الباب الرابع

7 0 00

الباب الرابع

بلاد ولدت فيها البغال ولم تلد

فيها امرأة واحدة

التحقت بلقيس بزوجها في السعودية، وانقطع آخر خيط يربطني بالكتب أو بحب الإطلاع، فقدت كل شيء، أو هذا ما كنت أحس به، فأنهيت علاقتي بالجامعة لثلاث سنوات سأظل أسجل اسمي كطالب في كلية الفلسفة، ولا أدرس ولا أتقدم للامتحان. ولأنني فقدت علاقتي بالحياة فقد التحقت بالخدمة الإلزامية "العسكرية" خارج سوبارتو. وبعد هدر مبالغ باهظة استطاع أبي، بعد أن نظف بيته من النقود، أن يؤمن لي مكاناً أفضل من غيره. أصبح وضعي شبيهاً بوضع الموظفين البائسين؛ أستيقظ في الخامسة صباحاً. في السادسة تكون سيارة العمل أمام الباب، ومن السابعة ارتبطت بدوام إجباري حتى الثانية ظهراً، فأصل إلى البيت في الثالثة. بقيت أسير هذه الحياة الرتيبة مرغماً. لم يكن ينقصني سوى السكن، وجمعني البحث عن غرفة للإيجار مع رجل سأظل على علاقة به حتى آخر يوم في حياته الشقية، هذا الرجل هو مستو الأعرج. خرج من سوبارتو كارهاً لها، لاعناً اليوم الذي ولد فيه على أرضها، ومع ذلك يعتبر نفسه مسؤولاً عن كل أهاليها. ما إن يسمع بوجود شخص من سوبارتو في مكان ما حتى يتقرب إليه، ويمد إليه يد المساعدة، ويفتح له باب بيته مرحباً. وفي أيام العطلة، كلما يلتقي شخصاً سوبارياً؛ يلتقطه من شوارع المدينة، يمسك بيده بعد السؤال عن أهله ولابد أن يعرف شخصاً من أهله. حتى شككت بأن عمره أكثر من مائة سنة لمعرفته كل سلالات وعشائر وفروع أهالي سوبارتو. وبعد أن يصرخ بزوجته لجلب طعام الغداء، يريه الطريق إلى الحمام. وبعدها يسأله فيما إذا كان يحمل في جيبه ثمن تذاكر السفر إلى سوبارتو. وإذا كان خالي الجيب يدفع له يوصله إلى سوبارتو، ويعود إلى عمله مطمئن البال راضياً. هذا الشخص نفسه أرسل في طلبي، فذهبت إلى مكان عمله. كان يعمل في ورشة تطريز، ثمانية ساعات في اليوم. وبعد اكتسابه الخبرة تضاعف راتبه، ويعمل تحت يده ستة عمال، يوجههم ويشرف على عملهم. قال لي بعد أن أعطاني عنوان بيته:

سأنتظرك مساءً في البيت.

كان بيته في الطابق الرابع. وفي الخامس "الأخير" ثمة غرفة على السطح، لها صالون صغير، كان قد أفرغ الغرفة لي، وفرشها. صعدت معه لرؤية بيتي الجديد. حدد لي أجراً منخفضاً:

-ارتحت إليك يا سليمان، أعرف أهلك جيداً؛ إن شاء الله ستكون أكثر من جار.

في رجله اليمنى عرج خفيف، انتابني إحساس بأنني أعرفه منذ عشرات السنين، لا يترك أي حاجز بينه وبين الآخر، رأسه محشو بحكايات سوبارتو ومصائر أهلها. ومع الأيام سأكتشف أنه يصمت تماماً في جسلة يحضرها أحد الغرباء، والغريب عنده هو من لا يكون سوبارتياً. في الأيام الأولى عرفني على زوجته – ابنة عمه – وعلى ابنتيه همرين وليلى، اللّتين اعتبراني منذ اللّحظة الأولى عماً لهما. وعندما لّمحت إلى أن عائلته صغيرة مقارنة مع عائلات سوبارتو الكثيرة العدد؛ رد علي مازحاً وهو يشمر عن ساعديه:

الحمد لله لا يزال لدي أرض واسعة.. والكثير من البذار.

وضحك مقهقهاً.

خلال فترة قصيرة ارتبطت مع مستو الأعرج بصداقة خففت عني الكثير من متاعب الارتباط الصعب بالحياة العسكرية القاسية، خاصة أنه بدا لي رجلاً قادراً على فهم كل شيء، وحل كل مشكلة. ولأنه كان يعلم أن يوم الجمعة هو يوم عطلتي، فقد كان يأتي إلي كل خميس في الليل. عرف عن حياتي القيل. أكدت له بأنني عشت حياة فارغة، تافهة ولا يوجد فيها شيء مثير، فشلت في الحب وفي الدراسة، وإن الالتحاق بالعسكرية كان بديلاً عن الانتحار. دون تردد فتح أمامي صفحات حياته الصاخبة، أثار إعجابي بتكثيف كل أحداث حياته في ستة ليالٍ قصيرة، كان يدخن خلالها بنهم، انتبهت إلى عادة مستحكمة به وهي قضم شعرات شواربه، وأن يده اليمنى مشغولة على الدوام بذلك، خاصة عندما يسترسل في المواقف المؤثرة من سيرته. كان يراقب تماماً مدى اهتمامي به، ولما رآني متابعاً ومستمعاً جيداً، أوصى زوجته بأن تجلب لنا بين الحين والآخر القهوة أو الشاي.. وسيول ذكرياته تتدفق في مجاري حياته حتى لحظة التقائنا على هذه الأرض الغريبة والضيقة على أحزاننا.

الليلة الأولى

(السلطان متربع على عرشه الذهبي، والتاج يتلألأ على رأسه الصغير، وعلى الجدران صور معارك وبطولات أناس لا يعرفهم مستو الأعرج، وأرتال الخدم والجواري تمتد إلى بهو القصر الفخم، العابق بشذى الريحان والمسك، وأمام السلطان أناس ظهورهم محنية، يركعون بين يديه التماساً لشيء ما، وفي الخارج لغط فظيع وكلمات تتداخل في بعضها كالحبال...

مستو.. مستو، استيقظ ألا تسمع صياح الديكة..؟

... ووسط دهشة الحشد رفرف مستو الطائر بجناحيه كنسر فوق رأس السلطان، وبسحر ساحر تحول إلى بطل، استل السيف من غمده بغضب وغرزه في نحر السلطان وأرداه قتيلاً. تردد صدى زمجرته في أجواء القصر: ( ارموه إلى مزبلة التاريخ.. فلتحيا العدالة). والتف حوله الوزراء والخدم على السواء يتوجونه ويهتفون باسمه وصوره تزين الشوارع ومنارات الجوامع ونواقيس الكنائس و.....)

مستو.. قم أيها الأعرج، ارتفعت الشمس إلى صدر السماء..

انقطع شريط حلمه، أحس بمادة لاصقة تلحم أهدابه وتغلق عينيه بقوة، حاول إعادة الحوادث التي مرت في مخيلته فأخفق. كان النوم ثقيلاً ذلك اليوم، فانقلب على جنبه متلذذاً ببرودة الفجر وبنشوة الحلم الذي انقطع فجأة. زحف ثعبان بارد تحت ثيابه فانتفض وانتصب على رجليه في وجه زوجة والده وفي يدها إبريق الماء البارد:

كه كه كه، اللعنة عليك، نومك أثقل من الموت.

مشى مستو دون أن يرد على زوجه والده، وهو يحك خلف أذنه ويترنح في مشيته، توجه إلى سلته المرمية في احدى زوايا البيت، ربطها جيداً على ظهره، انتعل حذاءً مهترئاً متوجهاً إلى السوق وصورة السلطان القتيل لا تبارح خياله، حتى أنه نسي أن يغسل وجهه، وبوصوله وصلت عربات القرى المحملة بالخيار والبندورة والكوسة إلى السوق:

أنت، أيها الحمال الصغير، اقترب قليلاً.

ماذا؟!

ألا تساعدني في إنزال الصناديق من العربة؟

ولم لا أساعدكم؟

بنصف ليرة طبعاً.

بليرة..

بنصف ليرة.

بليرة.. بليرة.. اللعنة على رجلك العرجاء.

ومع انسحاب الشمس إلى المغيب ممزقة الأوصال، خائرة القوى، حمل نفسه، ومشى باتجاه البيت، حاملاً في قلبه بؤس العالم كله، وتشوه وجهه ابتسامة بائسة عندما يتذكر ما جرى له. وحبل الجوع يشده التعب لخنقه، تذكر ليرته. سقط في مكانه عندما أدخل يده في جيبه، ليتأكد من أن الليرة وقعت من الثقب المفتوح في بنطاله. إلا أنه مشى ثانية وشريط حلمه اللعين يلتف حول رقبته كمشنقة. تمتم في سره بكآبة:

الأجدر بي أن أحلم بكسرة خبز.. لا بعرش السلطان.

الليلة الثانية

تمكنت من شراء بعض الدفاتر، قبل افتتاح المدرسة، بعد عملي في حمل السلة. وببنطال وصدرية السنة الماضية ذهبت إلى المدرسة ككل تلميذ، لكن الحاجة اللعينة خنجر في القلب. وقفت أمام مصاريف المدرسة، بعد انشغال والدي عني تماماً بزوجته، التي كنس مهرها آخر ليرة في البيت، وقد سئمت من قوله المكرور للمرة الألف:

ألا تأكل يا مستو.. ألا تشرب.. ألا تلبس.. وماذا بعد؟.

مرغت الحاجة أنفي في التراب، حتى دفعتني إلى حمل السلة ثانية، بعد الرجوع من المدرسة، أخذت ألملم بعض الليرات من هنا وهناك، وفي المساء ما إن أتجاوز عتبة الباب حتى يواجهني أبي بوجهه الشاحب وابتسامته الباهتة:

مد يدك إلى جيبك..

غطت غشاوة سميكة عيني، وانفتح فراغ رهيب في قلبي الذي عصرته أصابع مجهولة. وجدت نفسي تائهاً في صحراء تمتد إلى المجهول الذي ينتظرني، ويخيفني أشد الخوف. أسير دون هدف، أترنح كالسكارى، أسقط في الحفر على رجلي العرجاء. أيامي تتالت برتابة مملة، وحفرت السلة آثارها في ظهري، هدني التعب، استسلمت لمرض أقعدني أسبوعين. وبعد عودتي إلى المدرسة بدأ الكسل يتسلل إلى عظامي، وأخذت أتيه عن الدروس. لا أستوعب كلمة واحدة لاستسلامي لأحلام اليقظة التي تجرني إلى دنيا أخرى غريبة عن الوجود. وفي كل مرة بعد أن يشرح المعلم الدرس، وبحلق جاف يؤشر إلي قائلاً:

قم يا مستو. ماذا قلت قبل قليل؟

قبل قليل.. قبل قليل، كنت أمتطي سحابة، أتجول في السماء، بحثاً عن ربيع أسكنه، بحثاً عن كلمة غامضة، عرفت فيما بعد أنها تدعى الحرية. وتدخل نظرات المعلم الرجفة إلى ركبتي، بينما أطرق خجلاً لأجلس في مكاني صامتاً كميت، وأجتر التعاسة. حتى بعث المدير برسالة إلى أبي يطلب منه الحضور إلى المدرسة، وانتشلتني زمجرة أبي من بركة أحلامي:

تفو.. على هذه اليد التي تطعمك يا أعرج النحس.

كان يتشاجر مع زوجته عندما أعطاه أحد التلاميذ الرسالة، فرأيته يحجب عني أشعة الشمس الآتية من الباب، كثور هائج كان يشخر من منخريه بفظاظة، وقد توسعت حدقتا عينيه الجاحظتين. وبعدما رآني أنكمش على بعضي، وأرتجف ذعراً، زفر ملء رئتيه، وأخذ يتظاهر بالهدوء، فاجأني بسؤاله:

في أي صف أنت يا مستو..؟

قلت بارتباك:

السادس.

حمحم، حك رقبته الغليظة، تابع سيره وهو يمسح الأرض بحذائه العتيق، بينما يتكلم مزموم الشفتين:

سأركب على أم معلمك ست مرات.

الليلة الثالثة

امتزج الشعور بالحزن والشفقة في نفس مستو على والده الذي يتحول إلى وحش عندما يغضب. وأصبح في المدرسة يمقته ويتحاشى الدخول إليه، ولم يلب والده طلب المدير بالذهاب إلى المدرسة. طرده المدير في اليوم السادس، وعندما أخبر والده بذلك والدموع تنفجر من عينيه، قال الأب بارتياح:

هذا أفضل.

وعلى عكس عادته، أخذ يتكلم بطلاقة، كأنما يسرد حكاية عزيزة على قلبه:

ماذا تستفيد من الدراسة؟ وبعد عشرين سنة لن تحصل على راتب يكفي ليشبعك الخبز، هذا إن وجدت وظيفة في الأصل لأمثالك أيها المتسول الأعرج. ثم من أين لي أن أحصل على نقود تعيلك، ها؟ أخوتك الحمقى تبعثروا في الغربة ليعملوا، ألف مرة قلت لهم، وحل بلادنا أفضل من فنادقهم، لم يصدقوني، ذهبوا، اللعنة عليهم.

اهتزت سيجارته في طرف فمه، وأخذ يعبث بها بينما الدخان يسبح في الهواء كأسماك طويلة:

بدءاً من الغد ساعد جارك العامل في بناء البيوت، ربما تؤمن لنا الخبز.

أخذ مستو يعمل طوال النهار وفي الليل يضيّع ما حصل عليه في النهار. تراكمت الديوان حتى ضاق الدائنون به ذرعاً. فتقاطروا على بيته ويستقبلهم والده بوجه باش:

أتشربون الشاي أم القهوة؟

نشرب السم، أعطنا ديوننا.

أية ديون؟

مستو استدان مني ألفي ليرة..

وأنت؟

خمسة آلاف.

يضحك الأب ببلاهة:

يبدو أن مستو قد تحول إلى تاجر دون أخذ موافقتي.

نحن لا نمزح..

ولكن ماذا يفعل بتلك النقود؟

يخسر

ماذا؟. في التجارة؟

في القمار.

وينتصب الأب على رجليه منتفضاً، يذرع الغرفة جيئة وذهاباً:

اصبروا قليلاً فالموسم قريب.

يضيق فتحتي عينيه ويتمتم وهو يهز رأسه:

وعندما يأتي مستو سنتدبر الأمر.

