(3)

10 0 00

(3)

شيء ما أيقظه في هذه اللحظة،... ندى الليل أو البندقية التي سقطت من بين راحتيه، أو حلم ما مرّ سريعاً، وربما صوت ماجاءه من عمق الليل... أو ربما الآلام التي عصفت بعظام رقبته، حيث ظلت ذقنه ملتصقة بصدره زمناً لا يدري متى بدأ؟

أيقن عبد الرحيم الهايش أنه غطّ في نوم عميق، نفض رأسه كالمذعور، أمسك بندقيته، شدها إلى صدره، فرك وجهه براحتيه، جاس وجوه الرجال النائمين خلفه... ماذا أفعل وقد غلبني النوم؟... كل تعب النهار هجم عليّ الآن... سامحني يارب، ثم استدار في المكان، أطلق عينيه في الاتجاهات كلها...

ماذا لو دخل بعض المتسللين خلال نومي؟

يا إلهي سأكون خائناً يستحق الموت لو حصل ذلك.

ماذا سيقول عني أهل القرية؟.

كيف سأواجه الناس؟.

سأذبح نفسي بلا شك... لو أن عيناً واحدة من عيونهم اجتازت الكمين...

يارب لماذا كتبت علينا الحرب؟، حتى قريتنا اسمها كفر حارب، ونحارب من ‍!؟.

هؤلاء الجبناء أولاد الميتة،.... والله لا أدري كيف صار لهم دولة؟!، وكيف صاروا رجالاً؟! كنا نطردهم بالعصي- فيرفعون أيديهم... دخيلك خبيبي!

يوم حاولوا الاعتداء على قطيع القرية طاردهم الراعي خلف الجاسم بالعصا والحجارة حتى لاذوا داخل كبيناتهم،... كانوا يومها أكثر من عشرين رجلاً.

اليوم صار لهم دولة، وطائرات ومدافع وعسكر، فعلوا ذلك ونحن نائمون... لكن ياعمي لم يفعلوا ذلك بأذرعتهم.... الإنكليز لعنة الله عليهم هم الذين فعلوا ذلك... رفعوهم على أرجل من حديد، والآن كل الأجانب معهم. وإلا من قال أن أولاد الميتة يهزمون سبعة جيوش عربية.

والآن مرّ على تلك الحرب مايزيد على خمسة عشر عاماً... فماذا فعل الحكام العرب؟.

هانحن نحرس الحدود... أنا وعواد ومحمود وأبو قاسم وسالم وكل رجال القرية... ننفض غبار البيادر ثم نأتي لتأكل الصخور ظهورنا.... وإذا كان عسكرنا مثلنا فالله يستر، والله أعلم كيف ستكون الحال؟.

أدخل أصابعه تحت كوفيته، هرش رأسه مرات متلاحقة ثم عاود شدها من جديد رافعاً طرفها ليغطي أنفه تماماً...

.... لعنة الله على تلك الأفكار السوداء... نحن نقوم بواجبنا على كل حال.

قالوا لنا إن المقاومة الشعبية في معركة بور سعيد يوم هجم الإنكليز والفرنساوي واليهود على مصر هي التي ذبحتهم وطردتهم من البلاد ونحن ماذا ينقصنا؟.

آخ لو كانت الحرب وجهاً لوجه،.... رجلاً لرجل... عصا لعصا... سكيناً لسكين ولكن ماذا ينفع التمني؟.

الذي يذبحنا الآن هذه الطائرات اللعينة التي تأتي من بعيد، وتضرب من بعيد،... وقنابل المدافع التي تمر في الفضاء كالريح أو كزغرودة مقطّعة ثم تحرق كل شيء تقع عليه.

علقت عيناه على قمم الجبال في الأفق... لا زالت قناديل الإضاءة ترتفع، ولا زال الومض يحرق عتمة الليل، ولا زال الدويّ يتوالد تحت الصخور، وهدير الطائرات في السماء يبتلعه الليل أحياناً ويفضحه السكون أحياناً أخرى... يقترب، ويبتعد ويختلط هدير الطائرات بدوي القنابل...

آخ... تدربوا وسنرى، الله يفرجها ويفك عسيرها، هذه البلاد ابتلعت كل الغرباء من قبلكم.

نحن أهل البلاد لم نعد قادرين على الذهاب إلى فلسطين!!.

ماهذه المصيبة؟.

كنا نذهب مرات عديدة في اليوم، نحمل كل شيء، ونعود بكل شيء، كنا نحمل السلاح لثوار فلسطين، نضعه في فتحات الصخور أو تحت أكداس العشب ليأخذوه في الليل،... حتى بعد أن أصدر الإنكليز قرار الأربعين دخلنا رغماً عنهم، قالوا يومها: كل من يجتاز الحدود يُحبس أربعين يوماً، وجندوا عسكرهم ودورياتهم لملاحقتنا... لكن اليوم اختلف الوضع!.

