٣
قال: تعلمون أيها السادة أني أتقن اللغة الهندية إتقانًا عجيبًا حتى إني أتكلم بلهجة الهنود فلا يعرف أحد منهم أني غريب عنها.
وإني وإن كنت ولدت في لفربول وكانت أسرتي من الأسرات القديمة الإنكليزية، فإني أتيت إلى الهند في عهد الحداثة؛ فتعلمت لغة قومها واقتبست عوائدهم حتى صرت كواحد منهم.
ثم إني حبست عامين عند ملك الأهور، فكان جميع ذلك مع هيئتي الشرقية كافيًا لأن يحسبني الهنود واحدًا منهم، فإذا تنكرت بملابسهم لا أفرق عنهم بشيء.
وكذلك جعلت أجتاز الهند بجملتها تارةً أمتطي الجياد، وتارةً على ظهور الفيلة، فأدخل إلى معابد البراهمة فأقتبس أسرار الديانات، وأحج في المساجد فأصلي مع المسلمين، فأتنكر مرة بلباس رجل من أهل دلهي، وأتزيا مرة بزي تجار الأفيون، وأقلد أحيانًا أغنياء كشمير؛ فلا يعلم أحد من الهنود أني إنكليزي من بلاد الإنكليز.
قال الضابط: إننا نعرف منك جميع ما تقوله يا حضرة الماجور.
– عفوًا، فإني أفصل لكم هذا التفصيل؛ إذ لا بد منه لمعرفة الخطة التي اتفقت عليها مع الأمير عثمان.
– إذن أصغوا لنعلم هذه الخطة.
فقال إدوارد: إن أرملة الرجاه وصلت إلى كلكوتا مساء أمس.
فاعترضه الضابط وقال: كلا؛ فإنها كانت مساء أمس مع موكبها في السهول عند أبواب كلكوتا، ولم تدخل إليها إلا صباح اليوم.
– لا بأس، وإن الموكب قد طاف النهار كله من معبد إلى معبد في المدينتين البيضاء والسوداء.
وهم سيستريحون هذه الليلة في فندق من تلك الفنادق الهندية التي يدعونها شولتري.
وفي اليوم التالي يعودون إلى الطواف كما فعلوا اليوم، حتى إذا أقبل الليل احتجبوا عن الأنظار فلا يدري البوليس الإنكليزي أين يذهبون مهما بالغ في البحث عنهم.
ذلك أنهم يذهبون بطرق ضيقة إلى مكان معتزل يتفقون عليه سرًّا على شاطئ البحر أو في السهل، فينصبون فيه المحرقة.
ولكن هذا السر الذي خفي عن جميع الناس لم يخف عليَّ، وسأعرف مكان اجتماعهم دون سواي.
فقالوا جميعهم: كيف ذلك؟
– ذلك أني سأتنكر منذ صباح غد بملابس الهنود وأختلط بالموكب فلا أفارقه.
وهم سيحتفلون بي ولا يشكون بأمري لأنهم رأوني في بلاط الرجاه الفقيد، ورأوا أنه كان يعاملني خير معاملة، فيعتقدون أني أشاركهم في حفلتهم تجملًا وودادًا، فلا يكتمون عني أمرًا.
وفي المساء أكون معهم في المحل السري الذي سيجتمعون فيه، فإذا أقبل الليل ساعدتهم على نصب المحرقة، وفي هذه الساعة يأتي دور الحاجة إليكم إذا كنتم لا تزالون على وعدكم.
فنظر إليه الضباط الأربعة نظرات تدل على الانذهال، أما هو فإنه تابع حديثه فقال: إنه في الليلة التي تتقدم الإحراق — إذ إن الأرملة لا تحرق إلا عند الفجر — توضع تلك المنكودة المحكوم عليها بالموت إحراقًا في خيمة وحدها، وتوضع أمامها لآلئها ومجوهراتها وجميع زينتها، فإذا حملوها إلى المحرقة أخذت تلك المجوهرات واللآلئ الثمينة، فجعلت تلقيها قطعة قطعة إلى النار قبل أن يلقوها وسط أجيجها.
وفي هذه الليلة الهائلة يجتمع الموسيقيون حول تلك الخيمة، وينشدون الأناشيد الغريبة الشجية، فتنقبض لها النفوس وتسيل المدامع.
أما تلك المنكودة، فإن هذه الساعة تكون من أشد ساعاتها؛ إذ تعلم أن ساعتها الأخيرة قد دنت، فلما تصدح تلك الموسيقى بألحانها المحزنة تفقد صوابها من التأثر، وينعقد لسانها من الخوف.
وقد جعلت جل اعتمادي في إنقاذها على حالتها في تلك الساعة؛ إذ لا يحيط بها في ذلك الحين غير تلك الجوقة الموسيقية.
