(2)

4 0 00

(2)

نهض ومشى حتى باب الحوش. دسّ يده في جيب صدريّته. توقف برهة في مكانه، ثمّ نادى:

- آته! يا آته! هاتي لي حافظة نقودي الموجودة تحت وسادتي.

ألقت آته نظرة على أطفالها، وأخذت إليه الحافظه بسرعة، وناولتها زوجها مبتسمة بعذوبة:

- إلى أين تمضي في هذا المساء يا رجل ، وأنا أعد الحمّام؟

كان صادق رجلاً نحيفاًً، ذا عينين واسعتين و حاجبين معقوفين كثين ، وعلى خدّه خال كبير. وثمّة شعرات بيض شابت سواد شعره. إنحدر نحو السوق وئيد الخطى وكلمات أمسه تطنّ في أذنيه:

- سأتبرّأ منك! لن أحسبك إبني! أيّها الجاحد اللاأبالي طابور من الأطفال معلّق برقبتي ؛ فهل من العدل أنْ تتسبّب في ...؟

***

كان طائر خياله يحلّق عالياً مع انحدار الشمس إلى المغيب ، ثمّ يحطّ على الأيّام الخوالي..." كلّ وقت هو وقت الله" كان الوقت مساءً مثلما هو الآن . لم تكن آته حينذاك هزيلة الجسم كما هي الآن ؛ فقد كانت تفيض حيويّة ونشاطاً كظبية ، وكانت خصلات شعرها القطرانيّ تتلألأ وهي تعارك المرآة. لكَمْ كانت سعيدة ببيتها وحياتها! أجلْ ؛ كانت لاتكف عن الحلم ، وكانت في الصباحات عند تناول الفطور، وأثناء صبّها الشاي في الإستكانات ترفع رأسها بدلال وغنج :

- إنحر ذبيحة يا رجل...

- أهو حلم آخر جديد؟!

كانت آته ترفع عينيها شبه الخضراويين ، وتلعق شفتيها المكتنزتين بطرف لسانها:

- أمهلني لأقصّه عليك... رحمتك يا رب. إن شاء الله يكون فيه الخير. رأيت في حلمي كلينا وقد قصدنا ضفة نهير يجري ماؤه رقراقاً متلألئاً وهو ينحدر بعنفوان، وبعض مويجاته تحبو كالأطفال نحو الضفتين ، حيث تتلاشى ، فتتلوها مويجات أخرى وأخرى...بينما كنت تتلفت ناظراً يميناً ويساراً، ثمّ دنوت مني وقلت: " هكذا هي الحياة أيضاً يا آته تجري بين ضفتين" لكنني لم أفهم ما كنت تعنيه ؛ فغضبت ومسكت معصمي بقوّة، وسحبتني لنخوض النهير، حيث كانت الحصباء تتلألأ مشعة منعشة مثل البلكات في (يلك) وفجأة ندّت مني صرخة، وعدت القهقرى ، بينما بقيت أنت وسط الماء ، ورحت تقهقه ضاحكاً عليّ، وإذا بالماء يتعكّر بغتة ويفيض ؛ فصحت : " أُنجُ من السيل... خلّصْ نفسك" لكنما الإضطراب غلبك ؛ فهرعت إلى الضفة الأخرى! وعندها إستيقظت على بكاء (مستو)

- خير إن شاء الله...كلّ هذا يا إمرأة ؛ لأنك تحشّين رأسك بالتخيّلات قبيل النوم!

كأنما حدث توّاً ....! فذات مساء في مثل هذا الوقت ، بعد بضعة أيّام من حلم آته السالف ، إقتحمت زمرة من الأوباش بيتنا بغتة حتى دون طرق الباب ، وسأل أحدهم:

- أهذا هو بيت الأسطه صادق؟

- نعم، تفضلوا

- أهو أنت ..؟

- نعم

- هيّا إمشِ أمامنا

- لكن...

- بلا أيّما (لكن) و(ماكن) صنْ حرمة نفسك وسرْ بلا لغط

والتفت المتحدث إلى رجل أسمر ضخم بجنبه:

- كبّل يديه بالكلبجه(الجامعة) يا خلف

و هكذا إقتادك الأوغاد ، وتخيلت آته وهي تعول ، تولول وتلطم ، وتشدّ شعرها وتنتف خصلات منها؛ فإحتشد حواليها الجيران، وكانت تسمع بالكاد مايدور من كلام:

- يا للعار والشنار! أتبكين بحضور الأعداء؟!

