(4)
نصحني الرجل الذي عالج عضدي المكسور، بعد سقوطي من شجرة الاراك، أن ابحث عن خادم الفكي ، ويدعي جادو ، ضمن خياراتي في سبيل الظفر بالفكي، لكني فشلتُ, ثم لما وجدتُ الفكي ،، وجدتُ جادو أو خادم الفكي ، والذي تم قنصه ، مثل صيد في البرية ، برصاصة مباشرة في الناصية بين عينيه اردته قتيلا.
يبدو ان القدر يكشف الأحداث في وقت واحد، الصدفة تصنع الغرائب!
عانيتُ من التخمة وسوء الهضم في أول جمعة لي في هذه المدينة بعد الغياب ، وراودتني أفكار أشبه بأفكار صديقتي، ونظرتها لحياة الناس، وايثارها، عندما رأيتُ الأطفال المتسولين، الذين لفظتهم الحرب، يتساقطون علي بقايا الطعام مثل الذباب، كانوا في مقتبل العمر، يرتدون ثياباً ممزقة ومتسخة، ويتعاركون ويتزاحمون علي آنية الطعام، ثم ذابت هذه الافكار سريعاً، لأني لا أحمل قلبها المثالي، كنتُ قد أُخذتُ من قبل رفاقي الجدد لتناول وجبة الفطور، في سوق طرف المدينة، يقدم لحوم خراف مشوية علي الجمر بصورة جيدة، مع اضافة أصناف اخري، وأنواع أخري من السلطات والتوابل، وأطعمة محلية.
أدهشتني طريقة بناء ذلك السوق ، وملامحه البسيطة ، كان يتألف من عدة دكاكين ،ليس بها أبواب من الحديد، كما هو معتاد، ولكنها من شبك مربع من القنا المتقاطع المترابط بأليف من السعف، كانت أبواباً يسهل تحريكها، وكانت باحة المحل الذي جلسنا فيها مفروشة بالرمل ، وقد رُشت بالماء، وهناك في أحد أطرافه يتصاعد دخان عبق من مبخر مصنوع من الفخار، وطارد للذباب، وهناك كراسي بيضاء من البلاستك ، مرصوصة متوازيةً، وأمامها مناضد، جلبت لنا فتاة سمراء تسمي سلافة ، ذات قامة مديدة، به مسحة جمال، أكواباً من الماء، ولكني شكرتها بصوت مسموع، وبعد أن تناولنا طعامنا، طلبتُ ورفيق آخر قهوةً، بينما تناول الآخرون الشاي الأخضر، كانت قهوة جيدة الصنع، أشدتُ بها، قلت لتلك الفتاة بصوت جهير : " إنها قهوة ممتازة ، لم أشرب مثلها إلا في جبل توتيل في مدينة كسلا "
ثم خرجنا وشاهدنا تجمهر حول رجل يخطب بصوت مرتفع في باحة تواجه الدكاكين، أردتُ أن استجلي الأمر، لكني وجدتُ معارضة من رفاقي، وقالوا لي انه رجل من الأُمباتارة ، يخدعون الناس بأشياء عجيبة.
كنتُ قد سرتُ علي طرُقات المدينة التي نُسجت بيوتها علي جانبي وادي قبل قرون بعيدة، علي الطرقات التي تتوسط المدينة، لدواعي الأمان والسلامة، فهناك عند الأحياء الطرفيّة يصبح السير ممتنعاً ، بسبب البنادق والسلاح، وكان رفيقي في هذا السير قريبي وشريكي في التجارة، الذي أدخلني في عالم المدينة التي اتسعت أحياءها وازداد عددها ، وفي نفس الوقت انكمشت مساحة التجوال بسبب الحرب ، ولم يعد بالإمكان الغوص في اكنافها.
عدنا للبيت، وفي يوم آخر شاهدتُ شارع النداءات الغريبة، وانتبهت لما يدور فيه لأول مرة!
