١

9 0 00

١

عرف القراء من رواية البستانية الحسناء التي تقدمت هذه الرواية أن روكامبول مسافر إلى لندرا مع روميا وفاندا.

وقد عرفوا أيضًا أن مرميس نام ستين ساعة متوالية في ذلك السرداب المخيف في منزل البستانية الحسناء، فلما استفاق لم يجد شيئًا من آثارها الهائلة، فلم ير المركيز المعتوه، ولا فاندا المجنونة، ولا الدوق الذي كان يُكوى بالنار، ولا الطفل الذي كان يُجلد بالسياط، بل وجد أمامه ميلون فأخبره كيف أنقذه روكامبول وأعطاه كتابًا ضخمًا عنوانه «كنوز الهند»، وأمره باسم روكامبول أن لا يبرح هذا السرداب قبل أن يتم تلاوة الكتاب، فلم يسع مرميس إلا الامتثال، وجلس يقرأ كتاب روكامبول، فكان عنوان أول فصل من فصوله:

محرقة الأرملة

إن هذا الكتاب وضعه روكامبول وكتبه بخطه، فضمَّنه جميع ما جرى له من الحوادث في الهند خلال إقامته فيها عامين متصلين لم يلق فيهما غير العجائب النادرة من كل ما يطير بالنفس إلى عالم الخيال، ويشغل المُطالِع بتلاوتها عن كل ما في هذا الوجود. أما هذا الكتاب الغريب فقد بدأ كما يأتي: ملَّت الطير صياح البشر، وراعها احمرار الشفق، فاستقرت على الغصون، واختبأت بين الورق.

وغابت الشمس في البحر، وذهب معها حرها المحرق، واستبدلت رياح السموم التي تتساقط من أعالي الجبال بنسمات بَلِيلةٍ كانت تهب من جهة البحار.

وبزغت النجوم في سماء الهند الصافية، فبدأ الناس يتهادون في الشوارع، ويسيرون متنزهين في سهول كالكوتا يستنشقون ذلك النسيم العليل بعد أن كان يصهر أجسامهم حر النهار.

والعادة في الهند أن معظم قومها ينامون في النهار أيام الحر الشديد، فلا يستيقظون إلا حين تتوارى الشمس في الحجاب، حتى إذا هجم الظلام خرجوا من بيوتهم، وهبوا من ذلك الرقاد الإكراهي، وتجولوا في الشوارع بين ساعٍ وراء رزقه وبين متنزه مرتاح إلى رطوبة الليل.

وهناك بيت بُني من القصب الهندي عند أبواب كلكوتا في سهل قسم من المدينة يدعى «المدينة السوداء»، كان فيه أربعة من ضباط الإنكليز مجتمعين حول طاولة يشربون الشاي.

وكان بينهم ضابط فرقة — وهو أصغرهم سنًّا — فقال لرفاقه: أرأيتم في صباح اليوم حين عودتكم من المناورات موكب الأرملة المفجع؟

فقال أحدهم: أي موكب هذا؟

– موكب أرملة الرجاه نجد كوران.

– كلا، لم أر شيئًا من هذا.

فقال أكبرهم سنًّا: ألعل أرملة الرجاه قد توفيت؟

– كلا.

– إذن لماذا تقول إنه مفجع؟

وكان الضابط الصغير يدعى جاك بلاكويلد. ابتسم وقال له: يظهر جليًّا يا صديقي هاريس أنك قادم حديثًا من أوروبا، وأنك لا تعرف شيئًا من تقاليد أهل هندنا المحبوبة.

فابتسم هاريس أيضًا وقال: لتكون محبوبة قدر ما تشاء، ولكن حرها غير محبوب؛ فإنه لا يطاق.

– إنك إذا قارنت بين حر كلكوتا وضباب لندرا يهون عليك أمر هذا الحر، على أني من أهل لندرا يتصل نسبي بجد ولده الملك غليوم سفاحًا، أي أني إنكليزي بحت من الأسرات القديمة، ومع ذلك فلو خُيِّرت بين أن أبقى في حامية كلكوتا وبين أن أكون في ثكنة من ثكنات لندرا لاخترت البقاء في هذه البلاد.

– ربما كان ذلك لتعوُّدك مناخها، وعسى أن أتعوده مثلك؛ فلنعد الآن إلى الأرملة، واذكُرْ لنا مما تعرفه من أمرها.

– إنها هندية في السادسة عشرة من عمرها، ومن كانت في هذا العمر في بلادنا تحسب من الفتيات، وأما في الهند فإنها توشك أن تحسب من العجائز.

– نعم، فقد قرأت شيئًا من هذا في الكتب، ولكن هذه الصبية العجوز هل هي جميلة؟

– إنها لا تزال في نضارة الجمال.

