الباب الثاني

7 0 00

الباب الثاني

بلاد لا يستطيع العيش فيها سوى

الحيوانات والخونة

أنستني بلقيس الدنيا برمتها. انتشلني حبها من ضباب الكتب إلى شوارع سوبارتو متجولاً مع عشاق طريفين. دينو ورسائله التي لا تنتهي، دون أي جواب، ماعدا ورقة صغيرة تتمنى فيها صاحبة النظارة أن تكون مشاعره صادقة. وابراهيم – برو – تزداد أصابعه براعة في العزف، محاولاً بكل الوسائل تليين حنجرته وتحسين نبرة صوته منتظراً شهاداتنا. يعترف لنا:

يا شباب والله أصابعي تنسى العزف إن لم أتخيل نسرين جالسة تراقبني عن قرب.

جمعت الشوارع بيني وبين رشو الذي تخلى عن عادته القديمة بعد أن تعرض لأقسى صدمةفي حياته وهي اختفاء خالته قبل زفافها بأيام قليلة. تعجبت من أحاسيس رشو الأزعر الذي تعرفه كل بنات سوبارتو أو سمعن بصيته السيء على الأقل. مرّ بفترة انطواء عجيبة تردد خلالها علي في البيت:

أريد التحدث معك في أمر هام.

كان يقول ذلك ويتراجع في اللحظة الأخيرة حتى جاءت الفرصة. حكى برقّة لا تتناسب مع صيته عن قصة حبه العنيفة لخالته الصغيرة. كان رشو يختنق وهو يتحدث.

قدمت من إحدى القرى التابعة لسوبارتو لتكملة دراستها، فسكنت عندنا في البيت. ولضيق المكان فقد كنت أنام وإياها في غرفة واحدة، نتبادل الأحاديث الدائمة عن الحب والمغامرات. فتحكي لي كل ما جرى معها في القرية وصولاً إلى التعليق على أساتذتها واحداً بعد آخر والضحك على ألقابهم. أتحدث لها عمّا رأيته في حياتي حتى الآن من أشياء لا تقال لأي شخص. نمى بيننا حب خفي، لم أتوقع أنه سيقضي علي إلى هذا الحد. في آخر الليل، بعد أن ينام الجميع، تأتي إلى فراشي حاملة معها حكايات جديدة. وضعت رأسي على زندها. خالتي جميلة يا سليمان، وهي في سني تماماً، ولدنا في نفس الشهر. شعرت بحيوانات صغيرة تتحرك في داخلي. أطبقت بشفتي على شفتيها بهدوء، لم تمانع. عبثت أصابعها بشعري، بللت صدري بدموع لم تنقطع تلك الليلة. قضينا الليل بصمت. وفي الصباح عادت خالتي من المدرسة شاحبة متعبة تنظر إلي بعينين نادمتين، ساخطتين، عاشقتين. كنت أول شاب يلامس جسده جسدها. كانت أول صبية حلوة تنام في حضني. اعتذرت لها في الظهيرة خفية، وفي الليل، بعد إغلاق باب الغرفة علينا، ونزعت عنها القميص والتهمت نهديها. وهي تشدني إلى صدرها الأبيض بيد وتمنعني باليد الأخرى. كانت صرخات الشهوة تغطي على صوت الخطيئة رغم قوته. بقيت علاقتي بالجزء العلوي من جسمها حتى ذلك اليوم الذي ستظل تفاصيله تلاحقني حتى الموت. صحيح أنا أزعر يا سليمان، لكنني إنسان يا أخي. أحضر أبي الفيديو إلى بيتنا. وجدناها فرصة لمشاهدة أفلام غير مملة كأفلام التلفزيون. طالما أننا في يوم الخميس. اخذنا الفيديو إلى غرفتنا. بقيت مع خالتي وحيداً نشاهد فيلماً بعث الملل في نفسينا، بدلته بفلم آخر، فآخر.. أوقفتني الأجساد العارية المثيرة وهي تدخل في بعضها وتخرج بإثارة صعدت الدماء إلى وجهينا، أنا وخالتي، ارتفع لهاث الشاشة وأنين الوسائد تحتنا. سالت اللذة على جدران الغرفة، تسللت إلى أثوابنا.... نزعت عن خالتي قميصها، نزعت عني قميصي. امتدت يدها إلى فتحة السروال. تهالكت بجسدها الناري على جسدي. تفعل بي ما تفعله نساء الفيديو برجالهن العراة وبالكلاب وبحمار الوحش الذي ربطته أربع نساء عاريات، ثم بدأن يوقظن ظله الطويل. تبادلن الدوار في إدخاله، وخالتي تزداد شراسة. تدخلني في جسدها وتخرجني كسكين. وهي تعضّ رجلي وأصابعي ورقبتي، تغرز أظافرها في ظهري العاري، وأنا بين يديها المشويتين أصعد وأهبط ذاهلاً عن نقاط دمها المبعثرة على الشرشف، وهي غافلة عن دمها والعالم متنقلة ببصرها بين الفيديو وبين جسدي العاري المباح. نزلت دموعها، سالت. خفت أن يسمعنا أحد النائمين في الغرفة الأخرى. وعندما تراخت، غطت عينيها بيديها، ظننت بأنها قد أغمي عليها، لكنها كانت تبكي، أدركت جيداً ما فعلته الآن، بدأ الندم يعضّ، لكن البكاء لا يستأصل الأغشية الممزقة. كادت أن تنام عارية. ألبستها قميص النوم. نامت نوماً جعلتني أشك أنها ميتة. نظفت الشر شف من آثارنا ولم أستطع النوم. اضطررت بعدها إلى أخذها إلى الطبيب. اقترح تناول حبوب منع الحمل. أصبحت خالتي امرأة أخرى، تزداد اكتئاباً. امتلكني اليأس وأنا أؤكد لها:

آه لو لم تكوني خالتي، لتزوجتك في الحال.

تنظر في عيني بألم حوَّل أيامنا إلى سباق مع اليأس وانتهى برسوبها سنتين متتاليتين. عادت إلى القرية تاركة الدراسة،متعلقة بحبي المحرم حتى اجبروها على هذا الزواج المغري لأن الخاطب (مليونير) كما يزعمون. رفضته في البداية ثم خضعت بعد إصرار أهلها ووافقت.

طلبت مني إنقاذها، راجعت الطبيب، ناقشته حول إمكانية استئصال الغشاء الممزق بعملية سرية. نقلت لها خبر موافقة الطبيب، لكنها كانت تزعم باستحالة القيام بكل هذه الإجراءات سرا فاختفت.كيف حصل ذلك، لاادري؟!

وتخفي سحنته مسحة عذابات خفية مترسبة في قاع نفسه. ذكرتني هيأته بهوفو عندما ينفجر أحد دواليب دراجته الثمينة. نقل إلينا دينو عواصف هوفو الهوجاء ومفاجآته الجديدة مع (البيليا)، قلنا لدينو أن الذي قام بهذا العمل الخارق ليس هوفو وانما آخر غيره لكنه لم يقتنع،أصر على صياغة خطابه الحماسي بهذه المناسبة،فقد أثارت عملية زواجه العجيبة غبار الطفولة في صحراء نفوسنا. تزوج هوفو من (البيليا). والبيليا هذه ليست امرأة بالطبع.

قطعة حديدية دائرية مثقوبة.ما فعلته هذا لايخطر على بال الجن.أدخل عضوه في الفتحة الدائرية الحديدية الصغيرة فتورم اثر هذا الاحتكاك.ظل الورم يتضخم وثقب البيليا يضيق حتى بلغ به الألم حد الصراخ.فالتم عليه اخوته مستغربين، أسعفوه،رفض الطبيب معالجته بحجة انه طبيب بشري أضاف: ـــ ما فعلته هذا ليس فعلا بشريا..فك البيليا عن عضوه المتورم من اختصاص الحداد.

أخذوه إلى حداد شمر عن ساعديه ضاحكا، لما بدأ المنشار يأكل من الحديد كان هذا يزداد سخونة، وهوفو يزداد صراخا. بدأ أحد اخوته بسكب الماء البارد على البيليا والمنشار يحاول فك الحديد عن الورم بحذر بالغ. لم يستطيع هوفو المكوث في البلد بعد انتشار رائحة الفضيحة.سافر إلى مكان مجهول قبل شفاء أورامه وغاب إلى الأبد، دون أن يقرا الصحف الرسمية وهي تحمل أخبار ازدهار سوبارتو وتقدمها الصناعي والمنجزات الحضارية فيها. ونتابع الصحف اليومية مكتفين بقراءة العناوين العريضة عن بلدنا (سوبارتو في ازدهار مستمر). (الجماهير في سوبارتو تحتفل بالإنجازات الكبيرة)كان دينو أكثرنا شغفا بأخبار العالم وبإنجازات سوبارتو في كل الميادين.في كل مناسبة ينسج خطابا متقنا، يكتبه بخط أنيق، يجمعنا ويقف على بعد ثلاث خطوات بعد أن يستدير دورانا عسكريا، يضع يده على هيئة ميكروفون، ويلقي خطابه السياسي الرنان عن احتفاء الجماهير وفرحها العارم بمناسبة اختراق الحديد في سوبارتو بقيادة هوفو الجبار.

_إن هذا الاختراق يعتبر خطوة ريادية باتجاه بناء مستقبل صناعي وحضاري فريد من نوعه لسوبارتو المزدهرة،المعروفة بتقاليدها الاجتماعية العريقة في قتل الحب وترسيخ دعائم الكبت الجنسي. ونوجه الدعوى إلى شركات عالمية لتصدير الحديد بزيادة كمية الحديد الدائري الوارد إلى سوبارتو وفتح محلات خاصة لبيع البيليا وصناعتها وتخصيص مبالغ طائلة لبث إعلانات متنوعة عن أنواع البيليا وأشكالها في التلفزيون والصحف المحلية،لأن البيليا بدأت تفقد في الأسواق بعد الاختراق التاريخي الذي سيؤثر على قوانين العرض والطلب في الزواج وفي الأسواق عموما.