وعندما تجرجر الشمس أذيالها خلف الأفق، يجرجر مستو تعبه وراءه، متوجهاً إلى البيت، يغني لنفسه موالاً حزيناً. ما ان فتح الباب حتى احتضنه والده، ربما لأول مرة في حياته، وهو يقول باستهزاء أدهش مستو:

أهلاً وسهلاً بالمغامر الكبير.

أخرج الأب كماشة حديدية من جيبه مقترباً من مستو بخطوات حذرة، تكاد عيناه تخرجان من محجريهما من فرط الغضب، أحكم فكي الكماشة على أذن مستو وضغط بيديه. انطلقت من فمه صرخة ذئب جريح، تلوى على الأرض متطلعاً إلى يديه الملطختين بدمه. ممتنعاً عن ارتياد المقهى حتى تشفى أذنه وتلتئم جراحه ليعود بحماس أشد، فيرد ديونهم ليخسر ثانية، وكأنه يدور في إطار فارغ. أتعبته رتابة حياته، خاصة بعد أن أصبح والده طريح الفراش، وهو يردد عبارته المأثورة كل يوم عشرات المرات:

سأموت غريباً في داري..!

بعث ببرقيات إلى إخوانه يخبرهم عن مرض والده. أما ذهابه للمقهى فقد أصبح عادة يومية. وفي أمسية هادئة أخذ الأب يسبح في عرقه ويتأوه بألم ممض، ومستو يطرق مليئاً، يفكر، مسنداً قبضته على ذقنه في غرفة أخرى. تتالت الضربات على الباب الخشبي. ما أن فتح مستو الباب حتى تدافع الدائنون إلى الداخل فلم يستطع تهدئتهم. بعد أخذ ورد عنيفين هجموا على مستو، عروه، تقاسموا ثيابه و كل ما في بيته، وذهبوا بعد قذف أكياس من الشتائم البذيئة. حمل مستو خرقة، علقها فوق ركبتيه. وتوجه إلى أبيه الذي كان يلتقط أنفاسه الأخيرة وهو يقول بصوت مبحوح، متقطع:

وصيتي لكم يا أبنائي أن.. لا تكونوا مثلي.

كان الأب وحيداً، مبتعداً عن أهله، مقطوع العلاقة بهم. ولا يعرف مستو عن أعمامه شيئاً باستثناء عمه المتوفى، والد زوجته، رغم معرفته بكل أهالي سوبارتو. وقبل أن يشهق شهقة الموت، قال الأب والرجفة تهز لسانه:

سامحني يا مستو.. لأجلك كنت قاسياً معك يا ولدي.

الليلة الرابعة

كانت صبية متناسقة القوام، لها خطوات طاووس وبسمة الملائكة، تتأبط رزمة كتب، وعلى شفتيها الرقيقتين ابتسامة تنعش النفس. مرت بقربي فتصلبت رجلاي في مكانهما دون حراك، بحلقت في عينيها بعينين واسعتين، رأيت الحرية التي يتحدثون عنها في الكتب. بيدها البيضاء أشارت إلى شيء ما:

أعطني تلك الصور.

وتناولت من يد صاحب المكتبة رزمة صور بدأت تنظر مع صديقاتها إليها وهي تتمتم بكلمات لا أفهمها. ذاب العالم من حولي كقطعة جليد. لا وجود لشيء إلا هي. بشعرها المسترسل على الكتفين كليل انتحرت نجومه. بأصابع بيضاء نحيلة تتلاعب بالصور بوجه سماوي نحت بأيدي أمهر فنان على الإطلاق.

تقدمت منها، رأيتها تختلس النظر إلى لا أعرف أين، إلى الأفق؟ إلى عيني؟ إلى الرقعة المستقرة على كتفي؟ إلى رجلي العرجاء؟ إلى الصور المعلقة على جدار المكتبة؟ نظرات خاطفة كطعنات غادرة، سمعت صديقاتها تناديها:

همرين.. همرين.

وردد كل العالم اسمها في أذني. وأنا يا همرين طائر مكسور الجناح، وحيد أبحث عن عش دافئ، يقيني من برد الفقر وقساوة العزلة. وأصبح شارع بيتها مألوفاً وحبيباً وجميلاً رغم الحفر والأوراق الممزقة المرمية على جانبيه، لكن همرين كانت تسجن نفسها. وفي اليوم التالي عندما وصلت إلى شارع بيتها وجدته قصيراً، وإن اجتيازه لا يستغرق إلا بضع ثوان قليلة، فمشيت بهدوء، زحفت كسلحفاة، كانت همرين أمام الباب، وقلت في سري أنها ستسر كثيراً لرؤيتي. أحسست بالطبول تجتمع في صدري، وتدق بعنف، وبالريش ينبت على جسمي، يرفعني عالياً، وفجأة انفجر شيء ما في صدري، شعرت برأسي ينتفخ بعنف، وبقامتي تقصر عندما دخلت إلى البيت، صافقةً الباب وراءها. لازال طنين الباب يرن في أذني، ضحكت، ضحكت بشدة، تثاءبت بصوت مسموع. وقهقهت طوال ذلك اليوم. بعضهم كانوا يمدون رؤوسهم من النوافذ مستغربين:

ماذا أصاب هذا الأعرج؟.

ضربت أرصفة الشوارع برجلي بعنف، رددت كلمات غير مفهومة، طوال سنة. سنة بأيامها ولياليها، بساعاتها، بدقائقها، بثوانيها، عشت مع وهم..! ضممت أصابعي على بعضها وضربتها على رأسي أخاطبه بحنجرة مجروحة:

أنت طبل أجوف.. أنت فارغ كجيب صاحبك.

كانت تلك كل مغامراتي العاطفية مع النساء في سوبارتو حتى تزوجت ابنة عمي هذه.

الليلة الخامسة

فاجأ زوجته باندفاعه إلى صدر الغرفة متهاوياً على الأرض، أغاظه انشغال ابنة عمه عنه بالضياع في صحارى ذكرياتها، تردد موالاً حزيناً بينما تمسد شعر همرين ابنتها الصغيرة لتنام، فصرخ مستو غاضباً:

أحضري الطعام بسرعة.

توقفت أسنانه عن المضغ، تغيرت ملامحه، حمل صحن البرغل ورفعه نحو الأعلى فارتطم بالسقف، واختلطت محتويات الطعام والماء على أرض الغرفة ومستو يضرب الصحون برجله، ويطلق صيحات لا يفهمها. قام مهتاجاً وعبر الشارع كمن يسابق ظله، وتوجه نحو المقهى، وهو لا يزال يمضغ شيئاً فاقد الطعم. دخل المعركة هاتفاً والعرق ينضح من جبينه كحبات حمص:

ثلاثة آلاف.

خمسة.

ستة.

عشرة آلاف.

خسر مستو.

بلل كم قميصه بعرق جبينه، تعلثم هذه المرة:

عشرون.

من أين ستجلب العشرين ألف؟

لا عليك.. سأبيع بيتي.

خرج مستو مع بزوغ الفجر من المعركة مهزوماً مديناً بعشرة آلاف. وعندما فتح باب غرفته، أتعسته مشاهدة ابنته، مرمية في حضن زوجته التي تشخر.

أطفأ الضوء وارتمى في إحدى الزوايا، لف رأسه بخرقة وأغلق عينيه لينام دون جدوى،كحلم طويل ورتيب مرت في مخيلته أحداث الأيام الماضية.

فقد عاد أخواه الكبيران بعد موت والده، ليقيما معه في نفس الحوش، أما الأخ الثالث فقد بقي في باريس، وقد عاد البارحة الشخص الذي حمل إليه رسالة مستو وسرد له ما جرى معه:

عندما جاء لمقابلتي لم أعرفه، تغير كلياً. كان قصره مطلا على بحر يمتد إلى آخر الدنيا. وفي ظلال أشجاره كانت سيارته واقفة. بصراحة، أعجبتني عينا زوجته الفرنسية الزرقاوان، عندما قرأ رسالتك، قال وهو يعدل نظارته:

ألست من سوبارتو؟.

قلت:

نعم.

فمشى خطوتين والتفت ينظر إليَّ باحتقار كما أظن:

تغص شوارعها الترابية في الشتاء بالوحل والضباب، وفي الصيف بالغبار، ومزق الأوراق، والزبالة،أليس كذلك؟.

أطرقت برأسي بينما تابع أخوك حديثه بانفعال:

وعندما آتي معك إلى سوبارتو ماذا أفعل؟، هل سأجمع القش من البراري؟، أصنع اللبنات أم سأبيع البيض واللبن والأحذية على الأرصفة وفي القرى؟، لا أبداً، الإنسان عندكم يغطس حتى رقبته في الوحل، لماذا،ها؟، أليس ليجعل حياته أفضل؟، وأنا هنا حياتي أفضل من حياة أغنى أغنياء سوبارتو، لن أعود أبداً، وقل لمستو أن يترك سوبارتو لبؤسها ويأتي إلى هنا، وسأتكفل بتأمين أفضل حياة له.

ما قاله الأخ مجرد كلام في الهواء ووعود كاذبة، لأن مستو ما إن صمم على السفر بشكل جدي، حتى تراجع الأخ شيئاً فشيئاً ونسي تماماً ما قاله. أخرج مستو رأسه ليتنفس، رمى اللحاف جانباً فانصبَّت على وجهه أشعة شمس الظهيرة. أمام الباب اصطدم بدائنيه:

إلى أين؟.

لا أعلم.. ماذا تريدون؟.

حقنا.

ضرب مستو يديه ببعضهما مزمجراً بغضب:

من أين؟.. ألا تملكون قليلاً من الصبر؟.

جئنا نشتري بيتك.

تراجع مستو نحو الخلف زائغ العينين:

لكنكم تعرفون أن أخوتي يسكنون معي هنا. وهم أصحاب البيت.

أنت قلت بأنك ستبيع البيت.

نعم، نعم، لكن اصبروا، سأتدبر الأمر غداً.

أظنك في غنى عن معرفتنا. الشيطان وحده يعلم ماذا سنفعل بك.

التمعت في ذهن مستو فكرة بعد تفكير هدّ قواه، فقد ادخر أخوه الأكبر منه مبلغاً من المال، عشرة آلاف بالضبط، لزواجه. وهمس شبح ما في أذنه "ما عليك إلا أن تشعل عود ثقاب وينتهي الأمر". بخطوات حذرة عاد إلى البيت، استغل غياب أخيه وزوجته، وبأصابعه المرتجفة حمل المخدة وبدأ ينبش أرياشها حتى عثر على رزم الأوراق النقدية، فخبأها بين ثيابه وأخرج عود ثقاب. التهبت الغرفة بالنار وأحرقت كل شيء وبدأ يصرخ، بعد أن خبأ أوراقه النقدية في رماد التنور المرمي دون استعمال في طرف الحوش. شمر عن ساعديه ليساعد الجيران في إخماد النار التي حولت كل ما في الغرفة إلى كومة رماد. عندما عاد الأخ إلى غرفته خائر القوى ارتمى في حضن مستو يبلله بدموعه والعبرات تخنقه:

لم يحرقوا البيت فقط يا أخي.. أحرقوا ثمرات تعب سنواتي العشرين.. أحرقوا حياتي.

الليلة السادسة

أحكمت إغلاق الباب وارتميت في صدر الغرفة منتحباً. أناني أعرج أنا. شددت شعري وضربت رأسي بالحائط نادماً. اهتزت صورتي في مخيلتي بعدما أضرمت أصابعي القذرة النار في البيت. بدا أخي ينطوي على نفسه فقيراً بائساً، يمزق كبدي بنبرته اليائسة:

أيعقل أن تشتعل النار دون أصابع يا مستو؟.

وأطرق برأسي الثقيل ووجهي الشاحب متألماً. انتقيت مخدة مناسبة بعدما أخرجت النقود من تحت الرماد وتسللت إلى غرفة أخي، وضعت المخدة في المكان الذي ينام فيه، وعندما عاد انقض على المخدة المحشوة بالأوراق النقدية، وبدأ ينبشها بأصابعه المرتجفة حتى عثرعلى بغيته، دبت حياة حقيقية في ملامح أخي وهتف بمرح:

مستو، انظر، نقودي لم تحترق، آه.. أعادها الله لي كما هي. لم يحترق تعبي شكراً لله.

شعرت بعقدة تنفك في باطني، وتنفست لأول مرة هواء نقياً.

إلا أن حجارة ثقيلة تأرجحت في عيني. الديون.. كيف سأردُّها؟.

أعرف أنهم ينتظرونني الآن على الطريق، خبأت العصا التي قتلت بها النعجة في بنطالي الواسع، ومشيت كالطاووس. تقدموا مني، كانوا أربعة، زعق أحدهم:

أخرج ما جيبك.

دلقت لهم أحشاء جيوبي الفارغة، طوقوني والأحول يكاد أن يأكلني بزمجرته:

يبدو أن جلدك يحكك.

أسقطتني لكمته القوية في حضن الثاني الذي دفعني بلطمة إلى الثالث. وأخرجت عصاي بيدي الملطختين بدم أنفي، وتهاوت العصا على جمجمة الأحول.

ظننتها تنفلق كبطيخة، لكنه سقط على الأرض دون حراك، عندما التفت رأيت الآخرين كالأرانب يفرون، رميت العصا في أثرهم، وركضت بدوري متوجهاً إلى البيت، مع طلوع فجر اليوم التالي كنت في مكان عملي. بدأت وحدي بشد الخشبة العريضة بشريط لأصبغ الطابق الثاني من البناية، كانت العواصف الغبارية تدور كالأسطوانات وتعلو نحو السماء.عند الظهيرة بدأت الخشبة تتأرجح تحت رجلي، فلم أجرؤ على النظر إلى الأسفل تجنباً للدوار، من الأسفل ناداني الذي أعمل عنده:

انتبه يا مستو.. والله إن تسقط ستكون أكبر قطعة من جسمك ضرسك.

ارتبكت و استقرت رجلي العرجاء بين الخشبة التي تحملني و بين عمود الإسمنت فتأوهت متألماً، حاولت إخراجها دون جدوى وتأرجحات الخشبة تفتت عظامي، صرخت بأعلى صوتي بعدما شعرت برجلي تنفصل عن جسدي:

رجلي تتمزق، فكوا الشريط. أنزلوني بسرعة.

عندما فتحت عيني رأيت همرين، ابنتي، قرب رأسي، ترمقني بعينيها الجميلتين. أنستني قبلتها ما أعاني من أوجاع. أقعدني المرض أسبوعين وفي نهاية الشهر قابلت الذي أعمل عنده:

أريد راتبي الشهري.

بل راتب نصف شهر. فهل نسيت أنك لم تعمل طيلة أسبوعين؟.

