٤
وقبل أن يسير سأله الضابط قائلًا: إلى أين أنت ذاهب؟
– إني ذاهب لأختلط بموكب الأرملة، ولأجل ذلك ينبغي أن أنزع ملابسي وأتزيَّا بزي الهنود.
– حسنًا، ولكنك لم تقل لنا أين نجدك في الغد؟
– ذلك لأني إلى الآن أجهل أين أكون، ولكن خطر لي خاطر؛ وهو أن الموكب بعد أن يطوف هذا القسم من كلكوتا الذي ندعوه المدينة السوداء لا بد له أن ينتهي من طوافه عند المعبد الكائن في المدينة البيضاء، أي في القسم الأوروبي.
وذلك أن هذا المعبد مبني منذ عصور بعيدة، وهو مقدس عند الهنود، ويؤثرون الصلاة فيه على سواه من المعابد، وأنا واثق أن الموكب ينتهي بزيارة هذا المعبد.
– ألعلك تريد أن يكون التقاؤنا هناك؟
– نعم، إني أحب أن يذهب أحدكم منذ صباح الغد فيقف عند باب المعبد حتى يراني، فمن يذهب منكم؟
قال الضابط الصغير: أنا لها.
– إذن تذهب إلى باب المعبد وتنتظر، وإنك ستراني بين المحتفلين، ولكنك لا تعرفني لشدة تنكري، فإذا رأيت الناس قد خرجوا جميعهم من المعبد فادخل أنت إليه.
– وبعد ذلك؟
– تجد في إحدى زوايَا المعبد تمثالًا عظيمًا يمثل الإله سيوا، وتجد عند قدم التمثال صرة صغيرة فيها حبوب من القمح، تعوَّد الهنود أن يضعوا أمثالها في المعابد، فخُذ الصرة وافتحها تجد فيها رسالة مكتوبة بقلم رصاص وفيها تعليماتي.
ثم قام وودع رفاقه وانصرف.
ولما بلغ الباب الخارجي امتطى جواده ودخل به إلى كلكوتا، فاجتاز المدينة السوداء، أي مدينة الوطنيين، إلى المدينة البيضاء، أي مدينة الإفرنج، ووقف عند باب منزل كبير، ففُتِح مصراعه للحال، وأسرع إلى خدمته عبدان أسودان، فوقفا أمامه بملء الاحترام. وكان هذا المنزل منزله.
وكان ضباط الإنكليز في الهند يعيشون بسعة ورخاء لارتفاع رواتبهم، فإن راتب الماجور يبلغ مائة ألف فرنك في العام.
وفوق ذلك فإن الماجور إدوارد كان معدودًا من الأغنياء بفضل ثروته الخاصة، فكان ينفق عن سعة.
على أن الناس كانوا يختلفون في ثروته، فمنهم من يقول: إنها من آبائه، ومنهم من يقول: إنها من مصادر سرية؛ ولذلك لم تكن سمعته خالية من الشوائب والعيوب.
بل كانوا يدَّعون أنه باع الإنكليز، بطريقة شائنة، أسرارَ أمراء كانوا من أصحابه وكانوا يأتمنونه على أسرارهم، وأن هذه الخيانة وأمثالها مصدر تلك الثروة.
ولكن الإفرنج تؤثر سماء الهند في نفوسهم، فتُضعف اهتمامهم بشئون سواهم، وتدعو كل مهاجر منهم إلى الاهتمام بشئونه الخاصة.
وبمثل هذه الثروة كان يقاوم أعداءه، فيساعد فقراء الضباط بماله؛ فيشتري صداقتهم بالمال.
وترجل الماجور عن جواده، ودخل إلى منزله فخلع ملابسه واغتسل، ثم نادى خادمًا هنديًّا مخلصًا في خدمته وقال له: أحدث شيء جديد؟
– كلا.
– أرأيت موكب الأرملة؟
– نعم، رأيته في الصباح.
– أين يكون الآن فيما تظن؟
– أظنهم يستريحون الآن في فندق الحية الزرقاء.
وكان الماجور يحادث خادمه الوفي ويلبس ملابسه الهندية، فلما أتم تنكره ظهر أنه من تجار أفغانستان الذين يتاجرون بالأفيون واللؤلؤ والأحجار الكريمة.
وعند ذلك فتح بابًا سريًّا وخرج منه إلى الشارع، فلم يعلم بتنكره أحد من خدم المنزل ما خلا خادمه الأمين الهندي، الذي كان له به ملء الثقة خلافًا لسائر الخدم، فإنهم ما رأوه إلا بملابس الضابط.
وبعد ساعة دخل إلى فندق الحية الزرقاء فوجد فيه الأرملة ورجال الموكب.
وكان الرقص قد بدأ، فوضعوا تلك الأرملة المنكودة على بساط تحت قبة من الخيزران، وجعلوا يرقصون حولها وهي تنظر إليهم نظرات تشف عما دخل فؤادها من الرعب، وأخوتها الأربعة محدقون بها ينشدون حولها الأناشيد الغريبة، فاختلط الماجور بأهل الموكب، ثم شق الجموع ودنا من مجلس الأرملة.