الباب الأول
سوبارتو
بلاد المراهقين والألقاب وأتربة الفضيحة
في تلك اللحظة تغير كل شيء في داخله، أحزان قرون مغبرة، قهر سنوات المتاهة، آلام أمراض مزمنة تكاد أن تقضي عليه فينقذ نفسه في الوقت الحرج ليعود إلى الدوران في الحلقة المفرغة نفسها.
ولأنه لم يعد يحتمل حلماً كالذي بات يتكرر أمام عينيه في النوم واليقظة مئات المرات فقد أسند ظهره هذه المرة إلى جدار حزن قديم محاولاً طرد الصور المتكررة أمام عينيه كوخز الإبر.
الحلم نفسه "امرأة بيضاء.. ترفع ساقيها.. فيتدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين" يراقب سليمان البترول السائل بين أرجل بشر مشغولين بأشياء لا يفهمها.
وجد الفرصة سانحة لقذف البلاد كلها إلى الجحيم. في تلك اللحظات الضائعة من الليل كانت صرخاته ترتفع قرقعات جمجمة تتدحرج على درج.
احترقي يا سوبارتو
احترقي بيتاً بيتاً. يا بنت الأفعى، يا بلاد الأذيال المقلوبة. لتهطل عليك نيران أحقادي السوداء شارعاً فشارعاً. لتأكل اللعنة أرضك شبراً فشبراً. لتنفث الثعابين سمومها في أحشائك. نفط العالم كله لا يكفيني. عليّ أن أحرقك ألف مرة على الأقل. ما من نيران تكفي لمحو العار عن جبينك المجعد. العار وهو يرتفع تاريخاً كاملاً لك ولي. ها إني أمرغ رأسي في ترابك القذر وأعترف بأنني الآن أمشي على أربع. أنا كلب... وأنت حظيرة. كلانا يستحق القتل بخازوق قي أقرب ساحة عامة. أنت جريمتي يا سوبارتو وعليّ إحراق الجميع.
ما ان أنهى صرخته حتى ضجت سوبارتو كلها بنبأ جنون سليمان بن داوي الذي خبأ صفيحة مازوت في كل شارع ليرشها على حيطان البيوت ويحرقها بإصرار لا يُبقي في البلاد كلها حجراً على حجر.
تذكر الناس من جديد حريقِ سينما عاموده القديم، كعادتهم لدى نشوب كل حريق، وقد فقد فيه سليمان أخاً يكبره بعدة سنوات بعد أن نجا هو. ولا يدري إلى هذه اللحظة كيف أنقذ نفسه. لا يزال يتذكر دخان ذلك اليوم. بارتفاع أعمدة الدخان تصاعدت إلى مخيلته وقائع ذلك الأحد المشؤوم. الساعة السادسة سيعرض فيلم (جريمة منتصف الليل) يحضره جميع التلاميذ دعماً للثورة الجزائرية. هذا ما قاله مدير المدرسة مجبراً الجميع على حضور الفيلم. في الخامسة النصف تدفق خمسمائة تلميذ أمام صالة السينما الوحيدة التي تتسع لثلاثمائة فقط. في السادسة والربع بدأ عرض فيلم (جريمة منتصف الليل) وفي السابعة تماماً بدأت وقائع جريمة أفظع. امتدت ألسنة النيران إلى السقف وإلى جدران البناء الطينية المغطاة بالستائر. ساد الرعب والذهول. هرع الصبيان إلى الباب الكبير فإذا بهم يسدونه بتدفقهم نحوه، الذين هرعوا للإنقاذ والمتجمعون أمام الباب في الشارع لم يتمكنوا من دفعه وفتحه. تولت الكتلة البشرية من الأطفال المذعورين إلى فريسة سهلة للنيران وهي تلتهم أجسادهم الطرية. بدا سقف البناء المصنوع من الخشب والقش والطين يتداعى ونيران الموت تأكل الأجساد الغضة وتشويها دون رحمة، فلم يبق أمام أهالي الأطفال المحترقين سوى فتح ثغرة من خلال دكان ملاصق لمبنى السينما من الخلف. وما آلم الجميع أن ثلاثة من أولاد صاحب الدكان نفسه كانوا مرميين في جحيم السينما. من الغرائب الفزعة أن الباب الآخر. باب النجاة الوحيد الذي كان قد تحول إلى فوهة بركان والذي حاول بعضهم الفرار من خلاله كانت أمامه مباشرة بئر جافة ليس لها غطاء. ما إن يفر الصغير حتى يسقط في البئر. لا أحد يدري كيف نصب الموت لهؤلاء الصغار كميناً من كل الجهات. غطت رائحة شواء اللحوم الآدمية المكان. لم تتسع البلاد الضيقة لبكاء الأمهات ذلك الشتاء. كما لم تتسع المقبرة لأكثر من مائتي جسد غض محترق ومشوي ومبعثر الأعضاء. من نجا من النار خنقه الدخان. الجميع حاول إبعاد الموت عن أرواح صغارهم، لكن ما فعله محمد سعيد آغا الدقوري ظل مأثرة وجدت طريقها إلى الأغاني الشعبية، حيث اقتحم النار بسنواته الاثنتين والثلاثين ليصبح أكبر الأطفال المحترقين. كان جالساً في المقهى عندما جاءه نبأ الحريق. طار إلى حيث الموت رافعاً قامته الهائلة. كان يتأبط، في كل مرة، باقة من الأطفال ويرميهم خارج دائرة الموت الساخنة، أنقذ أكثر من أحد عشراً طفلاً. وعندما أمسكت النار به ودبت ثيابه، صاحوا به:
محمد... انتبه.. النار في ثيابك.
محمد... انتبه.. النار في جسدك.
محمد... انتبه.. النار في روحك.
فيجيب في اندفاعه بين الدخول والخروج:
أعرف..
ويصيح بالواقفين المذعورين من خفافيش الموت المنتشرة في كل مكان:
يا أهل الناموس.. خلصوا أولادكم.
وفي طريقه إلى مكان الحريق التقى بابنه وقد نجا سليماً معافى، فلما رآه الناس يقتحم النار قالوا له:
أين تذهب..؟ لقد نجا ولدك وذهب إلى البيت.
كان جوابه وهو يرمي نفسه إلى الجحيم لإنقاذ الطفولة المحترقة:
كلهم أولادي.
حتى وُجِدَ محترقاً مع الطفل الثاني عشر وهو يحمله على كتفه، ملتصقاً بصدره. نُقِلَتْ الأجساد المحترقة إلى المستشفى المركزي بالقامشلي. أكثر من ثلاثين طفلاً كانت حروقهم خطيرة وأكثر من مائة منهم حروقهم لم تكن تستدعي إقامتهم الدائمة في المستشفى. كان سليمان أحد هؤلاء المائة الذين عادوا الى بيوتهم لا يحملون كثيراً من الجراح الظاهرة على أجسادهم بل ندوباً في أرواحهم لا يزيلها سوى الموت.
أكثر من مرة، في حالات الغضب، كانت أمه تقول له:
لو كنت جيداً لما نجوت من حريق السينما.
مع أنه في أعماقه كان على قناعة بأن من مات هو الذي نجا بنفسه.
ويبلغ الغضب بأمه أحياناً إلى الصراخ:
ليتك احترقت بدل أخيك الكبير.
لكنها لا تلبث أن ترضيه وتغمره بحنانها مبدية اعتذارها المضمر عن كلماتها القاسية التي كانت تدري مدى صعوبة وقعها على نفس ابنها المحظوظ في نظر الآخرين، طالما أنه خرج حياً من حريق السينما.
ما أضحك سليمان من كل هذه المآسي العقيمة هو ما كتبه الصحف عن الحادث، فقد أورد أحد الصحفيين اسم أبيه في تحقيقه الصحفي، يسأله عن شعوره لدى تلقي نبأ ابنه المحترق. فيجيبه الأب (كلنا فداء للجزائر) وما كان متأكداً منه هو أن والده لا يعرف الجزائر ولم يسمع بها إلا بعد احتراق ابنه بفترة طويلة وبأن الفيلم عرض لدعم ناس شرفاء يعانون في مكان ما اسمه الجزائر. وظهرت العناوين العريضة (عاموده تتبرع للجزائر بجيل من أبنائها). ظل سليمان لفترة طويلة يقهقه من المُفَارَقَة أن أخاه مات في سبيل الجزائر. أية جزائر هذه التي تتحدث عنها الصحف والمجلات؟. وأي عبث هذا الذي ينشب أظافره في روحه الهرمة؟. أما آن لهؤلاء الناس أن ينسوا ذلك الحريق. في العالم تحدث آلاف الحرائق كل يوم. مئات الكوارث، عشرات المجازر والمجاعات، والحياة تسير بشكلها الاعتيادي وكأن شيئاً لا يحدث. فلماذا هذا الإصرار على البقاء أسير الفجيعة؟ ربطت المواليد والحوادث كلها في كل هذه الأصقاع بحريق السينما، الفاصل التاريخي الوحيد في ذاكرة هؤلاء البشر الذين يدورون خارج التاريخ في حلقات مفرغة. لذلك لم يستغرب سليمان الربط بين إحراقه لبيوت سوبارتو وبين ذلك الحريق القديم الذي هزّ الروح والذاكرة، حين انتشرت على طول البلاد رائحة شواء لحوم آدمية طرية أدت إلى إصابة الكثيرين بالزكام وبأمراض غريبة. دفنوا ما تبقى من عظام موتاهم الصغار في المقبرة الواقعة بحذاء تل يسمونه ((شرمولا)). حفر أهالي البلدة قبور أولادهم وأصبح بإمكان زائر شرمولا أن يتمتع برؤية صفوف القبور المتراصة لصغار أكلتهم نيران غامضة بعد حركات بهلوانية لصور لم تر عيونهم الصغيرة مثيلاً لها من قبل. الآن يأتي سليمان – الشاعر كما يشاع عنه – ليحرق الكبار قبل الصغار وعن قصد لتنتشر في الأصقاع رائحة شواء لحوم آدمية من جديد:
الكتب خربت عقله.!
كثرت التأويلات، سالت الحكايات على أرض سوبارتو كدم قديم متدفق بغزارة. وقف سليمان في منتصف الشارع يصرخ لنفسه والأرض تدور حوله. كان يشعر أنه واقف على رأسه. وقف الناس ينظرون إليه بذهول ذلك اليوم.
لماذا أنا سليمان. ولماذا سوبارتو تلاحقني كاللعنة؟
كيف حمل أبي اسم داوود؟
من سماها بلقيس تلك المرأة؟
والبترول. ما باله يتدفق بكل هذه الغزارة من بين فخذي تلك المرأة البيضاء، السعيدة بعريها الأرعن؟
ما كل هذا الهراء؟
سأقول لبلقيس، أكثر من مرة، بأنهم أخطؤوا في تسميتك وفي تسميتي. كان ينبغي أن يكون اسمك شيرين، خجي أو زين. وأن يكون اسمي فرهاد، سيامند أو مم. لا تستغربي أن تكون تلك هي أسماءنا الحقيقية. وسأدرك فيما بعد أن أحقر ما في الحقيقة أنها تأتي متأخرة وبعد فوات الأوان.
لم يكن مرضاً ذلك الألم الذي اجتاح ظهري عصر يوم الجمعة ذاك.عندها خفت أن أموت كعادة أفراد عائلتنا. كل من تسقط ورقته عن شجرة الحياة. كما يقول أبي. يقول: <<آخ يا ظهري>> ثم يلفظ أنفاسه الأخيرة. نحن معظم أهالي سوبارتو ورثنا هذا المرض منذ قرون. ما أن يلمس إنسان منا ظهره من الألم حتى يجتمع حوله الناس تلقائياً منتظرين موته المثير. لم أكن أدري قط أن تلك الآلام سببها شيء آخر تماماً. فيما بعد أنه الحب. هذا ما أكدته لي العجوز فلك:
الحب فقط يكسر الظهر يا بني.
لا أحد يعرف بالضبط من هي العجوز فلك، ذات الشعر الأبيض والكوفية السوداء والعكازة التي يمتد عمرها إلى آلاف السنين. كما تقول. لعل العكازة هي الشيء الوحيد الذي يعتبر أقدم من العجوز نفسها. الوحيدة التي بقيت حية من جيلها. تسكن وحدها في كوخ نظيف على الدوام. لها حكايات مع أهالي سوبارتو كلهم. الكل، حتى أن أحدهم يقدر عمرها بأقدم من عمر سوبارتو نفسها. وإذا ذكر اسمها في أحد المجالس فإن كل شخص من المجلس ينتابه شعور غيره، فهي مخيفة للبعض بسبب ما قيل عن براعتها في صنع الحجب التي تكم الأفواه وتقلب الرجال بين ليلة وضحاها رأساً على عقب، بيضتها العجيبة حلت الكثير من المشاكل بعد كسرها أمام أي باب تدور خلفه المشاكل. وهي مريحة لبعضهم لإسدائها النصائح التي تعتبرها ثروتها الوحيدة في الحياة الطويلة التي عاشتها العجوز فلك، سؤال يطرحه كل طفل في سوبارتو مع أسئلته الطفولية الأخرى حول الأشياء الغامضة في هذا الكون كالسماء والليل والنهار والله وأغرب مخلوقاته (الإنسان). ولا يلبث أن ينسى سؤاله وينشغل عن الأجوبة بأيامه المنقلبة على بعضها،فيجد نفسه بشكل مفاجئ رجلا يبحث عن إجابات لأسئلة يومية عن الخبز والديون والموت ومن ثم النسيان. العجوز فلك ليست دائمة الظهور، تختفي لعدة أشهر والجميع يعلم بأنها ستعود، ولا تتحدث بأي شيء عن اختفائها الطويل. نسي الناس أنها بشر وأنها يجب أن تموت كغيرها. ذهب بعضهم إلى أن "فلك" التي تظهر في قصة "سيامند وخجي" هي نفسها العجوز فلك التي صفعت "قره كيتران" أخو سيامند الذي تحداها. فأسقطت بصفعتها أسنانه بين يديه.
منذ ذلك اليوم ولا أحد يجرؤ على الوقوف في وجه العجوز فلك التي يقال عنها أنها تقف وراء كل ما يحدث في سوبارتو. لا أحد يعرف شيئاً عن زوجها أو عن أولادها ولا يتجرأ أحد على سؤالها عن ذلك.
نسجت حكايات كثيرة عن عذريتها ومصادقتها للجن وللأولياء الصالحين إلا أنها تتدخل، دون أدنى شعور بالخجل، في مشاكل الأزواج الجنسية ولا تتوانى عن الحديث عن أدق التفاصيل الجنسية وكأنها تتحدث عن شراء البطاطا حتى أن الكثيرين من أطفال سوبارتو أقسموا أنهم رأوها تتبول وهي واقفة كالرجال تماماً. وأنها تتحدث مع نفسها وتتحدث عن أناس هي تراهم ولا نراها. وأن جارها رأوه قتيلاً في بيته لم يكن منتحراً كما قيل وإنما كان ذاهباً لقتلها طمعاً في مالها. عندما رفع السكين لطعنها تحجرت يده، انفتح فمه على اتساعه، وسقطت السكين في فمه فابتلعها ومات. والدليل أن الشرطة أخرجت السكين من بطنه دون أن تظهر آثار جروح في حنجرته أو بطنه، والسكين نفسها تعاطفت مع العجوز فلك وفق المشيئة الإلهية ممزقة أحشاءه. طالما تردد على ألسنة الناس أن من لا يعرف العجوز فلك لا يعرف سوبارتو. ربما تجدها في أي مكان وقد لا تجدها أبداً. ما من امرأة زارتها في كوخها إلا وهي تحمل إبرة بين ثيابها لطرد الجن عنها مع أنها لم تكن تستقبل أحداً في داخل كوخها. كانت تستقبل الجميع في ساحة كوخها المربعة.