المرض كان بسبب العمل ونحن لم نتفق على ذلك.

سواء اتفقنا أم لم نتفق لن تأخذ أكثر مما أريد.

رميت السطل المملوء بالصباغ الأبيض قرب رجله فطلي وجهه، حبس بعضهم ضحكاتهم، غادرتهم إلى البيت برأس يغصّ بثيران تتناطح، ولساني يرتطم بسقف حلقي بخمول:

سأبحث لنفسي عن عمل آخر.

مع بقائي دون عمل، أبلغني موظف البلدية بأن الشارع حسب المخطط الجديد يمر من بيتي، وأنهم سيهدمونه بعد مدة وسيدفعون لي التعويض المناسب، ازداد غضبي، ولم أجد حلاً سوى اللجوء إلى أحد أصحاب النفوذ الذي – حسب ظني – كان يعتبر والدي صديقاً له. دخلت عليه، عرفته بنفسي، تصرف وكأنه لا يعرف أبي:

ما اختصاصك؟

أستطيع عمل أي شيء لا على التعيين.

تنحنح في مكانه وهو يقيسني بنظراته:

يا ابني هل لك بيضات كبيرة؟.

نظرت إلى بطني. كان ملتصقاً بظهري. عقدت الدهشة لساني من سؤاله الغريب.

أقصد هل يسندك أحد؟ ألا تفهم؟.

هاجمت وجهي ضحكة مفاجئة. ارتفع صوتي رغماً عني. قهقهتي جعلته ينتفض. رأيته ينتصب على رجليه غاضباً، لم يزدد طوله، بقي كما هو، تصورته يمشي على كرشه برجليّ ذبابة. ازداد جنوني وقهقهتي والأرض تهتز تحت رجلي كنابض:

اخرج من هنا أيها المجنون.

ولما لم يزحزحني الصياح من مكاني بدأ يركلني برجله القصيرة ويدفعني بيديه خارجاً، وفور خروجي من ذلك المبنى توجهت إلى البيت حيث المأتم. كانت همرين تبكي وتمسح الدموع عن وجهها وهي تساعد أمها في تجهيز الأغراض ولمها:

أخبرونا بأن ننقل الأغراض لأنهم سيهدمون البيت.

دار رأسي واجتمعنا أنا وهمرين وأمها في إحدى زوايا البيت. ومن النافذة صحت بأصحاب البلدوزر:

اهدموا البيت فوق رؤوسنا.. لن نخرج من هنا.

هدموا البيت فعلاً، لكننا خرجنا لا من البيت فقط، بل من سوبارتو كلها.

قبل شرائي لهذا البيت، اشتريت بيتاً متواضعاً من التعويض الذي دفعوه لنا بعد هدم البيت وأخوتي انتقلوا إلى حوش آخر في سوبارتو ولم يرحلوا عنها مثلي. من الصفر بدأت لأصل إلى ما أنا عليه الآن. الحمد لله بعد هاتين البنتين ما أريده من الله هو أن يرزقني بابن يحمل اسمي من بعدي، أمنياتي صغيرة أليس كذلك؟

ازددت قرباً من مستو الأعرج، بعد أن فرش حياته أمامي، بكل ما فيها من ندم وعشق وألم وشقاء. كنت ولفترة وجيزة أتخيله ويده ملوثة بسرقة نقود أخيه وإحراق بيته، ومع ذلك وجدته بسيطاً وطيباً بعد أن هجر لعب الورق والقمار إلى الأبد.

في زيارتي الأولى إلى سوبارتو بعد سكني في بيته، كلفني بإيصال سلامه الخاص إلى أكثر من عشرين شخصاً. حاولت قدر الإمكان الوصول إليهم، إلا أني انشغلت بالنتائج التي خلقها زواج بلقيس المفاجئ. بعد أن كنت أعتبر نفسي العاشق الأول والأخير لها، وجدت نفسي في الهامش أمام أسماء أخرى، أحدهم حاول الانتحار، أسعفه أهله في أواخر الليل وهو يهذي:

كانت تحبني وكنت أحبها.. وعدتني ألف مرة.

وآخر هاجر إلى مكان مجهول، لعدم قدرته على تحمل البقاء في مدينة تركتها بلقيس وراءها. فهي لم تكن سبب بقائه في سوبارتو فحسب، بل إنها سبب مجيئه إلى الحياة أيضاً. وآخر يبعث الرسالة تلو الأخرى لأهله، مستفسراً عن أخبار وصلت إليه عن نبأ زواج بلقيس، التي كانت تحبه ووعدته أن تسافر إليه هناك. وآخر.. وآخر.. كانت بلقيس قد تحدثت عن بعض هؤلاء، ولكن بطريقة أخرى، كانت تصورهم لي على أنهم يطلبون منها الدخول في علاقة حب معهم لكنها ترفض على الدوام ويتوسلون إليها للاستجابة لهم، وغالباً ما ترفض بطريقة "حضارية" كما تقول. اهتزت صورة بلقيس في مخيلتي أكثر فأكثر. هل يعقل أن يكذب الجميع؟ ربما.. هل كنت أحد هؤلاء عند بلقيس أم..؟! أتعلمين يا بلقيس، أنني كنت أتمنى الموت قبل أن أرى صورتك مشوهة ورخيصة؟.

كنت على الدوام أجمل ما في الأرض وأنقى ما في سوبارتو. فإذا كانت الحقيقة ما أسمع، ماذا تبقى لي؟ ترافق ذلك مع كثرة الأقاويل عن كوخ العجوز فلك، أحاديث داخلة في حلقة الرعب والخطورة، حول دخول رجال غرباء إلى الكوخ وعدم خروجهم منه، وحول تدحرج رؤوس رجال على الأرض بعد خروجهم من الكوخ، قالوا لغيرهم ما يجب ألا يقال. كأن العجوز فلك استقرت على هيئة واحدة، فقد ذهبت عنها حيوية الشباب وغنجها، عادت كما كانت، لكنها باتت أكثر صمتاً، ومصدر رعب دائم للجميع حتى أن النساء أدخلن اسمها في أدعيتهن على سجادة الصلاة:

اللهم احفظنا من غضبك ومن غضب العجوز فلك.

تصنع حجاباً لهذه.. لجعل زوجها الشرس مطيعاً لها والكف عن التفكير بالزواج من أخرى. وتقترح دواءً لشفائها من المرض. وتختفي لأشهر، لا تلبث أن تعود لتنهمك في أشغالها المتراكمة. ففي كل بيت أكثر من مشكلة وأكثر من عقدة، والعجوز فلك حاضرة في كل مكان. أما وضع الأستاذ مروان فقد تحسن كثيراً، فتح مكتباً عقارياً على الشارع العام، سماه (مكتب التقدم العقاري) ثم باعه، وأصبح شريكاً في مكتب استيراد وتصدير السيارات. قيل أن صهره يزوده بمبالغ هائلة وأنه شريك معه، لكن الأيام أزاحت الغطاء عن دخوله في لعبة أكبر منه، فأصيب مكتبه بخسارة فادحة. خرج بنتيجة كادت تودي بحياته قهراً، ظلت مئات الآلاف من ديونه لدى الآخرين، وهو أصبح مديوناً بالملايين. توافد عليه الدائنون، ولم يستطع صهره إنقاذه رغم كرمه الزائد معه. لم يصمد كثيراً أمام هذا الانهيار الشامل الذي أودى بحياته، وتوافد الناس على بيته الجديد:

مات الأستاذ مروان.

كان لابد من أن يتبنى حزبه الجنازة، لأن الموتى يكتسبون قدسية مفاجئة، ولا يتذكر الأحياء إلا فضائل الميت وحسناته، عدا عن أن الالتفاف حول جثة أستاذ قديم يلفت الأنظار إلى تغلغل الحزب أيضاً في القدم. لكن الحزب لم يستطع حل مشاكله المالية، فكلما طالب الدائنون بحقوقهم يكون الرد عليهم بأن الحزب لا يتدخل في المشاكل الشخصية، وأنها من اختصاص عائلته. وقد تولت الآنسة حل هذه المسائل المستعصية، خاصة بعد أن حدد بسكويتو مدة محددة:

منذ الآن وحتى أتخرج.. عليك بحل مشاكل زوجك المالية مع الناس.

كانت الآنسة غارقة في الحديث عن تفاصيل اللحظات الأخيرة لزوجها. كيف أنه عاد من عمله، وكل شيء على ما يرام، فجأة وضع يده على قلبه وبدأ يتلوى من الألم. حاولت التخفيف عنه ومساعدته للوصول إلى الكرسي والجلوس عليه، لكنه سقط بين يديها ميتاً. ظننته مغمى عليه، واستنجدت بالجيران لمساعدتها في نقل زوجها إلى أقرب عيادة، وما إن نظر إليه الدكتور وجس نبضه حتى التف إلى الآنسة بوجه جيادي ودون أي أثر للموت على وجهه:

البقية في حياتك يا آنسة.. إنها الجلطة.

وتكرر على أسماع النساء نصائحها لزوجها بالابتعاد عن الديون، وأن زوجها كان فيما مضى إذا كان مديوناً بمائة ليرة فإنه لم يكن ينام الليل حتى يسد الدين. أما فيما بعد فقد كان لا يتعامل إلا مع الديون، فيأخذ من هذا ويدفع لذاك ويأخذ من ذاك لتسديد دين هذا، حتى قضت الديون على حياته، وهو في أوج شبابه، ويغرقن في البكاء.

كان الأستاذ مروان قد باع بيته القديم، واشترى بيتاً جديداً، أدخل إليه كل وسائل الراحة الممكنة، لكن الظروف لم تساعده للتمتع بهذا الرفاهية. وعاد بسكويتو من الخارج. لم يتفتت البسكويت في أوروبا، كما ادعى صابرو، تأكدت من ذلك عند تواجده تحت الخيمة السوداء الكبيرة التي انتصبت أمام باب البيت لاستقبال المعزين. استقبلني بفتور كما كان متوقعاً. ظل في سوبارتو شهراً كاملاً وعاد بعدها إلى موسكو لتكملة دراسته. فقد كان يدرس الطب في موسكو، جاءت بلقيس أيضاً مع زوجها. لم تكن العجوز فلك تفارقها هذه المرة. وعندما سألتها عن طالعها، قالت لها العجوز:

مستقبلك هنا في سوبارتو.

خافت حينها بلقيس على زوجها من الانهيار، توجست شراً، إلا الانسجام التام بين العجوز وبين بلقيس، كان نبعاً لأسئلة لا تتوقف:

ماذا تريد منها العجوز فلك يا ترى؟

العجوز هذه لا يمكن أن تهتم برجل أو بامرأة إلا لأمر ما، وغالباً ما يفقد ذلك الرجل بعد حين، أو يعود من اختفاء طويل، مقطوع الذراع أو مقطوع الرجلين أو يغرق في سعادة لا يعرف أحد مصدرها.

خاف بعضهم على مصير بلقيس:

ستضيع هذه المرأة.

بعضهم فسر الأمر بأنها تتقرب منها للتخفيف من حزنها على أبيها، لكن إذا كان الأمر كذلك فالآنسة أجدر بالتخفيف عنها. كانت بلقيس في مجالس التعزية، تدافع كثيراً عن زوجها وترد عنه هجمات الألسنة:

زوجك عجوز يا بلقيس.

زوجك جميل لكنه أطول منك بكثير وأصلع.. هذه فقط عيوبه.

تبدي بلقيس استغرابها من تهجم الناس غير المفهوم على زوجها المحبوب، والذي لا يقصر معها، وتداولت النساء أحاديثها، إنها تأكل في أفخم المطاعم وتزور الأماكن التي ترغب في رؤيتها، وأنها لم تتخل عن زينتها من الذهب والماس حتى في تعزية أبيها. وعندما تناهت إلى أسماعي أحاديث بلقيس الطازجة، ركضت إلى خارج الغرفة، تقيأت. وفي أول رحلة إلى خارج سوبارتو. سافرت عائداً إلى غرفتي في بيت مستو الأعرج الذي يتهالك في خدمة أهالي سوبارتو. لدى عودتي رأيت باب غرفتي مفتوحاً عندما دخلت، رحب بي أربعة رجال، عرفت أنهم من سوبارتو. كانوا مجتمعين حول امرأة متمددة على سريري، وهم في انتظار مجيء مستو الأعرج الذي لا يتأخر في مثل هذه الحالات. أمسك بيدي، أنزلني إلى بيته. شرح لي الأمر، إن المريضة هي أم الرجال الأربعة، وأن الواجب قد اقتضى استضافتهم عنده، ريثما تنتهي إجراءات معالجة المريضة. اعتذر لأنه أدخلهم إلى غرفتي، وتحجج بأنه لم يكن يعلم بأنني سأعود بهذه السرعة. تقبلت الأمر في البداية حتى عاد الضيوف إلى بيوتهم، وأنني لا أحبذ إدخال أحد إلى غرفتي بعد اليوم، ولو كان من قلب سوبارتو، فأنا لست مسؤولاً عنهم، ولا عن مرضاهم والفنادق تملأ المدينة. كان هذا الصدام هو الأول من نوعه بيني وبين مستو الأعرج، الذي عبر عن رد فعله المعاكس بالقول:

لكن الطائر الذي ينفصل عن سربه لا خير فيه.

لست منفصلاً عن سربي ولا عن بلدي ولا عن أي شيء يا مستو.. هذا رأيي.

لكن (ابن البلد) له مكانة خاصة يا سلو.

ومن ساعدك من أبناء بلدك عندما هدموا بيتك أو عندما جاعت عائلتك؟

فكر مستو ملياً، ثم تحدث بوجه حزين، شعرت بالتاريخ كله يتجمع في وجهه الكئيب:

شربنا ماء سوبارتو ونمنا على ترابها، وكبرنا وسط غبارها يا سلو، هل نسيت..؟

كرمك لا يقنعني يا مستو، أنا أكره نفسي، وأكره سوبارتو، وأكره العالم كله.

منذ عودتك هذه المرة وأنت غير طبيعي يا سلو.. سأتركك لترتاح.

شعرت بأن تعلق مستو بسوبارتو فيه شيء مرضي، وتعويض عن فقدان الأهل المقربين. وأن لعزلة أبيه المزمنة، ووصيته الأخيرة تأثيرهما المباشر على هوسه بخدمة القادمين من سوبارتو، مضحياً براحته وبالكثير من وقته. رغم أنني كنت أحد المستفيدين من عادته هذه، إلا أنني بدأت أضيق ذرعاً بكثرة الوافدين والمسافرين من وإلى سوبارتو. وأغلبهم يأتون في أوقات غير مناسبة على الإطلاق كالخامسة صباحاً أو الثانية ليلاً. فإنني عدت إلى الأجواء القريبة من جوي القديم. أحضر أفلاماً في السينما بين الحين والآخر، عدا عن التردد إلى أماكن الندوات الثقافية. وجمعتني الصدفة مرة أخرى مع فريال، لدى الخروج من السينما. وكم كان ذهولي كبيراً عندما عرفتني على شاب تتأبط ذراعه:

أعرِّفك على زوجي.

