الفصل الرابع

9 0 00

الفصل الرابع

"الوعي المفقود"

في طريق العودة إلى البيت بدأت في تصفحي لعناوين الكتاب الذي أخذته من خالي مراد، فعلا ما أحلى عنوانه، يا ليت عناوين كتبنا تتحقق في عالمنا " مستقبل الديمقراطية في مصر" فعلا العناوين الجذابة تحقق جذبا لعين القارئ بشكل لا شعوري، وهذا أستدعى لي أن أتذكر ذلك الكتاب الذي دفعني عنوانه أن أشتريه منذ عام تقريبا بخمسين جنيهًا وكان عنوانه ذلك الشيء الذي يبحث عنه الجميع " كيف تصبح مليونيرا في سنة" وللأسف لم تتحقق هذه الأمنية ! بل من الممكن أن تقول أنني بالمنطق الرأسمالي الجشع ازددت فقرا ولكن ما أنا متأكد منه " أنا الله يحقق الأمنيات يوما ما" المهم ما أبحث عنه أنا شخصيا هو كيف نستوعب نحن الشباب هذه الفترة السابقة بالوعي والفهم حتى لا نتعثر ونحن نحاول أن نحقق أحلامنا التي وقف كثير حجر عثرة أمام تحقيقها، أحلامنا التي بالتأكيد لن يسمح بها الكثير ولكن لا أعلم أشعر بثقة كبيرة أننا يوما ما ستتحول كل أمانينا بعيدة المدى إلى حقائق نعيشها ولنصل إلى التغيير الذي لن يغير مصر فقط حينها ولكنه سيغير شكل المنطقة بالكامل، وصلنا إلى البيت، وللعلم بيتنا عبارة عن عمارة سكنية قديمة إلى حد ما مكونة من خمسة طوابق كل طابق به شقة واحدة وبالطبع هي عمارة بسيطة بعد النهضة العمرانية التي شهدتها مصر في العقدين الأخيرين ولكن ما يميز عمارتنا أنها تقع في شارع بالمعادي يسمى بشارع 77 هو الشارع الثوري الذي لا يهدأ بالهتافات ولا بالمظاهرات، وأيضا عنده بالحياة بكل أشكالها، عمارتنا السكان فيها تجمعهم عشرة ومودة فيسكن في الدور الأرضي دكتور جامعي محافظ جدا وهو الدكتور حافظ لا شين ولديه بنتان فقط ولا يسمح لأحد بالحديث نهائيا معهم، وقفت مرات معدودة معه فوجدته مؤمنا بنظرية المؤامرة لأبعد حد ويرى هذا الوجود عبارة عن آكل ومأكول، جاني ومجني عليه بل إن الدنيا في نظره عبارة عن غابة كبيرة تعيش فيها الوحوش، من الممكن أن نظريته بها بعض الصواب ولكن هذا لا يعني أن حياتنا تخلو من أصحاب القلوب والإنسانية، أما عن بناته فأنا مشفق عليهما جدا بسبب حالة الحصار النفسي الشديد والذي يتفوق على حصار غزة في فلسطين بقي فقط أن يمنع عنهما الطعام ليكونا سجينتي نظرية المؤامرة فعلا، والدور الثاني يسكن فيه دكتور بشري غير متزوج يأتي فقط إلى العمارة لينام ثم يخرج إلى عيادته وهكذا دواليك وبيننا سلام الله فقط وأحيانا بعض الابتسامات، والدور الثالث يسكن فيه مدرس وزوجته ولم يرزقهما الله بعد بأطفال ويعيشان حالة حب جميلة جدا وأشعر بالتفاؤل وأن حياتنا جميلة ومورقة بالأزهار والياسمين كلما مررت بجوار شقتهما، وكأن الحب له عطر نافذ يخترق الحوائط والأحجار الأسمنتية،حالة يشعر بها الجميع ويبدو تأثيرها الإيجابي على الجميع ولو حاولت أن تخفيه العيون، والدور الرابع وهذا هو دورنا الذي نسكن فيه أنا وأمي برغم أنه يسبب لي إرهاقا أحيانا من كثرة ما أخرج ولكن أنا سعيد جدا فهذا على الأقل يوفر لي قدرا من الرياضة محروم منه كثيراً ولكن المشكلة هي أمي التي عادت لا تخرج كثيرا من المنزل بسبب هذا السلم الطويل والذي يحتاج إلى شاب يتمتع بالحيوية، والدور الخامس ويسكن فيه، ما أجمل الصدف ها هو الساكن في الدور الخامس قد جاء وهو جارنا الطيب والمهذّب والذي يعمل ضابطا بالقوات المسلحة المصرية إنه العقيد شمس المصري وهو شاب ثلاثيني ولم يتجاوز العقد الرابع بعد عيناه حادتين كصقر يبحث عن فريسته وتكسوه ملامح مصرية أصيلة وبشرته قمحية وكأنه قد خرج حالا من تربتنا الخصبة، وتشعر في مشيته أو في صعوده لدرج عمارتنا بالانضباط والاتزان الذي تفرضه عليه التربية العسكرية وهو متزوج من قريبته التي لا تخرج من البيت إلا نادرا ويبدوا عليها أنها تحبه وما زالت تحتفظ بتقاليد ريفية في معاملة الزوج والاستماع إلى كلامه والحرص على راحته ها هو قد اقترب