ثمة حفرة مستطيلة على شكل قبر مزودة ببساط ومخدة تتمدد العجوز فلك فيها عندما تتحدث عن زائراتها:
هذه الحفرة هي بيتنا الحقيقي يا أختي.. بيتنا الدائم.
توافق زائرتها على رأيها والرعب يرتسم على قسمات وجهها، فتتخيل العجوز ميتة، ممددة في قبرها، فيدب الرعب في نفسها ولا تلبث أن تتذكر أنها في حضرة عجوز خارقة تحقق لها ما تريد لقاء لا شيء. لا أحد يعلم مصدر رزق العجوز مع أنها لا تعمل ولا تقبض أي شيء لقاء خدماتها للنساء والعجائز. وعندما لجأ إليها جارها بقصد السرقة كانت الشائعات في أوجها حول امتلاء الكوخ بالذهب وعدم إدخال أحد إلى ذلك الكوخ العجيب لاحتوائه على كنوز أخرجتها العجوز من تلال أثرية قديمة قدم وجودها في هذا العالم.
يلجأ إليها أصحاب المشاكل الغامضة والمرضى الذين لا يفهم الأطباء من أمراضهم شيئاً. فتجيب عن تساؤلاتهم بكلمات قليلة تدخل الطمأنينة إلى قلوبهم، لذلك عندما باحت لسليمان بأن الحب هو سبب آلام ظهره المزمنة فإنه لم يشك بأنها تقول الحقيقة:
الحب المستحيل وحده يدمرُ الروح يا ولدي. المرأة قد تعظّم الرجل وقد تجعله شحاطة مهترئة. أتمنى أن تكون امرأتك من طينة جيدة.
لكنني أحدثكِ عن آلام الظهر..!
الروح نبع الحزن وكل آلام الجسد... هات الفنجان.
تناولت العجوز فلك الفنجان الفارغ من يده. أمعنت التحديق في التعرجات البنية والأشكال المرسومة داخل الفنجان، هزت رأسها. غمغمت لنفسها. عرف سليمان أنها تخبئ شيئاً وأنها لن تبوح بكل ما يقوله الفنجان. اكتفت بهز الرأس وبكلمات غامضة.
ما قالته لسليمان جملة واحدة فقط ومضت في حال سبيلها:
الأفاعي المجنحة منتشرة في كل زوايا حياتك.
كانت جالسة على الكرسي أمام الباب تتحدث مع أختها الكبيرة حديثاً لذيذاً بنبرة أنثوية رقيقة منعشة دافئة قادرة على تخدير الحجارة على طول شارع بيتها، فما بالك ب أنا "سلو" المشتعل ناراً وشهوة وفجوراً وأحلاماً ميتة. لم تكن الصغيرة تلك سوى أخت فاروق. ابن الآنسة المدلل الذي كنا نحن الصغار القذرين، أصحاب الأظافر الطويلة على الدوام، نتلقى العصي القاسية على أكفنا فترسل الضربات المتتالية ألماً حاداً في عظام أيادينا المتسخة الجلود. كنا نتلمس ابتسامة من فاروق الحلو. نلتف حوله مستغربين من نظافته البالغة، يهمس أحدنا في أذن الآخر:
جرو بن الجرو، كأنه الآن قد خرج من البيضة.!.
كان الولد يقضم البسكويت والشوكولاته بأسنانه الناصعة البياض بينما الزبد وسوائل غريبة الطعم تسيل من أطراف شفاهنا اليابسة، نكاد أن نصفق لابن الآنسة الوحيد الذي يتقن لغة المعلمين والمعلمات الجديدة علينا والغريبة، حتى أننا كنا نفرقع ضاحكين من حركات شفاه المعلمة وهي تخرج أصواتاً غريبة ونحن نحملق في الفراغ بذهول يُخبّئُ براميلاً من الضحك والغبار وصفائح مليئة بمياه "نهر الخنزير" العكرة الذي يشق سوبارتو إلى نصفين. النصف الغربي لـ "حيندرو" المجنون، والنصف الشرقي لـ ""اسماعيلو" شيخ المجانين، هكذا اتفقا فيما بينهما. وهكذا كانت بيوت النصف الغربي مفتوحة أمام حيندرو ولا يتجرأ على المرور من النصف الشرقي المفتوح الأبواب أمام اسماعيلو، فنلتف حول أحدهما ونكذب على حيندرو بأننا رأينا اسماعيلو يتجول غربي النهر، ونضحك على اسماعيلو حين نخبره بأننا رأينا حيندرو يخرج من بيت شرقيّ النهر. فنثير أحدهما ضد الآخر ونتمتع بصراعهما الصاخب كديكين غاضبين إلى أن طعن اسماعيلو خصمه بسكين ملتجئاً إلى الجامع الكبير جامعاً المال لتهدئة حيندرو الجريح، عندها حمل اسماعيلو أمتعته قائلاً للجميع:
لا تتسع بلدة واحدة لمجنونين.
ننشغل نحن الصغار بتشكيل عصابات صغيرة ضد عصابات أخرى لحل خلافاتنا حول الانتماء القومي أو حول أعقاب السجائر التي كنا نتهافت على جمعها. يزداد فرحنا طولاً حسب طول السيجارة. نضرب بعضنا في الشوارع بعنف دموي، تسيل الدماء من أنوفنا، ترتفع الجنازير والبوكسات الحديدية المسننة لتخدش الوجوه والأذرع والبطون، بينما الآنسة تمسك بيد فاروق بهدوء. تأخذه إلى البيت بعد أن تتوقف حائرة بيننا محاولة إيقاف حروبنا الطاحنة بلا جدوى:
سأعاقبكم غداً في المدرسة.
خفنا من البدء. لكن خوفنا زال فور اكتشافنا بأن الآنسة تنسى أشياء كثيرة منها أننا نموت غيظاً عندما ترفع أرجلنا العارية لتذيقنا بعصاها الحديدية الرأس طعم "الفلقة". تنسى أن في صدر كل منا، رغم الوسخ المنتشر على صدريته، قلب صغير، مثلنا كمثل فاروق، ابنها الذي لا تفارق الابتسامة فمه. كنا ننافس الكبار في الكبرياء والعظمة التي ليست فوقها عظمة.. لذلك فقد قررنا الانتقام من الآنسة التي لا تهتم إلا بأبناء المسؤولين والشرطة وأبناء المعلمين. أي بالأولاد النظيفين كابنها بسكويتو، وهو الاسم الجديد لفاروق، والذي حاز على إعجاب الجميع.
بطريقة ما سرقنا بسكويتو من أمه. وفي إحدى الأزقة استطاعت قبضاتنا الصغيرة أن تعجنه وتحفر في جسمه الرخو حفراً تشبه حفر الشارع العام في بلدنا. أن نخرجه من جلده ونضعه في جلد آخر كما يقال، فتَّتنا بسكويتو كالطحين. وفي اليوم الثاني غاب بسكويتو عن المدرسة، ألهبت عصا الآنسة نيراناً في باطن أقدامنا العارية. تبنا وإلى الأبد من الاعتداء على بسكويتو بعد هذه الحفلة العنيفة. إلا أن تنورة الآنسة كانت مثيرة. أقسم أحدهم يوماً بملائكة السماء والأرض بأنه شاهد "كيلوت" الآنسة عندما جلست على المقعد الأول فاتحة رجليها، وأن كيلوتها أحمر. احتج آخر... تشارطا على ليرة كاملة، رمى الثاني قلمه على الأرض بعد أن جلس في المقعد الأول وعندما همَّ برفع قلمه عن الأرض اختلس النظر إلى نقطة التقاء فخذي الآنسة الغافلة عن كل ما يجري. عندما تأكد من أنه خسر الرهان. أصبح الانحناء لعبتنا المفضلة والممتعة. لم تفهم الآنسة معنى السقوط المتتالي لأقلام الصغار، كلما جلست على المقعد الأول. كنا قد عرفنا بأن الآنسة لا تغير الكيلوتات لعدة أيام أحياناً. كنا نجهل أن كيلوتها في ذلك اليوم من النوع المليء بالثقوب، والذي لا يخفي الكنوز كلها بل يزيدها ألقاً. كان الدور واقفاً على أطولنا وأكبر سناً. عندما حاول رفع قلمه سقط من يده المرتجفة ثانية. انتبهت الآنسة إلى عيني تلميذها الكبير تلتهمان ما بين رجليها التهاماً وفمه مفتوح على آخره مأخوذاً ومذهولاً بما يراه. نهرته الآنسة فجأة؛ خبأنا ضحكاتنا العظيمة؛ كانت تلك آخر مرة تفتح لنا الآنسة رجليها، قذفنا غضبنا على التلميذ الكبير:
كل طويل أحمق.
أبله، مغفل، عديم الناموس، حقير.
رأسه مثل رأس الحمار.
لأول مرة اتفقت عصاباتنا المختلفة على قرار ضربه بعد انتهاء الدوام. كانت النتيجة غيابه عن المدرسة لمدة أسبوع كامل وحضور أمه في اليوم الثاني إلى الإدارة محتجة على الأورام المنتشرة على جسد ابنها المسكين المليء بقعاً حمراء وبنفسجية صارخة في وجه المدير بلغة مكسورة، مهددة بنزع شعر الآنسة شعرة وراء شعرة ان هي لم تعاقب المعتدين على ابنها. نلنا مرة أخرى عقوبة جماعية عدا بغض الصغار الحلوين الذين يشبهون بسكويتو في كل شيئ. بالطبع عاد المضروب الى المدرسة لكنه اكتسب اسما طريفا غطى على اسمه الحقيقي وهو "هوفو – الحمق":
مرحباً.. هوفو.
كيف حالك هوفو..؟
يطاردهم بينما يصفرون له حاشرين اسمه الجديد في الأغاني والمواويل. وصل هوفو إلى حل وحيد بترك المدرسة نهائياً والعمل مع أبيه على العربة. لكن أمه أصرت على دراسته، فكانت لها ذلك، لكن اسمه الجديد "هوفو" صار واقعاً لا مهرب منه.
من يومها اقتنع قناعة لا رجعة فيها بأن كل أهالي سوبارتو حمقى بالتأكيد.
إن الجميع مجانين، حسب رأي "خلفو" الشائع وهو أحد المجانين في سوبارتو.
عندما سألوه لماذا لا تذهب إلى " العصفورية " يا خلفو؟. أجاب: ضعوا سوراً حول سوبارتو فتصبح هي العصفورية.
صار هوفو. فيما بعد غريب الأطوار. يتأخر عن العودة إلى البيت كبعض المغامرين الشُّبان ينتظرون على دراجاتهم خروج الصغار من المدرسة. يلوح لأحدهم فيتبعه راكضاً.
يركب الدراجة أمام أنظار الجميع ويمضي. لسبب ما اكتشف مؤخراً ما يحدث في الظهيرة بعد الدروس. هناك أماكن خالية ومحصنة بجوار سوبارتو وفي زواياها مقابل السكاكر وبعض النقود، في البدء يخرج المراهقون امجادهم المنتصبة دون إنزال سراويلهم، لتلقي تلك الأمجاد المنتصبة بعد ممارسات قيصرية وتدريبات متكررة يتعود عليها الصغار إلى أن تصبح عادة.
فتحتفي السكاكر والنقود لصالح التهديد، فيذعن الصغار لأوامرهم طائعين بصمت مرتجف، والغريب أن الفرائس الصغيرة كانت غالباً من أوساط الأغنياء. وبرز اسم هوفو كأحد المشاركين النشطين في هذه العمليات السرية. إلا أنه كان يقوم بدور مزدوج، بعكس الجميع، لا يقبل على نفسه أن يقوم بدور الزوج فقط بل بدور الزوجة أيضاً. كان عادلاً في ذلك. مرة له ومرة عليه. بعكس "شيرو" و "رشو" و "أبو عمشة" المتنافسين على اصطياد أولاد المدرسة الناعمين. كثيراً ما اشتبكوا في قتال عنيف حول صيد جديد، المنتصر منهم ينال من الفريسة أولاً. حتى أمست الأفعال هذه سلاحاً بأيادينا الوسخة ضد أولاد نظيفين، أشباه بسكويتو وأبناء المؤولين. فإذا تطاول أحدهم علينا،كان ردنا جاهزاً:
اسكت يا زوجة أبو عمشة.
وزعت الألقاب العادلة على الناعمين من الأولاد حسب درجة صداقتهم مع الثلاثي "القبضاي":
زوجة شيرو.. زوجة رشو... الخ.
فإذا سأل أحدهم عن شيء ما، رد الآخر:
اسأل زوجة رشو.
لأن أهاليهم كانوا أنيقين ويهتمون بهم فإنهم كانوا مجتهدين. الأهم من كل ذلك أنهم يحلون وظائفهم كل يوم. درءاً لسموم ألسنتنا كنا نحصل على الوظائف المحلولة جاهزة، نكتبها في المدرسة خلال دقيقتين مقابل شراء صمتنا الصعب المنال. يسأل أحدنا الآخر:
ممن نقلت الوظيفة؟
يكون الجواب حتماً زوجة رشو أو زوجة شيرو أو زوجة أبو عمشة. البقية لم يكونوا بعيدين عن معمعان العمليات الجهنمية هذه. إلا أن من أتحدث عنهم هم الذين اشتهروا كأبطال لهذه الحروب الخفية الطاحنة. الصغار لا يلبون طلبات بعضهم إلا بمقابل. المقابل معروف بكلمات مختصرة:
مقابل مرة واحدة.
وبسكويتو الحلو، لطالما تمنينا أن نجعله زوجة. لكن إصرار أمه على الإمساك بيده وأخذه معها إلى البيت أفشل الكثير من الخطط. إلا أن "أبو عمشة" أقسم أمام الجميع بأنه سينال من بسكويتو رغماً عن أنف أمه. عاد بعد يومين يهتز منتشياً بانتصاراته العظيمة، انزعج عندما شككنا بكلامه، أقسم بشرفه أن يعطينا الدليل على الفور:
غداً انظروا إلى رقبته وستشاهدون آثار أسناني.
في الغد اختلسنا النظر إلى رقبة بسكويتو البيضاء. كانت هناك آثار زرقاء شبيهة بآثار خرمشات قطة شرسة فصدقنا أبو عمشة. وهتفنا لعظمته صاغرين منكمشين على أنفسنا من ظلال شموخ قامته الهائلة:
المجد لأبي عمشة إذن.