" تسقيكم بنت فكي"
هذا ما تناهي إلي مسمعي عندما صاحت بائعة الجراد المشوي ، ذات الجسد الممتلئ، والعيون الجريئة، منددة وغاضبة من جيرانها ورفقائها الباعة ، والذين لم يعيروا تحيتها لهم أدني اهتمام، والذين يتخذون هذا الشارع، الذي أعبره دائما منذ أن أقمتُ هنا، سوقاً لسلعهم، فهمتُ ما تقصد في ذلك اليوم، مضمون هذه الجملة ذكرتني خادم الفكي جادو، كنتُ أسير علي هذا الطريق بصورة راتبة ذهاباً وجيئةً، وكنتُ أغوص في الزحام عند ناصيته التي تضيق وتغص بالسابلة والصيحات التي لا تنتهي، كانت مكبرات الصوت التي تختزن مناداة الباعة مسجلة، وترددها مثل ببغاوات مدربة جيداً دون كلل، فتعطي ضجة مضاعفة، فاضطررتُ لتحمل هذا حتي أعتدتُ عليه، وربما أدمنتُه، فصرتُ ألحظ الناس والاشياء برغبة غريبة، كأني أصبتُ بعدوة جرثومة التطفل مثل صديقتي التي تدمن مراقبة الأماكن والأشياء، وربما لأني اريدُ أن انقل إليها تفاصيل أدق لما يجري في محيطي الجديد، كانت هناك ثوابت في هذا الشارع لا تتبدل، ربما تختفي لبعض الوقت، ثم تعود لتطفو علي سطحه، كان هناك وجه أعتدتُ رؤيته، وعندما وقع نظري في نظره، تسرب رعب غريب إلي قلبي، وشعرتُ برعشة هزتني تماماً، كانت عيناه غامضتين، تنبعث منهما قوة خفية، عندما أبصرتُه أول مرة لم يلفت انتباهي، ثم بدأ يعلن عن نفسي بوسيلة لم أفهمها في بادئ الأمر، كنتُ قد مررتُ به عدة مرات، ولكني راقبته جيداً عندما أبصرت عينيه للحظات، وميزتُ ملامحه جيداً، كانت إحدى عينيه أصغر من الأخرى، فيها حول لا أدري لماذا لم ألاحظه أول مرة، لا يمكن أن تخطئه العين، وعلي جبينه وشم أو شعر نابت بعيد عن موضع منبت الشعر، أعلي حاجب عينه السليمة، ربما هذه الرؤية الواضحة لهذا التكوين المميز لملامحه ما بث في قلبي الرعب، مضيتُ لحال سبيلي في ذلك اليوم، ونسيتُه تقريباً، ثم مرة اسبوع دون أن أراه، ثم عاد مرة أخري منتصف نهار يوم كنتُ عائداً للبيت، لا ادري لماذا أردتُ مراقبته، ربما الفضول الذي يجعلنا أحيانا نشم رائحة غريبة، أو نبصر منظراً شاذا، وقفتُ أمام الباب ذي اللون الازرق الباهت، وأسندتُ ظهري عليه، وجعلتُ أنظر.
وضع بطارية السيارة التي يستخدمها في تزويد مكبر الصوت بالطاقة، أخرج أوراقاً بيضاء عريضة من الكرتون، رُسمت عليها صور، تدل علي تواضع الرسام الذي أمسك بالريشة، كان ذلك الشارع المتقاطع مشغولاً بمجموعة من النسوة بائعات الخضار والفاكهة ، اللائي يفرشنها علي جولات من الخيش والبلاستك ، موضوعة علي كومة من التراب المفروش بشكل مستطيل ، يزيد عن ارتفاع الأرض بثلث متر تقريباً، يضعن عليها خضروات الاستهلاك اليومي، وفواكه الموسم مثل المانجو والبرتقال والجوافة، بينما تقف مجموعة من الباعة خلف طبلياتهم، وخلف درداقات صغيرة ، يضع عليها أصحابها بضائع من الصابون والمعجون ومواد معبأة في أكياس، قد انتهت صلاحيتها، تقف ثلة من الصبيان بدرداقات فارغة للأجرة، أطفال متسولون دبغت الشمس جلودهم ، يرتدون جلابيب معفرة ، تحول لونها من شدة الإتساخ للون التراب، وآخرون يرتدون بناطلين داكنة ومتربة ومرقعة، بعضه مثقوبة، وفانيلات موسومة بحروف لاتينية لمنظمات أجنبية، عليها أعلام بلاد ما وراء البحار.