وسأخبركم في المساء عما أعزم عليه، ولكنني لا أعلم الآن الطريقة التي سأتمكن بها من مخابرتكم.
على أني سأجد طريقة مضمونة، فعليكم أن تقربوا عند انتصاف الليل من محل اجتماع الهنود، وإنكم ستجدون جميع أولئك الهنود الذين يرافقون موكب الأرملة سكارى من الحشيش والأفيون، منهوكي القوى من الرقص والطواف، حتى إن الموسيقيين أنفسهم يكونون أشبه برفاقهم، بل أشد منهم إلى الرقاد.
ولكن سيكون أربعة رجال بين أولئك الهنود لا يسكرون ولا ينامون، وهم إخوة الأرملة المحكوم عليها بالإحراق، فإن عوائد الهنود أن أخص أقرباء المحكوم عليها يتولون التنفيذ، وتقضي عليهم شرائعهم الدينية بالصوم والسهر إلى أن ينفذ الإعدام، وسيكون شأنكم مع هؤلاء الأربعة؛ إذ لا تجدون سواهم من يقاومكم.
فقال أحدهم: ألعلنا نحن الذين نتولى اختطافها؟
– كلا، بل إنكم تتولون مقاومة أولئك الرجال الأربعة الذين سيدافعون عنها أشد دفاع، إلا إذا قتلها الرعب وحال الموت بينها وبين ذلك الدفاع.
– إذن يجب أن نتقارع بالسيوف ونتقاتل بالمسدسات.
– ربما.
– وهؤلاء الهنود ألا يقدمون لنجدتهم — فإنهم مهما بلغ من سكرهم — لأنهم يستفيقون في مثل هذا الخطر؟
فابتسم السير إدوارد وقال: إني لمثل هذا أردت أن يكون لديَّ أربعة من البواسل الأشداء، وفوق ذلك فإن أربعة من الإنكليز يعادلون عشرة من الهنود على الأقل.
فتحمس الضابط الصغير وقال: بل عشرين.
وانصرف أحدهم إلى الحديث عن الأمير عثمان فقال: يظهر أن هذا الأمير الجديد من المتمدنين.
– كلا، بل هو أعظم همجية من أخيه.
– إذا كان ذلك كما تقول فكيف أشفَق على امرأة أخيه، بل كيف يخالف تقاليده المقدسة ويحاول إنقاذها من النار؟!
فابتسم السير إدوارد وقال: ذلك لأن في فؤاده نارًا سعيرها أشد من سعير نار المحرقة؛ لأنه هائم مفتون باللؤلؤة السمراء، أي بامرأة أخيه التي ستحرق.
– إذن تطلب إلينا قضاء مهمة غرام؟
– وماذا يهمنا ذلك أيها السادة؟ لأننا إذا أنقذناها نكون قد قضينا واجبًا إنسانيًّا؛ إذ لا ذنب لهذه المرأة غير موت زوجها وجور تلك التقاليد، وفوق ذلك فإني إذا أنقذتها يصبح هذا الأمير الجديد صديقًا لي ولكم ولإنكلترا، التي نفارق أوطاننا العزيزة لخدمتها.
– أحسنت، وإني أجد قضاء هذه المهمة ميسورًا ما خلا أمرًا، فإني أجده كثير التعقيد.
– ما هو؟
– إني واثق من استطاعتنا إنقاذها.
– هذا ما أرجوه.
– ولكن ماذا يصنع الأمير الجديد، فإن رعيته ورجال بلاطه يعرفون أنها امرأة أميرهم القديم، فإذا عادت إلى بلاط الأمير الجديد علموا أنها امرأة أخيه، وأنه خان بإنقاذها تقاليدهم المقدسة؟
فقال السير إدوارد: إن جميع هذا قد توقعناه وتلافيناه من قبل ذلك؛ إن لهذه الأرملة أختًا تشبهها في تقاطيع وجهها، ولا تختلف عنها إلا بلون شعرها، فإن شعر أختها أشقر وشعر الأرملة أسود.
وكلتاهما ابنتا غني من تجار الأفيون.
وإن الأمير عثمان خاطب للفتاة الشقراء، فهو سيسافر إلى بلد أبيها في أول هذا الشهر للقدوم بخطيبته بموكب عظيم.
على أن تاجر الأفيون وشقيقة الأرملة عالمانِ بنية الأمير عثمان، واقفانِ على هذا السر.
فمتى اختطفنا الأرملة نذهب بها إلى منزل أبيها، وهناك طبيب هندي خبير بصبغ الشعر، فيصبغ شعر الأرملة حتى يغدو كشعر أختها، وبذلك يتم الشبه بينهما، ونزفُّ الأرملة إلى الأمير بدلًا من أختها.
ثم نهض واقفًا وقال: أستودعكم الله إلى الغد.