تأخرنا عن قطيع الصغار ذلك اليوم. كنت مشغولاً بالتحدث مع أحد "الناعمين" عندما دعاه شيرو إلى ركوب الدراجة. رفض الصغير "الناعم" وهرب بعد أن تلقى لكمة قاسية على أنفه أسالت دمه. ركض مذعوراً فتمكن شيرو مني. أركبني أمامه على الدراجة توجه بي إلى الخلاء باتجاه الحدود:
لا تتكلم وإلا ملأت فمك بالدم.
أنزلني في بركة مهجورة وأنا أبكي بصمت. أمرني:
اخلع سروالك بسرعة.
لما رآني لا أتحرك، صفع مؤخرة رأسي، شعرت ببلاط يتكسر فوق جمجمتي الصغيرة، لم أتحرك. أنزل سروالي الممزق، أحسست بجسم حار وصلب يتحرك لامساً ظهري المرتجف. كنت منكمشاً على نفسي باكياً بصمت، خاف شيرو المفترس من أحد المارين بالقرب منا. غيّر وضعيته. أمرني بالوقوف. رفعت سروالي، عقدته. عندما التفتت فوجئت بعمود لحمي طويل يترنح بين فخذيه المشعرين. طلب مني الانتباه. قبض بيمناه على ذلك العمود وبدأ يحرك جسمه بالتناوب مهتزاً من الأسفل إلى الأعلى:
اسمع. ضع يدك هنا وافعل مثلما كنت أفعل الآن.
بيدي لمست ذلك العمود المرتج. ذعرت من حرارته وتوتره الخارق. بدأت أحرك يدي ببطء. لم يقتنع. أمرني بإسراع حركة يدي وأسرعت وهو ينتفض بغموض أدخل الدوار إلى رأسي. أطلق شيرو صرخة تضاهي عواء قطيع كامل من الكلاب. صرخته أصابتني بالذعر والهلع. تدفق من رأس العمود سائل لطخ يدي وبنطال شيرو وأرض البركة. تراخى بعدها ممدداً على ظهره. رأيت العمود ينخفض شيئاً فشيئاً. ذكَّرني بأنتيل راديو أبي الذي أتسلّى بإدخاله في بعضه ببطء أحياناً. انحنى العمود خافضاً رأسه بين غابة من الشعر المتداخل. كنت مذهولاً بما أرى إلى حد الرعب. فرحت عندما استعاد شيرو نشاطه بوجه منفرج الأسارير. أركبني الدراجة من جديد. أعادني إلى البيت. كأن شيئاً لم يكن.
التفكير بأمور غريبة سيطر على ذهني وأنا أقود قطيعي المؤلف من تسعة خراف باتجاه البراري والأعشاب حاملاً كتابي بعد انتهاء دوام المدرسة.
أداوم من الصباح حتى الظهر، بعد الظهر حتى حلول المساء أغرق في حمى ألعاب لا تنتهي مع الرعيان الصغار. يلتفون حولي، يرمون كتبي، نصنع طابة من الجوارب المحشوة بالأقمشة. تتجعلك الطابة تحت أقدام الفريقين وتتبعثر أحشاؤها في الهواء. يحوز الفريق المنتصر على الاستراحة بينما الرَعْيُ وتبعاته تقع على عاتق الخاسرين.
من تجربتي مع شيرو عرفت ما الذي يفعله الرابح مع الخاسر عندما يختفون عن أنظارنا. حشرت نفسي في المراهنات السرية التي تجري بينهم. يحددون أحد المتبرعين "الناعمين" طبعاً من الفريقين للعب دور الزوجة أمام اثنين أو ثلاثة من الفريقين الرابح، اثنان يحرسان المكان. الثالث ينهمك في نار شهوة غامضة، بعد انطفائه يقع عليه دور الحراسة، ليقوم أحد الحارسين بدوره، يتبادلون الأدوار بجدية، محاولين الإمساك بزمن الكبار... الكبار يغرقون في الليل مع أمهاتهم بحركات مضحكة ومثيرة وهم يظنون أنهم غافلون عن أعين صغارهم الذين يتظاهرون بالنوم وهم أكثر انتباهاً وفضولاً في الإلمام بأسرار وفحيح وأصوات شبيهة بآهات جرحى في وديان بعيدة. نتحدث في مجالسنا عن آبائنا في الليل. كيف يخرجون عن أطوارهم.
يعترف الجميع بصراحة تدخل اللهفة إلى قلوبنا الصغيرة لتكبر.
يا الهي...
هل نصبح كباراً ذات يوم لنضرب نساءنا كما يفعل آباؤنا؟
البارحة كدت أزيح اللحاف عن رأسي وأضرب أبي ليكف عن تعذيب أمي في الليل. تصوّروا كان يشد جديلتها وهي تصرخ. تبكي، تمنعه وهو لا يفهم. عندما ضربها أحسست بقلبي ينخلع من مكانه، لف جديلتها حول يده وباليد الأخرى كان يضرب ظهرها. بكيت في السر. غرقت في نحيب صامت حزناً على أمي الضعيفة. رفعت رأسي هذه المرة، رأيت أمي تمسك بيديها رأس أبي وهو يهتز فوقها كبغل وهي تقبله بلهفة طيّّرت العقل من رأسي. استغربت من سرعة تحول أمي ورضاها التام عن أبي في النهار، حتى أنها نصحتني أن أطيع في كل ما يأمرني به. كدت أعترف لها بأني لم أكن نائماً في الليل، غصَّة في حلقي منعتني.
إلى هنا كان الجميع يصغون بآذان منتصبة وعيون مفتوحة على اتساعها. إلا أن صرخة صابرو أيقظتهم. ابتعدت الأغنام مقتربة من البساتين، وهي الأماكن المحرمة. يعترف آخر بأنه رأى بأم عينيه أن أباه يدخل عُضوه في فم أمه، لا في مكان آخر. وأنه عندما رآها في ذلك الوضع ظن أنه "مصاصة" كبيرة، شديدة الحلاوة، لأن أمه كانت تمضغه حتى كادت تبتلعه رغم ضخامته. ضحك الجميع. فتحَرَّضَ آخر على الاعتراف بأنه رأى رأس أبيه محشوراً بين فخذي أمه المتباعدين وهو يشرب شيئاً ما. أضاف صابرو ضاحكاً:
كان عطشاناً !. عطشان.. قدَّامه بركة ماء.
قفز هذا من مكانه. اشتبكت الأيادي. ازداد اللغط. أصرّ المتحدث على الانتقام من صابرو:
إذا كانت أمي بركة ماء، فأمك بئر ارتوازي.
أسكته صابرو بشيء ما. عرفنا ما هو. لم نتكلم. له هواية خاصة في اللذة. يركب الحمار عارياً ويركب الآخر ملتصقاً بظهره عارياً أيضاً. صابرو يحمل خشبة حادة الرأس، يوخز بها رقبة الحمار فيركض بسرعة كفيلة بأن يهتز الملتصق بظهره بحركات متناوبة، تشتعل الأجزاء السفلى منهما والحمار يشتعل ركضاً، ثم تهدأ حركة الحمار بعد انطفاء النيران التي أحرقت أسفل العالم وظهر الحمار. حتى أن مؤخرة صابرو الضخمة اكتسبت شهرة واسعة بعد أن قال عنها أحد الخبراء في مجال المؤخرات أنها كيس بطاطا يتسع لأولاد سوبارتو والبلدان المجاورة أيضا. من يومها اختفى اسم صابرو ليحل محله"كيس بطاطا" ومن يكون على موعد مع حفلة شهية في زاوية معتمة، يقول:
سآكل بطاطا اليوم.
ذاق الجميع طعم البطاطا. حتى شبعوا، فيلجأ هو أحياناً إلى دفع الرشوة ليأكل الآخرون البطاطا، اكتشف صديقو طعماً أكثر حلاوة، أعلن اختراعه على الملأ:
الغنم يا شباب.. أدفأ من مائتي "كيس بطاطا".
سبقنا "كيس البطاطا" باعتباره صاحب أضخم عضو ذكري أيضاً. اختار غنمة شقراء. أمسك الصغار برأسها و "كيس البطاطا" صوفها حتى يتمكن من دخولها. احمرّ "كيس البطاطا" شيئاً فشيئاً، تعرق. ازدادت حركاته إثارة. عيون الجميع مركزة على مؤخرته المهتزة، لا أحد يبالي بالغنمة المنتفضة، الفاتحة فمها كأنها تحتضر، التمعت الشهوة في العيون الصغيرة، سالت، امتزجت بالتراب، سقط "كيس البطاطا" على مؤخرته العظيمة لاهثاً، قال أحدهم:
لم يبق فيه حبة بطاطا واحدة.
اكتشفنا مضاعفات العمليات "الغنمية" هذه عندما أحس أحدهم بأن ثمة رائحة تلتصق ببطن "الزوج" من الصعب أن تُزال، حتى أن صديقو اعترف بأن أمه تنهره كل يوم وتضربه لأن إزالة الرائحة تتطلب التنظيف بقالب كامل من الصابون. أخفت أمه الصابون عنه، انتابه القلق، اكتأب، انطوى صديقو على نفسه بالتدريج حتى أنه ذكَّر الجميع بأجدادهم، لحركاته البطيئة وعيونه المتألمة الحزينة التي تغوص في محاجرها. ظن الجميع أن سبب اكتئابه هو علاقته السيئة مع أمه التي يعض يدها كل يوم كما يقول، إلا أنه اعترف لي بهمسات كاد أن يلفظ روحه معها. كشف أخيراً عن سبب عذاباته الهائلة. أنه أصبح يخاف الله كثيراً. أكدت أمه له بأن الله شديد العقاب. فماذا لو ولدت غنمتهم الوحيدة ولداً وله شكل بشري. لا بل يشبهه هو. عندها ينكشف سره... ويا للويل، سيعرف الجميع بأنه يعاشر الغنمة. عرفت أنه لم ينم طوال ليالٍ كثيرة لأنه يعرف أن المرأة تولد من السائل الذي تخلفه آثار الرجل. والغنمة ستولد طفلاً يشبهه إذن. لم يتجرأ على مساءلة أحد من الكبار حول هذا الموضوع الخطير. والدليل أن إحدى الأفراس ولدت بغلاً ذات يوم. لما سأل عن السبب أجابوه بأن حماراً ركبها فحبلت به وأنجبت شيئاً شبيهاً بأبيه. وهو بعلاقته السرية والمحرمة مع الغنمة سينال عقابه في الدنيا بأن يفضح سره أمام أمه الملقبة بالإذاعة. وبدل أن أهدئه انتابني وساوس مشابهة اطارت النوم من عيني الخائفين. بلغ بي الموضوع حداً فاق درجة تحملي، سألت أمي:
ماذا يحصل لو ركب الغنمة رجل بدل "الكبش" يا أمي؟
ستنجب خروفاً يشبهك.
ازددت حيرة، أنقذتني أمي من ارتباكي بجديِّتها هذه المرة:
الرجال يعاشرون النساء ولا يعاشرون الغنم يا بني.
لم يهدئني الجواب، اضطررت إلى فضح الأمر مستغلاً غياب صديقو، كفَّ الجميع عن الاقتراب من الأغنام أو من الأتان إلى أن جاءنا "كيس البطاطا" بالخبر اليقين:
صار لي سنة وأكثر على علاقة مع العنزة، أنجبت جدياً لا يشبهني أبداً، فماذا تقولون؟
اتفقت المعلومات التي أتى بها الجميع من أهاليهم بأن وساوس صديقو لا أساس لها من الصحة. إلا أنه بقي يخاف الله ولا يشارك الصغار مغامراتهم الجهنمية حتى اكتسب بجدارة لقب "الملاَّ" الواعظ الذي ما إن يفتح فمه حتى يتفوه بحكمة أو بجملة مفيدة يلتقطها من أمه أو من أصدقاء أبيه الحجِّي، الذي حج سبع مرات، كما يشاع عنه، وتزوج سبع نساء فقط.
صديقو كان يدافع عن أبيه وعن نسائه السبعة، رغم أن أباه ينسى وجوده في كثير من الأحايين:
أبي لم يخالف الشرع، لم يتزوج أكثر من أربع نساء في وقت واحد.
أذهلتهم حصافة الملاَّ. بدأ كل واحد منا يحلم بأن يكون له أربع نساء كل يوم. يطلقهن دفعة واحدة ويأتي بأربع، وهكذا.. ليخرج بحصيلة ذات قيمة وهي أن يضاجع كل نساء الأرض ولا يخرج عن حدود الشرع مثل والد صديقو. لكن هيهات أن يتماسك أحدنا عندما يصبح كبيراً. هذا هوفو مثلاً عندما كَبُرَ قليلاً. فكر جدياً بمضاجعة الآنسة نفسها، ينتظر موعد الخروج من باب المدرسة، تتدافع حشود التلاميذ. ترتفع قامة هوفو العالية وهو ملتصق بمؤخرة الآنسة. يبتسم لنا. يرفع إشارة النصر بإصبعيه. يرينا سرواله المتسخ بعد مغادرة الآنسة فتنقلب السخرية منه إلى إعجاب كبير، وبطريقة ما أقنع الآنسة يوماً بالجلوس في المقعد قبل الأخير، أدارت ظهرها له. لأن ترتيب الصف كان حسب الطول، فإنه أصر على تنفيذ خطته مقابل دفع ليرتين له. وقف خلف الآنسة الغارقة في حديث ما. فتح سحاب بنطاله، من بعيد رأينا يده تهتز وملامحه تتغير بانفعال مبهم، مرت لحظات مكهربة، تلطخت تنورة الآنسة بسائل أبيض. غرقنا في ضحك خفي مكتوم، انفجر في باحة المدرسة بعد خروجنا إلى الاستراحة. راقبنا تنورة الآنسة المبللة عندما غادرت. لا أعلم كيف عادت دون أي أثر لما حدث. ربح هوفو الليرتين وحاز على اعجاب كل الشهود. كانت الآنسة مشغولة تماماً بالوظائف وببسكويتو وبمستخدم المدرسة الأنيق الذي يحضر في آخر كل حصة درسية حاملاً الجرس في يده. ليغرق مع الآنسة في أحاديث لا نسمع منها شيئاً.... نلتف حول الجالسين في المقاعد الأولى، القصار القامة الخبثاء، لسماع ما يقال. قالوا بأن الآنسة تكرر كثراً كلمات، مجتمع، حب، الزواج، الطلاق، لا يجوز. ذهب تعبنا سدى. اكتفينا بمساعدة الملاَّ وبمعرفة أن المستخدم يحب الآنسة، يريد الزواج منها، وهذا مخالف للشريعة الإسلامية لأن:
تعدد الأزواج ممنوع.
احتج هوفو الغارق في صمت مريب:
أم رشو تزوجت رجلين ما عدا أبيه.
ابتسم الملاَّ بعجرفة لا تليق بعمره الصغير:
لا يصحّ الجمع بين رجلين في وقت واحد يا فهمان.
