الفصل الأول
مع الشمس
اخترقت أشعة الشمس نافذة غرفتي، وتلامست خيوطها الذهبية مع سريري الوثير، بدأت الحركة في المنزل وهذا الضجيج الخارجي لشارعنا الذي بدا كالموسيقي المتناغمة التي تصدر من سيمفونية معزوفة، ضجيج وصخب يعلن عن بداية يوم جديد تحت سماء هذا الوطن الذي أُثخن بجراح وهموم ينوء بحملها الجبال الرواسي، بدأت أستيقظ وأفرك عيني التي حاول النوم هزيمتها لأسمع هتافات وصيحات تنبعث متجهة صوب شارعنا، هتافات " الله أكبر ... الحرية لمصر،... يا حرية فينك فينك ... تسقط الديكتاتورية" شباب ينادي بأعلى صوته " أنزل يا مصري ..أنزل وقول كلمتك ...
أوعى تكون جبان،، يا نموت زيهم يا نجيب حقهم .. عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية .. بدأ الصوت متناسقا ويقودهم شاب يرفع صور الشهداء يردد ويرددون خلفه وكأنهم يقدّمون عرضا في دار الأوبرا،عرض بانورامي متنوع، مظاهرة يسير فيها الشاب والصبي والفتاة والشيوخ الكبار .. أسرعت اتجه إلى غرفة أمي لأطمئن عليها بعد هذه الهتافات وهذا الصباح الثوري، أمي سعاد هذا الحنان الدافئ والقلب الذي يدعوا لي بعدد نبضاته، لم تتوقف أبدا عن الحلم بأن أصبح مهندسا كبيرا كرغبة أبي رحمه الله لأبني وطني وأساهم في نهضته،وسأحقق لها حلمها يوما ما
أحمد : صباح الخير يا أجمل أم في الدنيا
سعاد: صباح النور يا حياتي، ربي ينور قلبك ويبارك فيك ولا يحرمني أبدا من هذا الصباح،.. أحمد على فكرة أنا زعلانه منك جدا .
أحمد : لماذا يا أمي؟
سعاد : طول الليل بالأمس سهرانه حتى الساعة الواحدة صباحا، إلى أن أتيت إلى البيت وأنا بهذه الحالة الصحية؟
أحمد : يا أمي أنا فقط كنت مع أصدقائي، كما تعرفين دائما، نذاكر والوقت يسرقنا ولا نشعر به .وبعدين أنا حاولت كثيرا أن أعلمك استخدام الموبايل وأنت لا تريدين، ألا تتعلمين حتى من أجل الاطمئنان عليَّ.والله ليس بالصعوبة التي تتخيلينها
سعاد : أنا لا أطيق وضعه على أذني ولكن من الواضح أنني يجب أن أتعلم ما دام فيها واحدة صباحا وجلسات إلى منتصف الليل، ثم قول لي أصحابك هؤلاء ألا يستطيعون أن يذاكروا إلا ليلا ؟ الخير كله في البواكير يا بني.
أحمد : أعرف ولكن هذه هي ظروف أصحابي،لا تخافي يا أمي .. أقسم لك أنني لن أخذلك وسأحقق لك حلمك القديم وحلم والدي رحمه الله، لا تقلقي ولكن المهم أن تستمري أنتِ في الدعاء لمصر أن يقيلها الله من عثرتها، وأن تعود بلادنا جميلة كما كانت دوما وكما كنت تحكي لي عنها، مستقبلي يا أمي مرتهن بمستقبل مصر، ألا تتذكرين والدي حين كان يتحدث عن مصـر، لقد كان رجلا وطنيا رحمه الله زرع فينا حب مصر منذ الصغر والله ما زالت كلماته لم تغادر سمعي وكأنه يقول الساعة أمامي" مصر هي ربيع الدول العربية ودرة العالم الإسلامي بل إنها بستانه المورق، ذو الفاكهة التي يأكل منها الجميع فيشبع، ومن يرتوي من نيلها فلا يظمأ"
ما أجمل كلماتك يا أبي
سعاد : سامح الله من أوصلها إلى ما هي فيه الآن، أمعقول أن مصر تتسول من غيرها بهذه الطريقة !، مصر التي كانت تطعم الجميع يوما، عادت لا تجد قوتها،مصر التي تستورد القمح اليوم، والله إنه لشيء عجاب ويجعل العقل حيرانا، مصر يا بني لم تعد لا بستان ولا ربيع كما كان يصفها والدك بل أصبحت خريفا قاسيا وواقعا مؤلما وجافا على جميع المصريين.
أحمد : بإذن الله يا أمي سينفرج هذا الهم والكابوس قريبا، وستعود، حتما ستعود .. ولكن أخبريني هل أخذت الدواء؟
سعاد : نعم بعد الفطار الذي انتظرتك فيه طويلا ولمّا تأخرت في نومك فطرت وتناولت دوائي .