ولامتصاص ذهولي فقد أحسست بأنني تذكرت قرفها من الزواج، ومن المؤسسة الزوجية، أكملت:

الفتاة ما إن تقترب من الثلاثين حتى يقرع جرس الخطر فوق رأسها، جرس العنوسة، وتتحول الحياة حينها من دون زواج إلى جحيم.

التفتت إلى الفتاة الأخرى إلى جانبها، ابتسمت فريال وهي تحاول مدّ جسر بيننا للحديث:

أظنك تعرفها، زميلتك السابقة ( الفيلسوفة ) سيلفا.

ركزت على وجهي بعينيها الشديدتي السواد:

أنا أعرفك جيداً، التقيتك أكثر من مرة، لكن..

وأنا أعرفك.

وتدخلت فريال:

الشيء المشترك بينكما أنكما تتفلسفان كثيراً، وفشلتما معاً في التخرج من كلية الفلسفة.

طلبت فريال منها إيصالها إلى البيت، لكنها امتنعت عن ذلك قائلة:

سليمان سيرافقني إلى البيت، شكراً لكما..

ضحكت فريال:

بهذه السرعة يا لئيمة..!.

قبل أن تغادر سألتني فريال عن سلمى وأخبارها، فقلت لها بأنها هاجرت مع زوجها إلى أوروبا، كأغلب الناس الذين يودون العيش بأمان وما من أخبار جديدة عنها. غادرتنا مع زوجها، بقيت مع سيلفا التي أخذت تدلني على الطريق إلى بيتها:

قد تستغرب بأنني أعرفك منذ بداية مجيئك للجامعة، كنت غارقاً في هموم لا أعرفها، هل لا زلت كذلك؟ مثلك داومت لسنتين في كلية الفلسفة، ثم تركتها غير آسفة على ذلك.

وماذا تفعلين الآن..؟

أعمل في شركة للدولة، موظفة، أداوم لمدة ساعة أو ساعتين وأعود إلى البيت.

وكيف ذلك؟

لي وضع خاص.

ضحكت وهي تلمح إلى مكانة أبيها المهمة في الدولة، فاكتفيت بالتعليق على ذلك لتلطيف الأجواء:

مخيفة يعني..؟

شيء من هذا القبيل.

عرفت منها أن أخوتها وأخوانها جمعياً في أمريكا وأنها الوحيدة التي لم تحتمل الحياة هناك بعيداً عن أبيها الوحيد، ولا تنقطع عن زيارتهم هناك مع أبيها. أخبرتني أن أولاد أختها جمعياً يتحدثون الإنكليزية، وأنها تحبهم كثيراً وتشتاق إليهم، لكن لا يمكنها الاستغناء عن أبيها، خاصة بعد رحيل مفاجئ لأمها إثر مرض ألمّ بها، فماتت وهي في حضنها، وأنها كلما تتذكر ذلك تحزن وكأنها فقدتها للتو، أخرجت صورتها من حقيبتها وهي تقول:

انظر... كم هي جميلة.

انحدرت قطرات ساخنة على وجنتيها، كانت سيلفا تكشف أوراقها العائلية شيئاً فشيئاً بعد أن طلبت مني أن نمشي حتى نصل إلى البيت. رأيتها تتكلم بعصبية واضحة وتشعل سيجارة إثر أخرى. وقبل أن تنتقل عدوى عصبيتها إلي قاطعتها:

حبذا لو تخففي قليلاً من التدخين.

هل أزعجتك..؟

نعم، كثيراً.. يزعجني استهتارك بصحتك.

شكراً.

رمت السيجارة على الأرض مبتسمة، أحست أنها تكلمت كثراً وأنا صامت:

لم تخبرني أي شيء عنك..؟

قطعت علاقتي مع الكلية باستثناء التسجيل لكي لا أُطرد، ساكن في غرفة بالإيجار.

وأين بيتك؟ ارسم لي العنوان من فضلك.

أخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها وطلبت مني رسم مخطط البيت، مزقت الورقة بعد رسمي المخطط بقليل وهي تقول:

عرفت مدخل البناية.. عرفت البيت تماماً.

سأتشرف بزيارتك لي.

ومتى تفضل الاستماع إلى الثرثرة؟ عليك أن تضع القطن في أذنيك، لأنني مثل كل النسوان، أحكي كثيراً.

مساءً طبعاً بعد الرابعة.. والجمعة يوم عطلتي.

فجأة، أشارت إلى النوافذ المضاءة في الطابق الأول وهي تقول:

هاهو بيتنا.. تفضل.

لا شكراً.. في وقت آخر إن شاء الله.

سيزعل أبي كثيراً إذا علم أنك رجعت من أمام الباب.

سيزعل أم سيشهر المسدس في وجهي؟.

لا يا رجل أبي ليس متخلفاً مثلك، الثقة موجودة.

إن شاء الله ولكن علي أن أعود.

بشرط أن تتعرف على أبي في المرة القادمة.

بالتأكيد.

عدت إلى البيت متعباً. كان الطابق الرابع يغص بزوار من سوبارتو، ويعلو صخب مستو فيصل صوته إلي، وأنا أصعد الدرج باتجاه غرفتي القريبة من السماء. لم أستطع النوم تلك الليلة، سهرت حتى الخامسة وفي السادسة حملتني سيارة العمل. نمت أثناء الدوام حتى الثانية ظهراً وعدت مشتت الذهن، لا أركز على أي شيء، أحسست بالضياع، ينتابني إحساس بأنني منفصل عن العالم وما فيه، وأن خراب أي شيء لا يعنيني، كما لا يعنيني بناء أي شيء، الأمور كلها سواء، لا شيء واضح من كل مستقبلي سوى الموت، بقيت أنظر لساعات إلى جسدي العاري في الحمام، أقول له بصوت مسموع:

ستدفن يوماً ما في التراب.

أتلمس جسدي الحي، أفكر بأن هذا الجلد نفسه سيتفسخ يوماً وينتهي إلى غذاء للديدان فحسب، سينحل لحمي في التراب، وسيتساقط عن العظام ثم يبدأ النخر، فتنفتح الثقوب في عظامي وتتآكل وقد تبقى جمجمة متآكلة فقط، تدل على أنها كانت رأساً لإنسان عاش يوماً ما على هذه الأرض المهلكة. عندما أرتدي ثيابي أضحك، أتخيل الناس كلهم عراة، أتساءل عن سبب تغطية أعضاء الجسد بهذه الأقمشة العجيبة، طالما أن للجميع نفس الأعضاء. وبدأت أفكر لأول مرة بدافع الخجل، لماذا الإصرار على تغطية أجزاء بعينها من الجسد؟، وما أن يدير أحدهم إلي ظهره حتى أتخيله عارياً وأضحك، أضحك للمشي على قدمين، بدا لي الإنسان كله ألغازاً متداخلة، حركة الأرجل، الأيدي، الأصابع وتحريكها، الضحك، البكاء، ما سر كل هذه الحركات التي يقوم بها الإنسان؟ ماذا لو مشى على أنفه مثلا ً؟ وأتخيل أحدهم يمشي على أنفه ويركض، خطوات الأنف تتلاحق أمام عيني، فأضحك، أضحك حتى التعب، ثم ما هذه العلاقة الغريبة مع المرحاض؟ يأكل الإنسان ويأكل دون خجل ولا يلبث أن يفرّ إلى المرحاض، فيغلق الباب على نفسه لكي لا يراه أحد، وهو يفعل شيئاً يفعله البشر كلهم، ماذا لو خلا العالم من المراحيض؟ الأغرب من كل هذا هو التعامل الواسع مع الأدوات القاتلة؟ الشعب الأكثر امتلاكاً لاحتياطات أدوات القتل والتدمير هو الأكثر إحساساً بامتلاك الكرامة؟ والإذاعات تتناقل افتخار القادة والجنرالات بقتل أكبر عدد ممكن من بشر لا ينتمون إلى عرقهم، أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟. في الليل عندما أتمدد في الفراش، أخرج رجلي من تحت اللحاف وأنظر إليها ضاحكاً:

تحركي، تحركي يا رجلي.

أحركها فتتحرك، وأرفع يدي، أقول لها:

حركي أصابعك.

فتتحرك أصابعي وأضحك منها باحثاً في أعماقي عن ألغاز لا تنفك. وهذا الحب الذي يحرق الأخضر واليابس في داخلي، في الوقت الذي ترفع فيه من أحبها رجليها لرجل آخر. اختارته بنفسها، وفضلته علي. كان الوقت متأخراً عندما رفرف الهدهد على نافذتي، ركضت إلى النافذة لفتحها، اشتقت إليه حقاً، ومن لي في هذه الحياة، سوى هذا الطائر الجميل؟ كان يحمل بمنقاره صورة سلمني إياها، وحط على كرسي إلى جانب السرير، في الصورة بلقيس مكللة بالبياض، عروس متوجة، الذهب يغطي صدرها وأصابعها وزنديها، وهي تضحك بطريقة مفجعة، تمددت شفتاها حتى وصلت حافتاهما إلى أذنيها، كانت أسنانها شديدة البياض، لكني لأول مرة انتبهت إلى أن فمها واسع ومتمدد أكثر من المطاط، والعريس الأصلع يحتضنها من الخلف، ببدلته السوداء، قابضاً على يديها، واضعاً أصابعها بين أصابعه، بطريقة توحي بانسجام تام بين اثنين خلقا لبعضهما، وهو يضحك أيضاً. انتبهت إلى بروز أسنانه الأمامية إلى خارج فمه، ولا أدري فيما إذا كانت كذلك فعلاً أم أنه القهر الذي كان يأكلني،هو ما صوره لي بهذه الصورة المأساوية، حملت المقص، قصصت صورته، وأبقيت على صورتها من دون يديها طبعاً، لأن أياديهما كانت متشابكة بشكل كان يستحيل الإبقاء على يديها فقط دون يديه. وضعت صورة العروس تحت زجاج الطاولة، ورميت صورته من النافذة إلى الشارع، أمعنت النظر إلى ضحكة بلقيس، وتذكرت الألم الذي نشب أسياخه وسكاكينه في كبدي وفي قلبي تلك الليلة. تركت صورة بلقيس حيث هي، لأستطيع التلاؤم مع الوضع الجديد على أنها فعلاً أصبحت عروساً، لا بل زوجة لرجل أجدر بها مني، ومن أنا حتى أقارن نفسي – وأنا الحالم – برجل ناجح مثله؟ وإذا كانت بضاعته قد أفادته فماذا أفادتني بضاعتي سوى القبض على هواء؟ أنا صاحب هذه البضاعة الكاسدة الرخيصة التافهة، خالقة الخراب والقتل والبؤس والعداء والقلق والموت واليأس العقيم والتي تسمى الحب.

تركني الهدهد لحزني وعاد من حيث أتى. وفي المساء التالي وبدل رفرفة الهدهد على النافذة، سمعت طرقاً شبيهاً بالرفرفة على الباب، سألت نفسي فيما إذا كان الهدهد قد صعد الدرج بدل الطيران، وضحكت من هذه الخاطرة الطريفة، وعندما فتحت الباب لم أصدق عيني، كانت سليفا واقفة كحمامة شديدة البياض. يغطي الجسد الأبيض بلوزة بيضاء وتنورة بيضاء، وقد أسبلت شعرها الأسود المتماوج على كتفيها، بدت كجنية الحكايات القديمة التي تروض وحوش الغابة وحيواناتها الشرسة، تأخرت دون قصد في افساح المجال لها لتدخل:

عفواً.. تفضلي.

لماذا استغربت هكذا يا رجل؟

لا، فقط فؤجئت قليلاً.

ألم تر في امرأة مثلي؟

بصراحة، بهذا الجمال المخيف لم أرَ...!

كفى، كفى.. أنا لا أحب المجاملات، كيف حالك..؟

كما ترين وحيد وحزين وكئيب ولا شيء سوى العبث.

لازلت كما كنت، تضع نظارة سوداء على عينيك وتنظر حولك. أنت تحمل خمس سلالم بالعرض وتمشي يارجل..!

لماذا؟ هل لأنني صريح معك وواضح؟

الصراحة شيء وهذه الكآبة السوداء شيء آخر.

نهضت سيلفا، دققت في تفاصيل الغرفة وهي تتمتم:

غرفتك بحاجة إلى ترتيب، سأفرغ نفسي يوماً لذلك.

لا.. شكراً أرتاح وسط الفوضى أكثر.

صحيح يقولون عن أهالي سوبارتو أنهم عنيدين وأن رؤوسهم قاسية كصخور جبالهم.

في هذا القول الكثير من الحقيقة.

ذكرتني الخلاخل والخواتم الكثيرة في أصابع سليفا بسلمى، إلا أن العقد المحيط برقبتها البيضاء والصليب الذهبي المستقر بين النهدين المكورين أكسبها مسحة جمال لم تقع عيني على مثيل لهما من قبل، تسللت نسمات منعشة إلى رئتي، استطعت وبعد أشهر من الاختناق وبقليل من الراحة، أن أتنفس، كانت سليفا بسيطة، مرحة، تستعمل أصابعها البيضاء المثقلة بالخواتم في ردم الحواجز النفسية كلها، حتى أنها شدت أذني مهددة وهي تضحك:

يا ابني سليمان، العمر لا يحتمل كل هذه الهموم، وهذه الجدية القاتلة.

كما تشائين يا ماما.

أمك عطشانة يا ولد، وأنت لا تسألها فيما كانت ترغب في الماء أو القهوة أو...

كمن يستيقظ من حلم أحسست فجأة بأنني تصرفت بطريقة غير لائقة وأنني لم أقدم لها شيئاً. دون أن أسألها أمرت صارخة بمرح:

قهوة بلا سكر بسرعة.. دمك البارد يجفف القلب يا رجل..!