تغطي القهقهات على صوته الرنان، ولولا تدخل ابراهيم لخلط دينو كل ما يعرف من مصطلحات وأشعار ببعضها لخلق خطاب ينزع الدموع من أعماق قهقهاتنا الغزيرة على الصحف التي تحمل لنا أخباراً غريبة عن بلاد نعيش فيها لا نعرف أنها بخير إلا عندما نقرأ الصحف، بلاد تزدهر في الصحف فقط، تتكلس في شرايينا ولا تمدنا إلا بالخراب. بلاد يغلق فيها الكبار الأبواب بفلسفاتهم العالقة ولا تتاح لأعمارنا أن تمد رؤوسها من النوافذ. بلاد تتكلم فيها الصحف عن الفراشات والربيع والنضال والأعشاب ويتكلم أهلها عن أسباب اختراق البيليا. كاد أن يضاهي هذا الحدث حريق السينما القديم، وكاد أن ينقسم التاريخ مرة أخرى (قبل البيليا.. بعد البيليا) وبدأ الناس بتزيين هذا الحدث التاريخي بأقاويلهم الطريفة:

الحق عليه.. كان ينبغي تشحيمها.

سابقاً كان للبيليا غشاء، أما الآن فهوفو هو المسؤول عن كل هذه الثقوب.

البيليا صارت شعاراً لنا.

وبدأت خيالاتهم تشتعل:

فاز أحد رياضي سوبارتو في سباق عالمي وبدل الوسام منحته اللجنة بيليا ذهبية.

فآهٍ منك يا بلاد البيليا.

يا بلاداً مثقوبة من كل الجهات.

ويا بلقيس. يا ابنة الأحلام. ما جدوى أن نحب في بلاد لا يسلم الحديد فيها من الاختراق؟.

أدمنت على انتظار بلقيس والبحث عنها في الشوارع. أراها، أكتفي بابتسامتها حيناً. وأوقفها حيناً، لدقائق هاربة نتبادل خلالها أسئلة على الفور، إلا حاجز الأحزاب الذي يصعب القفز فوقه، كما تقول. أُحضِّر لها جبالاً من الأحاديث في بالي. تأتي، فتتبخر الجبال والأنهار والحجارة والعقول. أنسى اسمي في حضورها. وعندما تغيب أضرب كفاً بكف ساخطاً من مرض النسيان المزمن. أهديها كتباً تعجبني وأشرطة تحتوي على أغان تلامس علاقتي معها. أمشي بأبهة لا تليق إلا بالأنبياء، ينتظرني في البيت كرسي من عاج، له ست درجات ورأس مستدير من ورائه وعلى يديه أسدان واقفان. عدت إلى البيت الخالي من العرش شاعراً أن الأنس والجن والطير على أهبة الاستعداد لفعل ما أريد. وأن الرياح الجنوبية الآتية من ناحية بيتها ستهب الآن حاملة معها رائحة بلقيس وهمساتها الدافئة. نجتمع طوال الليل، نستعرض حصيلة ما نسمع وما نقوم به في النهار، تمكن دينو من انتزاع اعتراف صاحبة النظارة بأنها تفكر به ليلاً ونهاراً. حاول للمرة الألف، مصارحة نسرين بحبه اللاهب فأخفق. انضم إلينا الملا لليلة واحدة، استغفر الله وبعدها غادرنا. داعياً الله أن يهدينا إلى (طريق الصواب) وهو يقول بأننا نعمل لدنيانا كأننا لن نموت ولكننا لا نعمل لآخرتنا وكأننا سنموت غداً. وأنا ألتقي ببلقيس في الأسبوع أكثر من مرتين عن قرب. نتبادل الأحاديث، ناسياً غدر العيون والألسنة. ازداد اهتمامي بالأحزاب. يدعونا فاروق إلى ندوات شبابية تعقد في البيوت سراً، حضرناها. كنت أبحث عن بلقيس بين البنات اللواتي يحضرن وهن قلة، فلم أجدها. كان صابرو نجماً في هذه الندوات، خاصة تلك التي تدور حول المسائل الأخلاقية والفساد، يدعو أكبر عدد ممكن من الشباب. يوزّع السكاكر إن تطلَّب الأمر والماء أحياناً. اقتنى ربطة عنق حمراء ملفتة. قلده كثيرون من شباب الحزب. وفيما بعد أصبحت ربطة العنق الحمراء علامة فارقة تميزهم عن أمثالنا من الساخطين على آبائهم الذين لم يدخلوا الأحزاب ولم يصبحوا أعضاءً في لجان عليا وفي برلمانات شبيهة باليانصيب. أن تحوز على كرسي يعني أن تفوز بالجائزة الكبرى، سيارة، شقق، مكانة، مال. استاء صابرو عندما قلت له أن البرجوازيين أنفسهم يقودون هذا الحزب. فسّر لي أن جمع المال ككل شيء في العالم له وجهان، هناك طرق مشروعة للحصول على المال وهناك طرق غير مشروعة. فأثرياء الحزب اتبعوا الطرق الأولى، أما الأثرياء الآخرين، ومنهم أبي "صاحب القصر" فقد جمعوا المال بطرق ملتوية. سمعت منه أن مسؤولهم الضخم، الممتلئ. ذاك.. صاحب الكلب الأليف، كان عتالاً في يوم ما، وعندما سألوه:

من أين لك هذا؟

بكى بحرقة وأعلن عن استعداده للتبرع بكل شققه وأملاكه للحزب فبكى الأعضاء جميعاً متأثرين عندما كشف، مرة أخرى، عن آثار سياط الدكتاتوريات البائدة على ظهره، ارتقى إثرها درجة أخرى، في ظل تصفيق حاد وهتاف بحياة "الطبقة العاملة" التي يبحث عنها الملا ليشرب معها الكازوز إن عثر عليها. عرفت من صابرو أن الأستاذ مروان اعتزل العمل الحزبي احتجاجاً على تعلق ذاك المسؤول الضخم بهذا المنصب الذي هو أكثر جدارة منه، وأنه يرفض أن يقوده أناس من عائلات لا علاقة لها بالحزب بينما هو سليل الحزب أباً عن جد. ما من خيار آخر أمامه، القيادة أو البيت. كان الجلوس في البيت من نصيبه حتى يُفتح له باب الفرج إلى القيادة. وهو متمسك بالاتحاد السوفياتي الذي لا علاقة لصوفي محمدي عيشاني بها، ويعتبره أباً لنا. الأب قد يخطئ في حق ابنه لكنه أب في المحصلة. وكانت جمهورياته قد أصبحت منتجعات للعائلات الحزبية هذه، حيث تقضي هناك فترات استجمام. لهم أبناء وبنات يدرسون هناك، وتساءلت في سري... لم أر في حياتي أباً ينسى ابنه هكذا. لماذا يتجاهلنا هذا الأب يا ترى، ولا يتذكر إلا المسؤولين؟!. ما من مسؤول في الحزب إلا وله ابن أو بنت أو أخ أو أخت أو بنت أخ أو ابن أخ هناك. ويقسم الأستاذ مروان أن الحزب إذا لم يعط منحة دراسية لابنه فاروق فإنه سيقطع آخر خيط لعائلته في الحزب، حتى أن صابرو نفسه احتج في أحد الندوات على ذلك، فردَّ عليه مدير الندوة:

الأولوية للعائلات الحزبية يا رفيق.

كتم صابرو غيظه، خائفاً من عدم حصوله على منحة دراسية فيهدم له الحزب كل ما خطط له من أجل مستقبله، كنت مُراقباً صامتاً لما يحدث، محتجاً بخجل أحياناً، من أنا حتى أعلن الرفض لما يقع وسط كل هؤلاء الذين شيّبوا شعرهم في دهاليز السياسة المعتمة؟. تتقافز في مخيلتي أياد مقطوعة، أرجل متطايرة، عيون تتدحرج على الأرض، عندما تحدث الأستاذ مروان عن أصحاب القصور بسخط، وقع بصري لا شعورياً على يديّ الأستاذ الناعمتين كأيادي نساء المدن، قارنتها بيديّ أبي المشققتين، قارنت طقمه وربطة عنقه الحمراء بأسمال أبي الذي يعمل بيده ورجليه حتى استطاع أن يبني لنا بيتاً نتوق إلى خلوّه من العقارب والأفاعي. حسدت الأستاذ على أناقته ونظافته من الأفكار "البرجوازية" المقيتة (المغمسة بدماء المستغَلّين) وكرهت أبي الذي أضاع عمره في أعمال لم أجنِ من نتائجها سوى العار. أصبح شبح بيتنا الجديد يلاحقني كاللعنة، كشبح تلك المرأة التي ترفع ساقيها ويتدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين. فكرت في تفجير البيت من أساسه بالدينامت رغم عدم اكتماله. سوبارتو مدينتان إذن يا صابرو؟، بلقيس من مدينة القاع وأنا من مدينة أخرى. إذا كان الأمر كذلك، فأنا على استعداد لنسف ألفي مدينة بيني وبين بلقيس، لا مدينة واحدة. بلقيس.. لا تصدقيهم، لنا مدينة أخرى، لا هذه ولا تلك، مدينة الحب... سأبنيها لك وأتوجك ملكة عليها، سيكون لك عرش عظيم، سرير طوله ثمانون ذراعاً وعرضه أربعون، ارتفاعه ثلاثون ذراعاً مشبوكٌ من الذهب والفضة، قوائمه من الياقوت الأحمر، عليه سبعة أبواب. ستكونين لي، نطير معاً على بساط الريح الذي سيجيء حالما تطلبين ذلك. كتبت لها رسالة، مررت من شارع بيتهم. كانت أمام الباب، أشرت لها بأن تجيء فجاءت، عندما صافحتني دسست في يدها الورقة المطوية، أعطيتها سكاكر نعناع، ضغطت على أصابعها البيضاء بيدي. ابتسمت؟ مضت ملوحة لي بيد داوت مليون جرح مفتوح في صدري. عدت إلى أصدقائي منتصراً، صفقوا لنجاحي، إلا دينو الذي انتابه نوبة غضب لا تأتيه إلا في فترات متباعدة:

انشقاق جديد.