أحمد : صحة وعافية يا أمي.
سعاد : ستجد فطورك على المائدة في الخارج، هيا يا بني أفطر وتهيأ لجامعتك .. ألديك محاضرات اليوم؟
أحمد : نعم يا أمي بالتأكيد.. عندي اليوم محاضرتان سيلقيها الدكتور نعيم، كم أحترم هذا الدكتور وأقدره على علمه وفضله، وأحرص على محاضراته دائما، هل تعرفي يا أمي أنه يمزج بين المادة العلمية والخبرة الحياتية، وهذا هو ما يجعل محاضراته شيقة وممتعة.
سعاد : يا رب تكون مثله يا أحمد.
أحمد : آمين يا أمي وأن يصحوا الشباب من غفوتهم ونومهم الذي بات مزعجا وأن نحقق مجد أمتنا العربية مرة أخرى.
سعاد: أذن هيا ابدأ يومك وتوكل على الله.
أحمد : حاضر يا أمي .
وخرج أحمد من غرفة أمه مليئا بالشجون والذكريات التي تٌستدعى في كل حديث أجريه مع أمه، ذكريات من الصعب نسيانها، آه يا أبي مرّ عشر سنوات على رحيلك وكأنه كان بالأمس، كلماته لا تغادرني أبدا بل إنها تسكنني وأحفظها وأرددها ما حييت حتى لا أنساها ولأنقلها إلى أبنائي من بعدي كعهد يقسم الإنسان عليه أمام ضميره، كلماتك يا أبي التي كانت دائما توصيني بمصر .. مصر يا أحمد .. مصر إياك أن تنساها، كن ذلك الذي يستحق أن يكون مصريا ...مصر هي قضيتك يا أحمد، بل هي قضيتنا جميعا، مصر التي لا بد أن يعمل الجميع من أجلها،
جلس أحمد يتناول فطوره بعد شريط الذكريات الذي مرّ أمامه والذي لم يقطعه إلا الجبنة الفلاحي التي يحبها مغموسة في السمن البلدي الذي يأتي من قريتنا في الأرياف، بدأ في تشغيل التليفزيون وتقليب المحطات التي أصبحت أكثر من الهم على القلب، رحم الله أيام زمان حين كانت قناة واحدة فقط وتفتح بميعاد وتغلق بميعاد، والله كانت مضحكة فعلا، يجلس الجميع حتى ينتظروا تلاوة قرآن الختام ثم يقطع الإرسال كدكان عم متولي في الشارع عندنا يفتح ويغلق وفق المواعيد، كم هي سريعة حركة الإنسان في التطور الذي قفز فيها قفزات بعمق المحيطات وطول السماء، ومن ضمنها هذا الجهاز الذي ملأ حياتنا بشكل أصبحنا فيه بحاجة إلى 48 ساعة للقدرة على تغطية كل برامجه في اليوم الواحد وليس 24 ساعة، هذا الجهاز الذي جمع بين كل المتناقضات في صندوق واحد، بل لا غرابة أن المثل الشائع الذي يقول "من المستحيل جمع الشمس والقمر تحت سقف واحدة" عاد مثل تقليديّ جدا أمام إنجازات الأقمار الصناعية الحديثة، صندوق خشبي أو معدني إذا قمت بفتحه لا تتخيل أبدا أن ينقل لك هذه الصورة الآنية وكأن المذيع إنسان أمامك يحدثك بلحمه ودمه، جهاز جمع بين النقائض .بين الجهل والعلم، بين الحقيقة والكذب، بين الاستقرار والفتن بين الجدية والعبث ..بين برك الدم وبساتين العنب الأحمر، بين الحياة والموت، أعتقد أنه لو لم يخترع هذا الجهاز لكانت حياتنا أبسط بكثير وأسعد بل وأهدأ، ولبورك لنا في أوقاتنا التي تلتهمها أشياء كثيرة كالنار الحارقة ولكن للأسف ما زالت الاختراعات تتوالى لتقدم لنا كل يوم ما يزيد النار اشتعالا وما يأكل العمر كله، لا زلت في تقليبي للقنوات التي لم أجد فيها شيئا يستحق التوقف أمامه ولو للحظات، هذه المحطات الكثيرة جدا أصبحت كغثاء السيل المنهمر،بألوان وتوجهات مختلفة، هذه قناة نكدية وهذه كاذبة وهذه سوداوية، وهذه رومانسية جدا وهذه لا تعرض الرأي الآخر وهذه تختلق الحقائق، لا أعلم أين أتوقف؟ لا شيء مفيد، كلها صراعات ونبح وتجريح وقتل وسب وقذف بكل أشكاله وأنواعه، ها ..من الواضح أنني وجدت ضالتي بعد كل هذه المعاناة أخيرا قناة إخبارية لنرى إلى أين تطور الوضع في عالمنا العربي المعقد بصراعاته ؟وإلى أين صارت الأمور في مصــر ؟
المذيع يتلو نص الأخبار : هذا وقد بدأت المظاهرات المؤيدة للديمقراطية في مصر تتزايد كل يوم ومنطلقة في عدد من شوارع القاهرة ومنها شارع 77 في المعادي هذا الشارع الذي أصبح راعيا رسميا لانطلاق المظاهرات كل يوم ضد الديكتاتوريين.