بدأ هذا الرجل، والذي وضع البطارية، والذي يعتمر طاقية حمراء داكنة، ويتسربل بجلباب أخضر عليه رقع بيضاء وحمراء، رقع ليست لتمزق الجلباب بطول الاستعمال، ولكنها خيطت تعمداً منذ البدء، في اختبار مكبر الصوت، علمتُ لاحقاً ، بعد عدة أيام من نداءاته ومحاضراته، التي يلقيها علي الهواء الطلق، أن اسمه جادو، سمعتُ أحد مرافقيه يناديه به، فاجأني ذلك، قبل سنوات قبل أن أعود شرقاً، عندما كنتُ أبحث عن الفكي دلوني علي هذا الاسم، قالوا لي إنْ وجدت جادو فسيدلك علي الفكي ، إنه خادم الفكي ، لكني لم أجدهما معا، وعندما وجدتُ جادو فقدته قبل ان اظفر منه بشيء ، فقد قتل، كان معه صبي نحيل وطويل القامة ، أسمر ، وأمرد، يرتدي جلباباً أبيضاً وطاقية حمراء أيضاً، يبدو أنه أعمي، يحمل طاراً.
ثم شرع الرجل يخطب في الفراغ كأنه يحدثُ جمعاً ، كان شعره كثيفاً ، وتغطي الطاقية الحمراء ، المصنوعة من نسج يدوي ، منتصف رأسه ، ويتدلى شعره الغزير ، الممشط مثل المغني المعروف بوب مارلي، علي كتفيه ، ثم بدأ يدعو الناس ليقبلوا عليه ، تجمع حوله الصبية سائقو الدرداقات الصغيرة ذات الإطار الواحد، اتكأوا عليها، وظلوا يستمعون إليه بلا مبالة، كان يتحدث مثل ممثل مسرح هزلي، له شارب خفيف، ولحية خفيفة، وتلك البقعة السوداء أعلي حاجبه ، في عينيه ذلك الغموض المرعب، هذا ما لحظتُه كلما تلاقت عيناي بعينيه، في لقاءاتي القليلة به ، كلما جاء لهذا الشارع الذي أعبره كل يوم منذ وجودي هنا، كنتُ أتوجس منه، هذا ما أحسُ به، وقف تلاميذ المدارس بحقائبهم التي تمتلئ برسومات مسلسلات الكرتون ، المعلقة علي ظهورهم، وظلوا ينصتون، اقترب المتسولون، والمجانين، ثم بدأ السابلة من الرجال والنساء يتجمعون حول الدائرة ، التي بدأت تكبر، بعض السابلة ينظر للحظات ثم يمضي، كان معظم الباقين من النسوة، نساء فقيرات، يحملن سلالاً من السعف، يحملن أكياساً من البلاستك، نساء مريضات قادمات من المشفى الذي يجاور هذا الشارع، يحملن أكياساً بها عقاقير، رجال كبار في السن.
كان هناك علي نفس الطريق المتقاطع رجل آخر، لم أعرف اسمه، بنفس الأدوات وبملامح مختلفة ، يقف بثقة ، وبصوت جهوري لا يحتاج لمكبر ، صوت ينادي أيضاً في الفراغ، كان النداء مشابهاً، كانت اللوحة التي يعرضها مختلفة، بإتقان أفضل، يبدو أنه استخدم رساماً محترفاً لرسم تلك الصور، بألوان أفضل، وعلي قطعة قماش طويلة علقها علي الجدار القريب.
ثم التفتُ شمالي ، رأيت رجلاً بدينا يعري بطنه، رافعا جلبابه، جلس علي كرسي قصير، ماداً ساقيه علي الأرض علي حافة الشارع ، وقد القي ظهره علي الكرسي، ويحمل صحناً من الألمونيوم ، ويشحذ بعنف ، لم يحدث أن رأيت في حياتي متسولا ، بهذه الفظاظة والتبجح ، وكان يملك بطنا ضخمة ، وعليها ندوب كبيرة ، بدا لي جرحاً قديمة من جراء عملية سابقة، كان يقول أنه يعاني فتقاً في البطن يحتاج اجراء عملية ، ويريد أن يجمع المال ليعالج بطنه المتكور الذي اثقل كاهله ومنعه العمل، يلقي بعض المارة نقوداً معدنية ، والبعض لا يعره أدني اهتمام.