بعد تجهيز القهوة كانت سليفا قد وضعت كرسيين مقابل بعضهما، وبينهما وضعت طاولتي الدائرية الوحيدة، جلست على أحد الكرسيين، صب القهوة وجلست على الطرف الآخر تنظر إلي، وتحاول التحدث ثم تغير رأيها فتصمت. بينما القلق واضح علىكل حركة تقوم بها، ذهب عنها مرحها الذي ضجت به الغرفة قبل قليل، جلست مطرقة الرأس، أراحت يداً على الطاولة، ورفعت بالأخرى الفنجان إلى فمها، تشرب القهوة بطريقة تحمي حمرة شفتيها من حواف الفنجان، في تلك اللحظة تمنيت أن أزيل لها حمرة الشفتين بشفتي لترتاح في شرب القهوة، ولم أجد الفرصة لإظهار رغبتي في ذلك، ساد صمت غير مفهوم بيننا، نتبادل النظرات بابتسامة متبادلة حينا وبارتباك حيناً آخر. لأول مرة أنظر في عينين أنثويتين على هذه الدرجة من النقاء وعن قرب. ارتجفت أوتار صدري، أحسست بأنني لازلت حياً، تعمدت التحديق في عينيها، فأطرقت خجلة، كأنها شعرت بالسخونة التي غزت خلايا جسمي، ولعل عيني فضحتاني، عندما رأيت أن يدها لازالت ممدودة أمامي على الطاولة، بحذر لص لا خبرة له بالسرقة، كنت أقرب يدي من يدها، وعندما داعبت ظهر يدها بسبابتي، راقبت رد فعلها، رفعت رأسها تنظر إلي متسائلة، وعندما أحكمت القبض على أصابعها، حاولت سحب يدها، وتركت يدها طليقة كما كانت:

فهمت معنى حركتك هذه يا سليمان.. أعرف ماذا تريد.

ارتبكت محاولاً الاعتذار لكنها تابعت:

أرجو أن لا تفهم أن دافعي إلى زيارتك هو..

وبكت سليفا بصمت.

لم أكن أقصد إزعاجك يا سليفا.. فقط..

أنا آسفة لأني عكرت جوك اليوم.

لا يا سليفا صدقيني إنك الوحيدة التي أدخلت روحاً إلى هذه الغرفة الشبيهة بقبر.. لولاك...

بدأت تجفف دموعها المنسابة على خديها الورديين، غطى وجهها القليل من الشحوب الممزوج بحزن شفاف، فاستعادت قليلاً من مرحها:

وحياة الصليب، من تأتي إليك لا تتذكر إلا الموت والقبر والبكاء، أنا تركت دراسة الفلسفة هرباً من هذه الكلمات وجئت برجلي إلى أكثر الناس تشاؤماً وإثارةً للبكاء.

غيرت سليفا دفة الحديث عن قصد، اعتبرت ذلك تصرفاً ذكياً ولبقاً للالتفاف حول الموقف الحرج الذي وضعت نفسي فيه، قامت وكأن شيئاً لم يكن، حملت حقيبتها:

أعتذر مرة أخرى على..

قبلت اعتذارك وانتهينا والآن على أي شيء تعتذر..؟ باي.

لا أعتبر اعتذاري مقبولاً إذا لم تكرري الزيارة غداً.

إن شاء الله تعتبرني أعمل عندك يا سيد سليمان؟!

أستغفر الله ولكنها أمنية، أن أراك غداً أيضاً.

أمنية من القلب أم..؟

حسب الظروف. باي.

ذهبت سليفا ذلك المساء، تاركة وراءها عطراً أنعش أشياء الغرفة كلها، وأثراً طيباً في نفسي لا يمكن أن يمحى، وأنا بحق الرب ألست غبيا ً؟ كيف أمسك يدها بتلك الطريقة البدائية منذ الزيارة الأولى؟ ثم لماذا فعلت ما فعلت؟ هل هي الرغبة؟ هل هو الحب؟ أضحكني سؤالي الأخير، إذا كانت بلقيس قد داست بحذائها مشاعر تلك السنوات الطويلة، خلال أقل من أسبوع واحد، فماذا يمكن أن أتوقع من سيلفا؟ من الواضح أنها ليست جديدة على هذه المسائل، ثم كيف لم أستطع أن أسألها فيما إذا كانت مرتبطة بشخص ما أو لا؟ وإذا لم تأتِ غداً فإن ضميري سيظل يؤنبني، لا أدري كيف بدت لي سيلفا نقطة ضوء ساطعة وسط ظلمات سوبارتو التي تحفر في نفسي آلاف الحفر العميقة، كل شيء فيها نظيف وساطع وبسيط وأخاذ، لكن هل جاءت لتمتحن مشاعري كغيرها؟ وإذا حدث ذلك؟ فأين أقف أنا؟ وأين تقف هي؟ في اليوم التالي، في نفس التوقيت، شعرت بحياة تدب في قلبي ففرحت، لكن هل هي من تطرق الباب؟. كانت سيلفا بحلة أخرى، ثياب شديدة السواد تغطي جسداً شديد البياض، ناولتني وردة طبيعية حمراء، ودخلت مرحة:

يا وحيد ويا كئيب ويا حزين.. كيف حالك اليوم؟

ضحكت وأنا أجاوبها:

سعيد وفرحان ومنتشي ومتفائل

ما أن جلست حتى أطلقت الأوامر:

القهوة يا ولدي، بسرعة لأن رؤيتك تهد الأعصاب، خذ حذرك بأن لا تنتهي قهوتك يوماً، والله سأرمي نفسي من الطابق الخامس هذا.

بدأت تدخن بحذر مبدية استغرابها من قدرتي الغريبة على الاستغناء عن صديق حميم كالسيجارة، فرددت عليها بطريقة تتراوح بين الجدية والسخرية:

الهموم التي تزيلها سيجارة هي هموم صغيرة، وأنا همومي كبيرة، إلى درجة أن السجائر لا فائدة لها على الإطلاق، لإنسان حزين مثلي.

وتحدثت عن وظيفتها في الشركة التي تداوم فيها للتخلص من الملل، وأن لا عمل لها، وأنها تقضي الساعتين أو الساعات الثلاث في سماع النكات، وغزل الصوف والسخرية من الموظفين والموظفات، ومع شرب القهوة رأيتها تسهب في حديث لا شك أنها حضرته لي منذ البارحة.

اسمع يا سليمان، بإمكاني اللف والدوران حول الموضوع، على اعتباري كنت طالبة فلسفة كما تعلم، لكني سأتناول لب الموضوع كما يقال، لازلنا لا نعرف بعضنا عن قرب، سأعترف لك، بأنني كنت مشدودة إليك منذ الأيام الأولى من دوامك في الكلية لكنك كنت شارداً عني، وعن غيري، وعن نفسك كما يبدو، ولا زلت أجهل سبب انطوائك وعزلتك الدائمة. ارتحت إليك كثيراً، ولو فتحت المجال أمام مشاعري لربما تعلقت بك بحب عنيف ومن طرف واحد، لكن الحمد لله أنه لم يحصل.منذ أشهر قليلة خرجت من علاقة فاشلة، كان قريباً لنا من نفس العائلة ومن نفس الطائفة، ها أنت تراني أحكي لك خصوصياتي من باب تمتين العلاقة معك، وإذا كنت مهيأ لمثل هذه العلاقات فبإمكاننا التفاهم بعد فترة قد تطول وقد تقصر، لكنني لست مستعدة للفشل على أية حال. أظنك لست بحاجة إلى أن أشرح لك بأنني لا أبحث عن الجنس فقط كما تتخيّل، فقد يتوفر ذلك في أي مكان، ما أبحث عنه هو دفء إنساني مفقود في أيامنا هذه كما تعلم، وإذا كان مجيئي إليك بهذه الطريقة يزعجك فبإمكاني الكف عن ذلك.

وأنا يا سيلفا ماذا أقول لك؟ أنا الخارج من حرب خاسرة مع الحب، المهزوم حتى العظم، جئت إلى هنا لأموت ببطء وأنسى. هاأنت تثيرين كل ما كنت أظنه قابلاً للنسيان، أحس بنفسي مشدوداً إليك، إلى همساتك، بياضك، نقائك، بساطتك الآسرة، وضوحك، مرحك، لقد ملأت علي "حياتي" ومشكلتي أنني أحس أن حياتي هذه قد فقدتها إلى الأبد، ولا يمكن أن تستعاد. ما حدث لم يكن جرحاً يا سيلفا، كان قتلاً، وإذا طلبت مني تحديد القاتل لعجزت عن ذلك لكثرتهم، وإذا قلت لي انتقم لترتاح، لقلت لك إنني لا أعرف ممن أنتقم، سوى أبي الذي قد أحمل خنجراً في يوم ما، وعقاباً على مجيئي الخاطئ إلى هذا الكون الخالي من الحب، عليّ أن أطعنه في الظهر، كما فعل غيري بي وبأمثالي من الكائنات الخرافية، التي لا مكان لها وسط كل هذا الدم والحرائق والأنين الممتد في الماء وفي اليابسة. هل أنا مريض يا سيلفا؟ هل أضرتني قراءاتي الفلسفية؟ لا أدري، ما أعرفه هو أنني لا يمكن أن أخرج من جلدي، ولا يمكنني إلا نبش أعماقي بحثاً عن حقيقتي وحقيقة الوجود، ما الذي يحدث حولنا يا سيلفا؟ أحياناً أحس بأنني غير موجود وما إن يناديني أحد ما باسمي حتى أفاجأ بوجودي، وأفرح على هذا الاكتشاف. يا الله ما أجمل أن تكون موجوداً، لكن هل أنا موجود يا سيلفا لأحبك أو لأدير ظهري لك؟ هذا ما أود التأكد منه.

أتذكر أنه كانت لي أحاسيس في يوم ما ويصيبني قهر مزمن لأنني لا أستطيع استعادة تلك الأحاسيس. هل من كان يحمل تلك الأحاسيس هو أنا نفسي، أم هو آخر غيري، ومات في مكان ما؟ آه يا سيلفا، فقط لو أستطيع أن أفهم ما أنا فيه، فقط لو أستطيع الإمساك بالألم، بالحزن، بالكآبة، بخيط يوصلني إلى الحب. رفعت رأسي إثر مداعبات أصابع سيلفا لشعري:

لماذا أنت صامت وشاحب؟

لا شيء، كنت أفكر بحديثك.

وإلى ماذا توصلت؟

معك حق في كل ما تقولين.

مدت يدها أمام عيني، وهي تنظر بإمعان، كانت تحمل صورة العروس بلقيس، كانت قد أخرجتها أثناء شرودي:

من هذه؟

بلقيس.

كنت تحبها وتزوجت أليس كذلك؟ الآثار واضحة عليك.

أثارت إعجابي بذكائها الحاد، كيف عرفت؟ وضعت الصورة في مكانها حيث كانت وهي تقول:

الدنيا لا تنتهي عند خيانة امرأة أو عند خيانة رجل.

لأول مرة ينتابني إحساس بأن ما حدث معي ليس شيئاً كبيراً كما أتصور، بل هو حدث قد يقع في أي مكان من هذا العالم الواسع، بل ربما حدث يومي يقع في كل مكان. تحدثت سيلفا عن الموضوع بطريقة جدية ومقنعة تماماً. أحسست بأن البنت الواقفة أمامي بسيطة وواضحة بقدر ما أحسست بأنني مأزوم وغامض ومريض. جلست سيلفا إلى جانبي متوسلة:

إذا كنت تبادلني الشعور بالارتياح فأتمنى أن تتحدث لي عن كل شي.

سردت لها الحكايات كلها بطريقة مفككة وغير مترابطة.كانت تحسن الإصغاء، تشاركني في فرحي،و في حزني. غمرني شعور بالارتياح لم أعهده من قبل، لقد وضعت سليفا إصبعها على أماكن الوجع في جسدي وطردته بهدوء، شعرت بالانشراح، وبقيت كلماتها في أذني لوقت طويل:

المتاعب خلقت لأمثالك، يبدو أن طينتنا واحدة رغم فارق الدين والمكان واللغة.

أحست بأنها تأخرت فحملت حقيبتها، اقتربت مني بصمت، حملت وجهي بين يديها الناعمتين، بهدوء شديد لامست شفتاها شفتي، مرة، اثنتان، ثلاثة، كانت قبلات ناعمة وشديدة العذوبة، أنهتها بأن أطبقت شفتيها على شفتي في قبلة لازلت تحت تأثيرها، قالت:

هذه قبلة اعتذار لأنني سأتركك لوحدك الآن.. باي.

تركت لي سليفا فمها الحلو على الطاولة ومضت، كدت أقفز من السرير، لأحمل شفتيها وألتحق بها:

سليفا، لقد نسيت شفتيك عندي.

لكنني لم أحرك ساكناً، نظرت إلى شفتيها الشهيتين، المتناسقتين، الدقيقتين، بقيت عيناي معلقتان إلى شفتيها الناريتين طوال الليل، وفي غمرة انشغالي بسليفا كدت أنسى جاري مستو الأعرج، إلا أنه لم ينسني كما يبدو، فقد دخل عليّ ضاحكاً يبرر غيابه خلال هذه الفترة:

رأيتك مشغولاً مع من هم أجمل مني.

سأعرفك عليها في المرة القادمة.

لا داعي لذلك، اتركها للصدفة.

وبدأ مستو الأعرج يغمغم:

جميلة ورشيقة لكنها... مسيحية كما أظن؟

ومالا تعرفه عنها أنها طيبة إلى أبعد حد، وأتساءل يا مستو ما الذي يشدها إليّ رغم مكانة أبيها وعائلتها، وإمكانياتها في دخول أجواء مرفهة وأفضل من جوي الحزين بكثير، ما الذي يجعلها تنشدُّ إلى الهم والكآبة التي أنا فيها؟ أتعلم أنني رأيتها لأول مرة، رغم جاذبيتها، لم أفكر بالاقتراب منها لأنني وجدت أنني من عالم وهي من عالم آخر، ولا يمكن الجمع بينهما في كل الأحوال.

أظنه الحب يا بطل فتهيأ، هذه قاعدة يا سليمان. كلما صادفت سؤالاً لا جواب له فابحث عن جوابه في الحب.

وهل أحببت إلى هذه الدرجة يا مستو؟

أتعلم أنني إلى هذه اللحظة أحب همرين، ولا أقصد ابنتي بالطبع، وإذا سألتني كيف ذلك سأقول لك لا أعلم، ولازلت أحلم بالالتقاء بها في زمان ما.. في مكان ما.

ظننتها حكاية عابرة في حياتك؟

الحب الأول لا يمكن أن يكون حكاية عابرة في حياة أي إنسان، الحب الأول نار تحت رماد القلب قد تشتعل في أية لحظة.