– وهي أرملة؟

– إنها أرملة الرجاه نجد كوران، وهو أمير من أمراء الجبال أبى حتى وفاته الخضوع للإنكليز، ولا يزال يوجد ستة أمراء لم يخضعوا لنا بعدُ.

فابتسم الضابط وقال: ولكنك تعلم أن إنكلترا لا تحب العجلة؛ لأنها تورث الندم كما يقول المثل العربي، فهي تقاتلهم من حين إلى حين بسلاح النار، ولكنها تقاتلهم كل يوم بسلاح الأفيون، وهو أشد فتكًا من طعن السيوف وكرات المدافع.

والآن قُلْ لنا: أمات هذا الأمير؟

– نعم، إنه توفي منذ شهر، وقد وصلت أرملته مساء البارحة تصحبها حاشية عظيمة إلى أبواب المدينة، فتجولوا بها كل الليل يصدحون لها الألحان الهندية المحزنة.

وفي هذا الصباح أركبوها جوادًا وأدخلوها إلى المدينة باحتفال عظيم.

– وما أتت تعمل في هذه المدينة؟

– أتت لتموت.

– ألعلهم يريدون إحراقها بعد موت زوجها حسب عوائد الهنود؟

– هو ما تقول.

– ولماذا يريدون إحراقها في كلكوتا دون سواها؟

– لأن زوجها الأمير من أعظم أشراف الهنود، ولأن مدفن عائلته في كلكوتا.

– مسكينة هذه المرأة التعيسة؛ فإنها لو خيرت لما اختارت هذه الميتة الشنعاء.

– هو ما تقول، ومَن يريد الموت لنفسه؟ فقد مرَّ موكبها اليوم من تحت منزلي، ورأيت تلك المنكودة صفراء الوجه والدموع تملأ عينيها، ولكن سيان عند أولئك الجلادين الغلاظ الأكباد رضِيت أم لم تَرضَ؛ إذ لا بد لها من صعودها إلى المحرقة، وإذا تمنَّعت أصعدوها إليها بالقوة.

– ومن ينفذ هذه المهمة؟

– أهلها وخدام زوجها الميت.

– كيف تجري مثل هذه الأمور الهائلة الهمجية في كلكوتا، أما هي مدينة إنكليزية؟!

– دون شك.

– إذن كيف تأذن الحكومة الإنكليزية بهذه الفظائع؟

– أعيد عليك ما قلته لك في بَدْء هذا الحديث، وهو أنك قادم حديثًا من أوروبا، فاعلم أنه أولًا: لا يحب حكمدار الهند أن يتداخل في شئون الهنود الدينية.

– وثانيًا؟

– وثانيًا: أننا نعلم يقينًا أن أرملة الرجاه ستموت في كلكوتا، ولكن الحكومة والشعب والبوليس يجهلون الساعة والمكان المعين للقتل؛ ولذلك فإنهم يطوفون بتلك المنكودة في أرجاء المدينة المتسعة يومًا أو يومين، وقد يطوفون ثلاثة أيام، ثم يحجبون كلهم عن الأنظار فلا يَعلَم أحدٌ مقرَّهم إلى أن يعثر البوليس بعد بضعة أيام في شارع من الشوارع الوطنية المعتزلة على رماد المحرقة؛ فنعلم أن القضاء قد نفذ فيها، وأنها قد أُحرقت بالنار.

فاهتز القائد لهول ما سمع وقال: لو كنت حاكم الهند لعرفت كيف أَحُولُ دون هذه الفظائع التي يَسودُّ لها وجه الإنسانية، وعار علينا نحن الإنكليز أن لا نقتلع جذور هذه الهمجية ونحن في طليعة الأمم المتمدنة.

فهزَّ القائد الصغير كتفه وحاول أن يجيبه، ولكن حال دون ذلك دخول ضابط آخر عليهم، فشُغل عن الإجابة باستقباله وقال له: أهذا أنت يا حضرة الماجور؟

– نعم، أنا بعينه.

– وما لوجهك مصفرًّا وصوتك يتهدج؟

– لأني اجتزت خمسين مرحلة على جوادي دون أن أقف. ثم جلس على كرسي واهي القوى، فقال الضابط الصغير لرفاقه: أعرفكم أيها الأصحاب بالسير إدوارد، أشد رجل عرفته في البلاد الإنكليزية، وأعظم الناس جراءة وإقدامًا.

فانحنى الجميع أمامه وتم التعارف.

وعند ذلك قال له الضابط: إن هيئتك يا حضرة الماجور لا تدل على التعب وحده، بل على الاضطراب أيضًا.

– هو ذاك، فإني محتاج إلى أربعة رجال أشداء لقضاء شأن خطير.

– هو ذا، نحن أربعة نعينك فيما تريد؛ فأخبرنا عن هذه المهمة.