(1)
وحيدا تقبع بين جدران غرفتك .. تلتهم العين
المتعبة كل مافيها ... المكتب .. الأوراق ...
الأقلام .. اللوحات المهملة فوق الحيطان ...
المكتبة .. الأزهار الإسفنجية .... منفضة السجائر
.. شرائط الكاسيت .. والغبار ... ورائحة الخمول
... تسأل النفس فى حيرة .. لماذا فقد كل شىء معناه
؟ تخلع نظارتك للحظات تمسح خلالها عينيك
المتورمتين علك ترى الأشياء كما كانت ... لكنك
تنسى أن كل شىء لم يعد كما كان ... فلن تشعر بطعم
موسيقى مونامور . التى تذوب فيها عشقا . وهى تتسرب
أسفل الجلد مدغدغة كل حواسك منسابة فى ملائكية .
محلقة بك بين السحب لترقب من فوقها ليل قريتك
الهادىء .. ولن تجلس أنت وأطفال العائلة حول
المدفأة فى ليالى الشتاء مستمرئا دفئها الذى يجعل
الخدر يسرى فى جسدك بنعومة لتحكى لك جدتك حدوتة
الشاطر غريب وهو يقطع آلاف الأميال فوق جواده
الأبيض حاملا سيفه اللامع باحثا عن ست الحسن
والجمال وعن زمن آخر أكثر أمان .. ولن تستطيع
الهروب من المنزل خلسة متجها إلى الترعة لتجد
أسماء فى انتظارك هناك عند الصفصافة لتسبحا معا
وتتعلقا كعصفورين صغيرين بأغصان شجرة الصفصاف..
الليل أسود .. الشوارع تمتلأ بالغرباء ... الليلة
كل سنة وأنت طيب مولد الطاهرة الشيخة سلمى ...
تحدق النظر فى خيوط العنكبوت التى احتلت أركان
غرفتك ... يتراءى لك القطار العملاق آتيا من بعيد
... أسود كالشبح ... يخترق سحب ضبابية كثيفة ...
وقطعة بشرية عارية .. لايد لها أو قدم ... كلها
رأس كبير.. لها عين وفم وأنف وأذن .. تقف أمام
القطار ... لاتأبه بصفيره أو بالموت الزاحف أسفل
عجلاته ... يمر من فوقها ... يخلفها ألف قطعة
أخرى حية .. تنزف دماء غزيرة .. تتألم .. وتقف
كلها أمام ألف قطار قادم عملاق يخترق سحب ضبابية
... والقطع الحية لايد لها أو قدم .. كلها رأس ..
لها عين وفم وأذن ... تحدق فى تلك القطعة .. تفتش
بين رفوف الذاكرة المغبرة محاولا البحث بين
جنباتها عن ذلك المكان الذى التقيت فيه بذلك الوجه
المرسوم لتلك القطعة البشرية ... لكنك تتوه بين
جحافل الزمن وتضيع كالثوانى بين السنين
والمحقق صرخ فى وجهك فى تشف :
ـ لافائدة من الإنكار فقد ألقينا القبض على كل
مجموعتك
..........
تحاول القبض على اللحظات الراهنة حتى لاينفلت منك
العقل غارقا فى ربوع الماضى .. لكنك أبدا لاتستطيع
... تحاول إبعاد أشباح قادمة من بعيد وصور متداخلة
. مدققا السمع فى أصوات الميكرفونات الآتية إليك
من المولد ..
ياشيخة سلمى مدد
ياسيدى على مدد
يارئيسة الديوان نظرة
وفى الصمت لازلت غارقا .. لكن تفكيرك أبدا كان
هناك .. فى أعماق الماضي البعيد
..........
ـ اقرأ لى قصتك الأخيرة
ـ هبينى قبلة الحياة
ـ يالك من طفل غرير
ـ إنها بعنوان " دموع رجل "
ـ دموع مرة أخرى يالى من تعسه
ـ " شعر بوحشة تنتابه وهو يدور بين أركان المنزل
حائرا .كل شىء يذكره بها .. صورها ... ملابسها
... عطرها ... من صورتها الموضوعة فوق خوان جانبى
اقترب .. بين يديه احتضنها .. من صدره قربها ..
ضمها إليه .. تساقطت دموعه فوق إطارها الفضى ..
اختلطت دموعه بوجهها .. وبكت هى الأخرى معه . "
وبعد أن انتهيت من قراءة قصتك شعرت ببريق العين
السوداء ينطفىء ... وعندما سألتها عن السبب أجابتك
:
ـ لازلت رغم وجودك بين أحضاني تشعر بالغربة
........ وكنتما تلعبان عريس وعروسة . وزفكما
الأطفال . وعلى شاطىء الترعة أسفل شجرة الصفصاف
خلعتما ملابسكما . ووسط المياه سبحتما معا ..
وقالت لك :
ـ أريد الغوص للأعماق فربما عثرنا على منزلنا
الكبير
وحاولتما ... وخرجتما مرة أخرى ... انطرح الجسدان
الصغيران على الطريق ... هى تبكى وتتقيأ ماشربته
من مياه ... وأنت تزيل ماتعلق على رأسها من طين .
وطمأنتها إلى أنكما ستصلان لمنزلكما الكبير الذى
تحلمان به .. فقط يأتي الحفار ويزيل الطين الموجود
فى أعماق الترعة فى العام القادم
لازلت غارقا فى صمتك ..
تستمع إلى همسات الجيران
ـ ابنك محسود
ـ مفيش غير الشيخة كريمة تعمل له حجابا
تتمنى أن يشفيك حجابها من الألم القابع فى الأعماق
.. تتأوه من شدة الوجع صارخا دون أن يسمعك أحد
"رباه لماذا يتحطم فينا كل شىء جميل ؟ "
ـ قصصك ثورية وفى هذا دليل ادانة ضدك
وقبل أن تستقل السيارة مودعا أرض السمارة جاءتك
رسالة أسماء
كانت سطورها مرتعشة . ولهيب الأنفاس المحترقة ينبع
منها
" أحمد .. سأنتظرك حتى آخر العمر "
..........
وفى نويبع كان طابور الهاربين من الوطن طويلا..
أطول مما كنت تتخيل .. ولم يكن معك سوى حقيبة لم
تكن ملكا لك .. بها قلم يتيم وحفنة أوراق قمت
بتهريبها من عيون أبيك .. والكثير من أحزان
الشاطر غريب .. وقطار أسود عملاق يمزق رأس بشرية
حية .. لامعالم لها سوى أنها رأس كبير .. تقف
أمامه وتتمزق لألف ألف قطعة .. وتعود للوقوف من
جديد فى وجه ألف قطار آخر .. ولاتعرف لمن هذه
الملامح الموجودة فى ذلك الوجه الموضوع فى ذلك
الرأس .. مع أنك كنت مستعدا ـ ولازلت ـ لأن تدفع
نصف عمرك لتعرف ..
..........
ومعك فى رحلتك كنت تحمل هزيمة خفية ..
..........
وصرخ المحقق فى وجهك محتدا وجسدك معلق فى سقف
الزنزانة :
ـ لماذا لاتتأوه أسفل السياط أيها الوغد ؟