واشتعلت نيران بلقيس في رماد القلب من جديد، هاجمني الحلم القديم بشراسة أكبر، على بعد أمتار من مكان جلوسي تمددت امرأة بيضاء وجميلة وعارية، رفعت ساقيها، أبعدتهما عن بعضهما، فتدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين، حاولت إقناع نفسي بأنها ليست بلقيس لكنني أخفقت، أحرقت صورة بلقيس – وهي في تلك الحالة – شيئاً ما في داخلي، قررت الحصول على إجازة والعودة إلى سوبارتو، ولم اخبر مستو بذلك. كتبت له على ورقة، علقتها على الباب "سافرت إلى سوبارتو"، ولحظة وصولي شعرت بها خالية وجافة، وأن البقاء فيها لا يطاق. كان أبي لا يزال يقضم أعشاب كفيه وفاكهة أصابعه، وأمي تساعده في ترتيب هجرته إلى القبر. اخوتي، تبعثر كل واحد في حال سبيله، فتزوج وأنجب "عشيرة" أولاد، والآنسة مشغولة بتجهيز عيادة "بسكويتو" الذي سيعود بعد حين من موسكو مع زوجته الروسية. كانت الآنسة قد بنت له بيتاً ملتصقاً ببيتهم الجديد، وفي نفس الحوش وسيتم تحويل قسم من البيت إلى عيادة. كانت كلمة "بسكويتو" قد اختفت من الوجود، وحلت محلها "الدكتور فاروق". وعندما عاد مع زوجته وابنه المحمر على الدوام، والذي لا يفارق أمه الروسية وكان يمشي وينظر حوله مستغرباً من كل شيء، ساد الهرج بين جيران وأقارب الآنسة الذين احتفلوا بطبيبهم الجديد، إلا أن زوجته الروسية قد مرضت في الأيام الأولى من قدومها إلى سوبارتو، نظراً للطقس الجديد، وطبيعة الأطعمة الجديدة التي وجدت نفسها مرغمة على تناولها، وانشغل الناس بحدث مهم، فقد تحول الهاتف إلى هاتف آلي – ستة أرقام – بدلاً من الهاتف اليدوي، نصف الآلي – ثلاثة أرقام – فلم يعودوا بحاجة للاتصال بالمقسم للحصول على الرقم المطلوب. أول ما تبادر إلى ذهني هو أنه لو كان الهاتف موجوداً وآلياً في تلك السنوات المغبرّة لاستطعت الاتصال مع بلقيس والتفاهم معها، ولما حدث ما حدث بالتأكيد، لكنه الحظ عندما ينقلب على الإنسان فيسوّد له حياته،وبدأت المقالب والإزعاجات التي لا تنتهي. لأشهر عديدة بقيت حياة الناس في كل الأمكنة تدور حول مشاكل الهاتف الجديد، ووضعت المئات من الأرقام تحت المراقبة، وبدأ القائمون على تسيير أمور البريد يضيقون ذرعاً بما يحصل، حتى حل لهم الزمن هذه المشكلة العويصة، فمع مرور الوقت اعتاد الناس على هذا الأمر، وخفت المشاكل، لكنها الفرصة التاريخية للمراهقين والعشاق الصغار والكبار الذين أتوا بعدنا. وليعلم العشاق الجدد أن التكنولوجيا خدمت قضايا قلوبهم أكثر منا..! وتضاعفت أعداد الجرارات والحصادات، فقد أصبح هوفو – ولا أحد غيره – مديراً لشركة كبيرة في الخارج، وأخذ يرسل العشرات من الجرارات والحصادات لأهله ولشركائه، وقيل أنه لا يمشي دون مرافقة وحراسة خاصة، وهم يهمسون بأنه عضو نشيط في المافيا، وأنه لا يحسب حساباً للدول والحكومات. تلقيت مكالمة قصيرة من رشو المهاجر بحثاً عن خالته، بعد أن بارك لنا الحصول على الهاتف الآلي الجديد، نقل سلامه وتحياته الحارة إلينا، وقال أنه سأل عني أكثر من عشر مرات، وأنه يتقن الإنكليزية واختتم مكالمته بالقول:

أعيش مع خالتي حياة زوجية سعيدة في أستراليا.

سئمت البقاء في سوبارتو لأكثر من يومين ؛فعدت مدججا بخيبات جديدة،تعجبت

من انقلاب هموم ومشاغل وأحاديث الناس بهذه السرعة، لم تعد تصادف الأحاديث

السياسة الساخنة،لم أعرف شيئاً عن أخبار ابراهيم الغائب في الجبال، و عن عمي الذي سيعود يوما ًوهو أعمى.ما أخبرتني به أمي عن بقايا عائلة "سيتي" بأن زوجة محمدي سيتي وابنه قد غابا مع عاصفة غبارية، تصاعدت باتجاه السماء وترجح على أنهما أيضاً تحولاً إلى غبار. ويبدو أنها كانت تتوقع لنفسها هذا المصير، لذلك فقد باعت أملاكها قبل تحولها مع ابنها إلى غبار بأيام قليلة، وأن العجوز فلك لم تعد تصنع حجاباً لأحد، ولا تفتح فالاً لأحد، وأنها تغيب كثيراً داخل كوخها المغلق، وأنها تتردد بكثافة على بيت الآنسة لعد مجيء الدكتور فاروق، وأن هذا نفسه يستفيد من إرشاداتها في معالجة مرضاه، وأن العجوز تؤكد للآنسة مراراً بأن بلقيس ستعود إلى سوبارتو:

ستعود بلقيس وسأتولى رعايتها بنفسي.

وعدت إلى نافذتي الوحيدة المطلة على الحياة، عدت إلى سيلفا. أخبرني مستو بأنها سألت عني كثيراً، وأنها كانت غاضبة لأنني لم أخبرها بأنني سأسافر، كان خلالها قد استضافها مستو الأعرج في بيته، فقال لي مازحاً:

العيب الوحيد في كنتنا أنها تدخن كثيراً.

لم يطل انتظارها لي، في اليوم التالي، ولم أكن أعلم أن مستو قد أخبرها بأنني قد عدت، ومن طرقاتها الخفيفة على الباب عرفتها، إنها سيلفا، دخلت وهي تدير وجهها بعدد إعطائي وردتها الحمراء كالعادة:

أنت لا تستحق إلا وردة سوداء.

أعتذر عن سوء تصرفي معك، كان علي أن أخبرك.

أنت حر، ولا داعي للاعتذار.

لكنني بحاجة إلى صدرك يا سيلفا.

فوجئت، وحل حزن شفاف محل العبوس في وجهها. التفتت وهي ترمي حقيبتها على الأرض. لفت يديها على رقبتي وبدأت تقبلني والدموع تتزاحم في عينيها النقيتين:

أحبك يا غبي، أحبك، ألا تفهم؟ اشتقت إليك، كدت أموت من شوقي إليك.

غرقنا في نشوة قبلة طويلة، عبثت خلالها الأيادي الأربع بكل مناطق الجسدين الملتصقين. رأيت نفسي ممدداً إلى جانبها على السرير، كنت غائباً عن الوعي وحزيناً ومفعماً بالامتنان لله الذي لم يتركني وحيداً، فأرسل لي الهدية التي اسمها سيلفا.

أنت هدية الله لي يا سيلفا.

ردت بمرح:

سأدخل معك في علاقة لكن بشرط ألا تتعلق بي، لأنه من المستحيل أن نصبح زوجين، هل تقبل الشرط؟

طبعاً أقبله.

كانت سيلفا مشغولة بي، فكت أزرار قميصي زراً وراء آخر، رمت بنطلوني وهي بكامل ثيابها، بدأت تقبل جبيني فأنفي فشفتي فذقني فصدري فبطني، فسرتي، فحيث النعومة التي لا تحتمل. وعندما بدأت شفتاها، ولسانها و أصابعها توزع الأنين في فضاء الغرفة، كدت أهشم الكرسي الذي وقعت عليه يدي. وخلعت ثيابها قطعة قطعة، وعندما تلامس الجسدان العاريان، والساخنان، أول ما فعلته هو القبض على النهدين الأبيضين، ما أشهى أكلهما، وهي تئن وتتلوى بين يدي كأفعى. كان جسدها مطواعاً ليناً، يلتف على جسدي بمرونة وخفة، انقلبنا على الأرض وعلى السرير، وسبحت الغرفة بكل زواياها في نشوة كادت تزلزل الأرض برمتها. وسأعلم فيما بعد، أن سيلفا لاعبة جمباز، وأنها حازت على البطولة أكثر من مرة، وأنها تحتفظ في البيت بأكثر من وسام. وفي المرات الأخرى فور دخولها، كانت تخلع ثيابها وتقوم بحركات رياضية، فتقدم لي عرضاً مبهراً للجمباز، ثم ترمي بنفسها على السرير فاتحة يديها لاحتضان عريي، وفجوري وذكورتي المتفجرة كبركان هائج. احتلت سيلفا كل حياتي، لكنها كانت خائفة:

أنت عاطفي كثيراً يا سليمان، لا تنسَ بأن عليك ألا تتعلق بي.

أحسست حينها، وسيتأكد إحساسي فيما بعد، أنها تعلقت بي أكثر ما أتعلق بها، وبدأت تزيح بيننا الحواجز المحتملة، كنت أحس دائماً بوجود شيء مخبأ لا تستطيع البوح به فشجعتها:

إحساسي يقول بأنك لا ترتاحين معي كثيراً.

هل تريد الصراحة؟

بوجود هذا الغشاء، لا أستطيع الوصول إلى اللذة التي أتوق إليها.

ماذا تقصدين؟

قصدي واضح، عليك بتخليصي منه، وأنا أتحمل مسؤولية ذلك، سأتدبر أمري.

ولكن.. يا سيلفا.

اترك كل الأمور علي، بالنسبة للزواج، هذه مشكلتي وسأحلها في حينها، وبالنسبة للحمل فإن دورتي منتظمة، وأعرف وقت الخطورة، ولمزيد من الاحتياط، سأتناول حبوب منع الحمل، سأحضّر حالي لذلك وسأخبرك في الوقت المناسب.

مضت سيلفا لتتركني في حيرة جديدة. كدت ألجأ إلى مستو الأعرج وأستشيره لكنني لم أفعل. عادت، في اليوم التالي، وهي ترتدي ثياباً بيضاء متشبهة بعروس في ليلة زفافها. كانت هادئة وصامتة، رتبت الغرفة كعادتها عندما تدخل، وبعد دقائق قليلة تعارك الجسدان العاريان، وبشراسة الدقائق الأولى من الملامسة الساخنة، تبعثرت الثياب في الغرفة فسادتها فوضى محببة. كانت سيلفا كتلة من نار ومن شهوة عمياء، تحاول المستحيل لبلوغ أقصى حالات اللذة، فتنتقل بين أجزاء جسدي بتأوهات وبفرح، وكأنها في مهرجان احتفالي للعري وللذة متصاعدة دون توقف. أوصلتني إلى الحافة الخطرة، تمددت على ظهرها، باعدت بين فخذيها ويداها تفتحان أمامي بوابة الجحيم الشهي، وهي تتوسل:

حبيبي، أرجوك، ادخل، ادخل، بهدوء، بهدوء حبيبي، آآآ...

بهدوء شفاف وشهي وبسخونة لا تضاهيها سخونة اندمج الجسدان، وسيلفا غارقة في صرخات شهوانية، تهز خلالها رأسها،فتتبعثر خصلات شعرها على وجهها المتعرق، والغارق في اصفرار ضبابي، وهي تضغط بيديها على ظهري بكل ما فيها من قوة:

آه... حبيبي.

لا أدري كيف أفلتت شفتاها شفتي، فما أن تراجعت قليلاً وأنا في صعود وهبوط حتى شعرت بأنفي مليئاً برائحة البترول الواخزة، شعرت برأسي غارقاً في بركة من الكاز والمازوت والزيت، أصابني الغثيان. وعندما همد الجسدان وانفصلا، شعرت بالغرفة تغرق بالبترول السائل. خفت أن تشعل سيلفا عود ثقاب فأحترق معها. أيقظتني زغردة سيلفا من شرودي، كانت سيلفا تصفق بيديها، تزغرد وهي تنظر إلى بقع الدم المتناثرة على بياض الفراش، كنت أتوقع أنها بعد انتهائنا، ستبكي وستشد شعرها ندماً، كما يحدث في الأفلام العربية في مثل هذه المواقف، إلا أنها كانت فرحة تصفق وتقفز:

أفكر بأن أهدي هذا الشرشف كما هو إلى أبي.

لا أدري لماذا خطرت هذه الفكرة على بال سيلفا، وبقيت مشدوهاً انظر إلى رد فعلها. وفجأة التفتت إليّ:

ما هذا الشحوب يا رجل؟ عليك أن تحتفل، أنت رجل.!.

قالتها بسخرية، لأن كل ما كان يربط الرجولة بالفحولة وبالجنس كان يثير السخرية لديها، ولا تتوقف عن إنزال اللعنات على الشرق وعلى معتقداته المضحكة، فتبدأ بمدح أمريكا، والتحدث حول علاقات بنات أختها الصغيرات بالشبان هناك. لفت الشرشف، حشرته في الحقيبة:

سآخذها إلى البيت.

من يومها وسيلفا تحولت إلى امرأة أخرى، هادئة إلا في أوقات العري على السرير، ناضجة، تخلت عن بعض حركاتها الطفولية. كفت عن اللعب مع الدمى الكثيرة التي ملأت غرفتي بها بعد بدء علاقتي معها. قلّت أحاديثها عن الأطفال وعالمهم وأسئلتهم الغربية. قلت لها مازحاً:

أصبحت امرأة كاملة.

كانت تقبلني بامتنان، تعلقت برقبتي كطفلة، رافعة رجليها عن الأرض، وأخذت تطبخ. أعطيتها مفتاح الغرفة، ولا أحد سوى مستو الأعرج كان على اطلاع على ما يجري في الغرفة، إلا أن زوجته بدأت تبدي استياءها من مجيء سيلفا الدائم وصعودها – بلا خجل – كما تقول، إلى الطابق الخامس كل يوم وفي كل وقت، حتى أن ليلى الصغيرة أخبرتني بأن والدها مستو قد صفع أمها البارحة بعد قولها بأنهم " لم يفتحوا بيتاً للدعارة هنا" وعندما سألت أمها عن معنى كلمة "دعارة" ضربتها ولم تجاوبها، فقلت لها وماذا أيضاً، قالت:

أمي طلبت من أبي أن يطلب منك لتأخذ أغراضك وتترك الغرفة لأنها تلزمنا.

عند عودته، ولكي يتجاوز موقف زوجته، فقد لمح مستو في حديثه إلى ذلك، ربما أحس بأنني قد بدأت ألاحظ تذمر زوجته من تردد سيلفا على غرفتي:

خذ النساء على قد عقولهن يا سلو، إياك أن تتحسس من زوجتي، أعرفك واعياً.