دون تمهيد، وجدنا أنفسنا أمام مشكلة جديدة، دخل مدير المدرسة إلى الصف غاضباً معلناً منع التحدث بلغة أخرى غير اللغة الرسمية. كلف الآنسة بإنزال أقسى العقوبات بمن يتحدث بلغة أخرى. ونحن أهالي سوبارتو نتعلم اللغة الرسمية في المدارس. ما من بيت واحد يتحدث بلغة المدارس باستثناءات قليلة. وضعتنا المشكلة في مواجهة أخرى مع الأولاد "الناعمين" جميعهم كانوا يتقنون لغة المدرسة سوانا نحن الخارجون على كل قوانين الأرض. كلفت الآنسة عريف الصف بتسجيل أسماء المتحدثين بلغة البيت. أكلت عصا الآنسة نصف أصابعنا ذلك اليوم. استغربت من طلاقة بسكويتو في التحدث بلغة المدرسة كأبناء المسؤولين والشرطة تماماً. ازدادت الأسماء المخالفة يوماً بعد يوم. ازدادت العقوبة قساوة، الضريبة ارتفعت إلى ليرة كاملة مع وجبة ضرب دسمة. لأن العرفاء كلهم تعودوا على الرشوة،قبل أن يدفع أهاليهم الرشوة إلى المدير لمنعه من ضربنا فإننا كنا ندفع القليل من النقود إلى العريف لشطب الاسم. بسكويتو أصبح العريف الجديد. كشف الجميع نقطة ضعفه. ما أن يسجل اسم أحدنا حتى يركض إلى أقرب دكان، يشتري له البسكويت فيشطب الاسم مباشرة. لا أظن أن مخلوقاً على وجه الأرض أكل بسكويتاً مثلما أكل بسكويتو ذلك الأسبوع. اشتعلت صراعات أخرى مع "الناعمين" الذين خلت القوائم السوداء من أسمائهم. الشرطة والمسؤولون فقط وافدون من خارج سوبارتو، وهم فيها الكل في الكل. المفارقة أنهم رغم سكنهم في سوبارتو يكرهون أهاليها ويمقتونهم. كثيراً ما تساءلنا عن السبب. ما الذي يجبرهم على القدوم إلينا وكرهنا في نفس الوقت؟. يأتون ليستقروا بين أناس يحتقرونهم. هل يأتون إلينا ليعلمونا الكره والأحقاد؟ لم نكن ندري شيئاً. ما نعرفه أنهم يزجرون آباءنا وأمهاتنا، يتسلون بهم، يسخرون من لغتهم، يطردونهم من الدوائر، يهينونهم ويضحكون عليهم، ونحن وآباؤنا وأخوتنا لا حول لنا ولا قوة، ننسحب بذل لا يوصف إلى بيوتنا. نكفر بالدين والدول واللغات كلها. ضاعف عذابنا مع اللغة مجيء الصندوق العجيب الذي يدعى التلفزيون إلى سوبارتو. كان يأبى أن يتحدث هو أيضاً بلغة غير لغة المدارس.
حسدنا أولاد البيوت التي ترتفع أغصان حديدية متداخلة فوقها. عقدنا صداقات جديدة مع هؤلاء ظاهرها المودة، باطنها الحسد. نقدم الكثير من التنازلات لـ "محمدي سيتي" ولابنيه "دينو" وابراهيم، صاحب أول تلفزيون في حارتنا. كانت الغرفة تمتلئ بالرؤوس الصغيرة والنساء الذاهلات. ودينو يفرض علينا سلطته. أتفرج على التلفزيون مقابل أن يلعب هو بطابتي حتى المساء. هو يقود اللعب بعد أن كان لاعب احتياط. في كل مساء أثناء البرامج الممتعة يتمدد "محمد سيتي" طالباً منا فرك ظهره بأيادينا الصغيرة أو بالدهس على ظهره ببطء ريثما يكتفي ليتابع معنا مشاهدة التلفزيون. أما ابنه دينو فيسمي نفسه "طرزان" طوال فترة عرض المسلسل ويقلده. يزأر ضارباً الكل بلكمات سريعة. كان يسير عارياً إلا من بنطال قصير ممزق. كل من لا يسميه طرزان يحرم من دخول بيتهم وبالتالي من مشاهدة طرزان الممتع، قاهر الغابات والحيوانات وقوى الشر التي تسد في وجوهنا كل شارع ولا نملك قوة تشبه قوة طرزان فنكتفي بابتلاع قهر سيكبر معنا بالتدريج. لكي لا نحرم من مشاهدة التلفزيون نصفق لدينو، هالك الأشرار والصغار والمدافع الجبار عن الحق بعضلاته الفولاذية، ولم يسلم عضو من أعضاء دينو من الكسر، كان يتسلق الأشجار وأسطح البيوت فاتحاً ذراعيه ليطير كما يطير طرزان في التلفزيون، حتى أن "عليكي" مجبّر الكسور، هدد أمه بأنه لن يجبر له ذراعاً أو رجلاً بعد اليوم، تسلق سطح أكثر البيوت علواً في سوبارتو. جمع ثلة من الصغار لمراقبة طرزان الحقيقي، فتح ذراعيه وتهاوى من الأعالي كحمار ميت. انكسرت رقبته، يومها غاب محمدي سيتي في مدن بعيدة بحثاً عن أطباء يعيدون له رقبة ابنه كما كانت. تخلصنا من فرك الظهر ومن التصفيق لدينو الغائب. بقي دينو مرمياً في فراشه متحسراً على انتهاء مسلسل "طرزان" دون أن يتابع جميع حلقاته إلى أن شفي تماماً. عاد إلى الملاعب. هذه المرة باسم جديد "بيليه". يطلب منا أن نرفع له الكرة عالياً ليتسنى له أن يتمدد على الأرض ويحكم تسديد الضربة إلى الكرة، فنهتف له متملقين:
حلو يا بيليه... رائع.
يقلب نفسه بحركات بهلوانية ثم يضرب الكرة ببراعة أكبر من براعة بيليه نفسه.
ظل دينو سيد أولاد الحارة إلى أن كثرت التلفزيونات، لم يعد يحلون له وظائفه كالسابق، ولم يعد يطيعونه وينفذون أوامره الغريبة، وفي الملعب عاد لاعب احتياط كما كان، حتى أن التلفزيون الثاني عندما جاء إلى الحارة تسلق دينو سطح ذلك البيت في أواخر الليل، بمنشار حديدي حول الهوائي (الأنتيل) إلى قطع حديدية لا تصلح إلا لملاحقة الدجاج كما قال. فيما بعد خفت صيت دينو، تحول إلى ولد عادي مهمل لا ينتبه إلى وجوده أحد. هوايته التسلية مع "أمهات الأربع والأربعين" يجزئ الحشرة إلى قسمين، يتعرج كل قسم حافراً في الأرض آثاراً يمسحها دينو بعينيه الضاحكتين، اقتصر عمله على تجزئة أم الأربع والأربعين ومراقبة أجزائها المبعثرة ثم دهسها بحذائه المفلطح. في أحد الأيام سبق الجميع باكتشاف وجود قفير من النحل على جذع شجرة. خلع حذاءه. صاح أمه وجلب تنكة فارغة، قرقع على ظهرها بحذائه، لبست أمه كفوفاً، تأهبت لوضع النحل في منحلة مصنوعة خصيصاً للإمساك بالنحل الشارد. كافأته أمه بإعطائه العسل لعدة أسابيع استعاد خلالها أهميته لأنه كان يدعونا إلى تناول العسل بعيداً عن أنظار أمه. هتفنا لدينو الذي استعاد مجده من جديد حتى اكتشفت الأم ألاعيبه فحرمته هو أيضاً من العسل. لفت "الملاَّ" الأنظار بعد ذلك بسرده لما يحصل في مجلس أبيه الحجي. حمل إلى آذاننا الصغيرة خشوعاً لكائن خرافي جديد يدعى الشيخ موسى، روى الملاَّ لنا ما رآه بأم عينيه، قال الشيخ موسى للرجال:
ماذا تأكلون..؟
طلب أحدهم العنب، أصدرت شفاه الشيخ موسى تمتمات مبهمة، طلب من الجميع إغلاق عيونهم.
بقدرة قادر، رفع كل رجل إلى فمه عنقود عنب ناضج. من بينهم الملاَّ الصغير بالطبع. بعد لحظات قليلة، فتحوا أعينهم، كان كل رجل منهم يعض فردة حذائه. بعدها أتوا له بإبريق الشاي. وضعه في منتصف الغرفة. أغمض عينيه، لوح بيديه للإبريق، دار الإبريق حول نفسه. طلب منه التحرك. مشى الإبريق مقترباً من أحد الرجال الذي انتابه الذعر ففسح المجال للإبريق لكي يتابع طريقه بعد أن انفتح الباب له. اختفى الإبريق في الشوارع المظلمة. اقشعرت أبداننا. والملا يضيف، بعد قليل، طلب من الرجال الوقوف، وقف الجميع، طلب منهم أن يضعوا أياديهم على مؤخراتهم، ففعلوا، غمغم الشيخ موسى، سقطت من مؤخرة كل رجل بيضة، خجل الرجال من أنفسهم وهم يبيضون. جلس كل رجل على بيضته، امتلأت الغرفة بالصيصان. طلب مني طردها إلى الخارج، ففعلت.
حلمنا بلقاء هذا الشيخ العجيب لنطلب منه أن يجعلنا نملك أجنحة حتى تطير. بالإضافة إلى طلب صغير وهو أن يعلمنا نحن أيضاً كيف الأباريق تطير وأن نجعل الرجال يبيضون. أن يعضون الأحذية. لم لا. سنكبر يوماً. سنجعل الأحذية والدول تطير معاً.
ستتحول سوبارتو إلى جنة الأرض يوماً وسنتطاير في سمواتها كالملائكة التي يتحدث عنها الملاَّ في كل يوم. استهزأ الملاَّ من أفكاري عندما صرحت بها:
أولياء الله وحدهم قادرون على فعل ذلك.
يا رب.. اجعلني ولياً من أوليائك.
الخطوة الأولى، حسب إرشادات الملاَّ هي الصلاة. قادني إلى الجامع بعد أن حفظت مراحل الوضوء غيباً:
العمل الصالح هو الطريق إلى صنع المعجزات.
أدهشتني رائحة الجامع الطيبة، خجلت من نفسي، وهذه عادة سترافقني حين أكبر أيضاً. الخجل في الأماكن البالغة النظافة، راقبني الملاَّ وأنا اصلّي، كنت أضع يدي اليمنى تحت اليسرى بعكس المصلين فيغتاظ الملاَّ ويأتي ليصلح وضع يدي مرة، فاثنين. حتى يضطر إلى توقيفي عن الصلاة أحياناً. نصحني بأن أنام ويدي اليمنى فوق اليسرى. فعلت ما أمرني به مرشدي حتى تمكنت من الصلاة كما يجب. اكتسبت بذلك رضى أبي الذي بدأ يُحضرني معه خطبة الجمعة. عرفت حينها أن أبي لا يفهم من الخطيب شيئاً. عرفت أن الخطيب أيضاً يتحدث بلغة المدرسة من على المنبر ويتحدث بلغة البيت مع المصلين حين لا يكون على المنبر. عرفت عندها أن الذي يصعد المنبر يجب عليه أن يتحدث بلغة المدرسة وإلا فلن يصعد. سألني أبي عمَّا يقوله الخطيب. لم أكن أفهم منه الكثير. إلا أنني أفرغت في أسماع أبي كل معلوماتي الدينية التي اكتسبتها من الملاَّ ومن دروس الديانة، هزّ أبي رأسه إعجاباً بابنه الذي يقفز بخطوات واسعة نحو الرجولة.
استغربت من وضع أبي المحيِّر، لا يتأخر دقيقة واحدة عن خطبة الجمعة مع أنه لا يفهم منها كلمة واحدة. يظل طوال الوقت يراقب فم الخطيب ولا يشارك المصلين إلا بكلمة "آمين" التي لم أكن أفهمها في البدء. فوجئت بالمصلين في خاتمة كل خطبة يرفعون أياديهم المفتوحة ويحركون شفاههم فتصدر عنهم نغمات جماعية يستحيل التكهن بماهية الكلمة التي يطلقونها معاً. أنقذني الملاَّ عندما انتبه إلى أنني حركت شفتي مصدراً صوتاً يشبه أصواتهم لكنني لا ألفظ الكلمة المطلوبة:
ماذا تفعل يا بني آدم؟. الفظ كلمة آمين.