- صبرك يا ابنتي ..فلابدّ أن ينجلي الليل مهما طال

- الخروف الذكر للذبح

- ولكن لماذا خروفي أنا بالذات يا عمّة خجي؟!

- صادق خروفنا جميعاً يا إبنتي

ومن الجهة الأخرى:

- هنيئاً ها هي العاقبة ؛ تمارس الكوردايتي ؟!

- السياسة مقامرة كبرى، لايقدر على ممارستها سوى القلّة

- تنكسر الجرّة في الطريق إلى النبع

- ليصبه أكثر ؛ ما أشدّ ماكان ينظر إلينا شزراً ؛ كما لو إغتصبنا حق الكُرد!

- إذا غاب العقل ؛ تشقى الروح

***

إقتادوك وعند منعطف الزقاق عصبوا عينيك بوصلة، ثمّ صعّدوك إلى مؤخرة سيارة وهم يركلونك، ومدّدوك على أرضيّتها، وصفقوا بابها، وداسوا رأسك بأقدامهم . لقد عاملوك كما لايعامل حتى الكلب! ثمّ إنطلقت السيّارة كطلقة ، وكان رأسك يرتفع مرتطماً بسقفها في كلّ مطب. شعرت بحرقة في لسانك وأنت تطلق الآهات. أطفأ أحدهم سيكَارته على خدّك . تمعّنت في الأمر بأنه من المؤكّد ستبقى فترة طويلة هناك على أقل تقدير، حتى يندمل جرح خدك ، ويتسنى إخفاؤه، ومن سوء الحظ جروحك لاتندمل بسرعة.

ثمّ أنزلوك ؛ حالما علا صرير فرملة السيّارة، وجرجروك جرّ الذئب لحمل، وراحوا ينهالون عليك لكماً و ركلاً في أحد الدهاليز، وراحوا يتقاذفونك كالكرة ، فدخت وأصابك الدوار، وفجأة إذا بصوت يتردّد كأنه الرعد:

- أيّها السفلة ! من أمركم أن تعاملوه هكذا؟! يا من تلقيتم الخبز بلا تربية يا أوباش يا أوغاد! ألا ينبغي أن تتحلّوا بقليل من الأدب ول؟ صحيح أن قتل الكافر عبادة، لكنما الجور حرام!

فكفوا عن ضربك وركلك

- حلّوا عصابة عينيه

نفذوا الأمر فوراً صاغرين. فواجهت رجلاً احمر المحيّا ، حليق الشارب ، تنمّ عيناه الصغيرتان خلف نظارته عن مكر بليغ. تمعّن فيك مظهراً إشفاقه، ثمّ أغمض عينيه لحظة ، وهزّ رأسه مستنكراً وهو يقول:

- بئس ما تصرّف هؤلاء الأوباش مع الرجل! حقاً ان الإنصاف صفة حميدة للإنسان.

وبعدها شبّك كفه بكفك واصطحبك إلى إحدى الغرف، ودعاك للجلوس على كرسي، وقدّم لك سيكَارة، سارع بنفسه بإشعالها!

وعندها تذكّرت كلام الأستاذ (برزو): " لاتنخدعْ أبداً يا صادق ؛ كلّ كلمة مفيدة لهم هي نسمة عليلة تنعش أعمارهم الحافلة بالجرائم.."

- نحن نعرف يا أخي بأنك رجل وحيد وفقير وبسيط ؛ فما الداعي لتجلب المتاعب لنفسك؟!

كنت مطرق الرأس و جسمك وحده هناك.

ثمّ سعل وتابع على مهل:

- إننا نعرف كلّ شيء عنك ، لكن الأفضل لنا هو أن تخبرنا بلسانك ؛ فماذا تقول؟ مال ، نقود ، وظيفة ، راتب وكلّ ما تشتهيه نفسك بين يديك.