الموقف لم يحتمل المزاح. كان الأمر جدياً إلى درجة أننا شاركنا دينو في حزنه الذي عرفنا أنه لا يطول لطبيعته المرحة. كنا نهمل الاهتمام بهذا الجانب الجدي عند دينو، فهو اقتداء بأبيه على علاقة بحزب (سوباري). والده محمدي سيتي له تجربة طويلة مع السياسة ومع الأحزاب. وإذا استعصى أمر ما على أبي، فالجواب عنده بالتأكيد. كان يشير إلى بعض المناطق التي لا زالت توجعه، ولم نكن نعلم وقتها أنها من آثار السجن والتعذيب، يقول لأبي:

أول خطوة قمنا بها رفع شعار الاستقلال. حملنا السلم بالعرض، وعندما تكسر السلم فوق رؤوسنا تراجعنا عن ذلك. في سنوات الشباب نلعن عظام أجدادنا لأنهم لم يفعلوا لنا شيئاً، والآن أفكر بأن أولادنا وأحفادنا سيلعنوننا لأننا لم نفعل شيئاً. لم يرثوا منا غير الانشقاقات، ولم نكن نعلم أننا نعيش ليس في حديقة حيوانات، بل في زريبة، في حظيرة حيوانات شرسة.

كان إعجاب أبي به يزداد عندما يتحدث عن أسفاره الكثيرة وعن لقاءاته الشخصية مع زعماء الأحزاب وقادة غامضين لا أحد يمكنه الإلمام بحقيقتهم، يلمعون كنجوم مضيئة لا تلبث أن تنطفئ وسط دخان يعمي العيون وغبار يسد الأنوف. ما لا يفهمه أبي من الراديو عن أخبار عمي ورفاقه في الجبال البعيدة، كان محمدي سيتي يوضِّحه له. وقد أخذ دينو عن أبيه هذا الانغماس في مشاكل السياسة. وبدأنا نذكّر دينو بأنه كان، فيما مضى، طرزاناً وبيليه، لأنه كان لا يهاب الموت والأخطار. بدأ يضحك وآثار الانشقاق الجديد تخف شيئاً فشيئاً، حرضناه على إلقاء خطاب جديد. بمناسبة انتصارات الحب، والغرق في السخرية من العالم، ومن الذين زرعوا التعاسة الثقيلة في أرضنا وفي قلوبنا الغضة المنفتحة على الحياة والحب بكل أبوابها ولا نعرفهم. استعاد دينو حيويته وبدأ يكتب خطاباً جديداً، حمحم بحركة مسرحية، ابتعد عنا ثلاث خطوات، استدار كالعادة، وضع يده أمام فمه، وبدأ يقرأ متظاهراً بجدية كدنا أن نصدقها:

دفاعاً عن المراهقين. دفاعاً عن الحب، أيها الكبار، يا ملوك الحكمة. يا من تحاولون تشكيلنا كما ترغبون، لا كما نرغب. نعلن لكم، رغم استهتاركم بقضايانا واستهزائكم بمشاكلنا المزمنة مع صباياكم أننا أصل العالم. نحن من يكسب المعنى للوجود. لا نلتمس العفو منكم، لكنها إشارة إلى أنكم غافلون عما يجري في ساحات قلوبنا من حروب ومجازر ومؤامرات هي أكثر شراسة من الحروب والمجازر والمؤامرات التي تدور حولكم وتتحدثون عنها بنهم. كما أنكم لا ترون قتل الحب وقتل العشاق. رغم تبلل أثوابكم الكريمة بدمائنا. فلنهتف معاً. المجد لنا ولصباياكم الناعمات. الموت لأعداء الحب. الموت للكبت الجنسي. عاشت الصداقات السرية كلها. عاشت العادة السرية العظيمة.

نصفق لبيانات دينو الحماسية، نقاطعه بضحكاتنا وتعليقاتنا. انتقلت العدوى إلى ابراهيم أيضاً، فكان له تعقيب فكري (تحليلي) على كل خطاب، بعد أغنية حماسية وعزف صاخب على البزق. الأخوان (سيتي) كانا يعملان بانسجام متبادل. نشترك بقراءة الصحف التي نحصل عليها. صحف مليئة بكلمات مكررة... البناء، التقدم، التطور، الإنجازات، فتصبح لدينا مادة للسهرات الطويلة، ودينو لا يمل:

اقرأ الجريدة بالمقلوب..وستحصل على الحقائق.

نضرب بأقدامنا اليابسة شوارع سوبارتو. نحاول هز أرضها، إيقاظها، بث الروح في أعضائها الميتة. ينضم إلينا بعضهم ويذهب آخرون. أكثرهم لفتاً للنظر كان (أبو عمشة) الشهير. الذي كان يفتخر بأنه قواد علني. فلسفته في العالم أن كل الناس هنا قواَّدون. كل على طريقته... ما من إنسان شريف هنا. أحدهم قواد صريح وعلني مثله وآخر قواد في السر. وقد أمتعنا بأفكاره الطريفة ومغامراته الكثيرة في سهراته الصاخبة. يعترف دون أدنى شعور بالخجل. حتى توصلت إلى أنَّه قد ألغى الرقابة عن نفسه وعن لسانه كلياً.

اسمع يا أخي، أنا بحاجة ماسة إلى المال. كل ما ورثته عن أبي هو غنيمة أكلنا لحمها أنا وأختي التي يحكون عنها هنا. نعم، هذا صحيح. آخذها إلى فنادق المدن، تفتح فخذيها للعابرين مقابل مبلغ معين يكفينا لنعيش، أنتم تعرفونني فقط، أليس كذلك؟! ما رأيكم أن أعدد لكم عشرات الأسماء من نساء سوبارتو هذه ممن يقمن بنفس العمل ومئات الرجال الذين لا يعرفون من المدن التي يسافرون إليها بحكم أعمالهم سوى أفخاذ المومسات. آخرون يعملون ليل نهار مقابل مبلغ يضعونه بين نهدي عاهرة. حالات الزواج التي تحدث هنا عندكم، حسناً إذا سألك أحدهم عن معنى العهر، كيف تعرفه؟. اعتبر نفسك طالباً في مدرسة، ألا تجيب بأن العهر هو فتح الفخذين مقابل الحصول على المال؟. ألا ينطبق هذا التعريف على كل حالات الزواج هنا. من يتزوج عن حب؟، لماذا لا تعطي العائلة ابنتها لشاب لا مال لديه؟، المشكلة أن العهر يذمه الناس بألسنتهم ويتوقون الجميع إليه بقلوبهم. هل ينكر أحدكم أنه لا يرغب في مضاجعة نساء العالم كلهن. في داخل كل منا فاجر كبير مغطى بعباءة رجل رزين. في ثوب مفصل على مذاق الناس.

استغربت صراحة أبو عمشة الوقحة وفلسفته المتماسكة. لم نكن نتجرأ على الحديث عن أخته رغم فضحه لها. عرفت أنه أكثرنا خبرة بالناس وهمومهم رغم وضعه الشاذ. كنا نراقبه مأخوذين بخطورة حديثه السلس. لكي يؤكد لنا مصداقية ما يقول وعدنا بتقديم الدليل، طلب منا أن نراقبه في الليل وهو يمتطي (حميدة) العانس في بيت أبيها مقابل مبلغ تدفعه هي له. ضحك كاشفاً عن أسنانه الكبيرة:

أضاجعها وأقبض ثمن تعبي في الحال.

في الليل، اختبأنا في الأبنية غير المكتملة الملتصقة في بيت أبي حميدة، بعد تعليمات أبو عمشة الدقيقة:

بالإضافة إلى مراقبتي، راقبوا الشارع أيضاً.

قبل حلول منتصف الليل بساعات تفرغ شوارع سوبارتو من البشر.. تصبح امتداداً لمقبرتها الواقعة في الجنوب، فما بالك بساعات الليل الأخيرة؟. رفع أبو عمشة يده عدة مرات مؤشراً لشبح حميدة القادم. جاءت بحذر شديد إلى الزاوية المعتمة، ارتمت في أحضان (أبو عمشة) أبعدها بلطف:

الدفع أولاً يا حلوة.

لم تكن حميدة حلوة، كانت التجاعيد قد غزت وجهها الذي رأيناها جيداً في النهار. تذكرنا حديث (أبو عمشة) عن نهديها المكورين. رفضت دفع المبلغ له:

لا يا حبيبي.. الشغل أولاً.

يرفع أبو عمشة أطراف شلحتها.. ينتقل بين حلمتيها. تئِنُّ بصوت كفيل بإيقاظ مئات الموتى، يختلط بفرقعات قبل أبو عمشة، وأصوات احتكاك جسديهما المتعرقين. غرقنا في العرق أكثر منهما. عندما انتهيا، دفعت العانس لأبي عمشة ثمن أتعابه وعادت من حيث أتت. في الطريق وعدنا أبو عمشة أن يسلمها لمن يشاء منا لأنه مل منها، خاصة من الرغوة التي تسيل من فمها عند المضاجعة. أدركت ما يبتغيه أبو عمشة من وراء كل ذلك بتلميحاته الواضحة، أبدى استعداده لتقديم حميدة العانس لأي منا مقابل مبلغ يتناسب مع إمكانياتنا الضعيفة. كنت أول المتطوعين... ارتمت حميدة في أحضاني في نفس الزاوية المعتمة. نزعت عنها ثيابها. مددتها على حصيرة كانت معها. بدأتُ بنهديها المكورين. كانت حميدة شرسة. تعض أكثر مما تقبّل، تلصق فخذيها ببعضها كأنها تمنع رياح الموت من المرور بينهما. تنقلب على ظهرها. بيدها تدخل الرجل إلى جسدها، تخرجه، تقبله، تعضه، تبعده، تلفه بشعرها، تريحه تحت إبطها، تضعه بين نهديها تعصرهما. في تلك اللحظات تذكرت المنتحرين الذين قتلتهم النساء. اكتشفت أن المرأة تمنح لذة يستحيل وصفها بالكلام. رجوت الله ألا تدفعني بلقيس إلى الانتحار. شرحت الوضع لدينو وابراهيم كمجرب على أن الأمر شبيه بالماء، لا لون له ولا طعم ولا رائحة، ثمة عذوبة لا توصف، تقتل العطش الذي نعانيه. اندفع دينو، تراخى ابراهيم قائلاً:

اسمع يا دينو إما أنت أو أنا.

بالدور يا ابراهيم بالدور. العانس تكفي كل شبان سوبارتو. ثم أن العوانس يزددن يوماً بعد يوم.

