الفصل الثاني
زيارة واجبة
دخلنا فيلا خالي الدكتور مراد البيطار، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة وعضو الحزب الحاكم الأبرز والسياسي العتيق خلال العشرين سنة الماضية، ولكن بعد هبوب عاصفة الجيل الجديد، أو موسم التخفيضات والتنزيلات التي جمعت بين الساسة والرأسماليين والذين زاوجوا بين رأس المال والسلطة في زواج حرام، مما جعله وغيره يخرجون بعد تهميش مقصود لما يقولون وتقديم الأتباع وأصحاب النظريات الجديدة ولكن بالرغم من ذلك كانت استجابات بعضهم مختلفة تجاه الموجه القادمة فمنهم من واكب التطورات وأصبح مؤمنا أكثر من الأتباع حتى لا يوارى بعيدا وبين من اختفى هربا من التصفيق لشيء لا يحبه وغير مؤمن به وكان خالي أحدهم الذي رأى أن هذا التوجه السياسي سيؤدي بالبلد إلى كوارث لا يعلم مداها إلا الله وأن نظرياته السياسية الإصلاحية التي ما كان يفتأ يرددها في كل مكان يجلس فيه ستلقي به لو ظل يرددها إلى غياهب السجون لهذا اكتفى بما حققه في تاريخه وهو عاكف هذه الأيام على التدريس في الجامعة مهنته الأصلية وعلى كتابة تجربته السياسية والتي ستخرج في القريب كتابا يروي تفاصيل ما حدث ومشاهداته التي هي بالتأكيد تاريخ وطن، لا يتعلم أبناؤه من المذكرات الكثيرة التي كتبناها جميعا لنكون من أصحاب المذكرات دون الالتفات أن نتعلم حتى مما نكتبه .
استقبلنا كالعادة عم متولي من على البوابة الرئيسية للفيلا حيث كان يسقي الشجر هناك
يا مرحب يا هانم، أهلا وسهلا يا بيه أتفضلوا الباشا ينتظركم في الداخل،
لحظات من قدومنا حتى وجدنا خالي يستقبلنا بابتسامته المعهودة على باب الفيلا الداخلي
مراد: أهلا أختي سعاد، أخت القمر .. كما كان يقول لها دائما متندرا بأغنية قديمة كانت تذاع في الإذاعة المصرية كان مطلعها " أنا سعاد أخت القمر"
سعاد : أهلا يا باشا، الله يبارك في عمرك يا رب ويرفع مقامك
مراد: أصبحت تشبهين الوالدة الله يرحمها تماما يا سعاد.
سعاد: أمي الله يرحمها
مراد: أهلا مهندسنا العظيم، كيف الحال يا أحمد؟
أحمد: بخير يا خالي مراد، على فكرة أنا شاهدتك منذ شهر على التليفزيون، وكانت مناقشاتك رائعة ؟
مراد: يعني شرّفتك؟
أحمد : نعم، بالتأكيد.
مراد : من الواضح أن دراستك للهندسة خلقت لك اهتماما سياسيا؟
أحمد : أبدا
مراد : يعني لا تجاملني بهذه العبارات ؟كن صريحا معي أنا خالك.
أحمد : أبدا بالعكس ما كنت تقوله هو ما يقوله الشباب ويطالب به الناس في الشارع.
مراد: إذن لماذا لم تعجب القيادات الموجودة الآن ؟
أحمد : من هؤلاء ؟
مراد:اتركنا من السياسة وشجونها، كيف دراستك وأحوالك؟
أحمد : أنا والله تمام وأتابع دراستي بعناية وحرص، يا خالي إنني أسعى لتحقيق حلم أبي رحمه الله وأن أكون مهندسا كبيرا.
مراد: الوالد الله يرحمه ولكن ليس هذا ما أريده منك، أنا أريدك أن تصنع ما تريده أنت ما تحبه حتى تنجح في حياتك ؟ لا تحاول أن ترضي أحداً على حساب نفسك، كن نفسك وهذا سيسعد الوالد بالتأكيد.
أحمد : بإذن الله يا خالي.
مراد : أتفضلوا إلى غرفة المجلس وأنا سأتبعكم.وشعر أحمد أن خاله بدأت تتغير نظرته له، تلك النظرة المصحوبة بحنو وتربيت على طفل إلى أخرى تماما، نظرة بها تقدير لما يقول ورجولية ونضج ومع هذه المشاعر التي تتحول جاءت زوجة خالي وهي امرأة رقيقة ومثقفة ولكن عيبها القاتل أنها خجولة جدا ونشعر بذلك في كل مرة نزورها فيها ومن قلة حديثها معنا،ولكن لا أعلم كنت أشعر دائما أن خالي تلك الشخصية العامة كان بحاجة إلى سيدة خجولة حتى يستطيع أن يعيش حياة أسرية هادئة، لك أن تتخيل لو أنها كانت اجتماعية جدا كيف كان سيستطيع أن يكتب ويقرأ ويتواصل مع أهله وأقربائه، بالفعل كل شخص يستحق زوجته، المهم أخذت هي أمي وأما أنا فاتجهت كالعادة إلى مكتبة خالي العامرة والتي كتب آية قرآنية في مدخلها أختارها بعناية هي "فيها قطوف دانية" وبالفعل كانت قطوف فكرية غاية في الروعة واحتوائها على كل نوادر الكتب والمجلدات الكاملة وعيون الأدب والتراث وكل الإصدارات الحديثة، أخذت أقلب الكتب حتى لمحت مجموعة من الكتب على مكتب خالي،ومنها كتاب مفتوح، امتلكتني الرغبة الجامحة في معرفة يا ترى ماذا يقرأ خالي ؟ لأنني حقيقة أعجب بمنطقه وتفكيره العلمي المرتب والمنظم وكذلك رؤيته للحياة التي تنطلق من حنكته بالتجارب التي مر بها والخبرات المتراكمة وأيضا بالمناصب التي تقلدها منذ كان شابا، يا ترى ما هذا الكتب؟ وهل له علاقة بما يحدث الآن ؟