تطورت ثقة أبي بي. أخذني إلى مجلس الكبار، أتنصت إليهم، أنام دائماً. يوقظني في أواخر السهرة. أتمسك بأذيال ثوب أبي، أتبعه عائداً إلى البيت. دفع لي ليرة ونصف، اشتريت بها حماراً بأذن واحدة والأذن الأخرى كانت مثقوبة ومتدلية نحو الأسفل. اشتريته من (كيس البطاطا) بشرط أن لا يرفس. عرفت بعد حين أن حماري مزاجيٌّ كصاحبه القديم، يظل هادئاً لأيام ثم أفاجأ به يطارد خروفاً أو ولداً صغيراً فأربطه جيداً. استفدت منه بأن جعلت الصغار يركبونه مقابل ثمن ما، المشاوير الطويلة بربع ليرة، القصيرة بفرنكين. التسعيرة محددة. تأسفت فيما بعد على اختفاء الفرنكين نهائياً من التداول لأنهما كانا لفترة طويلة مصروفنا اليومي في المدرسة. وهكذا أصبح درس الديانة اكثر الدروس طرحاً للأسئلة التي تجاوب عنها الآنسة ببرود غير مفهوم. أما بسكويتو فكان يشتم علناً. اشتكى الملاَّ إلى المدير من مَسَبَّاتِهِ التي يوجهها إلى الله احياناً، استدعاه أثر ذلك. انقطعت العلاقة بين بسكويتو وبين الملاَّ الذي اقترح عليّ التوبة على يد أحد الأولياء الذي سيزورون سوبارتو خلال الأيام القادمة. وبقيت أتأرجح بين بسكويتو وبين الملاَّ حائراً. صحّت توقعات الملاَّ حين قدم إلينا أحد الشيوخ بسيارته البيضاء المحاطة بالمريدين الملتحين. مدّ يده العطرة. دخل إلى الجامع. الكبار قبل الصغار كان يتهافتون على تقديم أذيال جبته ويديه الممدودتين لشفاه الناس المتزاحمين حوله. أقام أتباعه الأرض ولم يقعدوها. كل تابع يدعونه صوفي وله لحية بالضرورة. هذا يذرع ساحة الجامع ذهاباً وإياباً مخاطباً الأرواح بصوت عال تتخلله الصرخات. ذاك يهتز وجهه الملتحي بانفعال لا إرادي عجيب، يصدر زعيقاً مفزعاً ثم يهتز الملتحي بحركات سريعة متناوبة مكرراً كلمة "مدد" المنطلقة من شفاهه المرتجفة. يبكي الآخرون بنحيب يتردد صداه في زوايا الجامع المترامي الأطراف، أذهلتني هذه الحالات، هل يبلغ الإيمان ببعضهم إلى حد الهوس؟ سبحان الله. بدأت أوفر مصروفي اليومي، بالإضافة إلى ما أحصل عليه من الصغار الذين يركبون حماري ليصبح لدي مالاً لا أخجل من التبرع به إلى الفقراء الذين يتكلم عنهم الخطيب في يوم الجمعة. وهكذا انقطعت عن المصروف وبدأت أرمي القطع النقدية المتوفرة لدي على السجادة التي يفرشها صوفي محمدي عيشاني على أرض الجامع بعد انتهاء صلاة الجمعة لتلقي نقود وتبرعات المصلين للفقراء أو لبناء جامع.. امتلكني الصفاء تماماً. شكرت المّلا في سري. شيء واحد بقي يؤرقني ولم استطع البوح به. في كل ليلة تهاجمني امرأة في الحلم. امرأة بيضاء ترفع ساقيها فيتدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين. لعنت الشيطان في المرة الأولى. زارتني المرأة نفسها في الحلم ثانية، بل إنها بدأت تحتل أحلام اليقظة أيضاً. بوقاحة تامة، تباعد بين ساقيها البيضاوين فيسيل البترول بين الأرجل اللامبالية. يتدفق. أغطي عيني بيدي محاولاً طردها من مخيلتي، أفشل. إنها جميلة جداً، جميلة إلى حد أن الموت من أجلها يبدو سهلاً. فسّر الملاَّ هذه الكوابيس بأنها وساوس الشيطان، لم يرحْني تفسيره. لم ألتق بمثيل لهذه المرأة في حياتي. مع ذلك لا تتركني أتمتع بالصفاء الذي أنا فيه. أركب حماري المثقوب الأذن. أحمل الكتب الدينية معي إلى البراري. بدأت أعشق الرعي بعد أن كنت أكرهه سابقاً. أحسست بالنبي قريباً من نفسي عندما علمت أنه كان راعياً في صغره. شطت بي الأحلام إلى الهاوية. لماذا لا أكون نبياً أنا أيضاً؟ استغفرت الله وأصابني الامتعاض. تذكرت قول النبي (أنا خاتم الأنبياء) كدت أعاتبه. كان يجب أن يكون لكل عصر نبيه، فلماذا سدّ الله الطرق في وجوهنا نحن أبناء هذا العصر؟ أحسست بالخطيئة، لا يجوز التفكير بهذا الشكل. لأكتفي بالحلم بأن أصبح ولياً قادراً على جعل الأباريق تطير. الرجال يبيضون فأكسب الجنة متجاوزاً عذاب القبر الذي يضيق على الكافر حتى يحطّم عظام قفصه الصدري، يسحق (أنكر ونكير) ما تبقى من الجسد بالمطرقة... يا لطيف.تشوش عقلي من هول تفاصيل عذاب الآخرة. زارتني المرأة تلك في القبرهذه المرة،جلست على قبري، التفتت، كانت المقبرة خالية، باعدت ما بين فخذيها، تدفق البترول، فاض على تراب قبري،امتزج به، خنقتني رائحة المازوت ولزوجة الزيت، استيقظت.كانت ثيابي ملتصقة بجسدي من العرق.حمدت الله لأنه كان حلماً. عشت كوابيس جديدة،تكررت،يأتون لضربي، أتلقى الضرب، أصرخ، أصرخ وما من صوت يخرج، تتمزق حنجرتي.لا يسمعني أحد. يزورني الموتى في ليلة الخميس تحديداً عندما لا أعطي عشاء الموتى للجيران.أكدت أمي أن الموتى يجوعون، يأتون كل خميس باحثين عن أطعمتهم؟ فإن لم نعط عشاءهم للجيران فإنهم سيأخذوننا إليهم، سيبكون أمام الباب، وهذا ما كان. ما أن تخطَّيت الدرج حتى اجتمع الموتى حولي ساخطين وأنا أتلقى قبضاتهم العظمية من كل الجهات، أصرخ من جديد، لا أحد يسمع. أعاتب أمي ساخطاً بعد خطبة الجمعة. تضع الحلاوة بين أرغفة الخبز. أبدأ فرحاً بتوزيعها على اهالي الحارة منقذاً نفسي من بكاء الموتى ومن آثار أسنانهم الحادة. زارني تلك الليلة جدي الميت وفي يده صحن فارغ:
أريد رأسك..؟
نزعت رأسي عن جسدي. أعطيته. أكل الجد رأسي، مضغ آذني، نزع عيني، حدَّق فيهما، قذفهما كحصاتين. مضغ لساني... كنت أراه. كان يخاطبني بتوسل حار:
أنا جائع يا بني وسآكلك اليوم.
يا جدي، قضيت حياتك سدى، سمعتك تصرخ في السبعين بأنك تحس أنك ولدت البارحة، أكل المرض ظهرك فسقطت. أبي لازال يتآكل من العمل المرهق، يتعب عندما يقعد ساعة واحدة. هاجمته آلام الظهر هو أيضاً. لماذا تأكلني يا جدي ولازلت صغيرا ً؟.
الأمراض تأكلنا ونحن نأكل بعضنا. كنت تقياً في يوم ما. فهل في عالم الموتى ما يبيح هذا؟. اقتربَ مني الجد، أعاد رأسي الى محله، مسح دموعي، أجلسني على ركبيته. سقطت على ظهري. التفت جدي. رأيت فجوة هائلة مفتوحة في ظهره، اتسعت الفجوة حتى... اختفى. رأيت نفسي في حضن امرأة بيضاء، جميلة جداً، أبعدتني عنها. فرحت لرائحتها المعلقة بثيابي. تعرَّت ثانية، غمزتني، تمددت، تدفق البترول مرة أخرى في أرجاء الغرفة. كدت أغرق. كانت مستمتعة، تتأوه. حاولت الهروب، لم أستطع. تخبطتُ في بترولها وحيداً بينما التقطت أنفاسي الأخيرة، استيقظت فزعاً، فوجئت بفمي مليئاً بالمازوت.
ركض سليمان إلى الحوش، أفرغ المازوت من فمه، كاد أن يتقيأ. نظف أسنانه بالفرشاة، عاد إلى فراشه غارقاً في أحلام جديدة. في تلك اللحظة تأكد بأنه لم يعد شخصاً طبيعياً، لأنه في كل لحظة يتخيل أشياء لا وجود لها. الأحلام تلو الأحلام تغزو مخيلته وهو يقظ. في النوم لا تزوره سوى الكوابيس، لا يدري لماذا قفزت إلى ذاكرته وقائع الأحد المشؤوم من جديد. سليمان لم يكن قد بلغ سن الدخول إلى المدرسة عندها، ومع ذلك كان مصراً على الذهاب إلى نار السينما. وافق والده على مرافقته لأخيه الكبير تحت ضغط بكائه الحاد. كان يفكر، هل رغبته في حضور الفيلم كانت رغبة خفية في الالتقاء بالموت، حيث الهدوء والسكينة والراحة التامة؟. ولكن إلى أين يذهب الموتى؟. وماذا يجدون بعد الموت؟ضغط على صدغيه محاولا ًطرد الأسئلة المبهمة، غرق في التفكير في أحاديث "الملا" المثيرة:
قبل آلاف السنين كان ثمة نبي اسمه سليمان بن داوود،وهذا اسمك. وردت قصته في القرآن الكريم وعلاقته مع بلقيس الملكة التي كان قومها يعبدون الشمس فهديها النبي سليمان إلى طريق الصواب. وقد كشف أمرها الهدهد الذي تأخر عن اجتماع الطيور التي كان بينها وبين النبي سليمان لغة تفاهم مشتركة.
قفزت إلى ذهنه بلقيس الصغيرة، ابنة الآنسة، وهي محاطة بالطيور الملونة، يأمر الطيور بنسج حلقات دائرية حول وجهها المضيء. يحطّ طائر على كتفها وآخر على يدها وهي تبتسم لسليمان مبدية إعجابها بقدرته على جعل الطيور تنهمك بتزيين صورتها البهية. ابتسم سليمان لنفسه مستغرباً من هذه الخيالات التي تراوده. فكر في تعلُّق أبيه القديم بالحمام. كان الأب حريصاً دائماً على بناء أعشاش لها فوق سطح بيتهم. ولا يسمح لأحد بالتقرب منها. وقد حرم ذبح الحمام وأكل لحمها لأسباب واضحة لديه:
هذه مخلوقات نورانية. لا يجوز ذبحها... حرام. يكفي أنها ساهمت في حماية النبي من القتلة.
ويسرد الأب للمرة الألف حكاية الكهف الذي اختبأ فيه النبي هرباً من القتلة فجاءت الحمائم وصنعت عشاً أمام باب الكهف، مما أكد للقتلة بأن النبي مختبئاً في الكهف. وهكذا أنقذت الحمائم أنقى الأرواح البشرية من القتل. وفي حكاية أبيه الأخرى يكون العنكبوت منقذاً. هذه عادة أبيه، يسمع الحكايات الدينية من الملالي والشيوخ فيعود إلى البيت ويسردها بطريقته. لطالما اختلفت الحكايات التي يرويها والده عن الحكايات الأصلية. ووالده لا يتقصد ذلك، لكنه فسَّر هذا الأمر عند أبيه بأن ذاكرته تختزن ما ترغب به وتطرد التفاصيل غير المرغوب فيها من الحكاية. إلا أن والده انشغل عن هذه الحكايات، في هذه الآونة، بسماع الراديو. يلتف مع عدة رجال في سنه حول الراديو. يطيل "الآنتيل" إلى حدود المتر لبث المحطة المطلوبة وهم يتداولون أحاديث جديدة على مسمع سليمان:
الثورة مشتعلة..... البيشمركة يقاتلون.
لاحظ سليمان أن التصاق أبيه المفاجئ بالراديو بات وضعاً شائعاً، عاماً، ففي كل بيت تلتصق الآذان بهذا الجهاز العجيب الذي يبث الخبر تلو الخبر. ومن ملامح الوجوه كان بإمكان سليمان أن يتكهن بمدى جودة الوضع أو رداءته. فكلما كان الراديو يذيع نبأً مفرحاً كان والده يفقد صوابه. يصرخ بأولاد الجيران وأولاد الحارة، يجمّعهم ويرمي إليهم القطع النقدية الفضية والسكاكر. شغلت الأخبار الأطفال أيضاً، وقد باتوا يدعون الله ليل نهار بأن تبث الإذاعة أخباراً تفرح الكبار ليربحوا الليرات والسكاكر المتطايرة في الهواء. وأزيح الغبار عن هذا الموضوع عندما سافر عم سليمان الأرمل إلى جهة مجهولة بعد موت زوجته العاقر. باع بيته، أخذ مبلغاً من المال، وعندما سأل سليمان والده عن عمه المسافر، رد عليه والده بشيء من الاعتزاز بالنفس، والدموع تترقرق في عينيه:
عمك أصبح بيشمركة يا بني.
لأول مرة عرف سليمان أن عينا والده تدمعان أيضاً كعيون باقي البشر. أحس بضرورة الالتفات قليلاً إلى أبيه وأمه وأخوته.. وأن له عائلة.
لمع نجم العجوز فلك تلك الفترة، ببثها لأخبار إضافية لا تعرفها الإذاعات أيضاً، كانت تنال نصيبها من هدايا الأخبار القادمة من الجهات البعيدة. بدأت تهتم بهندامها. ما اذهل سليمان أنها لا تسمع الراديو ومع ذلك تعرف كل شيء. ولأنه رآها مشرقة الوجه ذلك اليوم فقد تجرأ وسألها عن كوخها المغلق:
اسمع يا سلو... إياك أن تقترب من الكوخ. لا يوجد فيها غير الأفاعي والعقارب. حذِّر أصدقاءك الملاعين أيضاً من التفكير بالاقتراب من باب الكوخ.
العجوز فلك بين فترة وأخرى تتجدد. ترمي عن نفسها جلداً لتظهر بجلد أكثر بريقاً، كحية نشيطة، تبدل ثيابها، تزيل تجاعيد وجهها وشحوبها. وما تنتابها من تغيرات تثير حسد النساء وإعجاب الرجال. أكثر من مرة تلمس سليمان شهوةً تقطر من شفاه الرجال وهم يتحدثون عن غنجها، ولا أحد يدري سر الشباب المتجدد عند هذه العجوز التي ازرقَّ شعرها في الفترة الأخيرة، تمشطه وتتخلى شيئاً فشيئاً عن الكوفية السوداء. عندما سألوها أجابت بلا مبالاة أثارت فضولهم أكثر فأكثر:
اسألوا السماء.. شعري استمد لونه هذه المرة من هناك.
مشيرةً بسبابتها إلى الأعلى غارقةً في الضحك. سألها سليمان عن عمه الغائب:
سيعود بعد ثلاثين عاماً.. سيعود وهو أعمى.
أرعبني جوابها، امتلكتني عاطفة غريبة تجاه عمي الغائب. تغيُّره المفاجئ زرع في عقلي فكرة جديدة وهي أن للإنسان قدرة هائلة على التغير، كان عمي فيما مضى، لا مبالياً، يائساً، مُحْبَطَاً من حياته القاحلة مع زوجته العاقر، هكذا عرفناه لكنه مع تصاعد الأخبار البعيدة أزاح عن وجهه ذلك القناع القديم وكشف عن وجهه الآخر، أصبح شخصاً آخر تماماً، اعترف بأنه هو العقيم وزوجته لم تكن عاقراً وأنها كانت تحبه كثيراً وأنهما اتفقا على قول ذلك للناس لكي لا يطعنه الآخرون في رجولته، لذلك فعندما قضى عليها السرطان الذي استحكم بدمها، فإنه ظل لفترة طويلة مخلصاً لذكراها إلى أن انتشلته الأخبار الوافدة من عزلته الكئيبة،فبدأ يضحك ويتحدث عن الثورة والحرية والحياة. وبدأ أبي يهتم به وينظر إليه بحنان أخوي كان مفقوداً بينهما طوال السنوات المنصرمة. حتى أن الصورة الوحيدة التي وضعها أبي في إطار وعلَّقَها في بيتنا هي صورة عمي الذاهب إلى الحرب. وانهمك، أكثر من السابق في سماع أخبار الإذاعات. ولأنه لا يفهم لغات الإذاعات كما يجب فقد كان يستعين برجال آخرين لمساعدته على فهم ما يجري، يسمع الأخبار وينظر بعينين حنونتين إلى صورة أخيه المعلقة فوق رؤوسنا الصغيرة على الأمور الكبيرة التي كانت تجري حولنا، اخرج أبي صورة أخرى من جيبه وهو يتمتم بحسرة:
هل سيأتي يوم ونعلق فيه هذه الصورة دون أن يأخذنا أحد إلى السجن؟
نظرت بإمعان إلى صاحب الصورة، أول ما لفت نظري أحزمة الطلقات المتصالبة على صدره، نظراته القاسية، شواربه الخفيفة، واللفة حول رأسه شبيهة باللفة حول رأس أبي.
حاولت أخذ الصورة من أبي، لكنه امتنع عن ذلك لخطورة اقتنائها كما قال:
أخاف أن يراه أحد معك في المدرسة، فتُضَيِّعُنَا الحكومة كما ضيَّعت والد صديقك حمزو.
عندها عرفت صاحب الصورة الخطيرة. كنا في الصف، وعندما سألنا الأستاذ عن اسم رئيس الجمهورية. استغربت من أن التلاميذ كلهم لا يعرفون اسم رئيسهم سوى حمزو الوحيد الذي رفع ده ليجاوب على سؤال الأستاذ المتكرر بغضب:
من هو رئيسنا؟.
