(1)
سِرُّ الجرة
أوقن الآن بعد مرور أكثر من ثمانية أعوام أن رب ضارةٍ نافعة، رغم أن سقوطي المتعمد من شجرة الأراك التي تتوسط فناء بيتي في قرية درب الخير، و التي عشتُ فيها سبعة عشر عاماً قد تسبب في كسر عضدي أعلي المرفق، وكاد يغمي عليّ من شدة الألم المبرح، كما تحطمت الجرة المعلقة في الغصن الثخين والتي رجعتُ خصيصاً لأخذها، لأوفي بوعدي لزوجتي سعدية، والتي طلبت مني طمرها معها في قبرها، قبل أن تفارق الحياة ببضع أيام، إلا أن ذلك السقوط المتعمد قد أنجاني من وابل الذخيرة التي أمطرت القرية من اتجاهها الشمال الشرقي، وكدتُ أن أصطدم بالزير الموضوع أسفل الشجرة لقرابة العقدين من الزمان، والذي ظللتُ أجلس قربه دائماً علي عنقريب من خشب المهوقني الصلب طوال هذه السنوات التي أنفقتُها في هذا البيت.
كنتُ قد طويتُ قرابة الخمس كيلو مترات للعودة للبيت، بخطوات مسرعة أتبعها بهرولة متقطعة، بغية الرجوع للمقبرة واللحاق بهم قبل الدفن، وقد حاولتُ أن أسلك دروباً مختصرة ، فعبرتُ الأراضي الزراعية الجافة الممتلئة ببقايا عيدان النباتات المجتثة ، بعد موسم الحصاد، والتي خدشت ساقي، وبعضها ثقب المركوب، كنتُ قد طلبتُ منهم عدم دفنها قبل أن أرتد آيباً إليهم، بدا الأمر غريباً للمشيعين، كان الوقت عصراً، وكانوا يتبادلون في حفر اللحد، كان الجو معتدل نوعاً ما، بعد أن بدأت الشمس تميل قليلاً، بدأوا يتسألون بهمهمات، لكن بعضهم لم يبد أي تعجب، حتما كانوا يعلمون بأني أسير وأتخذ كل القرارات تحت تأثير قوي خفية يدركونها جيداً، وقد عبّر أحد الكهول محاولا تذكيرهم بيوم دخول فكي كابا القرية، قبل سنوات بعيدة، وكيف أن الأشياء تغيرت، والحياة أخذت طابعاً جديداً، منذ أن جاءوا لهذه المقبرة قبل تلك السنوات البعيدة ، ليروا كيف حدثت تلك المعجزة الغريبة التي جرت علي يد فكي كابا في يوم شتائيّ بارد لا يمكن نسيانه ، سمعتُ هذه العبارات، ولكني طوال السنوات السبعة عشر لم أكن أعي شيئاً، كنتُ أستمع لنداء ظللتُ أعتقد أنه نداء الحب، ولكن عندما أسقطتُ نفسي من شجرة الاراك متعمداً ، لتحاشي زخات الذخيرة التي انهمرت علي القرية، اكتشفتُ فداحة خسارتي لسنوات طويلة، عندما تهاويتُ محاولاً الإمساك بغصن طري حتي أهبط بسلام دون أن اتعرض لأذي، شعرتُ برعب عدم وفائي بالوعد، فقد أبصرتُ في تلك اللحظات القصار، تهاوي الجرة من سماء ذلك البيت ، ثم انكشف لي السر الذي لم أكن أدركه، بعد أن تحطمت الجرة تماماً، فأفاقتُ من غيبوبة دامت سبع عشرة سنة.
لم يكن رفيقي مصدقاً لتلك الواقعة عندما رويتها له ، وظنّها محض خيال، حتي سأل أحد أولاد درب الخير من التجار المجاورين لنا وأكدوها له، وكان مشفقاً عليّ، أو متعجباً منها.
ثم وجدتُها مختزنة في ذاكرة ودالشوك ، والذي روي لي الكثير.