كان ذلك الشارع الذي يتقاطع مع الشارع الآخر الذي يتجه شمالاً وجنوباً مصدر رزق لهؤلاء الناس، هنا حيث موقف مواصلات الجزء الشمالي من المدينة ، حيثُ تتجمع طبليات بائعي كروت شحن الهواتف السيارة، بائعي السجائر والتمباك، الحلاقين الذين يعلقون مراياهم علي الجدران ، ويستظلون بعرائش مصنوعة من جولات بلاستيكيّة ، واعمدة صغيرة متقاطعة من القنا، مثل شمسيات كبيرة، تمر بهذا الشارع سيارات الأجرة ، و الركشات التي تزيد من ضجيج الشارع، وهناك في ساحة المولد أمام المستشفى ينادي رجلان بنفس النداءات، بنفس ما يقوم به رجلا الشارع المتقاطع، ويتجمع حولهما رتلان من البشر، وتطغي النساء أيضاً ، والمتسولون والصبية، وبعض رجال، ونفس الكلمات تقريباً تخرج من الأفواه، كأن الأربعة تدربوا سوياً، كأنهم تخرجوا من نفس المسرح الهزلي، كانت طريقة أدائهم ساخرة ومضحكة وجاذبة، وكانت هناك لوحات أيضاً مرسومة بطريقة رديئة، القاسم المشترك في هذه اللوحات رسمة لرجل مكفن تلتف حوله أفعي ، واشارة بسهم ، و جملة عذاب القبر لتارك الصلاة، وامرأة معلقة من لسانه بخطاف، وجملة محاطة بمربع ، تشير لعقوبة النميمة ، ورجل ببطن عظيم ومتكور تشير لآكل مال اليتيم، ولوحات أخري لمن ينهب أموال الناس، والزناة ، ومن يقتلون الناس ، وينهبون بالسلاح، رجل بكتف مائل وبجانبه امرأتان ، وعبارة توصمه بعدم عدله بين زوجتيه، رُسمت معظمها باللون الأصفر المائل للبرتقالي علي خلفيات بيضاء، من القماش أو الورق الكرتوني المقوي، كان بيتنا يطل علي هذا الشارع المتقاطع، كانت الأصوات تتناهي إلي مسمعي.
كان صوت الصبي الكفيف، المرافق لجادو، والذي يستخدم مكبر الصوت، عذباً ورخيماً يردد الحاناً شجية، ويردد خلفه الجمع الغفير، تحلقوا حوله مع الاحتفاظ بمساحة دائريّة ، يدخلها البعض ، ويخرج منها البعض، يلقون النقود علي قماش موضوع علي الأرض، كان ينشد قصائد في مدح الأنبياء والأولياء الصالحين أصحاب الكرامات والمعجزات ، وقصائد وعظ تندد بالسلوك الخاطئ ، كانت مقطوعات وابيات عديدة تتخللها هذه الجملة التي تخرج عذبةً بلحن شجي : .................
الزمن ميّل
يا لطيف
مركبه اتهيل
يا لطيف
ثم يتوقف كل هذا، ويبدأ جادو في الحديث، بعد أن أيقن أن صوت الصبي قد جذب حشداً كبيراً من السابلة، مستخدماً تقاسيم وجهه، وبحركات من يديه في إيصال ما يريد، كان يخلط كل ذلك بنهج هزلي مسرحي مضحك، فتنطلق القهقهات من صدور الحضور.