أحمد : صباح الخير يا شمس بك

شمس: صباح النور، أخبارك يا أحمد

أحمد : الحمد لله يا أفندم، منذ فترة لم نرك لعل المانع خير ؟

شمس : خير الحمد لله، فقط تدريبات عسكرية مكثّفة مع قوات أجنبية من جنسيات متعددة .. ما شاء الله ما كل هذه الكتب، هو أنت لك اهتمامات ثقافية أيضا؟

أحمد : مؤخرا أصبح من الواجب أن أهتم بهذا الجانب المهم، لأن هذا هو مشكلة جيلي الذي بدت ملامحه غير واضحة يا شمس بك وبالمناسبة كنت قبل أن أرى سيادتك مع خالي الدكتور مراد البيطار وعلى فكرة هو من أهدى لي هذه المجموعة من الكتب لأقرأها.

شمس: خالك الدكتور مراد البيطار؟

أحمد : نعم

شمس : هنيئا لك، إنه شخصية محترمة ووطنية جدا.

أحمد : شكرا لك

شمس : لا حقيقي، أنا لا أجامل بتاتا حين أقول لك شخصية وطنية محترمة وأستاذ في علم السياسة ودهاليزها، هل ما زال في الجامعة أم تركها؟

أحمد : نعم ولكنه أستاذ متفرغ.

شمس: أنا أحترم آراؤه السياسية جدا وأعتقد أنه أقصي عن دائرة السلطة بسببها، أليس كذلك؟

أحمد: نعم وقد كان حديثنا اليوم في هذا الموضوع بالذات، وعن إقصائه وتهميش ما يقول وعن آرائه التي كان ينادي بها قبل 25 يناير وبعدها ولكن لا أحد يستمع .

شمس: لو كانوا يعقلون لاستمعوا إليه

حتى إن الصحافة تروي عنه أنه قابل قبل 25 يناير كريم هاشم مستشار الرئيس في المصيف وقال له بالحرف الواحد " البلد على فوّهة بركان سينفجر في وجه الجميع" قوموا بحركة إصلاحات قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه.

ولم يرد عليه كريم هاشم إلا : لا تخف كل شيء تحت السيطرة واستخدم المصطلح باللغة الإنجليزية under control وكان ما كان من أحداث، تخيل نادى في المؤتمر قبل الأخير قبل أن يذهب إلى عزلته السياسية التي فرضت عليه بالحراك السياسي وبتبني النهج الديمقراطي لمصر وإعطاء فرصة حقيقية للشباب

ولكن قل لي في الأول ما رأي الدكتور فيما يحدث في مصر ؟ "وقد بدا عليه الاهتمام الشديد"

أحمد : يعني هو حقيقة يرى أن ما يحدث طبيعي جدا وخاصة بعد عقود طويلة من الكبت والقهر وحياة البلد داخل جدار النظرية الواحدة، فكان طبيعيا أن ترى هذه العشوائية وهذه الفوضى والتخبط الذي لن يكون أبدا خلاقا ولا منتجا لشيء ذا قيمة، وكل ما حصدناه في الفترة السابقة بمبدأ النتائج والخسائر هو خروج المصري عن صمته ولا مبالاته تجاه قضايا وطنه أما غير ذلك فلا .