جددت لي سيلفا حياتي، بصخبها الأنثوي، وتفننها في إيصالي إلى قممٍ ما كنت أحلم بها في أوقات النشوة وممارسة الحب التي كانت تطول لساعات وكأنها ثوانٍ هاربة. اكتشفت في سيلفا روحاً جديدة، غنية، مرحة، محبة للحياة، طفولية، كانت بالغة الروعة، وحدث عكس ما كانت تخاف منه، وهي تكرر القول:

لولاك يا سليمان، سأموت،.. أنا خائفة.

خائفة على ماذا..؟

على فقدانك، لم أعد أتحمل غيابك ليوم واحد.

وأضحك، فتفهم أنني تذكرت خوفها على تعلقي بها، وأنها غير مسؤولة عن ذلك إذا حدث ذلك، فترد مستدركة:

أعرف على ماذا تضحك، كنت أخاف أن تتعلق بي، فإذا بي متعلقة بك حتى الموت. أحبك يا سلو، "وضحكت" – يعجبني سلو أكثر من سليمان – المشكلة أن حبك تغلغل في دمي، في روحي، في عظامي.. أنت معي حتى وأنا في البيت، في العمل، في كل مكان.

وجدت نفسي أمام مشكلة جدية، هاجمتني الوساوس، ماذا لو تجبرني سيلفا على البقاء معها؟ بإمكانها فعل ذلك بالتأكيد، ولكن.. لا يظهر اللؤم على ملامحها، وطيلة معرفتي بها، لم ألحظ أي خبث لا في عينيها ولا في كل تصرفاتها معي، جاء الهدهد تلك الليلة ليعمِّق الهم، أكد لي بأنه كان يطير فوق سطح بيت بلقيس في الخليج وأن الرجال يحومون حول البيت، وأنها ربما تفتح الباب في غياب زوجها لآخرين. أغلقت أذني بأصابعي طالباً من الهدهد الكف عن الهذيان والشكوك، ما ارتحت إليه في كل حديثه أن البيت، ربما يتواجد فيه أي شيء يخطر على البال إلا الحب. من الواضح أن الحب مفقود في البيت، وعادت المرأة البيضاء من جديد، ترفع ساقيها، ويصيبني القرف من تدفق شلالات البترول من بين فخذيها المتباعدين. وهربت من الحلم فإذا بسيلفا في اليوم التالي، سيلفا الرشيقة، البيضاء ترفع ساقيها بعد مداعبات محمومة، وعندما باعدت بين فخذيها، خانتني "رجولتي"، حاولت مرة أخرى فأخرى دون جدوى. التصقت بجسد سيلفا العاري لأخفي انتكاستي ولم أنجح. كنت متعرقاً ومنفعلاً وساخناً ولكن.. الارتخاء على أشده وسيلفا تحاول إيقاظ الميت عبثاً حتى أصابها الملل، فغيرت وضعها وبدأت تمسح العرق عن جبيني وتقبلني بحنان:

اهدأ حبيبي.. حالة عادية وستزول.

وأجلس عارياً، منكس الرأس، رافعاً راية استسلام مرتخية لأول مرة أمام أنثى تضج بحيوية الحب والشهوة. كدت أبكي قهراً، أدرت ظهري إلى سيلفا لكي تكف عن النظر في عيني، لكنها أدارت وجهي باتجاهها وقبلتني على عيني مواسية:

سآتي لك بكأس ماء حبيبي، حالة نفسية وستزول، لماذا تنزعج إلى هذا الحد؟

أشرب الماء من يديها البيضاوين، لبست ثيابها وبقيتُ عارياً. لم يكن جسدي وحده عارياً أمامها، ما أحزنني أن داخلي أيضاً تعرى أمامها. وبكل صفاقة شعرت بقلبي عارياً ينضح اشتهاءً لأنثى إلى الحد الأقصى، لكن يبدو أن الحب بقدر ما هو ملتصق بالطاقة الجنسية بقدر ما هو بعيد عنها أيضاً. رغم محاولاتها المتكررة للتخفيف عني أحسست بأنها أكثر حزناً. اقتربت سيلفا من الطاولة، مدت يدها إلى ما تحت الزجاج، سحبت صورة بلقيس، وضعتها في الحقيبة وهي تقول: ( بعد إذنك).

سأتركك لوحدك الآن، أعرف أن هذا أفضل لك، سأعود إليك عما قريب، باي.

أغلقت الباب وراءها بصمت وهي تخفي دموعها. تمددت على السرير ونمت عارياً حتى الصباح. ولكي أتخلص مما أنا فيه، كتبت ورقة اعتذار إلى سيلفا، ألصقتها على الباب وحددت موعد رجوعي من سوبارتو. وسوبارتو، هذه البلاد الشديدة الجفاف والقسوة، ما إن تبتعد عنها حتى ينتابك إحساس بأن التغيرات قد اكتسحت شوارعها وبيوتها وأناسها، لكنك ما إن تعود إليها حتى تحس بأنها ما تزال كما تركتها في اللحظة التي ابتعدت عنها، لا شيء يتغير فيها. يبدو أن الذي كان يتغير هو إحساسي بالأشياء بينما الأشياء تبقى على حالها. كان بسكويتو قد أنهى إجراءات سكنه في بيت ملتصق ببيت الآنسة مع زوجته الروسية وولده المذهول وسكنوا في الحوش. وقد علق على الباب مستطيلاً لامعاً يضيء اسم (الدكتور فاروق) في الليل، وفي النهار يأتي الجيران لتهنئة الآنسة على عودة ابنها، حاملاً معه ولداً ولقباً جديداً وامرأة تنظر إليهن نظرتها إلى كائنات بدائية لا علاقة لها بجنسها. أحس الجميع بعدم تلاؤم الزوجة وابنها مع الوضع الجديد، لكنهم اكتفوا بالأمنيات الحارة للآنسة ولعائلتها بعد موت معيلها، فالأمراض كثيرة ولابد أنهم سيحتاجون إلى معالجة الدكتور فاروق يوماً. وفي طريق عودتي، وجدت حركة غير طبيعية على الدرج. كان أحد الأشخاص يسرع بالنزول حتى كاد أن يصطدم بي، وأمام باب بيت مستو الأعرج، حدقت زوجته الغضبة في وجهي بنفور واضح، اكتفيت بالسلام عليها وتابعت طريقي إلى الغرفة. ما إن دخلت حتى انتعشت روحي، فقد رتبت سيلفا الغرفة، وضعت الورود في كل ركن منها، ورائحة عطرها الأخاذ تدير الرأس، وعلى الطاولة ورقة مكتوب عليها بخط عريض (حبيبي.. الحمد لله على السلامة، سأكون عندك بعد ساعتين فقط.. انتظرني). تمددت على السرير عاجزاً عن التفكير، شعرت بفوضى عجيبة تكتسح داخلي ولا تهدأ، ومن سقف الغرفة تهطل حجارة ملونة، كل حجرة تحمل اسماً، أبي، أمي، سوبارتو، بلقيس، سيلفا، فريال، سلمى، نرجس، هوفو، الآنسة، زنوبيا، صابرو، رشو، أبو عمشة، شيرو، الملا، ومستو الأعرج وزوجته الغاضبة التي تحمل لي عداوة غير مفهومة. أيقظتني قبلة سيلفا من النوم، كانت جالسة قرب رأسي، وضعت يمناها إلى جانب رأسي الأيمن، ويسراها في الطرف الآخر وهي منحنية فوق رأسي، وخصلات شعرها المعطر تغطي وجهي. ما ان فتحت عيني حتى احتضنتني وتمددت إلى جانبي:

أتعلم أنك عندما تنام تشبه الأطفال، آه يا طفلي الحبيب.

غريب أمرك يا سيلفا، تتركين وراءك كل ذلك الصفاء، كل تلك الرفاهية، التي تحتويك مع أبيك الذي يحبك، وتأتين إلي. أنا المنكسر، المحبط، الغريب، الحزين، المنطوي على نفسه كخلد أعمى. تأتين إلي بكل هذا الحب، الذي لو أعطيته لأي إنسان – غيري – لأحبك إلى الأبد، وحفر اسمك في أعماق عينيه وفي قلبه. أمام كل هذا العطاء الأنثوي اللامنتهي ماذا أفعل يا سيلفا؟ ليت لي القدرة على إعطائك ولو القليل من هذا الحب الذي تمنحينه لي:

أراك متعباً..؟

لا أبداً، أفكر في الحب الذي يكبر في عينيك وينمو..

كعادتها، بدأت سيلفا بحل أزرار قميصي وهي تداعب صدري بأصابعها الناعمة:

أعرفك متعباً، لذلك سأقوم أنا بتحضيرك وتجهيزك لنفسي يا أجمل حبيب في العالم. احتوتني نعومة سيلفا مرة أخرى، بياضها، نيرانها الملتهبة، تأوهاتها، ضحكاتها، نكاتها، وحكايات طفولتها:

أتعلم أن أكثر ما أتذكره في حياتي هو فترة بقائي في الروضة..؟

التفتت إلي تسألني بجدية ومرح:

صحيح، كم سنة بقيت في الروضة يا سليمان؟

ضحكت وضحكت حتى خافت عليّ سيلفا من الجنون، وهي تتمتم مستغربة:

وهل في سؤالي ما يضحك؟

تذكرت غبار سوبارتو، وأرجل أطفالها المشققة، والركض حافياً وراء الكلاب الشاردة، وقص آذان الحمير والقطط، والتعلق بأذيال الأحصنة والبغال، وضرب الطابة – التي هي جورب محشو بالأقمشة – بأصابع متورمة من كثرة ارتطامها بحجارة الملاعب الطينية، وتذكرت الله. وأنا بشعري المشعث ورجلي الحافيتين وأسمالي البالية والدماء الجافة على رؤوس أصابعي، أرجو الله دائماً أن يجعلني نبياً، أو على الأقل ولياً من أوليائه الصالحين الذي يطيّرون أباريق الماء في الهواء، ويُسقطون البيض من مؤخرات الرجال، وتذكرت إحدى حكايات – هوفو – القديمة، فبدأت أحكيها لسيلفا المذهولة.

كنت مغرماً بأبقار ابي، وفي الصيف، كنا ننام على سطح البيت وبعد منتصف الليل وبحجة النزول للتبول، نزلت إلى حيث الأبقار. أشعلت الفانوس كما يفعل أبي عندما يأتي لتحضير العلف، وعلى ضوء الفانوس بدأت أبحث عن أجمل بقرة، فاخترت بقرة شقراء صغيرة، قلت لنفسي، لابد أنها مراهقة وستستجيب لي بسرعة. يبدو أنها أيضاً كانت معجبة بي. كنت انظر إليها وهي تنظر إلي، غمزتها بعيني فرأيت ابتسامة ترتسم على فمها أو هكذا تهيأ لي. خطوة فخطوة اقتربت منها كأي عاشق يقترب من معشوقته. ابتلت عيناها، فظننتها دموع الفرح واقتربت أكثر، اقتربت وهي تقترب، اقتربت وهي تقترب، وفجأة نطحتني في صدري فأسقطتني على ظهري ومضت لا مبالية. شتمتها ونفضت ثيابي وأنا أنوي الانتقام من الشقراء باختيار أخرى سمراء، فتوجهت إلى أجمل بقرة سمراء، قلت في نفسي ( النساء لا يرضيهن سوى المضاجعة، كذلك الأبقار ) فرميتها أرضاً وبدأت ألف الحبل على أرجلها، لأتمكن منها، تمكنت من ربط رجليها، وفرشت كيساً فارغاً على الأرض لكي لا أتسخ عندما أتمدد للزواج منها، وما إن اقتربت حتى سمعت قرقعة على سلم الحوش، فعرفت أنها أمي، نزلت لتبحث عني بعدما رأت فراشي خالياً. كانت أمي تظن أنني أمشي في النوم، فتخشى دائماً سقوطي من فوق سطح البيت، لذلك هرعتْ إلى السلم باحثة عني، ولما دخلت على الأبقار، وعلى ضوء الفانوس رأت البقرة مربوطة من أرجلها، والكيس الفارغ مفروش إلى جانبها، تراجعت وزغردت. أيقظت زغردتها أبي وهي تعطيه هذه البشرى:

حجي.. حجي.. صديقو صار رجلاً، ابننا أصبح بالغاً..!.

وضحكت حتى التعب، انتبهت إلى أن سيلفا كانت تشاركني في الضحك، وعندما سألتها عن رأيها أجابت:

لم أكن أعلم أن طفولتكم على هذه الدرجة من البراءة.

بقيت سيلفا تتردد على الغرفة، تقوم بكل ما يمكن أن تقوم به امرأة في بيتها، إلا أن جرس الإنذار بدأ يقرع في بالها:

بعد فترة سينتهي عملك هنا، ستتسرح وستتركني.

هذا القول سابق لأوانه.

كلما مر يوم أحس بأن علاقتنا تسير باتجاه النهاية، ولا أدري إذا كنت قادرة على تحمل فراقك.

مرت أيام ثقيلة بعض الشيء، وسيلفا تخبئ شيئاً جديداً، ولصراحتها الدائمة فقد كان واضحاً أنها تضمر شيئاً لا تبوح به. كبر هذا الشيء الغامض بيننا، حتى فجرته سيلفا في وجهي دفعة واحدة:

أنا حامل.

تعلقت برقبتي تذرف الدموع وتتوسل:

سليمان أرجوك، لا تحرمني من أن أكون أماً لطفلك.

عقد الذهول لساني من هذا التغير المفاجئ ومن هذه المسألة التي لم تخطر لي على بال:

رأيك لم يكن هكذا، ثم ماذا تقولي ن؟ أي طفل وأية أم؟

سنتزوج لأشهر قليلة، لأيام إذا أردت، ما أريده منك، طفل يحمل ذكراك معي إلى آخر يوم في عمري.

بكت، وأسهبت في حديثها حول الاعتماد على أنفسنا، فهي مستقلة اقتصادياً عن أبيها، وأنها أحبتني منذ اليوم الأول، لكنها لم تكن تفكر بالتضحية بعلاقتها مع أهلها في سبيل هذا الحب، لكنها الآن على استعداد للتضحية بأي شيء في سبيل الحصول على ثمرة هذا الحب – الطفل –. تذكرت نيتشه ورأيه عن المرأة، وأن الرجل بالنسبة لها وسيلة للوصول إلى الغاية ( الولد ). تساءلت في سري فيما إذا كانت سيلفا ستجعل من إبقاء الحمل حجة للزواج و.. وأحسست بأنني عاجز عن تصديق ما يحصل:

لماذا لا تتكلم يا سليمان؟

رأيي تعرفينه، لست موافقاً على كل ما تقولين.