العكاريت سيجوا الحدود بالألغام والأسلاك والدوريات والكمائن.

... والله لو توحد العرب لفرّوا جميعاً.. هم وكل الأجانب الذين يدعمونهم، ولا أدرى لماذا لم يفعل العرب ذلك حتى الآن؟.

.... المرشح عبود، والمختار قالا: إن ذلك سيحدث.

لكن وضاحاً الأعمى قال لي لا تصدق ذلك إلا إذا رأيت علم الوحدة على ظهر المدرسة، هذا الرجل فطين يعرف أكثر مني بل أكثر من كل رجال القرية، فهو تاريخ القرية الذي لا ينسى شيئاً...

تذكر وضاح الأعمى هذا الرجل المجدور الوجه الذي يعلو على قدمين عريضتين وساقين طويلتين ولصدره صلابة الصخور واتساعها وفي لسانه بعض خفقات قلبه.

شدّ كوفيته، أبعدها عن أنفه قليلاً... غرقت عيناه في الطريق الصخري الذي بدا لامعاً أمامه الآن... ارتسمت على شفتيه ابتسامة... هناك، هناك تحديداً قرب تلك التلة... وفي مواسم الجني. كانت لنا أيام وذكريات يعرفها وضاح... كنا نبوح له بكل شيء.

وضاح الأعمى فطين، كيف لا وهو يطوف القرية، بيوتها، وأزقتها وحواكيرها، وبيادرها،... ويعرف أهلها رجالاً ونساءً وأطفالاً، ويكفي أحياناً أن يسمع وقع أقدامك حتى يعرف من أنت...

أحس بشوق إليه، تمنى لو يجالسه الآن... هنا بين الصخور على مداخل الطرقات التي عبراها معاً منذ سنين طويلة... فلصوته رنته الخاصة، ودفئه الخاص.

حين يحدثني عن ابنة عمه الوطفاء يصير رجلاً آخر، يبكي أحياناً، يضرب عصاه في الفضاء... يقول: ياعبد الرحيم لم أشعر أني أعمى لحظة واحدة في حياتي إلا في تلك الليلة، ليلة زواجي منها.

ليلة كاملة ولم أستطع وصلها، لا زالت حسرة تحرق صدري كلما تذكرتها،... الوطفاء ياعبد الرحيم أرق من النسيم، وأكثر ليونة من عود الخيزران، أنفاسها كأنفاس الحمام، أو كأنفاس الظباء النائمة...

كان يقول لي ذلك كلما التقينا، يبوح بكل مالديه من حسرات وأوجاع، وأبوح له بكل ماعندي من حسرات وأوجاع.

... حبي لابنة عمي فاطمة الذي ظل مقتولاً بين أضلعي حتى هذه اللحظة،... هجرتني طويلاً ولازالت تقتحم علي هجعتي رغم زواجي من غيرها وامتلاء البيت بالأولاد والبنات. حين كنتُ أقول له ذلك... كان يقول: اصبر ياعبد الرحيم، الدم لا يصير ماء، حتى لو كانت بعيدة عنك فهي قريبة، قريبة كقرب الهدب من العين، كقرب سواد العين من بياضها.

ازداد شوقه لوضاح، فارت دماء الشباب في عروقه... هيّجته الذكرى، حاول النهوض، تذكر أنه في كمين، هبط مسرعاً وشدد قبضته على البندقية وأطلق ناظريه من جديد...

فها قد زلّ القمر عن قبة السماء واختبأ في قعر البحيرة، وعادت التلال والأشجار والصخور والطرقات والمعابر إلى ظلال الليل، وبدت النجوم أكثر سطوعاً من ذي قبل، وعادت أضواء "الكبينات" وكأنها تشتعل من جديد.

تمنى لو يعود ذلك اليوم الذي انقضت فيه طائراتنا على الزوارق المعادية، يوم دمرتها وأغرقتها. هزته حرارة الذكرى، لامست أنامله الزناد، والتهمت عيناه البحيرة بكل مافيها...

آخ لو كانت الحرب وجهاً لوجه.

ثم مالت عيناه المتعبتان نحو أجساد الرجال وهم يحتضنون بنادقهم، وقد تداخلت أنفاسهم، في انتظار اللحظة القادمة....

لا زالت خيوط النهار في قلب الليل... اصبر ياعبد الرحيم، اصبر يابن الهايش... فالناس في القرية ينامون على نور عينيك.