أجاب حمزو:
الملاَّ مصطفى البرزاني.
فجأة انتقلت عينا الأستاذ إلى جبينه. ظننته يحتضر عندما زعق في وجوهنا وهو يجرجر حمزو المذهول من يده لإخراجه من الصف:
من قال لك ذلك يا كلب؟.
انهالت الصفعات على وجهه، بكى حمزو مستغرباً من هذه القنبلة التي انفجرت بين يديه:
أبي يا أستاذ.. أبي قال لي ذلك.
وكان ذلك اليوم آخر يوم يرى فيه حمزو والده العجوز، لأنه عاد من السجن جثة. لم يسمحوا لحمزو الصغير رؤية وجهه. قيل أنه مات بالسكتة القلبية وقيل أنه انتحر وقيل أن السجون في هذه البلاد لا يُمكن أن يخرج منها الإنسان حياً ومعافى. الموت أو التشوه، هذا قدر السجناء في سوبارتو. هذا ما قيل ولكن ما حدث أنه دفن بصمت كأي ميت فقير في هذا الكون الصاخب. وفيما بعد، تسلل حمزو مع أمه وأخوته في إحدى الليالي المظلمة عبر الحدود واتجهوا إلى حيث اتجه عمي هرباً من شبح أبيه الميت الذي ظل يجلب العسكر إلى ظلال بيتهم الطيني العتيق.
عدت إلى حيث هوفو المنهمك بركوب الدراجات، فقد سبقنا إلى تعلم قيادة الدراجة بسرعة أذهلتنا. كان يأتي إليَّ يومياً جالبا معه دراجته الصغيرة. يمسك بيديه مؤخرة الدراجة فأركبها وأعاود المحاولة حتى تعلمت، لكن لم تسلم منطقة واحدة من جسمي من الجراح والخدوش. يأمرني بجدية:
انظر إلى الأفق. لا تنظر إلى رجليك.
ندفع كل النقود التي بحوزتنا إلى مُصَلِّح الدراجات، مالك الساعة الضخمة والدراجات الكثيرة يُعيرنا إياها لأوقات تتناسب مع النقود المدفوعة، ملكٌ هو من يركب دراجة لساعة كاملة. استطعنا توريط بسكويتو في اللعبة، نستعير دراجته بنقوده. نعلّمه لدقائق ونركبها باقي الوقت. قادتني الدراجات المستعارة إلى التعرف على بيت بسكويتو. أصابني الحَرَجُ عندما وجدت الآنسة لابسة قميص نوم، كانت فاقدة الكثير من رزانتها ومهتمة إلى أبعد حد ببسكويتو. لا تتركه يتأخر معنا أكثر من ساعة في النهار. الويل له إن تأخر لدى حلول الليل. شعرنا أنفسنا أحرارا اكثر منه، وهو يضيق بأوامر أمه أحيانا فيشتم الدين في سرِّهِ، وأنزعج:
أرجو أن لا تشتم الدين في حضوري.
ينظر إليَّ بلامبالاة. ما لفت نظري في بيتهم هو هذا العدد الكبير من الكتب المصفوفة بالترتيب مع صور لمشاهير لم أتعرف عليهم، ثَمَّةَ صورة مُكَرَّرة لرجل أصلع. سد الباب رجل متجهم الوجه يضع نظارة سميكة، نظر إلينا بملامح حيادية، ذهب إلى الغرفة الأخرى. عرفت أنه والد بسكويتو في الحال. فكرت للحظات بأنه زوج الآنسة.. بحثت عن نقاط الالتقاء بينهما. لم أستطع التركيز، كما لم أستطع ملامسة مشاعره تجاهي، إذ لا علاقة نهائياً بين عائلتينا. سأعرف فيما بعد أن أكثر من نصف أحاديث بسكويتو مُقتبسة عن أحاديث أبيه ورفاقه، وأن الآنسة تشارك الرجال في إبداء الرأي والنقاش حول مسائل محظورة على أسماعنا. بدأت أذناي تلتقطان كل ما يدور من أقاويل حول بيت الآنسة وزوجها الأستاذ مروان، المدرِّس الذي كان مسؤولاً لحزبٍ ما، عرفت أن أناساً آخرين قد استولوا على منصبه "لنزاهته". صفق قلبي للمبادئ ولمفردات جديدة أهمها "الحزب". بدأت أتعامل مع كتب أخرى، أقرأ ما يختاره لي بسكويتو. كنت متأكداً من الاختيار لأن الآنسة هي التي أقرت ذلك اليوم بأنها ستقرأ كتاباً يُعتبر من أهم الكتب التي ظهرت عبر التاريخ:
سأنهي قراءة "رأس المال" اليوم.
يا ألطاف الله... ماأجمل المبادئ الموحَّدة، عندما تعتنقها عائلة كاملة ومتجانسة لا يسودها صراعات وانقسامات فظيعة كعائلتنا المشتتة، المتآكلة تماماً.
ما أجمل الآنسة المبدئية...
ما أجمل الأستاذ المبدئي...
ما أجمل العالم بلا جوع...
ما جمل حزب الآنسة وهو يتوق إلى تحويل أناس الكرة الأرضية كلِّهم إلى عائلة سعيدة ومُرَفَّهَة. حيث لا فقر ولا صراع، لا ظالم ولا مظلوم. تردَّدت أمامي كلمات أخرى مثل "البروليتاريا" شرح لي الملاَّ معناها ضاحكاً:
البرو هو ابن جارك محمد سيتي، أما "ليتاريا" فقصدهم أن برو الآن في إيتاليا.
أما تفسير الملاَّ لمعنى "الطبقة العاملة" فحيَّرني:
ابحث عنها في المجهر وستراها.
أضاف الملاَّ بحماس:
بحثت كثيراً عن هذه المخلوقة التي تسمى "الطبقة العاملة" ولازلت أحلم بالالتقاء بها لأشرب معها الكازوز!.
يغرق لوحده في قهقهة بلهاء.
دعوت الله أن أكبر بسرعة لأتمكَّن من فك طلاسم وألغاز كتاب "رأس المال" فأناقشه مع الآنسة حتى تتأكد من أن تعبها لم يذهب سُدَى وأنني في شوق إلى معرفة كل شيء أكثر من بسكويتو نفسه، فما أن ألتقط من فمه عناوين الكتب حتى ألتهمها بنهم.
قرأت كثيراً ولم أفهم إلا القليل.!
أصبح التغلغل إلى العالم الجديد طقساً يومياً. الآنسة تتحدث كثيراً عن أبيها المناضل المعروف في كل أصقاع سوبارتو وقد تحول إلى رمز لمناهضة أعداء حاولوا إزالة سوبارتو من الوجود، أكَّدت أن له قبراً في الجهة الشرقية من المقبرة، قررت زيارته، ففعلت، كانت الأشواك تغطي تراب قبره المشقوق إلى نصفين، كما أن النَخْرَ قد أصاب الشاهد الأمامي المكتوب عليه اسمه وتاريخ وفاته مسبوقثاً بكلمة المناضل "سالار السوباري" تسرد الآنسة بأسف بالغ أوضاع أبناء المناضل الكبير، تُجعِّد شفتيها الجافتين:
أحدهم سكران ليل نهار...
والآخر قضى سنيناً عديدة في السجن بتهمة المخدرات، ظل بعيداً عن سوبارتو ومآسيها المزمنة.
تذكرت مثلاً شعبياً تُردَّده أمي دائماً:
"نعيق البوم يرتفع في عرين الأسود بعد رحيلها"
ازداد إعجابي بالآنسة المخلصة لسمعة أبيها الرائع الذي توزَّعَتْ حياته بين المنافي والسجون والكتابة والتعذيب. كان جسدي يتحول إلى كومة آذان متلاصقة عندما تتحدث، حوَّلتني أحاديثها إلى آلة حالمة... ستخلو الأرض من الفقراء ويكون مصير (البرجوازي) _ أوقفتني هذه الكلمة _ مزبلة التاريخ. صفَّقْتُ في داخلي للفقراء وحسدتهم لأنهم سيرثون الأرض. تعجبت من وقاحة البرجوازيين الذين يسيرون باتجاه الانقراض وهم غافلون. لو كنتُ برجوازياً لقررت إحراق ما أملك فوراً!. قطع أحد الضيوف عليَّ الاسترسال في أحلامي.. ارتبكت لدى رؤيتي صابرو بذاته، هو "كيس البطاطا" يدخل إلى بيت الآنسة وهي ترحب به. تسأله عن أمه معاتبة إياها عن الانقطاع عن زيارتها. أحسست بالغربة. سأرتبك كثيراً إن تسألني الآنسة عن أمي، لكن.. ما علاقة "كيس البطاطا" الملعون بهم؟. من أين له هذه الصداقة المتينة مع "فاروق" طبعاً وليس بسكويتو. تابعت الآنسة حديثها عن مواجهة شيء غريب آخر اسمه (الإمبريالية) وصابرو يهز رأسه الكرويّ مؤمناً بكل ما تقوله. يضيف شارحاً قضايا سياسية لم يكن يخطر ببالي بأن صابرو على علم بها، فحاز على إعجاب الآنسة، وبقيت ذاهلاً، ألعن في سري البرجوازية والبطاطا والإمبريالية وأكياس الإسمنت التي اشتراها أبي ليبني لنا بيتاً من إسمنت.. يُخَلِّصَنا من الخوف من العقارب الكثيرة التي تحوم حول رؤوسنا في بيتنا الطيني. عقارب من مختلف الأحجام كانت تنتشر في كل زوايا البيت. عقرب تحت المخدة يلدغ ابهام أمي عند حلول الليل، عقرب في حذاء أبي، عقرب يسقط من بنطال أخي المعلق على مشجب الحائط، عقرب، عقرب، عقرب، كان بيتنا هو المقرّ. ما أن نقتل أحدها حتى يصادف أحدنا مجموعة عقارب صغيرة ودقيقة لونها أكثر قتامة من أمهاتها. لا أتذكر ليلة نمنا فيها باطمئنان. تضاعف خوفنا عندما رأت أمي جلد أفعى مرمياً في الحوش. عرفت من آثارها أنها تسكن سقف البيت. صوت خفيف من أيِّ اتجاه كان كفيلاً بإيقاظ الجميع متأهبين لظهور الأفعى. ولم تكن تظهر فنظل يقظين حتى يهدُّ التعب قوانا فننام. وفي الشتاء تتساقط حبات الماء العكر فوق صاج الطشت الكبير. نسمع دعاء أمي اليومي لنا بأن يحمينا الرب من الأخطار ومن شر الأفاعي والعقارب التي تعلن استنفارها في العتمة. بعد أن حلت المشكلة العويصة مع الفئران التي تقرض كل شيء بقدوم القطط وانقضاضها عليها كل حين.