لا يا دينو، لو لم تكن أخي لفعلت، أنا لا أستطيع.

استهزأ دينو من أخيه الرومانسي:

أخي أنت خلقت للبزق فقط، أخوك سيقوم بالواجب بدلاً عنك.

عاد دينو يومها نصف مجنون. اعترف بأنه اقترح على العانس وضع نظارة على عينيها في المرة القادمة، ليتصور أن الجسد الذي يلهث تحته هو جسد الحبيبة المثير. يكرر أمنيته الأزلية، أن يجمعه القدر مع صاحبة النظارة في غرفة بلا باب وبلا نوافذ، يأتيه الطعام والشراب من تحت الأرض، ينام معها على اسفنجة لا تتسع إلا لجسد واحد. ينام حالماً بغرفته السحرية. أفرحتنا اكتشافاتنا المتأخرة. وضعتنا أحضان حميدة العانس أمام الوجه الآخر لبلدنا. شبان يتسلقون الحيطان، يمدّون أياديهم عبر أغطية النوافذ المثقوبة إلى نهود طرية، شفاه جائعة تمتد من النوافذ لتلتهم شفاه أخرى. أصابع تتسلل عبر سحابات السراويل سارقة الزمن المستعجل على المضي. حيطان تحجب أجساداً تتصارع الأجزاء العارية منها. لجوء سري إلى شواهد القبور. عمليات غامضة في حفر المقبرة وعلى أطرافها. بنات يكشفن نهودهن الصغيرة لعيون مليئة بالسوائل البيضاء. زوجات يتسلقن صدور الشباب لقطف العنب المفقود في دوالي أزواجهن. اتفاقات حول إفراغ غرف خاصة للدوام فيها بدل المدرسة. و(صافو) الأرملة تملأ كيس ابنها الصغير بعلب السجائر. يعود إليها في الليل جالباً معه بعض النقود وبعض الزبائن الجدد لأمه. أما (أبو عمشة) فقد وجد حلاً لأزمته المادية الدائمة فقد سافر. لا، إلى الفنادق هذه المرة. بل إلى العاصمة. أوصل أخته إلى المطار، حجز لها في أول طائرة إلى الخليج، ودعها، عاد إلى سوبارتو حزيناً، لا يتحدث مع أحد. إلا أن الأقاويل تكاثرت يوماً بعد يوم عن نمو عظمتين صغيرتين فوق رأسه، وأنهما مع الزمن ستتحولان إلى قرنين طويلين ولذلك فقد كفَّ (أبو عمشة) عن الظهور حاسر الرأس. وما غطى على انتشار نبأ القرون النابتة هو ظهور (شيرو) شاهراً مسدسه في وجوه الناس معلناً أنه سينفذ حكمهم على أخته بالموت. كانت أخته قد هربت مع جارها الشاب تاركة أولادها الستة بعدما اكتشف الزوج الغائب في عمله طوال الوقت أمرها. انتشر الخبر. اقتنى شيرو مسدساً حربياً لغسل شرفه من العار طالما أن زوج أخته عديم الناموس، كما يقول. استطاعت الحكومة العثور على أخته وعلى خاطفها. وقد أرسلت عشرات المتوسلين لأبيها لكي لا يقضي على حياتها. وقد وضع الأب، السكير دائماً، تحت الأنظار، عندما ساقوا الجميع إلى المحكمة. قبل الدخول ارتمت الأخت عند أقدام الأب ترجوه أن يعفي عنها. فأفسح الأب المجال لطلقات شيرو أن تخترق جسد ابنته المستنجدة به. تسلقت خيوط دمها باب المحكمة ولم يهرب شيرو، تقدم بأعصاب باردة مع مسدسه وهو يأمر الشرطة برأس مرفوع:

خذوني إلى السجن.

أدار الأب ظهره للجثة التي تبرع بعض الناس بغسلها ودفنها دون أن يمشي أحد في الجنازة. خرج شيرو من السجن بعد شهرين قاذفاً عباءة الكآبة عن وجهه القاسي الملامح. ما إن نسي الناس الحكايات التي نسجت حول أخته حتى انشغلوا به مرة أخرى. لقد قتل شيرو أباه هذه المرة بمسدس آخر كان يحتفظ به درءاً لمخاطر قد يتعرض لها خلال قيامه بأعماله في تهريب الدخان الأجنبي وأشياء أخرى. اجتهدت الألسنة لحبك كفن من الأقاويل المتناقضة عن جثة الأب المرمية في شارع بيته. وشيرو ذهب برجليه إلى المخفر فاتحاً ملفات العائلة السرية.

أنا بريء يا سيدي، أنا لم أكن أنوي قتل أختي لولا الناس. الناس قتلوها يا سيدي. وقد رأيت بنفسك أن الناس لم ينتظروا حكمكم يا سيدي. فقد أصدروا حكمهم وطلبوا مني التنفيذ وإن لم أفعل نفّذ أبناء عمي حكم الناس بأختي وبي أيضاً. هذا عدا عن إهانات أبي ا لسكير. ماتت أمي يا سيدي. أصبح الأب رجلاً آخر.. يومها قال أن الفقر مات في بيتنا ولم أفهم إلا بعد سنة عندما جمع أبي مالاً عرفت مصدره فيما بعد. تعرفه أنت أيضاً يا سيدي، هؤلاء تجار (البودرة). كان يسهر يومياً خارج البيت، وعندما تزوج أبي نقل مكان السهرات إلى بيتنا. أصدقاؤه شلة من الوجهاء والمسؤولين الذين تعرفهم. لم يكتفوا بشرب الويسكي والعرق. حضرتك تعرف يا سيدي ماذا يتعاطون. هذه المسائل تعرفها ولا داعي لشرحها. كانوا يأتون وأفلامهم في جيوبهم يتسابقون على الحصول على أحداث أفلام الجنس والوافدة إلينا، وقد استعاد أبي عادته الرذيلة القديمة. ستكون أول شخص ليس من العائلة يطلع على هذا الأمر. أبي فض بكارة أختي الكبيرة وقد أعادها إلينا زوجها. وبعد جهود كبيرة استطعت إقناع صهرنا لأنني كنت الشاهد الوحيد على حادثة الاغتصاب القديمة تلك. عاد أبي ليلتها من السهرة ثملاً، فتح الباب، أضاء المصباح، ربما أغرته مفاتن أختي المكشوفة وهي نائمة فوضع يده على فمها و.. دخلت الغرفة، لكن بعد فوات الأوان. يومها عرفت أن أبي هذا له أكثر من سبع أرواح، لم يمت بعد كل ذلك الضرب المبرح الذي تلقاه مني. أنا أتعرق يا سيدي كلما تذكرت هذه الأمور. سمعته يقول لأحد أفراد شلته أن له كل الحق في قطف ثمار الشجرة التي يزرعها وينميها ويرعاها، مستغرباً من تدخل الآخرين في مثل هذه الأمور. هي ابنته وهو حر بما يفعل بها. لم أستطع النظر إلى وجه أبي بعد ذلك اليوم. كنت أكتفي بالرد عليه عندما يتحدث معي دون أن أنظر إليه. كادت أختي أن تختنق من البكاء. رغم ذلك، منعتني من قتله لأنه كان سكراناً. تفهّم زوجها الأمر بصعوبة، إلا أن فارق السن الكبير بينهما جعله يبلع هذه المأساة، كرر أبي محاولاته مع أختي الأخرى. نبهته أكثر من مرة، هددته مرتين أمام أختي. البارحة لجأت أختي إلى غرفتي شبه عارية يا سيدي هرباً من أبي المتزوج منذ أشهر فقط. لم أعد احتمل الكتمان يا سيدي. إنه أمر لا يصدق، لكنه حصل. صدقني أن أكثر المناظر قبحاً هو منظر الدم البشري. ومع ذلك أكاد لا أصدق يا سيدي أنني من قتل أخته وأباه. صحيح، لم أحكِ لك يا سيدي أن أمي أصابتها الجلطة قهراً من تصرفات أبي. كنت أستيقظ كل صباح على صوت أمي وهي تدعو الله أن يقبض عزرائيل روح زوجها ويخلصها من هذا العذاب. أحياناً يكون الموت هو الحل الوحيد يا سيدي. كانت أمي على يقين من أن معاناتها مع أبي لن تحل إلا بموتها أو بموته؟، طلقها اكثر من عشر مرات، لكن أين كانت ستذهب المسكينة بعد كل هذا العمر؟، خاصة أن أهلها كلهم قاطعوها لبقائها مع أبي من أجلنا. أبي قتل أمي وأختي وقتلني أنا أيضاً يا سيدي. صدقني أن أبي – هذا صحيح – بنى لنا بيتاً لكنه خرّب نفوس كل أولاده. دمّرنا يا سيدي دون أن يعيش هو أيضاً. لقد كان شخصاً عجيباً يا سيدي ومؤثراً إلى درجة أنه شوهنا جميعاً. أنا متعلم يا سيدي لست أمياً كما تعتقد. أشفقت على أبي أكثر مما أشفق على نفسي. أنا اعرف أن لا أحد يسند ظهر إنسان تزحلقت رجله. لكن ماذا تفعل بإنسان يصر على قتلك كل يوم يا سيدي. أبي قتلني ألف مرة وأنا قتلته مرة واحدة. فمن الجاني يا سيدي؟.

عندما قتل شيرو أخته هنأه الشرطي الذي قاده إلى السجن على شجاعته وهو يقول:

الرجل إما أن يكون مثلك أو لا يكون.