فرددت في نفسك: " هذا الأجر الهائل مقابل خدمة صغيرة أمر لايخلو قطعاً من سرّ!" و لذت بالصمت أصمّ أبكم ، كأنك لم تكن موجوداً هنالك. ثمّ غمغم بصوت خفيض متبرّماً، وراح يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، ثمّ توقف فجأة وهو يرنو إلى الباب:

- هات شاياً يا خلف

كان خلف طويلاً ضخماَ مريعاً. دخل الغرفة حاملاً إستكانة شاي بدت كـ (دعبلة) بيده . ومكث في مكانه كأنه يستفسر : " لمن يا سيّدي؟" ثمّ وضعها على طبلة أمامك. واستعدّ مؤدّيّاً التحيّة العسكريّة، واستدار وغادر الغرفة.

أشعل الآمر سيكَارة . تمعّن فيك ، ثمّ حوّل نظره إلى حذائه الملمّع حديثاً واستغرق في التفكير...ثمّ نقر بأصابعه البيض النحيلة بضع نقرات على طاولته:

- حسناً...لنعد إلى موضوعنا. أخي الطيّب لاترمِ بنفسك في التهلكة ؛ أخبرنا فقط بإسماء رفاقك ، ثمّ إذهب بسلام إلى بيتك وأهلك

أمّا أنت فقد كنت أصمّ أبكم . تطنّ أذناك بـ " كلّ حركة من شفتيك لصالحهم نسمة عليلة تنعش أعمارهم الحافلة بالجرائم..." و " قلْ : قسماً بالقرآن وبشرفي ألاّ أخون الكرد و كردستان"

ركل بمقدمة حذائه قدمك وتساءل:

- هم م م ...ماذا تقول الآن؟ لاتقلقْ ؛ سيكون الأمر طيّ الكتمان... وهل يجوز أن نقابل إحسانك بالإساءة لاسمح الله؟! هم م م ...يبدو أنك تحسب نفسك مغدوراَ مظلموماً!

واستدار وسحب درج مكتبه وأخرج ملفة ، وقال:

- هذه ملفتك الخاصة...هل أقرأ لك ما فيها؟ الإسم: صادق بكر، معروف بـ (الأسطه صادق كبابجي) محل السّكن: كركوك - محلّة إمام قاسم....فهل أستمر، أم...؟

وأطبق الملفة، وقال:

- نحن نعلم بأنكم تجمعون التبرعات والأغطية والمعاطف ، وترسلونه إلى قطّاع الطرق والسلاّبين ، ولنقل إكراماً لخاطرك إلى (المتمرّدين)...لأولئك الذين يدعون الثوريّة ! إنهم يا أخي زمرة من الأغوات إلتجأوا إلى الجبال مدفوعين بمراميهم ومآربهم الأنانية ؛ للإخلال بأمن البلد وسيادته...أليس من الكفر أن يتطاولوا على ظل الله على الأرض؟! إنهم يشيعون الإضطراب في هذا البلد الآمن ، في هذه البقعة الشريفة! فماذا تقول أنت؟ إذا كانوا صادقين في دعوتهم ؛ فليأتوا إلى المدن ، وليشعلوا الثورة بكلّ ما في وسعهم ! مثلك أنت على سبيل المثال! حسناً دعنا من كلّ ذلك واعطنا إسم شخص واحد فقط من جماعتك ، وأنا أعدك وعد رجل لرجل ألاّ أدعه يُعْدَم ؛ إكراماً لخاطرك!

ثمّ توقف عن الكلام وتمعّن فيك ، واقترب منك على مهل، ثمّ نقر بسبّابته أرنبة أنفك ، وهو يقول:

- أتعرف من أكون؟ ماذا يسمّونني ؟ هه ...أبو مازن جزّار الأمن !

فقلت في نفسك: " خسئت يا رجل بماذا تتباهى؟!"

- في هذه الغرفة بالذات قصمت ظهور أقوى الرجال وأرسلتهم كالخرفان إلى المجزرة!

ورفع يده مؤشراً:

- هذا الصف إلى الإعدام، و هذا حكم عشر سنين بالسجن ، وذاك بعشرين سنة ...ولمْ يعترض احد بـ (لماذا؟)! فأنا ههنا الحكومة ! فماذا تقول الآن؟ أما زلت ممتنعاً عن الكلام؟ ربّما تحسبنا نفتري عليك لاسمح الله! وإذا كان الأمر كذلك ؛ فإن لي كراماتي التي كشفت بها عن خفايا كثيرة حتى الآن! ويبدو لي بأنك تود أن أستخدمها أيضاً معك ...صدّقني انها كرامات تجلّل بالخزي كل مجرم !