يئسنا من القضاء عليها بالفخاخ. كانت الفئران تهاجم مكامن الطعام بعد منتصف الليل في العادة. كنا قد عرفنا أنها تمشي مسرعة ملتصقة بقاعدة الحائط. فنصبت أمي الفخاخ لأحدها في طريقه المعهود وبدل اصطياده في الليل وقع أبي في الفخ، منعه ذلك من انتعال حذائه لعدة أيام بسبب أورام أصابع رجله. رمى أبي الفخاخ كلها إلى الجب. لاحظت أن القطط كانت سمينة على الدوام، فرحة بكثرة الفئران وغالباً ما يتسلَّى القط بفأر ما، يقلبه برجليه. يرفعه عالياً، يلتقطه، يرميه هنا وهناك بطريقة مُذِهلَّة. كرهت القطط كثيراً ولم أستطع أن أحب الفئران. بقيت الأفعى طليقة في بيتنا تنسج حول تحركاتها الحكايات. اصطدمت مع القنفذ، كان يدخل رأسه في غطائه الشوكي فيتدحرج باتجاه الأفعى مهاجماً إياها بجرأة. أحضرت أمي فأساً. هللنا للحظة التي نتوق لها منذ زمن، لكن الأفعى اختفت في شقوق أرض الحوش. أحضرنا عشرات أباريق الماء. سكبنا المياه في الشقوق لكي تخرج دون جدوى. ما نعرفه أننا كنا نخرج الفئران من جحورها بسكب المياه فيها، فتخرج مذعورة تتلقاها مكانسنا الطويلة، ترميها جثثاً إلى القطط. حاول أبي وضع حد لكل هذا الحصار الذي نعانيه ببناء بيت جديد بجوار البيت القديم الذي سيفرغ للبقرة ولحيوانات الظلام الصغيرة. كنت فرحاً لذلك في البداية إلا أن الاكتئاب بدأ يتسلل إليّ بعد أن أكدت لي الآنسة بأننا – وبعد سكننا في هذا البيت الجديد سنكون من (البرجوازية) بالتأكيد. لأننا سننضم إلى قلة تسميهم الآنسة "أصحاب القصور" –الشياطين وهي معادية وبكل الأشكال لأصحاب البيوت الطينية – الملائكة إلا أن البناء كان يرتفع وأبي وأخوتي يساهمون في تشييده. أول عمل قام به أبي لصون البيت الجديد من أعين الحساد هو إحضار جمجمة حمار ضخمة، علقها في قمة العمود الإسمنتي بإدخال سيخ حديدي من ثقوب الجمجمة العظمية. أعطاها الشيخ عفيف الحسيني آيات قرآنية ألصقها بالعجين في أعالي الأبواب. رفض إلصاقها بالصمغ مدّعياً أن العجين أنسب. علق في كل جهة من البناء حجاباً مربوطاً بشريط قديم يذكِّر بالكهوف لا بالأبنية الجديدة، كما صمم الدرج بنفسه بحيث يوحي للصاعد بأنه في معبد أثري قديم، لا علاقة للدرج بالبناء كله.جمع أعداداً ضخمة من الصفائح الصغيرة، اختار بعضها لصنع أمكنة للحمامات على السطح مستمراً في عادته البالغة القدم...كان يربي الحمامات ويغضب من اصطياد العصافير والطيور عامة، كما أن تسلق السلالم بحثاً عن صغار العصافير كان عملاً محرماً لنا عندما كنا صغاراً. لا خوفاً من العقارب المختبئة بمحاذاة أعشاشها بل خوفاً من أن يرانا أبي فتقوم القيامة. لطالما كررت له أن الدين حلل ذبح الطيور، لكنه لم يقتنع. حرمت أمي على نفسها تناول كبد الأرنب معتقدة بأن تحريم أكل لحم حيوان ما يشفي من الطفح الذي يغطي الجلد بين فينة وأخرى. هذه سنة وعلينا الالتزام بها. وقع اختيارها على الأرنب لأسباب لا أعرفها. وهكذا انتقلت الحمامات معنا من أكواخها القديمة إلى أمكنتها الدائرية الجديدة. وكذلك الفئران حيث تناثرت في أروقة القبو المتربة. أما العقارب والأفعى فبقيت تعزز ممالكها حولنا فتظهر كما حاولنا نسيانها. لم ننس يوماً أن الأفعى حية وتزداد حيوتة. بإمكانها التسلل إلى أحلامنا من جديد لتلدغها وهي تولد. انتبهت إلى أن فاروق لم ير العقارب والأفاعي إلا في التلفزيون. استغربت من خلو بيتهم الطيني من الحشرات المخيفة. شككت في وجودها رغم نفيهم القاطع لذلك. كانت إساءات الألسنة من حولي ترتفع بارتفاع أعمدة البناء. ولدى الحديث عن (البرجوازية) المقيتة بنظر الجميع، تستقر حدقات عيونهم الضيقة باتجاهي، حتى أصبح ذلك سلاحاً في أيدي كسالى المدرسة وفي أيدي النتمين إلى أحزاب آبائهم لطعني كلما أزحت الغطاء عن خطأ ما. فسر الجميع قراءاتي وعلاقتي بالفلسفة بأنه ترف برجوازي. حتى أن صابرو أكد لهم بأن لو لا مشاغله الكثيرة في البيت وفي الحزب وفي دكان أبيه الخردواتي لاستطاع كتابة أشعار تفوق أشعار "المعري" الذي تحمل مدرستنا الثانوية اسمه. ولو أن أباه السمان يملك مالاً كما يملك أبي لكان اليوم علماً من أعلام الفكر في العالم، لأن أبناء الفقراء، ويشير إلى فاروق أيضا ً، ليس لديهم الوقت الكافي لمثل هذه الكماليات. لم أفهم حينها سبب منافسة "كيس البطاطا" لي على تمتين العلاقة مع بسكويتو ومع بيتهم. رغم اقتصار علاقتي مع بسكويتو فحسب، دون أن أتحمس للدخول في صداقات مع والديه بعكسه، فإنه كان يفرح عندما يخدمهم. عرفت أنه يجلب لهم الخبز الساخن كل صباح من الفرن. يفطر الآنسة وزوجها بفضل "كيس البطاطا" الخدوم. فيزداد اهتمامها به. كان متوهماً بأنني ربما أتحول إلى منافس له في القيام هذه البطولات. بعد سنين طويلة من الغفلة سأفهم أن صديقي الكيس ليس مليئاً بالبطاطا هذه المرة، بل محشواً بنوايا أخرى. ثمة عداوة خفية تنبت بيننا وليس بإمكاني تلافيها. تبخرت أسئلة عديدة من رأسي. الآنسة تحتقر الطبقات العليا كما تقول فلماذا سمت ابنها الكبير فاروق وهذا اسم ملك راحل، قرأنا عنه في كتبنا المدرسية. وكذلك بناتها زنوبيا، بلقيس، ديانا كلهن أسماء ملكات وأربع ملكات. وسأعترف الآن بأن وجه بلقيس الصغيرة قد أحرق شيئاً ما في داخلي لدى رؤيتي لها لأول مرة، شيء لا يعوض. أحسست بها آلهة منحوتة من ضوء. شككت في أن يكون مروان، الأستاذ المتجهم والسياسي البارد أباً لها، استبعدت أفكارا راودتني. وجهها الأبيض، المحمر، الجميل، أيقظ في نفسي المنهكة ذلك الحلم القديم الذي كدت أن أنساه. هاجمت هدوئي امرأة بيضاء، جميلة جداً، ترفع ساقيها فيتدفق البترول من بين فخذيها المتباعدين. البترول كان ممزوجاً بالدم هذه المرة. دم طفلة ذبحت حديثاً. كدت أتقيأ، أغمضت عيني. فتحت الباب هارباً من لزوجة الكابوس، كانت الشوارع خالية، والليل في طريقه إلى التلاشي. قادتني رجلاي إلى المرور في شارع بيتهم، خفت على بلقيس الضغيرة..يا رب، رفقاً برقتها. أبْعِد عنها أذى الكوابيس والناس، لتكن سماء أحلامها دائمة التهطال. فلتهطل الشوكولاته قبل المطر، عرفت عن حبها للشوكولاته من أمها التي أحرجتها عندما فضحت السر أمامنا. كانت تثير الضحك بحركاتها الطفولية. فعندما تفتح الباب للطارق، تبدأ هي بالترحاب به قائلة "مرحباً" بالنيابة عن الضيف الذي يضطر للرد عليها. وعندما تدخل، تمد يدها البيضاء إلى جميع الجالسين من أصدقاء أبيها وأمها نزولاً عند رغبة أمها كما تقتضي ضرورات التهذيب. رغم أن صغار هذا البيت كلهم كانوا كباراً في تصرفاتهم وأحاديثهم. فشعرت بأن الجميع قد قفز من فوق سور الطفولة باستثناء بلقيس. كانت زنوبيا شبيهة بالعسكر، تشبه الشبان بقصر شعرها. حتى أن الملا همس في أذني يوماً بأنه أكثر أنوثة منها. ترفع رأسها إلى الأعلى، تباعد بين قدميها، تبرز صدرها إلى الأمام، تباعد ذراعيها عن جسمها، وهذه صفات زعران سوبارتو وشبانها المغرورين ببهلوانياتهم ضد الهواء. اقترح علي الملاَّ أن أسميها الأستاذ زنوبيا. كنت أتذكر هذا الاقتراح كلما ألتقي بها، ولم أكن أتجرأ على البوح به لصرامتها الزائدة. بدت لي لطيفة عن قرب، بعكس مظهرها الرجولي الذي يكسبها هيبة من بعيد. كلما التقيت بالملا طلب مني تقليدها ليغرق في الضحك ممهداً بذلك السبيل للدخول في أحاديثه المملّة عن أمجاد الماضي، العهود الماضية، أبطال الماضي، حتى أن الملل أبعدني عنه لفترات طويلة، اكتشفت خلالها أن بسكويتو رغم خصامهما الدائم يشبهه إلى حد بعيد، فالآخر لا يتحدث إلا عن الأمجاد القادمة.تمنيت من الله أن يبعث لي وهماً لأعيش كما يجب، فكانت بلقيس، هذه النار التي استعرت في ضلوعي ولا تريد الانطفاء. يبدو أنني سقطت أسير حب بعيد عن المنطق. المنطق الذي ندعو إليه في أحاديثنا العاقلة. توجعني عيناها الواسعتان الشديدتا السواد، تدخلان الألم في عظامي، فأجمع كل الكتب المتوفرة عن الحب، أقرؤها، يزداد الحب غموضاً، شعرت ببؤس الجمل المكتوبة وبتفاهة الحبر الذي يسطر الكلمات التي لا تغيّر شيئاً من هذا الوجع الشديد الذي يتوزع في أسنان قلبي. أئن كثور مذبوح في أواخر الليل. أغرق في هلوسات دفعت أبي إلى الشك بجنوني في البدء ثم تحول الشك مع الأيام إلى يقين بأن الجنون بانتظاري لا محالة. ولكن ما هو الحب؟ كيف يولد فينتشر في الروح ويحكم قبضته على الجسد في لحظة واحدة، يأتي أبي فأكون منكباً على كتاب يعرف بأنه ليس من كتبي المدرسية، أرى الشفقة في عينيه العجوزتين، يخاطبني بلهجة مخالفة لقساوته الدائمة:
ستقتلك هذه الكتب يا بني... الحياة حلوة، وأنت شاب في مقتبل عمرك. تحكم على نفسك بالبؤس منذ الآن.
أهرب من عيونهم إلى أصدقاء لا يفهمونني، ينتظرون خروج البنات من المدرسة ظهر كل يوم. يبدلون أسماء حبيباتهم بسهولة تبديل قمصانهم الرخيصة، وأنا سليمان، سلَّكو (من السلة) بن داوود أحترق شوقاً إلى ضحكة بلقيس الصغيرة، أموت حباً، اتلاشى، قال جدي المريض لأبي يوما:
أسميتك داوود النبي وعليك تسمية ابنك باسم سليمان يا داوود. لا تنسى.
لم ينس أبي إلا شيئاً واحداً وهو أن ألماً يتسلل إلى نفسي يضاهي في وجعه آلام الأنبياء كلهم. هاهي بلقيس أخرى، كيف ظهرت لي بعد كل هذه القرون. إن نار الحب تغسلني، تطهّرني، ولكن.. يا إلهي..
هل هذا حب ما أعانيه أم مرض؟..
قللت من زياراتي إلى البيت الذي اكتسب قداسة مضمرة لدي درءاً لنوبات الألم والغصة التي تستقر في حلقي كلما ابتسمت لي بلقيس. كشفت لي ميولها للكتابة. جعلت من ذلك جسراً لإيصال ما كتبت إلى يدي. كان العنوان "لحن الحرية" تحولت حروف كتابتها إلى أشواك توخز يسارٍ جسمي بأكمله. خجلت من مديحي لها. ولم يكن المديح كاذباً. كانت الصفحة خالية تماماً من أخطاء اللغة التي لا بد منها لكتابة في عمرها، عدا عن الشفافية التي اخترقت أعماق روحي، شفافية أكثر انسيابية من الشعر ومن الموسيقى، عمقتها ضحكات عينيها اللئيمتين اللتين تدخلان الرعشة إلى ركبتي. أحسست بعينيها تعريانني من ثيابي، تكشفان لهفتي إلى الغوص فيهما. شفتاها الحمراوان عندما تمددتا، فضحتاني، قبضتا علي بالجرم المشهود وأنا أرغب في أكلهما. خرجت إلى المطر منهكاً، شعرت بحجارة العالم تتساقط فوق رأسي... رنات ضحكتها. نبرة صوتها الحاد، الجارح، جعلتني أنقلب راكضاً على رأسي..وأنا أنام كثعبان، مفتوح العينين، أحسست بضرورة حسم الأمر. ماذا عن العقل إذن؟ هذا الحيوان الرزين، العاقر، ولجأت إليه متأخراً. أخبرني بأنني أمام خيار وحيد وهو أن أصرِّح لها بكل شيء، قبل أن تشتعل النيران في ثيابي أيضاً، فأتعرى بعد أن احترقت أشياء لا أعرفها في داخلي. تراجعت في النهار عما قررته في الليل. ما كل هذا الهراء؟، من هو هذا الكلب الأجرب الذي يدعى الحب؟ بلقيس صغيرة وأنا لازلت صغيراً على مسائل الكبار هذه. هل كبرنا بما فيها الكفاية؟ لا أظن، والدليل أننا لا نطير الأباريق بعد، ولم نجعل الرجال يبيضون. عادت ديدان الحب تلتف في شراييني قارضة زوايا القلب من جديد. انتظرتها في موعد ذهابها إلى المدرسة. فاجأت الكثيرين من المدمنين على الانتظار في تلك الأوقات بوقوفي الحذر، حتى جاءت مسرعة ضاحكة لرؤيتي والجديلة الصغيرة تهتز فوق جبينها الوردي، قلت لها:
سأنتظرك ببعد الدوام في المكتبة.
عليك أن تسلّم أولاً.!
عفواً. هل سمعت؟
نعم.. كما تريد.
أسرعت متحججة بتأخرها عن الدوام. ارتبكت عندما حدجني الآخرون بنظرات مريبة،ما الخطأ في ذلك؟ لا أعرف. ما يهمني أنني أزحت صخرة ثقيلة عن ظهري، مرت أصعب أربع ساعات في حياتي بصعوبة لا يدركها أحد سوى رجل عصفت به رياح الحب الأول بقوة. جاءت في موعدها، فطارت ألف حمامة من بين يديها، طارت آلاف الثعابين من قلبي. اشترت من المكتبة شيئاً لا يلزمها. اقترحت عليها إيصالها إلى البيت، فرحبت بذلك، طالما أن علاقتي مع العائلة تحصّن موقعي ضد الألسنة. طلبت منها تخفيف سرعتها ليتسنى لي الحديث. تلعثمت وهي تلتفت إلي تحرضني على تجاوز ارتباكي:
قل ما تريد يا رجل ولا تخف.
شجعتني ببساطة لم تخفِ ارتباكها هي أيضاً، متجلياً في مسحة احمرار غطت ملامحها الحلوة:
قبل كل شيء أرجو حسم الأمر وهو خطير على الفور.. بكلمة واحدة.. نعم أو لا.!
كما تشاء، ولكن ما هو الأمر الخطير.
أنا أحبك.
توقفنا، ولأول مرة... وجهاً لوجه.
فارتفعي أيتها السماء، تشققي أيتها الأرض، طيروا أيها الناس أسراباً من فراشات ملونة، العالم بلا حب حذاء مهترئ. الرجل من دون امرأة جميلة بغل. والآن، عمري قبلك غبار في غبار وبعدك لن أكون. يا لغموض بلقيس الصغيرة. لم تتفاجأ، صرحت على الفور:
أعرف إنك تحبني من زمان.
من زمان!. منذ متى يا بلقيس وأنت لا زلت صغيرة. حقاً إني أحببتك قبل أن تولدي، ربما تتذكرين، في شهر آذار من ذلك العام المفرح الذي استقبل مجيئك إلى هذا العالم، كان قلبي مرمياً إلى جوار حائط بيتكم حينها، عندما سقطت على الأرض سقط هو من صدري راكضاً إليك. وضع فمه على أذنك اليسرى هامساً بكلمة قلتها لك قبل قليل. يومها اجتمعت حولك قطط الجيران ونساء الحارة وقلبي، روحي أحاطتك بورود تفتَّحت على خديك بعد عشرين عاماً. غطتك بليال تتسرَّب عتمتها إلى شعرك الذي طال من أجل أصابعي المشاغبة، وإلى عينيك الشفرتين اللتين اسودتا لترياني واقفاً في أقصى الصدفة بانتظار امرأة صغيرة لفت عمري بين طيات كنزتها السوداء، إنني أطالب بعمري الذي هناك وبالسنوات التي أهدرتها في حبك قبل أن نلتقي. سأحبك بعد أن أموت. سيشتاق قبري إلى عينيك الواسعتين:
ما أريده منك كلمة واحدة.
الأمر بحاجة إلى وقت.
إذن قولي لا، وانتهى الأمر.
سليمان، سأزعل منك ها..!.
استدارت إلي في منتصف الشارع، مسدت بأصابعها شعري بابتسامة أحسست أنها ستؤجل موتي لقرن كامل. ربتت على كتفي بدلال أنثوي يدل على نضج سابق لأوانه:
سأرى.. إلى اللقاء.
انتظري.
سأرش عليك بذار حبي.وفي انتظار اخضرارك تغادر روحي الجسد في اليوم مائة مرة. في المساء أتذكرك لأنام، وفي الصباح أستيقظ نشيطاً، محباً للعالم. خائن هو الوقت، يمضي بلا استئذان، وهو يعلم أنك في اللحظة التي تديرين ظهرك، أنطفئ كشمعة تفاجئها الريح:
لدي سؤال وحيد.
تفضلي.
هل أنت من حزب أبي؟.
لا. وما دخل الأحزاب بالحب؟.
ومضت.