شمس : طيب وعن إقصائه، هل سيظل هكذا بعيدا عن هذا الحراك السياسي الصاخب الذي لم يحدث في تاريخ مصر؟ أم أنه يسعى لشيء معين؟

أحمد : أخبرني خالي أنه في بداية تهميشه كان غاضبا جدا لأنه لم يكن يتوقع أن يستغنوا عنه بهذه السهولة وتقديم أشخاص لا يمتلكون إلا ثروات ضخمة وجيوب عامرة ولا يمتلكون حتى تجربة بسيطة في الحياة السياسية تجعلهم يديرون المشهد بحكمة وعقولهم شبه فارغة من أي فهم سياسي أو إيديولوجي ولكن بعد ذلك وبعد ثورة يناير وما حدث والذي كان طبيعيا أن يحدث بعد انعزال الحكومات المتعاقبة عن المواطن الغلبان وتبنيها لمشاريع الصفوة فقط وترك الفقراء يواجهون مصيرهم الحتمي بمنتهى اللامبالاة والبرود لهذا حين قامت ثورة 25 يناير كان في غاية السعادة.

حتى حين قلت له متسائلا وهل فعلا كنت في غاية السعادة يا خالي؟

فجاوبني بأنه نعم كان سعيدا ولا أزال أذكر كلمته" يا أحمد لا يسعد بقدوم الثورة إلا كل إنسان حقيقي، لأنها في مضمونها البسيط تعبير عن عودة الإنسان إلى إنسانيته وإلى وعيه المفقود"، وبالمناسبة كانت عزلة خالي منطلقة منه شخصيا وليس رغبة من أحد .

شمس: ولكن مصر بحاجة إلى شخصيات محترمة كالدكتور مراد لأنه بالفعل يمتلك تجربة ثرية، بالفعل إنهم أغبياء ويكررون نفس الأخطاء القديمة، كم يسعدني أن أجلس مع الدكتور مراد بيطار وأبادله الحديث .

أحمد : بكل سرور يا أفندم وبالعكس فهو يرحب في مكتبه بكل الشباب المثقف والمستنير والمحب لوطنه.

شمس: أشكرك

أحمد : أنا آسف على تأخيرك.

شمس : أبدا، مرحبا بك وأنا سعيد بك جدا ولكن فقط أريد منك بعد أن تنتهي من هذا الكتاب الذي في يدك أن تعيرني إياه لأننا من الواضح سنحتاج إلى أمثال هذه الكتب في الفترة القادمة .

أحمد : غريبة "ضابط بالقوات المسلحة ويقرأ مثل هذا الكتب "الطريق إلى الديمقراطية" كتاب لا يقرأه إلا شخص مدني، إنما العسكريين هؤلاء ..

شمس : العسكريين !.. انظر هذه هي تقسيمات المجتمع المصري أو الثنائيات التي وضعنا للأسف في قالبها سنين طويلة.

أحمد : لا ليس قالبا، عُرف عنكم معاني واتجاهات نفسية معينة منذ زمن، فأنتم كما بدا لي ترفضون الديمقراطية جملة وتفصيلا.

شمس: من قال لك هذا؟ بالعكس تماما.

أحمد : يعني مثلا طبيعة القرارات مثلا عندكم فأنت تتلقى الأوامر وتنفذها دون أدنى محاولة لمناقشتها مع الرتبة الأعلى، هذه أشياء من الطبيعي جدا بل من المنطقي أن تخلق رجالا لا يؤمنون بهكذا مفاهيم والاقتصار على التفكير ذي الاتجاه الواحد من أعلى إلى أسفل

شمس: من الممكن أن ينطبق فعلا هذا الكلام على كثير وليس فئة العسكريين فقط ولكن لا تنسى أن ضابط الجيش شخص خرج من المدنية إلى العسكرية وحتما سيعود يوما إلى مدنيته بالإضافة أنه بيني وبينك تراث بشري ضخم وثقافة بغض النظر عن وظيفتي التي آكل منها خبز، يا أحمد بيننا مشتركات كثيرة وبالمناسبة أيضا وهذا شيء لا يعرفه كثير أن هنالك بعض من ضباط الجيش يؤمنون بالديمقراطية وبأهمية أن يعود الجيش إلى ثكناته مرة أخرى ويعدون الآن العدة لذلك لأننا تعبنا من هذه السنوات الثلاث التي أنهكت الجيش المصري وأدخلته في معارك جانبية لا دخل له بها من قريب أو من بعيد، وحتى تسير مصر إلى طريق التنمية والتطوير وتخرج من سرداب المرحلة الانتقالية الكئيب التي أديرت فيها البلاد بأسوأ ما يكون من جميع الأطراف بلا استثناء .