كنت تخشى كثيراً هدوءه المصطنع...أجلْ ؛ إخش الماء الراكد ...لئلاّ يخدعك باللسان الأملس ، وكنت تريد أن تفعل شيئاً ما؛ لكي يغيّر طريقة تصرّفه معك ؛ لكي يستثير غضبك. وعندها تناهى صوت قادر الحلاّق إلى أذنيك: " أسطه صادق..الصمت أعظم موقف أحياناً"

واستدار بسرعة على كعبه ، وسحب يدك:

- أنظرْ إلى تلك المرآة

كانت المرآة معلقة على يسار طاولته، وهي بطول قامة رجل.

وعندها غافلك واستدار راكلاً وجهك بكلّ ما أوتي من قوّة . سرى الخدر في وجهك، شعرت بحرارة عالية تلفحه ، وتساقطت بضع أسنان في فمك. وإذ نظرت في المرآة رأيت الدم النازف من فمك وأنفك مختلطاً مع دهان حذائه على ذقنك المبعوج، ثمّ لم تسمع سوى :

- تعالوا خذوا هذا الدنيء؛ كأنما القوّاد قد أقسم اليمين...

كان رأسك يطنّ طنيناً هائلاً، وأنت على وشك الإغماء : " قلْ: أقسم بالقرآن وبشرفي ألاّ أخون الكُرد وكردستان"

***

حين عدت إلى وعيك ، كانت أوصالك متصلّبة كأنها مسبوكة. لايمكنك الإتيان بأيّة حركة ، واستغرقت في التفكير: ها قد حلّ اليوم الذي ينتظره (مينه زل)؛ سيذهب إلى آته ، ويغمرها بكلامه المعسول الطافح بالأكاذيب والأضاليل : " أختاه ! إطمئني ..لاتقلقي بإذن الله لن أدعك تعانين من غياب الأسطه صادق..حاولي فقط تدبير قليل من النقود..سألمّ شملكما خلال بضعة أيّام بإذن الله..إعتمدي عليّ...يكفي قليل من الصبر؛ وستنفرج الغمّة ويزول الضيق...ما عليك سوى أن تدبّري لي بعض النقود..."

تبّاً لك يا مينه زل ..يا دنيء! كأنه بوم؛ ما إن يدخل بيتاً ؛ حتى يصيبه الخراب. لطالما رفعنا عنه التقارير: " إحذروا هذا الشخص فهو موضع الشك والريبة ! ليس مستقيماً في سلوكه وتصرّفاته" لكن الرفاق لم يأخذوا التحذير في الحسبان: " إننا مطّلعون على كلّ شيء ، لكن الحزب بحاجة أيضاً إلى أشخاص مثله"

إلهي ليت العقل ينجد آته ؛ فتطرد ذلك السافل. عهدي بآته إنها واعية.

هيّا يا آته ، كحّلتك وجمّلتك ، لاتستحي وخاطبيه : " أما تستحي أيها الرجل الضخم ؛ من أين أجلب النقود؟ لو حقاً متعاطفاً معنا و أخاً طيّباً! أهكذا كنت تعينني؟! لقد رافقك صادق وأصدقاؤه ؛ فثقلت أعباؤهم هكذا...ودفع الجميع الضريبة الباهظة ، بينما تفلت دوماً وتتفرّج ...ترعى مع الخرفان وتأكل مع الذئاب ! إذا كان صادق رجلاً؛ فأمره بيده هو...هيّا إغرب عن وجهي أيّها القبيح المنحوس الوجه..

***

بغتة إنتفضت على صوت اصطفاق الباب، حيث دخل بضعة من الشرطة الغرفة لاهثين، وأمسكوا برجليك ويديك وحملوك وجرجروك كجثة، وكلّما كانت ترتخي أياديهم؛ كان جسمك ينشحط بالأرض، فكانوا يركلونك ويسحبونك سحباً...حتى الوصول إلى ممرّ دهليز مظلم...حيث تنتظر الكلاب ، ففي الدهليز كان يتردّد صوت كلبين يشي بالشراسة كأنما جوّعا فترة ، حيث كان صوتهما يزداد ضراوة؛ كلّما قرّبوك منهما ... فكدت تفقد صوابك: " إنهم جادّون بتقديمي فريسة سهلة لهما...سيمزقانني إرباً إرباً!"

