٢

8 0 00

٢

إن هذا الرجل الذي دخل على الضباط الأربعة دون أن يتوقعوا قدومه كان في الثامنة والعشرين من عمره.

وكان دون الربعة، أي أن جسمه أميل إلى القصر منه إلى الطول، وهو أسود الشعر، أسمر الوجه، وقد لوحت شمس الهند وجهه فبات يشبه الشرقيين أكثر مما يشبه الإنكليز.

ولقد تقدم تقدمًا سريعًا في الجيش، وكان السبب في تقدمه ما أظهره من الجرأة والبسالة في كثير من المعارك التي كان يُسيِّرها الإنكليز على أمراء الهنود.

بل ربما كان سر هذا التقدم حسن إتقانه اللغة الهندية؛ إذ كان من المجيدين فيها تكلمًا وكتابةً، فكان يتنكر بأزياء الهنود ويمتزج بالثائرين على الإنكليز، فلا يزال يعاشرهم ويتزلف إليهم حتى يتمكن من سرقة مشروعاتهم، والوقوف على خططهم الحربية وقواتهم ومراكزهم، فيعود بجميع هذه التفاصيل إلى الجيش الإنكليزي؛ فيتأهبون لمحاربة أولئك العصابة بأعظم من قواتهم، ويهجمون عليهم هجوم الواثق المطمئن؛ فلا يكون لهم غير النصر الأكيد.

على أن قواد الإنكليز كانوا مختلفين في تقدير أعماله والحكم عليها؛ فكان بعضهم يعتبرون أن أعمال الماجور إدوارد تدل على الجرأة والإقدام لمخاطرته بحياته في سبيل أمته وبلاده.

ويرى آخرون أن أعماله على ما فيها من الجرأة لا تخلو من شبه مهنة الجاسوسية، وهي مهنة مستنكرة، فيرد عليهم آخرون أن التجسس غير منكر في الحروب.

ولذلك كان لهذا الماجور بين القواد من يحبونه ويعجبون به، ومن يحتقرونه.

ولكنهم على اختلافهم في تقدير أعماله كانوا متفقين على الاعتراف له بالبسالة النادرة.

وكان هذا الماجور على بسالته وافر الذكاء، رحب الصدر، كثير الدهاء؛ فكان يتخلق بما يريد من الأخلاق، ويُظهر غير ما يضمر.

غير أن الجَلَد خانه في هذه المرة؛ فقد كانت دلائل الاضطراب ظاهرة على وجهه حتى اضطر القائد الصغير إلى سؤاله مرة ثانية عن سبب اضطرابه.

فعاد الماجور تباعًا إلى سكينته العادية وقال: تقدم لي القول، أيها الرفاق، أني اجتزت خمسين مرحلة دون أن أقف إلا لتغيير الجواد؛ فقد قتلت أربعة جياد.

– من أين أنت آتٍ؟

– من جبال الهند التي تتألف منها مملكة الرجاه نجد كوران.

– أهو هذا الرجاه الذي جيء بامرأته إلى كلكوتا لتحرق فيها؟

– هو بعينه، وإني ما قتلت الجياد الأربعة وجئت بهذه السرعة إلا من أجل هذه الأرملة.

فثار فضول الضباط الأربعة لهذا النبأ وصاحوا جميعهم بصوت واحد: كيف ذلك؟

– أتعرفون كيف مات الرجاه؟

– كلا.

– إنه كان في حفلة صيد، فسقطت على رجله حربة مسمومة من تلك الحراب التي يُسمِّمها الهنود في قتال النمور وغيرها من الوحوش الضارية، فلا يفيد سمها دواء، ولها تأثير في القتل أشد من تأثير سلاحنا الناري.

فجرح الرجاه جرحًا خفيفًا، لكن جسمه تسمم في الحال فما عاش غير بضع ساعات.

فقال الضابط: أمات دون أن يخضع للإنكليز؟

– نعم، وكذلك أخوه عثمان الذي خلفه على الإمارة إثر وفاته.

– قل لنا يا حضرة السير: أية علاقة بين سرعتك في سفرك وبين أرملة الرجاه الحسناء؟

– ذلك أني كنت في مهمة لدى الرجاه الميت؛ وهي أني عرضت عليه بعض اقتراحات مآلها أن يحالف إنكلترا، ويكون عدوًّا لأعدائها، بشرط أن تضمن له استقلاله.

فضحك القائد وقال: لا جرم فهذه عادة إنكلترا النبيلة في مخابراتها، والآن قل لنا: ماذا جرى بعد ذلك؟

– مما لا ريب فيه أني لم أدخل إلى بلاط ذلك الأمير بملابسي الأوروبية، بل إني تزييت بأزياء الهنود.

ولما كنت عارفًا بلغة الهنود وسكان ضفاف الكنغ، تنكَّرت بملابس هندي من مدينة بناريس، ولم يكن عارفًا بحقيقة حالي غير الرجاه نجد كوران وشقيقه عثمان.

أما الرجاه الميت فإنه لم يرض باقتراحي، لكنه لم يرفضه، وفيما نحن نتخابر فاجأه الموت.

وعند ذلك، ارتقى سرير الإمارة شقيقه عثمان، فدعاني إليه وقال لي ما يأتي: إني أرفض مطالب الإنكليز، ولكني أوافق على أن لا أشهر السلاح ضدها إذا كنتَ قادرًا على قضاء مهمة سرية أعهد بها إليك.

– ما هي؟

– أرأيت أرملة أخي؟

– نعم …

– إنه حكم عليها حسب عوائدنا الهمجية أن تموت حرقًا بالنار.

– عرفت ذلك.

– لتنقذها إنكلترا من هذا العقاب، فلقد أُصبحُ مواليًا لها.

فقاطع القائد الصغير السير إدوارد وقال له: لقد بدأت أن أفهم.

– كلا، فأصغ إليَّ تعلم الحقيقة؛ فإن الرجاه الجديد عثمان حينما عهد إليَّ بهذه المهمة كانت الأرملة قد أرسلت إلى مدينة كلكوتا يصحبها أهل وأصدقاء زوجها.

وهي تدعى كولي نانا، ومعنى هذا الاسم باللغة الهندية «اللؤلؤة السمراء».

فلما علمت أنها سافرت خشيت أن يفوت الأوان، فوعدت الأمير بأن إنكلترا ستنقذ الأرملة، وجئت كما علمتم من السرعة.

فقال الضابط: إذن أنت محتاج إلى أربعة رجال أشداء لإنقاذ الأرملة؟

– هو ذاك.

– لماذا تريد أن يكونوا أربعة فقط؟

– لأني وضعت خطة لي في نجاحها ملء الثقة، ولكن زيادة عدد الرجال الذين يعينوني على تنفيذها يفسدها.

والآن أرجو أن تصرحوا لي إذا كنت أستطيع الاعتماد عليكم.

فصاح الجميع بصوت واحد مشيرين إلى قلوبهم.

– إذن أصغوا إلي.

ثم شرب جرعة من الشاي وجعل يحدثهم بما يأتي.