(2)
القمر آخذ بالنضوج، وعلى أطرافه تلاقت عيون الرجال، وفوهات بنادقهم، وربما أولئك الذين يقفون على الجانب الآخر أيضاً، ... فإن لهم عيوناً وفوّهات بنادق...، القمر لم يعد ملكنا وحدنا كما كنا نشعر من قبل!
أحس محمود الشاعر بشيء من الخوف، أحكم قبضته على بطن البندقية، الطرقات والمعابر والأشجار والصخور وأطراف البحيرة صارت أكثر وضوحاً الآن، والأماكن المعتمة بدأت بالتململ تحت غلالة القمر...، قد يفضحنا الضياء...، ربما ساعدنا على المشاهدة، لكنه يساعد الآخرين في الوقت ذاته. آه... تذكر مطلع أغنية شعبية:
(يا قمر لا تفضح العشاق خليّ لثامك على سنونك)
عاد إليه شيء من صفاء الروح، ونهض في داخله قمر الذكريات...
لليالي المقمرة عالمها. ولا أدري لماذا تصبح البحيرة أكثر عمقاً وأكثر اتساعاً في مثل هذه الليالي؟!. رغم أني أعرفها كما أعرف جسدي.
... كنا في معظم الأيام نركب مراكب آل سعدية، نحمل معنا ما لذ وطاب ونعود بما لذ وطاب، وفي كثير من الليالي والنهارات كنا نسبح حتى ينفر الماء من جلودنا... ورغم ذلك فهي الآن أكثر اتساعاً وأكثر عمقاً!!!.
ولا أدري لماذا تتسع الأمداء، ويصير الأفق بحراً يتصل بالسماء؟.
في عمق فلسطين تبدو الجبال وقد ارتفعت قليلاً على صدر الأفق، وتنكشف رؤوسها تحت وميض ينفلق تارة ويخبو تارة أخرى، ثم يعقبه دوي عميق كالرعد آتٍ من بعيد، وتتوالد الاهتزازات لترتجف الصخور ثم يرتد الصدى ويولد من جديد، ويصبح الأمر واضحاً حين ترتفع قناديل الإضاءة، تظل معلقة في السماء لبرهة من الزمن حتى تتلاشى، ويرسم دخانها خطوطاً متعرجة وسط وهج القناديل التي ترتفع من جديد.
آه... هذه مناوراتهم وتدريباتهم فهي لا تكاد تنقطع ليلة واحدة...
والحكام العرب... آه من العرب!! حتى الآن لم يفعلوا شيئاً!!.
دقق النظر في بندقيته... خمس طلقات... مشط واحد فقط!!
لابأس فهي بندقية على كل حال...
تعلقت عيناه من جديد على امتداد فوهة البندقية، ... بحيرات الأسماك التي بناها الخواجات على ضفة البحيرة تلتمع متوازية على مساحات كبيرة من الشاطئ، وفي الأفق البعيد يبدو جبل الطور ناهضاً كأنه يريد الإفلات من الأرض، أو كأنه يشد السهول والروابي نحو جنباته، وكتل الضياء تنهض في الأمكنة كلها.
الأشجار صار لها أشكالٌ أخرى، وكتل الصخور بدأت تنفض عن جنباتها سواد الليل، والقمر آخذ بالاقتراب من قبة السماء.
وتل قصر يبدو خيمة سوداء وسط سهل فسيح... لعنه الله على هذا التل، فمعظم الرمايات المعادية تأتينا من خلفه في كل الاشتباكات التي خضناها حتى الآن.
امتد بصره بعيداً بعيداً في عمق غور بيسان الذي بدا سابحاً في عتمة داكنة موشاة بضياء القمر...، تذكر الطرقات والأشجار والبيادر والسواقي والكثير من الوجوه السمراء... ثم جالت عيناه أطراف بلدة السمّرة وأفق بلدة التوافيق التي تمتد لتلامس خاصرة فلسطين بل تتوحد مع فلسطين ...