الشرطي قاده إلى السجن بصمت كاتماً أفراحه اثر امتداد يد شيرو إلى جيب بنطاله وهي تدس رزمة نقود فيه. اكتفى الشرطي بهز رأسه. فهم شيرو ابتسامته وهو غافل عن أحاديث الناس المتناقضة. دفن أباه بجوار أخته. انتظر الناس قتل فرد آخر من العائلة على يد شيرو الذي خرج من السجن بطرق لا يعرفها أحد من الناس في سوبارتو هذه التي تنام على أذانها لأشهر ريثما توقظها من غفوتها حادثة ما تشغل الناس بانتظار حادثة أكثر غرابة... هكذا. كنا أقربهم إلى مسرح المهازل تلك باعتبار أن أبطالها الحاليين هم أبناء جيلنا الذي كان غائباً عن الأحداث بمشاغله السرية إلى وقت قريب. ما إن يحرك أحدهم مستنقع البلد حتى يكشف الجميع عن العلاقة التي تربطهم بالرأس المحرك. بدأنا ننظر إلى أنفسنا بعين جديدة. هوفو وشيرو ورشو وأبو عمشة الذين لفتوا الأنظار إليهم بطرق غربية، كانوا قريبين منا. ولم أكن أعلم أن اسمي سينضم إلى قافلة الأسماء الصاخبة تلك مروراً من بوابة أخرى هي السياسة. فبالله عليك يا سوبارتو أخبريني، ماذا تخبئين لي؟. هلا حملت رياحك أخبار بلقيس، أحوالها، كيف تقضي أيامها؟. إنني في شوق عارم إلى لقياها. يا ترى أين بلقيس من كل هذا؟، كيف تتعايش النقائض جنباً إلى جنب؟. أليس من العدل أن أكون مع بلقيس على أرض غير هذه وتحت سماء غير هذه السماء؟. ركضت إليها، أجفلتها بظهوري المفاجئ. استأذنت صديقاتها، كعادتها كلما تراني، رحبت بي، أخفضت صوتي:

أحبك.. ستحبك عظامي بعد موتي.

احمرّت، ارتبكت، كادت أن تغادر المكان. عرفت أنني تسرعت إلا أنها أنقذت الموقف:

وأنا أحبك، اطمئن خلاص. هل تعلم أن عينيك جميلتين؟. صحيح، قل لي من أين تأتي بكل هذه الكلمات الحلوة؟.

علت الضحكة وجهها الطفل، حاولت إزاحة كابوس الانفعال عن وجهينا. قالت بمرح:

اسمع.. أنا أحبك، حب توم لجيري. هل تتفرج على أفلام الكرتون؟ كرمى لي. تفرج على برامج الأطفال.

كنت لا أزال ذاهلاً عندما مضت. اتجهت إلى البيت لأكتب الشعر، لم أستطع. ازداد قلقي... حالة الحب تسمو على حالة الشعر. شعرت ببؤس الكلمات. ما جدوى أن تقول لشخص آخر بأنك تحترق ولحم جسدك يتساقط قطعة قطعة بفعل النار التي تأكلك، طالما أنك على يقين من أن هذا الشخص عاجز عن فعل أي شيء، ما الجدوى؟ إني أتساءل يا بلقيس فيما إذا كنتِ تشعرين بالنار التي تأكل داخلي الآن؟ هل ترين الدخان وهو يتصاعد من عيني أمامك؟ جاء إلى بيتنا أحد أصدقاء صابرو الحميمين. كان لا يفارقه. أخبرني بأنه ينتظرني مساء اليوم في البيت لأمر ضروري. أمعنت النظر في ربطة عنقه الحمراء، أعرف أن اسمه ترشو (الحامض) ولا أدري إن كان اسماً أو لقباً. وقد أوصى بعض المسافرين إلى خارج البلاد على دواء يسبب الصلع لكي يتخلص من شعره الذي يحول دون أن يكون نسخة طبق الأصل عن الزعيم. كان قد كتب على بابه المخلوع، المليء بالتشققات (عاش السلام العالمي) كان صرير بابه يوقظ الجيران كل صباح عندما ينفتح، فاحتج أحد الجيران، ومن شدة غضبه كتب إلى جانب الباب (عاش النوم العالمي). ذهبت في الموعد المحدد، غصت الغرفة بأكثر من اثني عشر شاباً. ابتسم لي دينو وإبراهيم من بين الوجوه المعروفة وغير المعروفة، بالإضافة إلى وجوه جديدة عليّ. ظننتها ندوة سياسية، خاصة أن الحيطان كانت مزينة بصور ترشو الساخط مقلداً كل وقفات حركات الزعيم في الصور... وقد تأسف مرة أخرى على أن شعره لا يتساقط بسرعة. تأخر الوقت. كان صابرو يريهم، واحداً بعد الآخر، الطريق الى المرحاض، انتقلت عدوى التبول إلى الكل، كعدوى ربطة العنق الحمراء تماماً، سألت الجالس بجانبي:

متى سيأتي مدير الندوة؟.

ردّ علي بسنة مقلوبة:

بعد قليل.

افتتح صابرو الندوة بسؤال ساخر، سؤال كسر مائة جرة في داخلي دفعة واحدة:

ما قصتك مع بلقيس يا سيدنا سليمان؟

شعرت بقلبي ينخلع من مكانه بيدين خفيفتين:

رجاءً صابرو. هنا ليس مكاناً لمناقشة المسائل الشخصية، بإمكاننا الحديث على انفراد في هذا الموضوع إن أردت.

جمعنا شمل الرفاق لبحث هذا الوضع الخطير الذي تخلقونه بمؤامراتكم الدنيئة.

رأيت أن المسألة جدية أكثر مما أتصور، عرفت أنها محاكمة حزبية وليست ندوة سياسية. ارتبكت من نظراتهم الغامضة الممزوجة بأحقاد متراكمة لسنوات عديدة:

أي وضع وأية مؤتمرات؟.

تدخل آخر:

اسمع يا سليمان الحكيم، نحن نعرف بعضنا جيداً، مجموعتكم مدفوعة من جماعات قومية نعرفها من قبل (ونظر دينو وإبراهيم) لضرب سمعة الحزب من خلال تشويه سمعة بناته. لا تظنوا أننا نائمون على آذاننا. هذه قضية تمس شرف الحزب. ولا نسمح لكم بالطعن في ناموسنا أكثر من ذلك.

ثم اكتفى بالتركيز على قرار متفق عليه سابقاً:

إياك أن تقترب من بلقيس.

فلسف صابرو رأيهم بأقواله:

الحب ثلاثة أنواع، حب تسلية، حب حقيقي (بروليتاري) وحب إجرام. وأنت حبك من النوع الثالث لأن بلقيس لم تبلغ سن الرشد بعد، وكل منا من طبقة متناحرة مع الأخرى.

قاطعه دينو بسؤاله:

لماذا زوّج مسؤولكم الحزبي ابنته وهي أصغر من بلقيس بسنتين لابن عمها؟.

تلعثم صابرو:

كل فتاة لها طبيعة مختلفة عن الأخرى، أنا أقصد...

حاول آخر إنقاذه:

رأيت بلقيس البارحة على الفرن، ظننتها تلميذة في الصف الأول، كدت أهديها مصاصة.

اختلطت القهقهات بدخان سجائرهم. قال أحدهم لآخر:

تصور أن تبلغ النذالة بأحد ما أن يدخل بيتكم ويحوم حول أختك. هذا استغل علاقته برفيقنا فاروق من أجل أخته، ياللـ...

تدخل صابرو بنبرته البكائية، ليرثي الأخلاق الحميدة:

يا جماعة الموضوع أخطر مما تظنون. أعداء الحزب لنا بالمرصاد. لا يضربون إلا "المناطق الحساسة"، أين الأخلاق "البروليتارية" المؤامرة واضحة وإلا فلتخبرني يا سيد سليمان لماذا تحب بلقيس بالذات؟، هل كنت ستطاردها بكل هذا الإصرار لولم تكن من عائلة حزبية؟. إنك لا تستطيع أن تنكر أن "الطبقة العاملة" هي المستهدف الوحيد من هذه المحاولات الدنيئة.

تدخلت ببرود شعرته يحرق أحشائي:

يا أخي أنا أحببت هذه دون كل بنات العالم، والله لا أعرف السبب. الحب شيء لا يفسّر، لا تتعبوا أنفسكم في مسألة لا تخصكم، أنا أحب.. تؤكدون لي بآرائكم هذه أنكم لا تعرفون الحب أبداً.

قفز أحد الصامتين من الزاوية، وأصابعه على شواربه المفتولة:

أنا جربت الحب مع أربع بنات ولم يقل أحد عنّي كلمة واحدة. وأنت في تجربتك الأولى فضحتها وفضحتنا..

ضحكوا..

لا أدري لماذا خدعني بصري في تلك اللحظة فرأيت البول يتساقط نقطة نقطة من شاربيه.

هي لا تريدك يا أخي، قالت لي بأنك تلاحقها في الشارع رغم أنها طردتك ثلاث مرات. قال والدها بأنك من رفاق السوء لابنه فاروق.

تذكرت مصارحتها لي بحبها قبل يومين. بررتُ لها ما أخبرتهم به طالما أن الأمر جرى أمام والدها. المؤكد أن بلقيس دفعت الخطر عن نفسها بأن رمت الذنب كله عليّ، حاولت أن ألعب معهم دوراً ذكياً:

ليكن.. أنا أحبها ولن أتخلى عنها، وأؤكد لكم أن لا علاقة لها بكل ما يجري، أما حبها فلن تستطيع قوة على الأرض أن تنزعه من قلبي.

تلقى ترشو كلماتي هذه كلسعة موجعة، رفع ورقته الأخيرة في وجهي، والتفت إلى الجميع:

الآن سألقي عليكم كلمة منظمة الحزب بهذا الخصوص.

ألقى كلمة طويلة أشار فيها أن هذه الممارسات التي تجري شعار الحب والإباحية والتي يروج لها هؤلاء المراهقون تخدم – موضوعياً أعداء الإنسانية.

صفق له صابرو بحماس، انتقلت عدوى التصفيق، بينما دينو يضحك بطريقة أثارث حنق الجميع، وقد أقسم بعد هذا الخطاب بأنه لن يلقي خطاباً على أسماعنا بعد اليوم. ضاقت الدنيا بي، دارت الغرفة حول رأسي وصدى صوت صابرو يرتفع:

للمخابرات المركزية الأمريكية يد في هذا الحب بالتأكيد.

نظرت إلى ترشو المزهو بتمثيله للحزب في جلسة المحاكمة:

أخبر حزبك أن الحب لا ينتزع من القلب بقرار. ولكن يبدو أن ما تريدونه سيحصل إن شاء الله..