كما تريد، سأغيب عنك هذه المدة ريثما أنتهي من...

أغلقت الباب وراءها باكية. لم تغب طويلاً، عادت سيلفا في اليوم التالي، بدأت تحتضنني بطريقة غريبة، وكأنها تراني للمرة الأولى بعد غياب سنوات عديدة، وتقطع بكاءها كلماتها المؤلمة:

سليمان أرجوك، أتعلم أنه زارني في الليلة الماضية في الحلم..؟

من زارك؟

طفلنا، كنت جالسة،فركض إلى حضني طفل جميل جداً يا سليمان، يحمل أجمل ما فيك، وما فيّ، نظر في عيني وقال ( ماما، ماما، أنا ابنك، كيف ستقتلينني؟ ماما.. أنا أحبك فلماذا ستتخلصين مني؟ ).

ارتفع نحيبها وهي تشدني إلى حضنها:

من حقي أن أصبح أماً يا سليمان، أماً لطفل من صلب رجل أحببته أكثر من أبي ومن أمي، ومن أي شيء في الوجود.

شعرت بالانهيار، هدأت سيلفا وأنا واجم، مذهول، حائر، عاجز عن التصرف:

اهدئي يا سيلفا.. سنرى.

تتالت الأيام بيننا، كانت سيلفا خلالها تكتفي بالصمت، وبانتظار موافقتي على ما تريد، وفي إحدى الجلسات الهادئة حسمت الأمر:

أريد رأيك القاطع يا سليمان، قبل أن تظهر آثار الحمل عليّ. ماذا تقول؟ أعدك بأنني في الحالتين، سأفعل ما تريد.

امتلكتني عاطفة حنان هائلة تجاه سيلفا ورغبة حامية في قتل الجنين قبل أن يكتمل. هذا أفضل بكثير من أن أجعله يكتمل ويولد ومن ثم يجد نفسه في هذا الجحيم الذي نحن فيه. إن السخط الذي أحمله على أبي لا يضاهيه أي سخط في هذا الكون، لأنه المسؤول المباشر عن مجيئي الخاطئ إلى هذا الخواء. فكيف سأقترف جريمة مماثلة لجريمة أبي التي لا زلت أدفع ثمنها؟

لا. لست بحاجة إليك، رتبت الأمر مع إحدى صديقاتي لمساعدتي.

وأين..؟

لا عليك.. أراك بخير.

غابت سيلفا عدة أيام، عادت شاحبة والاصفرار شديد الوضوح على وجهها:

اهتمي بنفسك أكثر من ذلك.

وهل تخاف عليّ.؟

طبعاً.

فقدت علاقتي بسيلفا ألقها السابق. كانت تنتابها نوبات من الرغبة في تحطيم كل ما حولها وكل ما يتعلق بي. فتأتي وبدل ترتيب الغرفة في غيابي كانت ترمي دمية من النافذة تارةً وتهشم المرآة والكراسي تارة أخرى. هل كانت تحس في أعماقها بالهزيمة؟ وهزيمة الأنثى لن تمر بهدوء:

أعتقد أن العلاقة سارت في طريقها وفق رغبتك، أليس كذلك؟

نعم، ولكن ما كنت أعلم أنني سأتعلق بك إلى هذا الحد. مشاعري لا تطيعني.

أنهت سيلفا نوباتها الصاخبة برسالة يتيمة، وضعتها لي على الطاولة قبل انتهائي من العسكرية بشهر واحد (حبيبي سليمان، قضيت معك أجمل أيام حياتي. سأغادرك بهدوء وبحب قبل أن تغادرني بدمك البارد وهدوئك المخيف. بعد شهر ستعود إلى أهلك مرغماً، ولا أحب الوداع لأنني لا أتحمله. رجائي الوحيد أن لا تسأل عني، وألا تحاول رؤيتي لأنك لن تراني. لن أعود من أمريكا هذه المرة إذا زرت أخوتي مع أبي، أؤكد لك حقيقة لم تغب عن بالي لحظة واحدة، وهي أنك أحببت امرأة واحدة كل حياتك هي بلقيس التي تركتك. وأعلم أنك فقدت القدرة على الحب بعدها، لأن ما قدمته لك لا يمكن لامرأة على وجه الأرض أن تقدمه لرجل ولا يحبها. أتمنى أن تلتقي ببلقيسك هذه، وتنحل هذه العقدة النفسية لديك. ستظل أجمل رجل التقيت به. أحبك.. الوداع) وقضيت شهراً من الوحدة مع طيف سيلفا، وهي يجيء ويغيب. شعرت بالوحشة، وشعرت بالحقد يتوزع في صدري على بلقيس (الخائنة) التي لابد أنها تعيش حياتها الزوجية وقد تحولتُ إلى ذكرى بائسة في حياتها، كما أعتقد. كثر ترددي على مستو خلال الشهر الأخير، كانت علاقته سيئة مع زوجته. تمنيت ألا أكون أنا السبب في ذلك:

لا يا سلو، أنا وزوجتي لم نحب بعضنا منذ اليوم الأول، وعندما أحسّت أنني سميت ابنتي همرين، وأن هذا الاسم هو اسم حبيبتي الأولى جنّت، وأصرت على تغيير الاسم، لكنني رفضت.

الغيرة أيضاً تعني الحب.

لا يا سلو، الحب فقط هو الحب.

أحسست بأن الخلاف أعمق من هذه الحجة التي لم تقنعني، فاكتفيت بالصمت. وجاء اليوم الذي عدت فيه إلى سوبارتو. كان أبي غائباً فسألت أمي عنه، أشارت إلى شجرة في حوشنا وهي تقول:

ها هو أبوك.

هذه شجرة يا أمي.

لا يا ولدي، هذا والدك، ترك لنا كل ما يملك وتحول إلى شجرة.

شعرت بأغصان الشجرة تتحرك لدى اقترابي منها، فشعرت بنفسي في حلم، إلا أنني تناسيت الأمر، طالما أن كل ما يحدث معي إذا لم يكن حلماً فإنه شبيه به إلى درجة التطابق. سأترك الأمور على حالها و.... يا إلهي، بلقيس هنا في سوبارتو، هذا الهدهد العجيب، ما إن يغيب وقتاً حتى يأتي بأخبار تهز البدن، ماذا جاءت تفعل بعد كل هذه السنوات؟ سألته فأجاب:

ستطول إقامتها هنا.. وقد لا تعود إلى زوجها.

اهتز شيء ما في داخلي، هذا الشيء كان ميتاً، شعرت بالسخونة تسري في دمي، وقلبي يسرع في النبض والهيجان، يا الله، هل يمكن أن ألتقي ببلقيس من جديد؟ ولماذا البحث عنها مادام الهاتف موجودا؟ لم يعد المقسميدويا كالسابقو ولم يعد الشخص بحاجة الى طلب الرقم عن طريق المقسم. يا الله هل يمكن أن أسمع صوت بلقيس الليلة؟ ولماذا لا أؤجله قليلاً، فعيد الحب قادم. وفي الرابع عشر من شباط بدأت السماعة تهتز في يدي وقلبي يرتجف:

ألو.. مرحباً، بلقيس؟

نعم.. من يتكلم؟

سليمان، أنا سليمان.

وصدرت عن السماعة التي في يدي صرخة فرح عجيبة كادت تفقدني الوعي، رحبت بي بحرارة:

كيف حالك؟ ماذا تعمل؟

أنا.. أنا. فقط سأقول لك كل عام وأنت بخير.

هل أخطأت التاريخ؟ لسنا في رأس السنة، ماذا أصابك؟

اليوم عيد الحب يا بلقيس، وأحببت سماع صوتك فيه.

ساد صمت على الطرف الآخر، شعرت خلالها أن ملامح بلقيس تغيرت وأنها تذكرت أمراً أزعجها فردت:

آ.. شكراً، شكراً يا سليمان.

وعندما أردت إنهاء المكالمة قاطعتني:

صحيح، نسيت، أرجو ألا تتصل مرة أخرى، وضعي لا يسمح بذلك، أرجو أن تقدِّر ظروفي.

كما تشائين.

كليالٍ كثيرة، لم أنم تلك الليلة أيضاً، صوتها كما هو، تلك النبرة الجارحة التي توخز القلب، لم يزيلها الزواج ولا فراق كل هذه السنوات. تمنيت أن يكون مستو الأعرج معي في هذه المحنة الجديدة، ولم يطل انتظاري له. بعد شهرين من عودتي إلى سوبارتو، باع البيت هناك وعاد ليستقر في سوبارتو إلى الأبد بعد كارثة حلت به. ولم أصدق أي شيء حتى رواها لي بنفسه. عاد مستو من عمله مبكرة نتيجة عطل في آلة التطريز فلم يجد زوجته في البيت، بنتاه تلعبان في البيت لوحدهما وأخبرتاه:

ستعود بعد قليل.

وصعد مستو الأعرج إلى غرفتي في الطابق الخامس، متوقعاً أن يرى زوجته هناك لترتيب أغراض الغرفة. فعلاً، زوجته كانت هناك، وكانت عارية مع رجل آخر (ابن بلد) يمارسان الجنس على سريري، لأن مستو لم يكن يحمل مسدساً في جيبه، بعد أن أشبعهما ضرباً بالكراسي،نزل إلى بيته في الطابق الرابع لجلب المسدس. قفز (ابن البلد) بجلده راكضاً على الدرج.. عرفت زوجته أنه ذاهب لإحضار المسدس لقتلها، فلبست شلحتها ورمت نفسها من الطابق الخامس منتحرة، عقب مستو على تصرفها:

لقد أحسنت التصرف لأني كت سألطخ يدي بدمها.

وتذكرت الرجل الراكض على الدرج لدى صعودي ذلك اليوم بعد عودتي من سوبارتو، وأكثر ما كان يؤلم مستو هو أن الذي كان مع زوجته هو (ابن البلد) أكد:

أتمنى أن يطأ تراب سوبارتو يوماً لينال حقه.

انطوى مستو على نفسه، يعمل مع بنتيه في بيته الجديد، ولا يقابل أحداً سواي، كارهاً كل ( أبناء البلد ) لاعناً اليوم الذي استقبل أحدهم في بيته، وتوضح لي سبب ضيق زوجته بسكني عندهم في البيت، ومستو يضرب يداً بيد:

كنت أتوقع أي شيء أن يحدث لي إلا هذا يا سلو إلا هذا...!

وطال انتظار مستو لابن يحمل اسمه من بعده. وفي كل مرة أحرضه على الزواج، يؤجل الموضوع ويغادرني ضاحكاً:

العثور على نجمة في عز الظهر، أسهل من العثور على امرأة مخلصة.

وحملت لي الليلة التالية مفاجأة، أيقظت الموتى في داخلي:

ألو سليمان.. أنا بلقيس.

بلقيس..!

نعم، أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك في هذا الوقت المتأخر، أعرفك تحب السهر، هل لازلت على عادتك..؟

لازلت محتفظاً بأشياء كثيرة يا بلقيس، لم أنس أي شيء.

ولماذا تشعّب الوضع هكذا..؟ أنا أقصد السهر فقط.

وأنا أقصد السهر وغيره، صحيح، لم أجد الفرصة لمباركة زواجك.

تنهدت بلقيس وكادت أن تغلق الخط:

اتصلت معك لأفضي لك ببعض همومي لا لتزعجني.

ولماذا الانزعاج طالما حدث ما كنت ترغبين فيه..؟

أنا كنت أرغب فيه؟ سيظل تفكيرك قاصراً، أنت لا تعرف شيئاً بعد.

ضاقت بلقيس ذرعاً بتوجه الحديث في هذا الاتجاه فغيرته، وهي تضع النقاط على الحروف:

سليمان، صدقاً، لا أعرف لماذا أرتاح لك أكثر من أي شخص حولي، ظروفي صعبة هذه الأيام، فإذا كنت مستعداً لسماعي فسأفضي لك بما يضايقني ويحرمني من النوم، وإذا كنت غير مستعد لذلك فلن أتصل معك بعد اليوم.

أحسست باقتراب الخطر، ففضلت سماع صوتها على أي شيء آخر، وتمسكت بالحفاظ على هذه النعمة الإلهية ( نعمة صوتها الرخيم ) بكل الوسائل:

هذا يسعدني كثيراً يا بلقيس، أعتبر نفسي محظوظاً إذا كان الأمر كذلك، وفي الليلة التي تجدين نفسك مهمومة وبحاجة إليّ، ستجدينني على الخط بانتظارك.

لا يا رجل.. هذا يعني أنني سأتصل معك كل يوم.

وضحكت، فأيقظت بقية الموتى تحت قميصي، دبت الخضرة في الأعشاب التي خنقها اليباس طوال هذه السنوات البالغة القساوة، وتيقظت الأفعى المختبئة في حوشنا القديم. امتلكني فرح عارم ظللت محروماً منه لوقت طويل. يا الله، ضحكة بلقيس تبعث فيَّ نشوة تضاهي النشوة التي تهبني إياها ألف امرأة جميلة. كأنها البارحة، كأنه اليوم، كأنني لم أغادر دفء بلقيس لحظة واحدة، وهي لم تغادر عيني أبداً، هي الحقيقة، بلقيس كانت مختبئة تحت جلدي، في قلبي، في دمي، في روحي، في أعماق أعماقي، وها هي تظهر بنيرانها الحارقة من جديد، لكنها زوجة رجل آخر، وامرأة... انتبهت إلى أن بلقيس لم تصبح أماً رغم سنوات زواجها الطويلة. ما السر في ذلك إذن؟ وبقيت بأذن واحدة والأذن الأخرى على جهاز الهاتف، بدأت أتعلق بهذا الجهاز تعلق طفل بصوت أمه، بطيفها، برائحتها. كم أحببت هذا الجهاز وقتها، وكم كانت رنته حزينة ومنعشة ودافئة. لم يطل انتظاري، رن الجهاز العجيب مرة أخرى، ركضت بلهفة:

ألو... من؟

بلقيس.. وهل صوتي يشبه صوت غيري حتى تسأل؟

لا يا بلقيس، لا أنت ولا صوتك لا مثيل لكما على الإطلاق.

منذ متى تنتظرني؟

منذ آلاف السنين، ملايين السنين، وأنا في شوق إلى صوتك.

لازلت شقياً كما كنت.

وضحكتْ.. فتدافعت في قميصي آلاف الجثث وهي تقهقه.