تنهد... سقى الله أيام معركة التوافيق، يومها ذبحنا منهم المئات، ارتفع صراخهم كثغاء القطيع، ... كان الأمر مختلفاً جداً، يومها كانت الجمهورية العربية المتحدة، قاتلنا نحن والمصاروة بالسلاح الأبيض الجيش والحرس الوطني والأهالي... معركة لن ينساها التاريخ.
... مرَّ في ذاكرته الكثير من وجوه الرجال ونهض في داخله الكثير من الأحداث والكثير من الوقائع، أحس بالدمع يسيل على وجنتيه، تذكر مطلعاً لحداء شعبي كان قد صاغه يوم المعركة، يوم اشتعلت الأرض والسماء بنيران القنابل ودوّت الانفجارات كالرعد، وصار حداءً لكل الفلاحين في القرية:
لقد ولد هذا الحداء بوحي من حنجرة امرأة أطلت علينا من أعالي الصخور...
كان الليل برتقالياً، ودخان القنابل يغطي خنادقنا، ويختلط الدوي بأصوات الرجال وصيحاتهم، وبين هذا وذاك كان يصل إلينا صراخ امرأة... يتردد صداه عبر الجبال والصخور والخنادق يقترب حيناً، ويبتعد أحياناً، ....، وحين بدأ الاشتباك بالسلاح الأبيض، حتى لم نعد نسمع إلا الله أكبر، وصيحات التحدي، وحشرجات الموت والخوف... صار الصوت أكثر وضوحاً... سالم... يا سالم. يا ... محمود... يا حسن... يا ولدي... لا تمت يا نشامى اذبحوهم... ثم يأتي سيل من الزغاريد.
قال سالم: أقسم أنه صوت أمي، لقد زحفت من القرية إلى هنا... يا إلهي... ثم أجهش بالبكاء، وارتجفت يده على مقبض خنجره وهو يلتفت نحو الصراخ...
وحين تكاثفت قناديل الإضاءة... بدت لنا امرأة... كتلة سوداء في أعالي الصخور المطلة على أرض المعركة... أعتقد كل منا أنها والدته... واستمر النداء مع سيل الزغاريد... آه... كاد أن يرتفع نحيبه لكنه تماسك قليلاً، قبض على حزنه وصمته وحاول إخماد نار صدره.
فرك عينيه بطرف كوفيته، نظر نحو القمر، فبدا له مرتجفاً غائماً، فرك عينيه مرة أخرى، ثم عاود النظر في أرجاء المكان الذي يطل عليه من فتحات الصخور، بينما كانت أنامله تلامس زناد البندقية...
ليست معركة التوافيق وحدها... بعدها جاءت معركة تل النيرب ومعارك الطيران فوق طبرية والجولان، والاشتباكات اليومية على طول الجبهة، وفي أعماق التاريخ حطين واليرموك وغيرها.
قطع شروده دبيب انبعث من بين الصخور المجاورة، أصاخ السمع... اتسعت حدقتاه، ثم ضاقتا، ثم اتسعتا من جديد، تلاشى الدبيب لحظة ثم عاد من جديد، ... صار أكثر قرباً، دبيب له وقع أقدام، ... استنفرت حواسه، سوّى مكانه جيداً، أسند بندقيته إلى راحته وعلى امتدادها، ...
تفحص الصخور، صخرة صخرة، خيّل إليه أنه يسمع دبيب النمل، ... إحساس خاص يسيطر عليه الآن، وهو يلتقط أنفاساً لكائن ما بين الصخور، قد يكون رجلاً، أو ربما كائناً آخر... أو ربما...، وظل كذلك حتى برزت له أذنان مرتجفتان لثعلب قلق، ينهض أحياناً، ويلوذ أحياناً أخرى وكأنه قد اشتم أنفاس الرجال ورائحة أجسادهم.
بلغ أنفاسه، وأمسك حصاة صغيرة.. قذفه بها... فقفز مذعوراً وهو يطلق صوتاً: ط... وابتعد دبيبه بين الصخور مخلفاً وراءه حركة الأعشاب اليابسة.