ها ما أجمل أن تسمع صوت شارعك في الأخبار، كم أنا فخور بك ... ولكن أين أنا في الصور ؟،دائما غير موفق في لقطات الصور، الكادرات التي تأخذ لي دائما لا تأتي في المشاهد الإخبارية، أتذكر صديقي المصور الذي كان يقول لي الكاميرا لا تحبك .. المهم والله كانت مظاهرة رائعة، سأغير المحطة لعلّني أجد صورة لي لأفشل نظرية صديقي، نعم هذه قناة إخبارية أخرى.
المذيع : هذا وقد انطلقت بالأمس مظاهرات منددة بحركة الديكتاتوريين وقام خلالها مجموعة من الإرهابيين بالتظاهر أمام قسم شرطة المعادي مطالبين بإخلاء سبيل زميلهم المحجوز على ذمة قضايا تخريب واقتحام للسجون إبان ثورة 25 يناير، هذا وقد أضاف مصدر رفيع المستوى أن هؤلاء الإرهابيين حاولوا التصدي لقوات الأمن التي ردت عليهم بخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريقهم.
أحمد: خيبك الله، بقى أحنا إرهابيين .. إرهابيين قطعة واحدة، وبدأت الكلمة وكأنها خنجر مسموم، والله لم نكن أبدا إرهابيين ولا مخربين، لقد كان معي بالأمس شباب لم أرى أروع منهم في مصر، شباب منتمي ومُترَّب، شباب يرى روحه رخيصة أمام الوطن وترابه، شباب يحلم بالتغيير، يحب مصر ويغار عليها من كل شيء ويريدها أن تكون أفضل بلد في العالم. يعني الدكتور مدحت إرهابي هذا المعيد في طب الأزهر، ولا المهندس شريف عطا مهندس الكمبيوتر الذي فاز بحثه في مسابقة جوجل العالمية، لا هذا لو إرهابي مثل ما يدّعون بمعناه التقليدي الأجوف إذن عم نبيل جورج إرهابي من نوع آخر،هذا المسيحي المتدين المحترم الذي أخبرني يوما ما أن أنفه قد زكمت من الفساد وأنه يرى فينا مستقبل مصر الذي يبحث عنه،أيعقل أن تكون هذه الوجوه النضرة والتي تقابل الرصاص بابتسامة رضا وجوه إرهابيين يريدون الخراب لمصر؟ لا والله بل هي مجموعة من الزهور المتفتحة التي خرجت في ربيع وطن عبق برائحة الزهور والياسمين بعد شتاء طويل، هل تلك الثورية المصرية، البنت الجدعه فاديه إسماعيل إرهابية، هذه الشابة الوطنية التي كانت يوما ما من المجموعة الأولى التي اقتحمت ميدان التحرير وتحصّنت به حين كانوا قلة أمام جبروت نظام بوليسي،ولم يكن العالم يعرف بعد ما الذي سوف يحدث. .. مستحيل أن يكون هؤلاء إرهابيين يكرهون الوطن، دعك من كل هذا أنا بالأمس كنت مشاركا معهم إذن أنا إرهابي أيضا بالضرورة، ما أكذب هذه القناة التي تروج الأكاذيب والفتن وتسعى لخراب المجتمع، لا أعلم كيف سيواجهون الله يوما ما،
وبدأ صوت أمي ليقطع عليّ هذا التفكير الذي استغرقني بكامل وعي وأنا أتناول فطوري، هذا التفكير الذي بدأ يستدعي أشياء لتطفوا للمناقشة على بساط البحث مرة أخرى وأنه يوجد خطأ ما في هذا المشهد المرتبك والذي يزداد تعقيدا مع يوم... هنالك شيئا ما خطأ في هذه المعادلة السياسية.
سعاد: يا أحمد...
أحمد : نعم يا أمي،هل تريدين شيئا؟
سعاد: هل انتهيت من فطورك يا بني ؟
أحمد : نعم يا أمي .. الحمد لله
سعاد : أذن أعمل حسابك أن تأتي اليوم مبكرا من الجامعة لأننا سنزور خالك مراد في بيته.
أحمد : حاضر ولكن ما المناسبة ..
سعاد: لا شيء ولكن، خالك أتصل بي بالأمس وغاضب جدا لأنني منذ فترة طويلة لم أزره.
أحمد : حاضر والله فرصة عظيمة...