أيقظ سؤالها في ذاكرتي حوادث زواج أخي. اعترض أهلنا بالإجماع على رغبته في الزواج من بنت جارنا "المنتمي إلى عشيرة غير مرغوبة في سوبارتو" فعائلتنا تنتمي إلى فرع من "أومريان" أما هي فمن فرع آخر "بيرتي" وهذا الفرع يشكل شريحة مغضوب عليها، ولا يتأكد هذا الغضب إلا في مسائل الزواج. حيث ترفع كل الفطور المختبئة تحت الطين رؤوسها المكورة. ولدى القدوم على الخطوبة تطرق الأسماع أسماء العشائر المنسية طوال الوقت ( ميرسني – مللي – كيكي – كاباري – باديني – أومري – بوطي – هفيركي – بوبلاني – كوجر... ال خ) في وقت الزواج تظهر الأسماء على السطح، إلا أن اخي لم يخضع للفوارق هذه، فأقدم على تقبيل محبوبته لدى مجيئها إلى حوشنا لتعبئة السطل بالماء. رآهما أخوها فكانت المعركة. ابتدأت المعركة بين الشابين في الحوش بالأيدي والعصي ثم شملت العائلتين بالأيدي والعصي والفؤوس و الحجارة، ثم شملت العشيرتين حتى حسم الأمر طرف ثالث هم الوجهاء وأصحاب المكانة من العشائر الأخرى. سُوِّي الأمر بزواج الشابين معاً بالمقايضة (برديلي). اخي تزوج اخته وهو تزوج أختي، وهكذا كسبنا صهراً سيأخذ اختي الكبيرة ويختفي عن الأنظار ليعمل متنقلاً من مدينة إلى أخرى. ومن فشل إلى آخر. انتهى به الأمر إلى الاختفاء المستمر هرباً من الدائنين. كل ذلك مقابل زواج أخي ممن أحب بعد حفلة دموية محترمة، خرج الطرفان المتحاربان منها بحصيلة لابأس بها من نساء منفوشات الشعر ورجال متورمي الخدود وأطفال برؤوس مكسورة وبنات بأسنان مفقودة. تعجبت وقتها من اقتحام العشائر أعشاش الحب ونسفها. فهل تكمل الأحزاب ما تقوم به العشائر. أي فرق بينهما ما عدا التسمية؟.
وضعتني بلقيس بسؤالها على قنبلة القلق، دفعتني إلى محاولة فهم ما يجري وما يقال. يتحدث الجميع عن عالم سعيد. شبيه بالجنة وهي على الأرض. التقطت الاسم مباشرة (الاتحاد الصوفي اتي) بالصاد – رغم أن الاسم ذكّرني بصوفي محمدي عيشاني الذي يفرش السجادة في الجامع الكبير بعد صلاة الجمعة. الناس سعداء والكل يعمل. الكل يفرح. الكل يبني. وما تطلبه يتوفر خلال دقائق. كل ذلك بفضل إنجازات "الطبقة العاملة" التي يبحث عنها الملاَّ ليشرب معها الكازوز ولا يجدها. غامر أحدهم بمساءلة الأستاذ مروان عن الحب، رد على الفور:
الكل يجب الكل... لا طبقات، ولا أحقاد، سوى بعض المؤامرات الوافدة من الخارج.
كان الأستاذ رغم زياراتي الكثيرة إلى بيتهم محتجباً عنا طوال الوقت، يترفع عن التكلم معنا. نحن أصدقاء ابنه فاروق (المراهقون) – حسب زعمه _. رأيته مهتماً بنظارته كثيراً. كان يحاول بشتى الوسائل أن يبرهن لنا أن دمه خفيف وأنه مرح بعكس ما كنا نتصور. تكلم بإسهاب عن الثلاثينات والأربعينات والخمسينات. توقف قطار الزمن به هناك وهو يسرد تاريخ الحزب المجيد وإنجازاته وتضحياته وبطولاته. مفتخراً بأبيه الحزبي مثله، ساخراً من بعض الذين تعرفوا – فيما بعد على الحزب ويرون أنفسهم أعلى مرتبة منه رغم أنه وزوجته ووالده وحميه كلهم من أعمدة هذا الحزب، تكررت الخمسينات في حديثه أكثر من خمسين مرة والأربعينات أكثر من أربعين مرة. عرفت، فيما بعد أيضاً، أن الأمور كانت في يد عشيرته في تلك الفترة وفي يده أيضاً. إلا أن انتهازياً سلب المسؤولية منه ومن أمثاله (الشرفاء). حتى انه صرح باسم ذلك المسؤول، إلا أني نسيته، قال عنه انه قصير، ممتلئ يستقبل الآخرين ببنطال فوق الركبة،له بناية مميزة بحديقتها،كما انه يربي كلباً سميناً في بيته، يحافظ رفاقه على صحة الكلب لنيل الترقية، ولكسب رضا المسؤول الضخم الذي يقتني سيارة حصل عليها من فوز حزبه بكرسي في البرلمان. وهذا المسؤول شبه الأمي، ما أن يعترض أحد المراهقين، من أمثالنا على حديثه المفكك، المتناقض، حتى يكشف عن ظهره العاري ليشاهد الحضور آثار سياط الدكتاتوريات البائدة على جسمه منذ الأربعينات والخمسينات أيضاً. كدليل غير قابل للطعن في مصداقية أقواله الذاهبة إلى أن الحزب حالياً يشبه طائراً حراً، معلقاً في الهواء. لا هو معارضة ولا هو حكومة، ولا يسعى إلى السلطة، مبرراً ذلك باستشهادات دقيقة من كتب بعناوين غريبة مرفق ذلك بأرقام الصفحات أيضاً. ذكّرني مجلسه بمجلس العشائر الذي حسم قضية زواج أخي القديم. لشبهه الكبير برئيس العشيرة الذي يدعم آراءه بحكايات قديمة. لكل رأي حكاية قديمة، وغالباً ما تكون العلاقة مفقودة بين الحكاية وبين الرأي. كانت الحكايات تنقذ صاحبها لأنها مأخوذة من الناس ويتم ردها إليهم مرة أخرى. أما معلومات الأستاذ مروان وآراؤه فهي كانت مأخوذة من (البرافدا) وظننتها سيدة روسية في البدء، إلى أن تدخل الملاَّ مرة أخرى وأوضح لي بأنها جريدة وتصدر من موسكو البعيدة، وأن تحليلات الأستاذ مروان عن كل ما يستجد مقتبسة منها. ورأيه من رأيها، بل رأيه يتأجل ريثما تبدي هي رأيها. لم اعرف كيف يطلع عليها رغم جهله بلغتها. فالأستاذ لا يتقن قراءة اللغة السوبارية، لغته الأم، لغة أهالي سوبارتو. ولا يتكلم في بيته إلا بلغة المدارس فمن أين له كنوز المعلومات الوافدة هذه، كما أنه ومن حوله يعرفون عن بلاد (البرافدا) أكثر من معرفتهم بسوبارتو. يهتمون بها أكثر من اهتمامهم بسوبارتو بل أنهم على اطلاع على ما يجري فيها من دقائق الأمور أكثر من اطلاعهم على ما يجري في سوبارتو المسكينة. حفظوا أسماء وألقاب ونُمَر أحذية القائمين على الأمور هناك وإن مرض أحد منهم هناك تناولوا هنا الأسبرين وإن عانوا من الأرق هناك فإنهم ابتلعوا الفاليوم هنا. توصلت إلى أن مسألة الأحزاب هذه أكبر مما أتصور بكثير، قضايا عالمية يعجز ملايين البشر عن حلها. انشغلت خلافاً عنهم بقضيتي المحلية جداً، قضيتي الجسدية الصعبة... بلقيس، أنت قضيتي العالمية. ما من قضية أسمى من الحب. الجماعات الغامضة هذه لا تتعامل مع قضايانا إلا بازدراء، يسمون مشاكلنا، مشاغل مراهقين، رومانسيات فارغة وهموم ثانوية، وهم ليسوا غافلين عني وعنك فقط. بلقيس... إنهم غافلون عن سوبارتو كلها، متنازلون عنها، متمسكين بهم أو بسلّم يوصلهم إلى الثروة، أو إلى أمجاد فارغة. قد أكون خاطئاً. بل أتمنى ذلك، لكن ما يخبرني حدسي به هو أن...
أرضنا
هذه
على
حافة
الهاوية
لعنت مزاجيتي السوداء... انصرفت إلى لقاء بلقيس ذات الجديلة القصيرة واللسان الطويل:
اسمع.. أنا لا زلت ضغيرة على الحب، وكذلك أنت. ستسافر حتماً بعد سنة أو سنتين للدراسة في الجامعة، ستبتعد عني، ما الذي يضمن أنك ستظل وفياً لهذا الحب؟. ماذا يضمن ثبات مشاعري تجاهك؟، إذا فكرت جيداً ستقتنع بوجهة نظري.
أخجلتني طلاقتها في الحديث، فرحت لاهتمامها رغم كلماتها التي لا تتناسب مع عمرها الصغير. لو تعلمين يا بلقيس.. من دونك سأسقط كنيزك، تنكمش ظلالي، تصغر. ظلالي تحبك، دمي يحبك، العالم يحبك، الله يحبك، الناس كلهم يحبونك. لا أظن أن شارعاً مررت به ولم تحبك حجارته. لا اظن أن ليلاً خرجت إليه ببنطالك الجنز إلا ووقف مرتجفاً، مضيئاً:
حبي لك ليس نزوة... بإمكاني أن أنتظرك مائة سنة.
وغادرت مشرفة على البكاء.
كنت حائراً أكثر منها. لم تكن سلبية لأحسم الأمر مع نفسي. لم تكن إيجابية لأناقش الأمر مع فاروق على الأقل لكي لا يفسر حبي الكبير على طريقة الصغار. بحثت عن الملاَّ فلم أجده لانشغاله بصلواته. لجأت إلى الثنائي الأخوي دينو وبرو وكان لجوئي هذا فاتحة صداقة جهنمية. كل منا عاشق لم يعرف له التاريخ مثيلاً. دينو يحب بنت أحد وجهاء البلد. مزق حتى اليوم بحدود السبعة أحذية في شارع بيتهم الجميل. أما برو القصير. عازف البزق. فإنه ظل يجب بنتاً ثلاث سنوات دون أن تدري هي به. كلما يتأهب لمصارحتها يتراجع في اللحظات الحاسمة متخاذلاً متعرقاً. رغم جرأته في مثل هذه العلاقات، يردد:
كل بنات العالم في طرف. ونسرين هذه في طرف آخر.
حور كلمات مئات الأغاني لإدخال اسمها فيها. في الليل يضع وسادة بين فخذيه. يقبلها، متمنياً من الله أن يحوّلها إلى نسرين بين يديه. أما دينو فقد أنهكني بكتابة الرسائل المليئة بالشعر وبعواطفه الحارة التي تكفي لإغراق كل نساء العالم في الحب. يضع الرسالة في جيوبه الداخلية. في جيب كلسونه بالتحديد. بعد أن يطعجها جيداً خوفاً من أبيه. تتراكم لديه أحياناً سبعون رسالة دون أن يتمكن من إعطائها لصاحبة النظارة الجميلة، هيفي. في إحدى جولاتنا اليومية صادفناها في أول الشارع وهي تقترب منا. إلا أن الرسالة كانت في جيب الكلسون. ارتبك دينو مستنجداً بي لإيجاد طريقة لإخراج الرسالة، فلم يكن أمامه وهي تقترب، إلا وأن يمد يده إلى حزامه وإلى سحاب بنطاله لإخراج الرسالة. خجل هيفي من يد حبيبها وهي تنبش في (المنطقة المحرمة) فأسرعت محمرة من الخجل. وإلى أن أخرج دينو الرسالة فقد خرجت روحه معها، اختفت هيفي في بيت أبيها المحصن مغلقة الباب بارتباك غير مفهوم. بدأت أطرد اليأس من قلب برو الجريح. جمعت بيننا هموم عشقية مشتركة كفيلة بجمع شملنا نحن الثلاثي العاشق كل ليلة وكل نهار. أصبح المكوث في البيت مقيتاً بالنسبة إلي. خرجت عن طوري بعد ذلك اللقاء الناري مع بلقيس والذي ستظل آثاره تأكل من صحتي لسنين ولا تزال. الهاتف عندنا حين ذاك كان "نصف آلي"، تطلب المقسم اليدوي ومن ثم يتم الحصول على الرقم المطلوب، بذلك يكون رقمك مكشوفاً للآخر.
وهذا خطر جسيم بقي كل العشاق حذرين من الاقتراب منه.
ماأجمل الدراسة إذن، ما أحبها إلى نفسي. خرجت مع دينو وبرو إلى البراري كعادة طلاب سوبارتو في الربيع، يخرجون للدراسة على حدود الأراضي الزراعية الواسعة. وعلى الطريق حتى حلول المساء.
تأخر مجيء العتمة ذلك اليوم. كنت مأخوذاً بقرص الشمس الأحمر الذي ينزل إلى أسفل الأفق محاولاً الاختباء خلف مقبرة سوبارتو. كنت أسير في طريق تؤدي إلى المقبرة عندما لمحت طيفها من بعيد. ضحكت من نفسي. قررت أن أخبرها بأنها باتت تلاحقني حتى في أحلام اليقظة أيضاً. كانت تقترب، لم تكن طيفاً. كانت بلقيس بكامل أبهتها، تمسك بيد ديانا أختها الصغيرة. عرفتني من بعيد. قبل أن تلقي السلام قالت:
أتعلم أن هذا أجمل منظر رأيته في حياتي.؟!
أي منظر؟
أن أراك تدرس.
حبست الدهشة في حلقي.
لو تعلمين يا بلقيس أنني لا أقرأ سوى وجهك، لا أرغب إلا النجاح في الموت ضياعاً في سواد عينيك الجحيميتين. ما من جهة أنظر إليها ولا أجدك. ما من بيت أدخله إلا وتكونين بانتظاري. ما من امرأة إلا وأنت أجمل منها. عندما تسيرين في شارع تتمايل الأبنية إليك، تحن حجارة الرصيف إلى مشيتك السريعة:
بلقيس، يبدو أن حبك قدري فماذا أفعل؟.
صعد الدم إلى وجهها الأبيض. عيناها أرسلتا بريقاً غريباً كفيلاً بقتلي في الحال. حدقت في عيني بانفعال بلّل عينيها الواسعتين:
وأنا أحبك، أحبكَ، أحبك ولكن...
شدت يد ديانا التي تتبعها بحياد طفولي تام. مضت مرتبكة، مسرعة كعادتها. كدت أركض إليها. طالباً إعادة الكلمة المائية الغزيرة على أراضي نفسي القاحلة. أنا حبيبك الأبدي يا بلقيس. أشعر أنني كبير بك وعظيم. على الناس احترام مروري في الشارع بعد الآن. لست وحيداً. شكراً لوصية جدي، شكراً لأبي الذي سمّاني سليمان. شكراً لله الذي أرسل لي بلقيس. هل العاشق أقل شأناً من الأنبياء؟. فليأت الجن والأنس والطير في الحال. هيـ.....ـه أين أنت أيها الهدهد؟، هذا قلبي، علّقه بجناحك، طر به إلى بلقيس الصغيرة. القلب لها إلى الأبد. على الجبال أن تنحني لها كلما ذهبتْ إلى النوم. على الأنس الوقوف إجلالاً لقدومها. على الطيور أن تهب لها الأجنحة، على الجن أن يبنوا لها الهيكل في الحال.