مالت شفتاه للابتسام، استرخى قليلاً...، نظر خلفه، بدت له عيون الرجال وكأنها تنام على أشياء كثيرة، ربما كانت ذاتها التي عصفت بذاكرته الآن.
صدور ترتفع تارة وتنخفض تارة أخرى، وأنفاس متعبة، بعضها خنقته أطراف الكوفيات والأردية.
وضع يده على فمه في محاولة لخنق تثاؤبه ثم همس:
عوّاد، ... عوّاد، هزه برفق... يا حاج عوّاد، مرّ بأنامله فوق أنفه الخشن ولامس شعر لحيته المتطاول نحو صدره، ... همهم عواد، فرك عينيه فتداخل شعر حاجبيه مع أهدابه، حاول التناهض وهو يشد حزامه الجلدي المهترئ... أمسك بندقيته، ....
آه ليلة مقمرة، لكنها متعبة، ظهري يؤلمني، وعظامي تكاد تكون مفتتة، ... لعنة الله على حمدان الكلب.
قال محمود الشاعر: وماشأن حمدان الآن يارجل؟.
كان من المفترض أن يكون اليوم في هذا الكمين، لكن حدث ماحدث ولا فائدة من الحكي الآن... الله يلعن الفقر ويلعن ساعته.
قل لي يارجل ما الذي حدث تماماً؟ قل ولا ترفع صوتك فأنا أسمعك جيداً...
ماذا سأقول يا محمود؟... حمدان يدفع لي ليرة ونصف علي أن أكون مكانه في هذا الكمين واشترط عليّ ألا أبوح لأحد بهذا الأمر.
لماذا فعلت ذلك ياعواد؟. ليست المرة الأولى التي يفعلها.
أين العكروت... فعلها مع غيرك قبل ذلك...
ليرة ونصف يامحمود، ألا تعرف شو يعني ليرة ونصف؟.
أعمل نهاراً كاملاً أو أكثر وقد أحصل عليها أو لا أحصل.
وأنت أدرى الناس... الأولاد يامحمود يكسرون الظهر.
وماذا لو علم المرشح عبود؟
لا أدري... لا أدري.. وأظن أن العريف برهوم قد اكتشف ذلك، لكنه بلعها وسكت.
أصلحك الله ياعواد، سنكمل الحديث فيما بعد... أما الآن فخذ مكانك جيداً وكن يقظاً فنحن في مكان متقدم جداً كما تعلم... بضعة أمتار فقط تفصلنا عنهم، هل تعرف معنى ذلك؟
أعرف... أعرف
ولكن لي طلب بسيط... أرجوك يامحمود، قال ذلك وهو ينظر حوله في الاتجاهات كلها، همس محمود : قل
عاود النظر حوله من جديد...
أخوي محمود أنا خرمان على سيجارة... أرجوك لفّني بهذا الرداء،.... مجّة واحدة فقط ثم أرميها، ووعد الحر دين.
أختنقت قهقهات محمود في صدره...
وهل تظن أنك أكثر رغبة مني؟. لكن الأمر مستحيل، ربما كلفنا كثيراً.
لفني أرجوك، ثم أطبق على سيجارته بين شفتيه، وبدا مرتجفاً ومتحفزاً وراح يفرك قداحته بين راحتيه...
خنق رأسه بين ركبتيه... أخوي محمود مجّة واحدة فقط. أرجوك.
بعد لحظات رفع محمود الرداء فارتفعت خيوط الدخان المخنوق لتشكل هالة فوق رأسه بدأت ترق شيئاً فشيئاً تحت ضياء القمر.
لاحقها محمود بنظراته المتعبة ورغبته الجامحة حتى التحمت بأطراف القمر، بينما كان عواد يفرك رأس سيجارته، ويعيد ماتبقى منها إلى باكيت أبيض ماركة (جيشي أبو بارودة).
امتدت يداه إلى البندقية، وأبحرت عيناه في فضاء الليل.