قبل أن أكمل حديثي،تنفسوا الصعداء. تبعهم صابرو، مرة أخرى، واحداً بعد الآخر باتجاه المرحاض للتبول. رغبت في التبول على أرض الغرفة المزينة بالصور، شعرت بدمي يسيل من الصور المعلقة فوق رأسي. منعني الصداع من التفكير. خرجت من المحاكمة مترنحاً، كمن فقد نفسه. ارتميت على أعشاب قريبة من بيتنا. وضعت رأسي بين يدي وبكيت، بكيت كما لم أبكِ من قبل. بكت الأعشاب معي، بكت الأفعى المختبئة في حوشنا القديم، بكت الحجارة المتناثرة على قبر جدي، بكت الأرض، بكت السماء، عدت إلى البيت. مبلل الثياب، شعرت بأسياخ حامية تشوي لئتي. أسناني توجعني، رأسي يتشقق. كم أود أن أنام فلا أستيقظ أبدً. ما أبعد النوم وما أقرب الموت. كان هناك طفل من ضوء يجلس وحيداً على كرسي مشع، ينظر إاي بودٍ صامت.

ظننت بأنني أحلم، اقتربت منه. خاطبني بنبرة واثقة:

لا تقترب، سأظل إلى جانبك، لن يراني أحد سواك.

من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟

أنا ابنك، هل نسيت؟. أنا ابن بلقيس!.

خرجت من الغرفة مشوشاً، أخبرت أمي أن طفلاً من ضوء يرقد في غرفتي، شكت أمي بسلامة قواي العقلية. دخلت معي الغرفة. كان الطفل الضوئي ينير الغرفة بأكملها:

وأين الطفل يا ولد، هل تهذي؟.

هاهو يا أمي !.

وضعت أمي يدها على جبيني، اكتشفت أنني بحاجة إلى طبيب، لأن حرارتي مرتفعة. كرهت أمي حينها. لأول مرة في حياتي ينتابني مثل هذا الشعور الكريه. حاولت النوم عبثاً. ظلت الأسئلة تمنعني من الراحة. بلقيس عذراء. كيف أتى ابنها إلى هذا العالم؟ هل هو حلم يقظة؟ كيف تظلمني بهذا الشكل؟ تتبرأ من كل ما قالته. كنت أظنها ستتحدى الكل من أجلي.

أنا سليمان بن داوود الذي جاء إلى الحياة ليحبها، هيه، أيها الهدهد. أين أنت؟ اسمعني جيداً. احمل رسالتي إلى بلقيس،، أخبرها ببعض ما جرى، عد إلي بردها. دخل الغرفة من النافذة هدهد مزركش، حطَّ على الكرسي المشع الذي يجلس عليه الطفل الضوئي منتظراً أوامري. حمل الهدهد الورقة المطوية بمنقاره. طار مخلفاً وراءه عاشقاً محاصراً بالأسئلة والأحزان والأحزاب والطفح. غفوت بانتظار عودة الهدهد، أيقظتني خفقات جناحيه، جاء إلي حاملاً ورقة مطوية، فتحتها، كانت رسالة مكتوبة بخط زنوبيا. الأخت الكبرى لبلقيس. تنفي كل ما قيل على ألسنة (قضاة) ذلك اليوم. تؤكد أن والديها لا يعرفان شيئاً عن الموضوع. وإن سمعا، فالنتائج لن تكون طيبة. وتطلب مني التريث إن كنت فعلاً أحب بلقيس بصدق. شكرت زنوبيا من الأعماق. استعادت بلقيس ألقها في مخيلتي. لكن ترشو الذي يتمنى من الله أن يتساقط شعره بسرعة قال بأنه استجوب بلقيس وأنها اعترفت بملاحقتي لها رغم رفضها المتكرر، دخلت في دوامة. ظهرت تلك المرأة البيضاء، تمددت على ظهرها. رفعت ساقيها.. تدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين. ذهبت إلى لقاء ترشو الذي حفر مع رفاقه حولي مستنقعاً أتخبط في آلامه وحيداً. كثرت المشادات والخلافات بيننا. لأول مرة فكرت بقتل إنسان. هذا الإنسان هو أول من منعني من الحب. صابرو أكثرهم خوفاً من حملي للمسدس. كان يضرب ظاهر يده على باطنها مذعورا:

أقسم أنه سيقتل أحدنا.

جاء إلي رسولهم يخبرني بقرار حزبي مرة أخرى:

لا أحد يسلم عليه..

امتحانات البكالوريا باتت على الأبواب. الأعصاب تتكهرب يوماً بعد يوم. أصبح النزول إلى الشارع عقاباً لي، وأنا أتلقى نظرات فيها من الحقد والكراهية والاحتقار أكثر مما فيها من العتاب. تداولت الأحزاب النبأ. انقسمت على نفسي، شككت في مشاعري. هل يعقل أن أكون على صواب والجميع على خطأ؟. انتشر الخبر وسمعت الآنسة النبأ المرير:

كنت نظنه مسكيناً هذا الولد!.

رد الأستاذ عليها بنبرة ساخطة:

كنت أعرف أنه " ماء يسيل من تحت التبن".

اعتبر أن ما جرى دليلٌ على صحة وعلمية أفكاره الطبقية:

الأفاعي الصغيرة ترث سموم آبائها، ما حصل تعبير عن الأخلاق البرجوازية التي هي امتداد للغزو الثقافي الإمبريالي. لم ارتح لهذا الولد ولأهله منذ اليوم الأول، احذري يا أم فاروق من أن تحبه البنت أو تتعلق به. هذه خيانة للحزب.

اقتربت منه الآنسة الحريصة على أن لا ترى بناتها أي حركة غير طبيعية لها مع أبيهن، قبلته في أنفه، نزعت نظارته عن عينيه. طمأنته بهدوئها:

اترك الموضوع عليّ. هذه ابنتي وأعرف كيف ربيتها. اطمئن.

كان الأستاذ مستنفراً أكثر مما تتصوره الآنسة:

أخوته، أحدهم عميل والآخر أزعر وقومي والأخر متدين وغني عن التعريف و...

اكتفى الأب الأستاذ بسبغ الصرامة على معاملته لبلقيس بعد سماع النبأ وترك الباقي على الأم الآنسة التي تصرفت بحكمة. تحدثت لابنتها التي كانت طفلة حتى الأمس عن مسائل جعلتها تتخدر تماماً، وهي تغرق في بكاء له طعم جديد عليها، ثمة مشكلة جدية تحوم حولها. منعها البكاء من الحديث، إلا أن الحل سهل كما يبدو، مؤلف من حرفين "لا" لهذا الحب.

شعرت بحاجة ماسة إلى مجيء الهدهد، ناديته من الأعماق. حطّ على الكرسي المشع من زاوية الغرفة. كان الطفل المضيء صامتاً ينظر بعينين ناعستين. طار الهدهد اليها حاملاً رسالتي، عاد إليّ مكسور الخاطر، خجولاً، فهمت أنها مزقت الرسالة قبل قراءتها. تركت الهدهد. لجأت إلى الهاتف، حملت السماعة التي شعرت بها وهي تهتز من الانفعال. طلبت الرقم الثلاثي من المقسم، كنت اعلم أنها وحدها في البيت، سلّمت عليها فلم ترد:

نعم.. ماذا تريد؟.

بلقيس.. أنا... أنا...

ألا يكفي أنك حققت هدفك؟.

بلقيس، ماذا تقولين؟، أحبك وأنت تعرفين أنني...

كنت أظنك ناضجاً، الآن تبيّن من منا الصغير، أنا أم أنت.

بلقيس.

طيب، الأول يكذب، الثاني، العاشر، التاسع عشر، المائة، كلهم يكذبون، أنت وحدك الصادق يا سليمان؟! وتحبني؟.

ارتفع صوت بكائها الغاضب:

عكرت عليَّ كل حياتي.. عكرت..

أغلقت الخط. سقطت السماعة من يدي، تهالكت على ركبتي حزيناً، أحسد القتلى على ما هم فيه من نعيم. وقفت وجهاً لوجه أمام الامتحانات في تلك الحالة المزرية، اكتفى دينو بهز رأسه:

شلة إصلاحيين وخونة.

انشغل إبراهيم بدراسته أكثر منا. اجتزنا الامتحانات بعد عادة جديدة اكتسبتها وهي سيلان الدم من أنفي برفقة الصداع، توقعت لنفسي الرسوب. إلا أن ظهور "أبو عمشة" من جديد بعث الحيوية فينا. عاد إلى سيرة حميدة العانس وهيجانها الدائم، أكد أنه بعدما هذه التعب ليلة البارحة أخذت حميدة العانس تدخل حذاءه بين فخذيها لإطفاء النار المشتعلة هناك. غاب بعد يومين مرة أخرى، لضرورات عمله في فنادق المدن الكبرى، كان شيرو خلالها قد تعرض إلى مداهمات من قبل الحكومة التي كانت على يقين من متاجرته بالقطع الأثرية النادرة والأفيون. عندما استمروا في مضايقاتهم له قيل أنه هاجر إلى اليونان، أما رشو فقد أصيب بالهلوسة بعد اختفاء خالته حتى اعترف:

لقد حصلت على رأس الخيط الذي سيوصلني إلى خالتي.

هاجر من البلاد بحثاً عن خالته المحبوبة.

انتشلني بسكويتو من ضياعي بزيارته المفاجئة لي. دخل عليّ الغرفة متجهماً. كنت متمدداً على السرير:

أخبرتني أمك بأنك مريض. ستموت إن شاء الله.

ظننته يمزح، عبرت ملامحه عن جدية بثت الغضب في أعماقي. عدلت جلستي، شعرت بسيول الدموع تتزاحم في عيني، شكرته في سري على وفائه للصداقة التي بيننا، لكن الأغطية بدأت تنزاح شيئاً فشيئاً عن مقاصده:

أصبحتم الآن فريقين يا سيد سليمان، أنا انضم إلى أي فريق برأيك؟ خاصة أنني آخر من يعلم يا "صديق"!.

لست بحاجة أن أشرح لك نواياي، أظنك تعرفني. ما سمعت عن حبي لها صحيح، أنا احبها بالفعل، سأوضح لك بعض المسائل الغامضة والتي فُهمت بشكل خاطئ.

سردت له الموضوع، خجلت من دموعي، غسلت وجهي خلالها أكثر من مرة، وبعد انتهائي قال:

أعطني رسالة أختي.. سآخذها.

بأي حق تطلب ذلك؟.

لأدافع عنك أمامهم.