نحن يؤسفنا يا أحمد ما حدث وما يحدث الآن ويعز علينا هذه الدماء التي تسقط يوميا على تراب مصر "وأشار بيده إلى الكتاب" وعلى طريق الديمقراطية والحرية الذي اقتربنا من بدايته ولكن لا نستطيع هذا قدرنا ويجب أن تُدفع الفاتورة كاملة، الحرية يا أحمد لا توهب بل تنتزع.

أحمد : طبعا ولكن المقابل باهظ جدا يا أفندم.

شمس : لا أنظر إلى التاريخ جيدا وقارن بين ما دفعه المصريون وبين ما دفعته الشعوب الأخرى لتحظى بحريتها ما دفعناه قليل جدا إذا ما قسناه إلى تاريخ الشعوب الأخرى التي أخذت حريتها من بين الأنياب والمخالب المفترسة، انظر إلى الثورة الفرنسية مثلا والتي قامت سنة 1789 وظلت المقصلة منصوبة في شوارع باريس ولم تستقر وتهدأ إلا 1889 وقد دارت هذه السنوات بين البداية والنهاية على كل أنواع القتل والترهيب والمقاصل التي كانت تقطف الزهور كما تقطف أنت الزهرة الجميلة من بستانك.

أحمد : نعم نحن بحاجة إلى إعادة قراءة التاريخ مرة أخرى وبخاصة تاريخ الثورات التي قامت ضد الديكتاتوريات العتيقة.

شمس : بالتأكيد ولكن ما أريده منك أن لا تنظر إلينا في الجيش هذه النظرة السلبية وثق تماما أن هنالك رجال مخلصون منه يحاولون أن يحدثوا شيئا قريبا في المشهد المصري لتعود الأمور إلى نصابها الصحيح .

أحمد : كلامك غامض على أمثالي يا أفندم.

شمس : لا غموض ولا حاجة ولكن تذكر أن المصريين قديما يقولون إن الجيش مع الملك وأنه عصاه التي يضرب بها الشعب من يريد حينما يريد وثبت مع الأيام عكس ذلك وانقلبت عصاه أفعى أكلته هو وحاشيته وانقلب السحر على الساحر .

أحمد: تمام.

شمس : شكرا يا أحمد على هذه المناقشة وإذا سمحت رتب لي فقط موعدا مع خالك لأنني أريد أن آخذ رأيه في أشياء كثيرة ومهمة.

أحمد : حاضر إن شاء الله

شمس: معذرة سأنصرف لأنني مستعجل لأنه عندي سفر هذه الليلة وجئت لتغيير ملابسي فقط فإلى اللقاء وعلى موعد إن شاء الله قريب.

أحمد: بإذن الله نراك على خير .وسأرتب لك الموعد.

وغادر شمس بخطوات متئدة لا تعرف التردد ولا النكوص، غادر وتركني مع هواجسي التي ملأت نفسي منذ الصباح حين كنت في بيت خالي وها هي في المساء تزداد كسيل النهر الجارف مع الضابط شمس المصري هذا الشاب الذي التقى وتشابهت كلماته مع عجوز السياسة الدكتور مراد في تعاشق يمزج بين خبرة الشيوخ وتدفق وحيوية الشباب، هذا الضابط الذي يبشّر بالتغيير وبالاتجاه بمصر إلى طريق غير الذي تسير فيه الآن، إلى طريق الديمقراطية وإلى الغد القادم، هل من الممكن أن يحدث شيء فعلا في القريب العاجل ؟، شيء مجهول يحرّك هذه البلد إلى الأمام، لا أعلم ولكن هواجسي وقلقلي في تزايد مستمر وخاصة بعد هذا اللقاء وهذا الذي سمعته منذ قليل، يا ترى ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة على أرض مصر، أرض المحروسة .