فبعد أن أسقطتُ نفسي وشعرتُ بألم مبرح أعلي مرفقي، تركتُ البيت ومشيتُ عكس الاتجاه الذي تأتي منه الذخيرة، أي عكس جهة وادي الشوك، سرتُ بين البيوت ، وكان الألم يشتد كلما حركتُ مرفقي ، فأمسكُ ساعدي الأيسر بيدي اليمني، ثم ذهبتُ للبصير الذي وضع عضدي في جبيرة من حزمة عيدان، وطلب مني أن أبقي ولكني رفضتُ.
كان الألم مبرحاً ولكن عليّ المضي قدماً، فقد أخبرني البصير وبعض الناس أن حامد الدقيل ورجاله من هاجموا البلدة، البعض قال إنهم جاءوا لكي يمنعوا بناء الجسر علي الوادي بعد أن أجرهم سالم دودين وهو رجل يملك أموالاً ضخمة، وسيكسب الكثير اذا منع بناء الجسر، فسيضمن شراء المنتجات الزراعية دون أن يذهب بها المزارعون إلي السوق المركزي في المدينة، فالوادي يبقي موحلاً لقرابة الشهرين وهو وقت كافٍ لارتفاع الأسعار، والمزارعون لا يستطيعون الانتظار لشهرين، لذلك يبيعونها لسالم دودين بثمن بخس، وآخرون قالوا إن حامد الدقيل جاء برجاله لينتقم من البلدة بعد أن ماتت سعدية زوجتي والتي أحبها بشغف رغم أنها تكبره بسنوات ، لأنه يشعر أن الناس من تسببوا في رفضها له، كل ذلك كان مجرد تخمين وتوقع، ولكني كُنتُ أحد الذين سيسعي حامد الدقيل لقتلهم، فأنا من تزوج بسعدية حبه الأبدي، وكان لابد أن ألوذ بالفرار، فرفضتُ كرم البصير، ثم وصاني بأن أبحث عن الفكي في المدينة ، لأعرف السر، كان البصير يعمل عند الفكي في الخلوة ، قبل ترك الفكي درب الخير. كنتُ أشعر بمشاعر أخري، تذكرتُ في تلك اللحظات كل أهلي في قرية طيبة البحر علي ضفة النيل الأزرق، وتذكرتُ أهلي في مدينة كسلا وخاصة قريبتي الجميلة التي كنتُ أحبها، سبعة عشرة سنة وكأني لم اعش بينهم ولا أذكرهم، كأنني كنتُ نائماً واستيقظتُ فتذكرتهم، كانت ملامحهم واضحة في ذهني تذكرتُ أمي وتذكرتُ أبي الذي مات وجئتُ بلدة درب الخير لأجل أن أصفي تجارته فبقيتُ فيها سبعة عشر عاماً تحت تأثير قوة غامضة، بدت ملامح البلدة بالنسبة لي غريبة مثل أول يوم دخلتها، ووجوه الناس، وكان صوت الرصاص يفزعني، سرتُ عابراً جنائن المانجو بعد ان التففتُ عائداً بالجانب الغربي للبلدة، حتي أعود شمالاً تجاه الوادي في طريقي للمدينة، ليس بإمكاني العودة بالاتجاه الشرقي، فهناك حيث البيت الذي انفقتُ فيه هذه السنوات مع سعدية يقف حامد الدقيل ورجاله، مشيتُ علي بقايا عيدان القصب المجتثة، خدشت ساقي مرة أخري وثقبت مركوبي وجُرحت، لكن ألم المرفق خفَّ قليلاً ، بعد أن منعت الجبيرة مرفقي المكسور من الحركة، عانيتُ كثيراً، قطعتُ بضعة كيلو مترات مشياً، وركبتُ عربات تجرها الحمير، وركبت لوري فحم، ووصلتُ هذه المدينة ، وبعد ثلاثة أشهر وبعد أن التأم مرفقي معوجاً بدأتُ البحث عن الفكي ليخبرني بحقيقة النداء الذي استمر سبعة عشرة سنة.