لست بحاجة إلى دفاعك، لا يهمني رضاهم عني، ما أريده أن تفهمني أنت وحدك.

هات الرسالة.

لن أعطيك، لا تزعج نفسك بطلب سخيف كهذا مرة أخرى.

مضى مسرعاً ليعود في اليوم التالي مصفراً من الغضب، أفرغ عند الباب كيساً من الشتائم التي بدت نافرة لا تنسجم مع هيأته المهذبة، كانت تلك أول مرة أجد فيها فاروق الذي لم يكن يعترف بوجود علاقة بين الشرف والناموس والنساء، وجدته ساخطاً على مسألة الشرف والناموس بل إنه كان يردد هاتين الكلمتين بكثرة، تذكرت سخريته من الذين يعتبرون شرفهم كامناً بين أفخاذ نسائهم. استغفرت الله على هذه المفارقة العجيبة. حسم بسكويتو علاقته بي بإطلاق تلك الشتائم الطائرة. لم يكتف بمقاطعتي فحسب بل أنه قاطع بلقيس أخته أيضاً، أبى أن يتنازل عن التكلم معها بعد هذا الحب الآثم. وأنا بقيت مريضاً في الفراش وأمي تصر على أن عيناً أصابتني، أصرت على الذهاب إلى العجوز فلك لحل اللغز وتخليصي من آثار العيون الحاسدة، جاءت إلى بيتنا العجوز فلك، أول ما لفت نظري هو أن أحاديث الناس عنها بأنها تستعيد شبابها يوماً بعد يوم صحيحة، خفت التجاعيد عن وجه العجوز وتوسعت عيناها وعلى شفتيها تتوضع ابتسامة خفية، ما بقي على حالها هي العكازة فقط، كل شيء فيها يتغير، نظرت إلي بابتسامة خبيثة، فهمت أنها توحي لي بأنها تعلم ما أصابني، وعندما ذهبت أمي لإحضار كأس مليء بالماء، همست في أذني:

أعلم أنه الحب... لكن لابد من القيام بالواجب.

أمسكت العجوز فلك كأساً مليئة بالماء فوق رأسي تماماً، سكبت فيه رصاصاً ذائباً، فتصلَّب الرصاص خلال دقائق معدودة، نظرت بإمعان إلى الشكل الذي رسمه الرصاص في ماء الكأس، فكرت طويلاً، اجتمعت النساء حولها، يشبه من هذا الشكل؟، وبهدوء قالت العجوز:

عرفتها...

أخذت أمي إلى زاوية الغرفة وهمست لها باسم المرأة التي أصابتني بالعين:

إنها الآنسة.. بيتها في جنوب البلد.

لكننا لا نعرفها.. وهي لا تعرفنا.

ومع ذلك.. هي التي دعت على ابنك وأصابته بالعين.

حملت أمي الكأس المليئة بالماء، أخرجت الرصاص، وعلى الفور ذهبت باحثة عن بيت الآنسة، سكبت ماء الكأس أمام بيتها وعادت مطمئنة، تنتظر شفائي في أسرع وقت ممكن، في هذه المعمعة تم إعلان النتائج وفوجئت بنفسي بين الناجحين. حصل بسكويتو على المنحة الدراسية التي ناضلت عائلته بكل قواها في سبيل تأمينها له، سافر إلى المنتجع، الاتحاد الـ صوفي ـاتي – البلاد التي لا علاقة لصوفي محمدي عيشاني بها ومع ذلك أتذكره كلما سمعت هذا الاسم. سافر دون أن يودع بلقيس التي ستظل تتذكر هذه الإهانة التي سببتها لها، مخلفة جرحاً لا يندمل لفترات طويلة. أقام صابرو الدنيا على رأس حزبه مدعياً إن المنحة كانت له بالأساس، وإنه أجدر بها لأن والده الخردواتي لا يتحمل تكاليف الجامعة. حينها فقط اكتشفت أن لاكتساب المنحة الدراسية من الحزب علاقة برابطة الدم، وسيأتي بعد سنوات لينقل لمن حوله أخبار بسكويتو مختصرة إياها في جملة واحدة:

البسكويت تفتت في أوروبا ولن يعود.

الملاَّ مثله هاجر إلى ألمانيا بعد نجاحه في البكالوريا، ستصلنا منه رسالة وحيدة تتضمن إحصاءً دقيقاً عن عدد المساجد في ألمانيا وفي أوروبا بشكل عام، وقد تزوج وأصبح إماماً للمسجد هناك، أفرحتنا رسالته كثيراً ولم نرد عليه، وأمي ظلت بعد كل صلاة ترجو الله أن يطيل عمر العجوز فلك وأن يزيدها شباباً لأنني شفيت على يدها المباركتين، حتى أنها ربطت بين نجاحي في البكالوريا وبين أدعية العجوز فلك لي بالشفاء والنجاح، هكذا دخلت إلى كلية الفلسفة كما كنت أرغب، صابرو ودينو دخلا كلية الآداب أما إبراهيم فقد دخل إلى كلية الهندسة الميكانيكية، صرنا أمام وضع جديد، صابرو لن يداوم إلا في شهر الفحص فقط، ولن يداوم معي إلا إبراهيم ودينو الذي تخلف عنا لسبب فاجأ الجميع، فقد دخل السن مع مجموعة كبيرة كانت لهم معه علاقة سطحية، كما كنا نظن. شعرت بقطعة من جسدي تنتزع مني، انتظرت خروجه لأيام، كانت توقعاتي خاطئة، اختفى ويستحيل أن يعلم أحد. بمكان وجوده بدأت ذاكرتي تسترجع خطاباته الحماسية المسبوكة بسخرية مريرة وأحاديثه النزقة عن الأحزاب التي تنشق على بعضها وتتمتع بطباع القطط، وتحاول إخفاء فضلاتها بالأتربة دائماً، وما رسخ اعتقادي بعلاقته الأكيدة مع هذه المسائل نوبة الغضب الأخيرة التي انتابته عندما شق ثيابه وتعرى، ولولانا لشق جسده بمشرط حاد كان يحمله في يده وهو يصرخ:

انشقاق.. انشقاق.. انشقاق.. سأشق جسدي وأستريح من هذه الإنشقاقات.

وبقي يهذي بسخط:

أحزاب تولد مثل الأرانب يا رجل، العشائر باتت أكبر منها.

حرر نفسه من أيادينا بعد أن أخذنا المشرط منه فبدا يركض عارياً يحمل حفنة تراب بين خطوة وأخرى ويذروها للريح، صائحاً:

غبار، خمسون عاماً، ألف عام من الغبار، أحزاب الغبار.

كان والده أيضاً قد مل من متابعة الإنشقاقات التي أكلت جسد الحزب الذي أمضى عمره في خدمته واكتفى بالالتصاق بالراديو مثل أبي لمتابعة صخب الإذاعات. لكن طباع دينو شهدت تحولاً جذرياً بعد ذلك اليوم، فقد كان يكتفي بالامتعاض عندما يدور الحديث حول هذه الأحزاب، وبدأ يتحدث عن مفردات جديدة، الثورة، استلام السلطة، الإنسان الجديد، العمل الجاد، النظرية والتطبيق، وقد ازداد حقده على الآنسة وحزبها، كانت كلماته عنها قاسية وغير مفهومة بالنسبة لي في ذلك الوقت إلا من زاوية حبي لبلقيس:

هذه المرأة تعيش على فتات سمعة أبيها الطيبة، أما هي فهشة وفارغة أكثر من عود القصب، هذا الحزب لها ولرفاقها ورقة التوت، يسترزقون من ورائه، هي تقود نساء وبنات الحزب ولا تحضر بناتها إلى تلك الندوات، الحزب لها ولأمثالها ثوب تخلعه متى تشاء، وترتديه عندما تتطلب الحاجة ذلك.

كان شارداً يوماً في إحدى أمسياتنا الحماسية، فجأة قال دينو:

حمار جكرخوين!

استفسرنا عن الأمر في سياق حديثه عن الأستاذ – زوج الآنسة – فأكمل دينو حديثه:

جكرخوين (الشاعر) يشبه هؤلاء بأصحاب الحمير، يربطون المبدأ مثل الحمار أمام بابهم، ويرمون أثقالهم على ظهره وقت اللزوم، لكن وضع الحمار أفضل لأنه على الأقل قادر على النهيق أما المبدأ، الحزب، فكيف ينهق؟.

ضحكنا، كنت أظن أن سبب هذه السخرية من الأستاذ ومن حزبه هو تعاطفه مع مشاعري المدهوسة بأقدامهم، لم أكن أعلم أن السبب هو خلاف سياسي حاد. إلا عندما غيبه السجن، يومها اكتشفت في دينو أشياء جديدة. كنت في رفقته يوماً ولم يفاتحني بالمواضيع الخطيرة التي تشغله بشكل مباشر، حزنت على دينو الذي بقي الفراغ الذي خلفه شاغراً. حتى أني ربما أحسست بفقدانه أكثر من أخيه إبراهيم الذي لم يستوعب ما حدث بهذه السرعة:

أكيد أن دينو ضحية صديق خائن.

لا توجد جامعة في سوبارتو، رغم العدد الضخم من طلبتها الذين يتبعثرون في جامعات المدن الأخرى، سافر إبراهيم قبلي لاستئجار المسكن تاركاً دينو في سجنه المجهول، عندما قررت السفر أتتني المرأة البيضاء تلك، رفعت ساقيها، سالت أساورها الذهبية ماءً أصفر قرب فخذيها المتباعدين، والبترول يتدفق من بينهما على شكل شلالات قزحية، تبعتها صورة بلقيس ماسحة عن مجال بصري الأشباح الهائجة، فسعيت إلى الالتقاء بها. حاولت الاستنجاد بالهدهد عبثاً، بقي الطفل الضوئي ينظر إليّ حزيناً ولا يتحدث. لأيام متواصلة انتظرتها في كل الشوارع، حتى استطعت سرقة دقائق قليلة بعيدة عن الأعين الغادرة:

لا أعدك بشيء، اتركني.. وشأني.

بلقيس.. أنا.. أنا.

أنت ماذا؟، أنت خرّبت علي حياتي، فضحتني.

أحبكِ.. وسأظل، لا أريد منك إلا كلمة واحدة.