- هل ستتكلّم أم لا؟

" بعد كلّ هذا الإمتهان للكرامة؛ (كلاّ) إيّاك أن تنطق بكلمة ؛ حتى لو متّ ، فالموت موت ؛ فلماذا اللبط والرفس؟!"

همس أحدهم في أذنك:

- لاعليك، سأذهب إلى البيك وأقول له: إنه تعبان جداً..سيرتاح قليلاً؛ ثمّ سيبوح لنا بكلّ شيء من تلقاء ذاته.

لقد تبيّن لك بأنها مجرّد خدعة مسجّلة ؛ فليس ثمة أيّ كلب، والأمر كله تمثيل في تمثيل! فليطمئن بالك بعد الآن . فقد صلبت شوكتك ، واكتشفت ألاعيبهم ؛ فأنا أصمّ أبكم ولا أعرف أيّ شيء"

فجأةً تناهى إلى مسمعك صوت صافرة في الممر، ثمّ حملوك بسرعة وطرحوك بكل عنف على أرض الغرفة. وبعد مضيّ بضع دقائق ، شعرت بتمّل في أوصالك ، وكنت تشعر بأنك معرّى ، وكانت أوصالك ترتعد أحياناً، مع ومضات وجع حادّ يخترق قلبك و...دون أن تعلم كم مضى من الوقت ، إنتفضت من النوم كمخبول ، وتمعّنت في الظلام ، فلم ترَ أيّ حصان! إذنْ..كان ذلك حلماً ، حيث شاهدت أمام بيتكم مهراً منساب العرف ، أغرّ الجبهة ، مسربلاً بالغربة ، يحكّ خطمه ببابكم ملولاً. وإذا بآته تهرع وقد إنحنت قامتها الفارعة قليلاً وتعتّمت مرآة وجهها قليلاً ، وفتحت الباب :

- وَيْ وَيْ لهذا المهر! ياترى مهر من في هذا الليل...؟!

وانتهرته باستياء ؛ فانتصبت أذناه و هزّ ذيله، وانطلق يعدو حتى طرف الزقاق ، حيث توقف ، وأرسل نظرة طافحة بالغربة وراءه، وما لبث أن عاد ليقف أمام بابكم مثلما فعل من قبل ؛ فنهرته آته ساخطة:

- إغرب عنا ، أكلت رأسك صاحبك! لمْ ينقصنا إلاّ هذا! كأنه جدي (ربيطة)!

فاجتاحك حنق شديد ، وتمنيت لو يعود مرّة أخرى ، فتهرع إليه وتمسك به.

وفجأة جفلت إثر اصطفاق باب الغرفة. كنت مصدوعاً و دائخاً ، وعيناك شبه غائمتين. كان الرجل الأحمر وبضعة أوباش واقفين حواليك . لقد ركلك الحقير بمقدمة حذائه باشمئزاز وكأنه تحاشى اتساخ حذائه:

- ها...كاك صادق ! ما قولك الآن؟ أتراك تعقلت وثبت إلى رشدك..أم ...؟

كنت معتصماً بالصمت بحيث ظننت نفسك فاقداً القدرة على النطق.

- خلف ! سنخصص اليوم للتمتع ؛ فاذهب واجلب زوجته العاهرة. ستصطفون جميعاً وتغتصبونها واحداً تلو الآخر.

و حالما تفوّه بهذه الجمل ؛ إنفكّت عقدة لسانك كأخرس حقيقي إثر صدمة هائلة:

- لطفاً ضعوني أيضاً في الصف !

***

لمّا رفع صادق رأسه كان قد بلغ أمام محل قادر الحلاّق ، فلوّح بيده محيياً إيّاه ، ثمّ عاد أدراجه إلى البيت مسرعاً.

- لا،لا، لماذا أتبرّأ منه؟! لماذا أحرمه من أبوّتي ..؟ أتراك تجهل كونه من أبناء شعب محكوم ؟! ثمّ أتراك تجهل بأن أبناء الشعب المحكوم محكومون أن يصيروا بيشمركَه؟! ليت لساني بُتِرَ قبل النطق بتلك العبارة...لا أحد يقطع على نفسه سبيل الخير، وإلاّ فإن إبني متعلّق جدّاً بدراسته...لعلّ و عسى...