سرد جادو حكايات وقصصاً ومثّلها تمثيلا بارعاً، أخذ قشة صغيرة استخدمها كأداة لإكمال الدور، جعلها قلم زينة تستخدمه الفتيات للتجمل، فمررها علي شفتيه الغلظتين كأنه يضع أحمر شفاه، ثم علي حاجبيه كأنه يزججهما، رافعاً يده اليسرى، وكأنه ينظر في مرآة، ثم انتفض فجأة، وصاح : " أين الموعد؟ "
وبدأ يندد ويشجب ترك الآباء للبنات يخرجن بتبرج وزينة ، دون قيد، وكيف يلتقين بالفتيان وتحدث المصائب، ثم عاد للتمثيل مرة أخري، وقد جلس علي الأرض بجانب أدواته المتنوعة، وأخذ نفس القشة وامسكها بين السبابة والوسطي ليده اليسرى، ثم وضعها بين شفتيه ، كمن يدخن سيجارة، ثم أخذ ينفث في الهواء دخاناً متوهماً، مصوراً الفتي الذي ينتظر الفتاة المتزينة ، والتي مثّلَ شخصيتها قبل قليل، وأدار بينهما حوارا في الحب والهيام واللقاء، وكان مبدعاً، ثم ترك هذا المشهد وانتقل إلي وسائله الأخرى، طلب من صبيين معه اظهار اللوحات التوضيحية ، أمسكا بطرفي قطعة القماش المديدة ، وعرضاها علي الناس، وشرع يتحدث مشيرا بيديه، كأنه استاذ في حجرة دراسيّة ، عن تاركي الصلاة ، وآكلي أموال الناس بالباطل، واليتامى ، والزناة ، وأهل النهب المسلح، وكل الجرائم التي تقود إلي جهنم، وتحدث كثيراً وبدأ يسيطر علي الحضور، وظل يكبر ويهلل ويتبعه الناس، ثم تحدث عن الأولياء الصالحين ، من أوكلهم الله بقضاء حاجات الناس، وكيف أن بركتهم تحل في الماء والورق والتمائم ، وكل ما تلمسه اياديهم، وكيف ينقذون الناس من المصائب والأسقام والسحر وأعمال الجن، كان يتقن ذلك بصورة مذهلة، بدأ يوزع أوراقاً صفراء عليه كتابات مطبوعة بخط نحيل ومتكاثف ومحاطة بأشكال هندسية متداخلة ومتباينة، تظهر هذه الحروف في الجانب الآخر من الورقة، وتناولها الناس بشغف.
ثم أخرج أكياساً من البلاستك ، صغيرة جداً ، مملوءة بسائل داكن السواد ، أقرب للون الكحل، وبدأ يسأل الناس عن تقديرهم لقيمة هذا السائل بالنقود، كان إعلانه هذا أشبه بمزاد، ولما صمت الناس، قال إن هذا السائل لا يقدر بثمن ، وأنه يمنع البلاء ويصد السحر، ويشفي العليل، وأن كميته أصبحت محدودة، ونحن لا نأخذ نقوداً مقابله، لكن لابد من قرباناً لأجل أن ينفع من يأخذه، ويكون أكثر نفعاً كلما زاد القربان الذي جُلب به ، سأل الناس أن يضعوا ما يستطيعون ، وبدأ الناس يقبلون علي ذلك السائل ، وتساقطت النقود في المخلاة ، الموضوعة أمام الصبي الأعمى، صاحب الصوت الشجي ، بينما وقف الذين لا يملكون نقوداً علي ما أظن ، أو استحوا من ضآلة ما يمكن أن يقدمونه قرباناً، فطلب منهم أن يقبلوا علي هذا الماء المبارك دون خجل، فقط بما لديهم، ثم وقف جزء آخر برغبة وحياء، فطلب منهم أخذ أكياس الماء الأسود دون مقابل، إنها في سبيل الله لا يريدون جزاءً ولا شكورا، فأتوا علي كل الأكياس التي بحوزتهم، نفد الماء المبارك منهم تماماً، الماء الذي يزيل الأسقام، وينجي من السحر والأعمال السفلية والربط.
جمع جادو البارع في الأداء وتلاميذه أدواتهم، والنقود وركبوا السيارة الجيب الخضراء وذهبوا بعد أن ظفروا بمبلغ ضخم.
دربُ الشَّوْك
سمعتُ أحدهم يقول ان حامد الدقيل ، الذي أقدم علي سرقة البنك المركزي في هذه المدينة ، قبل أربعة عشر عام ، قد مات، كانت السرقة الأولي من نوعها في مضمار النهب المسلح ، الذي جري داخل المدن، سمعتُ هذا في السوق ، عند بائعات الشاي ، وعند سائقي التاكسي، قالوا انه اصيب بعيار ناري في احدي ركبتيه ، وكان لابد من بتر ساقه لكنه رفض، فهّربه رجاله، وشاع أنه نزف في الطريق، وتسمم جسده حتي مات، وانكر البعض ذلك، قالوا أنه نجا، ورجله لم تبتر، فلجأت لود الشوك .