كلمة واحدة.. لا أحبك.

حاولت التفاهم معها عبثاً، بقيت ماشياً في الشوارع ذلك اليوم حتى المغيب وأنا غائب عن الوعي، أبكي حيناً وأضحك حيناً آخر، امتلكتني دوامة لا قرار لها، شعرت بالطيور كلها تهجرني، تكرهني، كرهت الأرض التي أمشي عليها، كرهت نفسي والآخرين، شعرت ببراكين هائجة تنفجر في داخلي و أن صدري لا يتسع لها، كان الناس مطمئنين هادئين كعادتهم. بصقت على الجميع في سري، استغربت من انعدام احساس الآخرين بي، كنت أحترق، حريقي كان أكبر من حريق السينما، ذلك اليوم التف الناس حول الأطفال المحترقين، بكوا، واسوا بعضهم، خففوا الحزن عن بعضهم، أما أنا فإن ألفي طفل يحترق في داخلي وما من أحد يواسيني، نظرت إلى السماء منهكاً، خاطبت الله من أعماق روحي القلقة:

يا الله.. ماذا أفعل بكل هذا الحزن؟

عدت إلى البيت. أمي،أخوتي، لهم مشاغلهم التي لا تنتهي وهي امتداد لأحداث تلك الأيام البعيدة، والتي حفرت في ذاكرتي المتعبة. كان قد مضى وقت طويل على الصاعقة التي اجتاحت بيتنا والتي حملتها الإذاعات لتدمي البقعة الباقية من أكبادنا. ما إن كررت الإذاعات النبأ الذي لا يصدق حتى شعرنا بالسماء تنطبق فوق رؤوسنا، بقينا مذهولين من ثورة غضب آبائنا المفاجئة، في آخر الليل حمل أبي الراديو (الحبيب) فوق رأسه، وبكل ما تملك من قوة قذفه على الأرض فتحطم وطارت كل قطعة منه إلى مكان، تبعثرت أجزاء الراديو الذي أصدر صراخاً شبيهاً بالنحيب على أرض البيت، وقفنا مذهولين من شتائم أبي، وشظايا غضبه المتطايرة فوق رؤوسنا الحزينة ومن بكاء أمي الغامض.

لقد فشلت الثورة.. البيشمركة يرمون أسلحتهم ويهربون بجلودهم.

أربعة عشر عاماً من الآمال وهي تتراكم فوق بعضها كأبنية شامخة بين ليلة وضحاها، تهاوت الأبنية والأمال والأحلام الكبيرة وبرز اسم الجزائر مرة أخرى، تذكرت أخي الذي مات في سبيل الجزائر، كما قالت الصحف حينها، أنزل أبي كل شتائم الأرض وأنزلها على أرض الجزائر، وهو يضرب يداً بيد مستغرباً:

العراق وفهمنا، إيران وفهمنا، أما الجزائر... الجزائر يا رجل..!

كانت تلك اتفاقية آذار التي عقدت في الجزائر بين العراق وإيران للالتفاف حول الثورة وخنقها. الوساطة الجزائرية نجحت في طعن ظهر الثورة من الخلف. كفت إيران عن المساعدة مقابل تنازل العراق عن (مياهه وأرضه) لها.وفيما بعد، ستشتعل حربا لأكثر من سبع سنوات حول تلك الأراضي والمياه وسيفقد الملايين ارواحهم، سيظل ملايين الأطفال يتامى، وملايين النساء أرامل، وفي كل الأحوال فقد تهدمت أبنية السنوات الطويلة دفعة واحدة، وسيظل أبي يكره الجزائر حتى بعد موته، وقد كرر وصيته أكثر من مرة أمامنا بأنه لو مات علينا أن نكتب على قبره:

فلينزل الله غضبه على الجزائر دون كل الأمكنة.!

وتساءل محمدي سيتي مفزوعا عن الملا العجوز الذي خانته الدول كلها والأمكنة كلها على الأرض المليئة بالغدر والخيانة كما يقول:

الملا كان طيباً أكثر من اللازم.

خيم القلق على بيتنا الذي ضج بالانشغال بقضية عمي الذي بقي مصيره مجهولاً. وبعد أربع سنوات من ذلك اليوم المشؤوم دخل علينا جارنا محمدي سيتي صارخاً:

انتقم الله لنا من شاه إيران.

ما إن عادت العلاقة القديمة بين أبي وبين الراديو الجديد الذي اشتراه بعد تلقي هذا النبأ حتى غطى شبح الموت فوق رؤوسنا من جديد، لأول مرة في حياتي رأيت أبي يضع رأسه بين يديه ويبكي بصوت مرتفع كالنساء،لم تعطه الدموع مجالاً للتحدث معنا، كان غائباً عما حوله تماماً:

مات البرزاني.

إلى هذه اللحظة ما أن تذكر تلك الأوقات الرهيبة حتى تمتلئ عيناي بالدموع، أن يبكي أبي وبهذا الوضوح المحزن والفجائي. فإن هذا يعني أن شيئاً خارقاً قد حدث، احترق أخي الكبير ولم نر دموعه، عشرات الكوارث هزت الأرض تحت قدميه ولم ير أحد دموعه، ساد بيتنا جو مأتم حقيقي وكأننا فقدنا أكثر أفراد العائلة قرباً من قلوبنا، وإلى الآن أجهل سبب كل ذلك الذهول الذي انتاب أبي وهو يردد كلام الإذاعات:

كان متأهباً للذهاب إلى إيران.

ووسط بكاء صامت جرف كل من في البيت وفي البيوت المجاورة، بدأت الإذاعات تسرد وقائع سيرة حياة الجنرال، القائد، الأسطورة التي انطفأت هذا اليوم في مستشفيات أمريكا. أتذكر أن أكثر ما كان يؤثر في أبي من سيرته هو فراره مع خمسمائة من رجاله بعد سقوط جمهورية مهاباد واختراقه حدود تلك الدول حتى وصل إلى موسكو، وما أن تأتيه الفرصة حتى يعود إلى وطنه مدججاً بآلاف الرجال، مصراً على انتزاع حقوق الملايين الضائعة في هذه المنطقة المنسية من العالم الملتهب. ومع تفاصيل جنازة البرزاني وصلتنا أخبار جديدة عن عمي الذي التقى به بعضهم أثناء ذلك الانتظار الرهيب للجنازة والذي أودى بحياة بعضهم، أخبرنا أحدهم أن عمي استقر في إيران وسيتزوج هناك ولن يعود. تساءلت بيني وبين نفسي فيما إذا كانت العجوز فلك كاذبة عندما تنبأت بأنه سيعود بعد ثلاثين عاماً وهو أعمى. وبدأ محمدي سيتي يبدي آراء غريبة، كل شيء فيه كان يدل على أنه فقد توازنه:

قتلوه، مات العجوز مقتولاً، لا أدري ما إذا كنا نحن ضد العالم أم أن كل العالم ضدنا، سأموت ولن أجد دولة واحدة من أصل مائتي دولة تساند حقوقنا.

كان محمدي سيتي أكثر تعلقاً بالقاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد المغدور الذي نصبت مشنقته هو ورفاقه في الساحة التي أعلن فيها جمهوريته بعد أحد عشراً شهراً، كانت صورته هي الوحيدة المعلقة في بيته عندما كنا صغاراً ونذهب إلى بيته من أجل التلفزيون. كان دينو يشير إلى القاضي محمد ويقول بأنه أحد شيوخ المنطقة المشهورين وأنه لا يعرف اسمه، ما يعرفه أنه رجل مقدس فحسب وأنه ولي من أولياء الله وسيقتلع الله عيوننا إن لم نحبه، وكنا نصدقه ولأجله كان محمدي سيتي دائم السخرية من زعماء اليوم:

هؤلاء ما إن تهب على شعبهم ريح خفيفة حتى يفرون إلى الخارج، القاضي كان يعلم أنه سيقتل، ومع ذلك بقي بين شعبه ليتحمل النتيجة، الأبطال هم من يتحملون نتائج أعمالهم مرفوعي الرؤوس مثل القاضي، أعلن الاستقلال وصعد المشنقة فرحاً بموته من أجل شعبه وهو يعلم تماماً بأن حلمه بحرية شعبه لن يموت أبداً.

كان ابنه إبراهيم يخالفه الرأي، بأن الحكمة تتطلب الخروج إذا كان لابد من ذلك فهذا أفضل من تسليمه الرقبة بسهولة إلى الأعداء. عادت هذه الأحاديث الساخنة وقتها بكثافة هائلة، ومع الأيام هدأت النفوس، حلت مرارة الكآبة وأطياف الإحباط العقيم محل الآمال الملتهبة والطموحات بالقفز من دائرة النسيان هذه التي تصغر فيها سوبارتو يوماً بعد يوم. بدأت الجراح تجف لتفسح الطريق لآلام ثقيلة لا يمكن البوح بها دائماً. الحزن كان يأكل الناس، وأنا بعد انغماسي في أحزانهم كل هذه السنوات، أخذ حزن خاص يتشكل في روحي ويتخبط، وبدأ الحب يأكلني، شعرت بنفسي مغدوراً بها، كهؤلاء القادة الذين ماتوا مع أحلامهم الكبيرة، لكن أحلامهم تلك ما لبثت أن وجدت لها أرضاً، ملايين البشر يحملونها بعد سقوطهم، أما أنا فلست أكثر من أسير أحلام تهرب مني باستمرار ولن تجد أرضاً بعد سقوطي. هذا ما أحس به وما يؤلمني أنني وحيد، أعزل وسط جيوش من المخالب والأنياب والأسلحة.

وفي قطار هذا الأنين الطويل قررت السفر بعد أيام مهشمة من عمر مهشم تماماً.

سافرت تاركاً ورائي قلباً مرمياً على الأرصفة ودماً يتسلق حيطان بيوت سوبارتو الطينية الغارقة في نومها الأزلي، دون أن يرى أحد دمي أو يلتفت إلى امتصاص التراب له.

فيا سوبارتو المغمسة بدماء حبي الكبير.. هاهو جسدي يسافر وحده وقلبي يرفض مغادرة بلاد تسكنها بلقيس.

رفقاً بقلبي يا حجارة الأرصفة.

رفقاً بدمائي أيها الأوغاد.