلس فى الناحية الأخرى من الحجرة فتنحنح قائلاً :

- ياسمين فى عينينا .

عندما حُمِل جدى دخلت أمى وخالاتى للحجرة باكيات .. ولم يعد إلا على القبر , ولم أره ثانيةً بكيت كثيراً .. لم يكن ما شعرت به يوم موته حزناً بل يُتماً ولطماً والماً.

لم يكن موته كل ألمى لكنه كان بداية الألام ووداعاً للسعادة .

كان قلبي يتمزق بألم ولوعة . كنت أنظر للنسوة المتشحات بالسواد فينقبض قلبي . الجميع يبكون على جدى . جاء اصدقاءه ومحبينه من كل مكان

أُقيم العزاء لمدة سبعة أيام . كان أهل القرية جميعاً فى غاية الحزن تبكيه حتى النساء والأطفال ويذكره الجميع بسماحته وكرمه وهيبته وحبه للخير .

حقاً تموت القلوب حين يرحل من كانت تنبض لأجلهم فتخجل النبضات وتتوقف عن الخفقان .