(3)
تعجُ ذاكرتي بقصص ارتبطت بالبنادق والسلاح، حكايتي جزء منها، ولفت انتباهي ما جري لضيف الله ، أخمن أن مدعاة ذلك لارتبط اليوم والتاريخ والحادثة بعري وثيقة بي، فقد أسقطتُ نفسي من شجرة الأراك في ذلك اليوم الذي تشرد فيه ضيف الله ، قالوا لي إن ضيف الله فقد كل شيء منذ أن بدأت الحرب، وأخبرني بنفسه أيضاً. حدث هذا قبل عشر سنوات تقريباً، عندما هاجمت مجموعة من اللصوص بقيادة حامد الدقيل قرية درب الخير، ثم تلي ذلك الهجوم دخول قوات احدي الحركات المسلحة، ثم جاءت قوات الجيش، التي خاضت معارك عنيفة، حتي سيطرت علي البلدة، أدركُ أن حامد الدقيل من أبناء بلدة درب الخير الذين امتهنوا النهب المسلح باكراً ،بل يعتبر من الأجيال الاولي، حتي ان شهرته بلغت آفاقاً واسعة
ليتك ذهبت إلي الفكي يا ضيف الله! أصوات كثيرة قالت له ذلك، أضعت الفرصة أيها التعس، ستتعب وتنهك ، ها قد أنفقت أكثر من ست سنوات دون جدوي، ذهبت هباء وذهب الفكي أيضاً.
أصوات عديدة أسدت له النصح، وأرشدته لباب رفض طرقه بعنادٍ صلب، دلوه عليه وألحوا في ذلك ، لقد شاخَ وابيض شعره، وتجعد وجه، ووهنت عظامه وهرم قبل الأوان.
ست سنوات وهو يجدُّ في البحث، فتش عنهم كثيراً ، في معسكرات النازحين المزدحمة، في تلك البيوت المصنوعة من القنا المنسوج طريّاً قبل أن يجف، والطين، والمسقوفة بالعشب المجدول، مثل أعشاش الطيور، بحث في الاكواخ المبنية من الخشب ، وبقايا الصناديق الكرتونية التي أُفرغت من مؤن المنظمات الأجنبيّة التي غزت الاقليم، من الجوالات البلاستيكية التي أفرغت من العدس والأرز ودقيق القمح.
قالوا له بعتاب رأسك مثل حجر، حتي الحجر يمكن إعادة تشكيله ونحته، لكنه رفض، قالوا له في سبيل إقناعه " صاحب الضائعة يفتش عنها في فم البقرة" امتنع وقال " لا "
اذهب إلي الفكي يا ضيف الله، إنه رجل صالح، بمقدوره أن يدلك علي أبناءك، إنه ينفذ إلي أقطار الغيب والبعيد، رجلٌ كله بركة
ظلّ يردد دائماً لهم ، وفي حنايا نفسه كما اعترف لي " لو قدّر الله لي ولهم اللقاء فسنلتقي، لن أطلب المساعدة من أحد، الفرج سيأتي من صاحب الفرج " اكبرت ايمانه بقدره، وجدتُه صابراً، ثم إني أخرجتُ منه الحكاية عنوة، فكان يتحصن خلف جدار صلب من الصمت، خدعتُك يا ضيف الله، سقط في يدي رأس الخيط صدفة، ووجدتُ معالم قريته التي تركها منذ سنوات، منذ أن فارقهم، فكانت معالم تلك القرية هي الوسيلة التي أقنعتُه بها ليخبرني بكل التفاصيل.
ها هو يجلس أمام بوابة مبني المنظمة الذي يجاور تجارتنا، والذي كُلف بحراسته منذ أن تشرد، فوجده مأوي يقيه طقس التشرد المؤلم، بيت مستأجر من تاجر ترك هذا البيت مقابل مبلغ كبير، بالعملة الأجنبية ، و أتجه للعيش في أحد معسكرات النازحين، اكتشف ضيف الله ذلك عندما جاس خلال أكواخ النازحين بحثاً عن أبنائه، علم أن هذا التاجر يضع هذا الريع في حساب مصرفيّ، ويحمل أوراق نازح ، يستخدمها في بحثه عن معيشته وعلاجه، صدمه ذلك، وكان ضيف الله أحق بذلك من هذا التاجر لكنه أرد أن يعيش بالكفاف، ولم يكن يحب أن يعتمد علي غيره.
حكي لي عن رحلته، بحثه واجتهاده وفصّل لي الدرب الذي سلك، منذ أن تشرد، منذ أن تبعثر، كان يومئذٍ في بحبوحة، يقف عند الفجر ، يرشف من رحيق الأرض الطيّبة، ويملأ صدره بعبق أزاهر المانجو والليمون، يقضم ثمرة جوافة، ويقشر قطعة برتقال، ويصيخ لمعزوفة المكان الذي خُلق فيه، هديل القماري ، وزقزقة الزرازير، وطقطقة فروع الأشجار المانجو السامقة ، وتنتعش روحه عند طلوع الفجر، كان مشتاقاً للماضي الذي لا أظن أنه سيعود، أن تعود الجنائن التي عاش في حضنها معظم سني عمره ، أن يجد أسرته التي انفرط عقدها، لقد وقف كثيراً في مداخل المدينة الشاحبة بعد نزيف الحرب، يتفرس وجوه القادمين، كان يحملق في وجوه النساء المتعبات المعفرات بغبار التشرد ، اللائي نحُلنْ من شدة الأسفار والمشي بالأقدام عبر دروب طويلة و غير آمنة، كان يطيل النظر في ووجوه الأطفال الذين نتأت عظامهم، القادمين للمدينة، لكنه لن يتعرف عليهم، لابد أن ملامحهم تغيرت، وحتما لن يتعرفوا عليه، لقد تغير كثيراً، قال إنه لن ييأس، لكنه تعب، وتعلق بالأمل ، وترك البحث.
بدا لي ضيف الله عندما كان جالساً علي سرير عتيق أمام بناية المنظمة، أكبر من عمره الذي أخبرني به، ربما لأنه يعاني الفقد كل هذه السنوات، كان في العقد الخامس، يمتلك قامة ممشوقة، انحلت جسده سنوات التشرد والفقر، و يتدلى علي كتفيه شال قديم، ويضع عصا غليظ علي الأرض تحت السرير، يظهر علي عينيه رهقٌ بيّنٌ، وتغضنت جبهته.
أتذكر أني وجدتُ مفاجأة له لكني لم أجده ، وتباعدنا، لقد أخرجتُ منه القصة كاملة، بعد أن خدعتُه، قلتُ له إني من بلدته، ووصفتُها له، وسميتُ له عددا من ناسها الذين تعرفتُ عليهم صدفةً، ثم وجدتهم بأوصافهم والجزء الخفي من حياتهم في دفتر الفكي ، ولأني سبق أن عشتُ في قريته درب الخير ، سبع عشرة سنة بنصف ادراك، والتي عدتُ إليها لأجرد حسابي ، وأصفي تجارتي ، التي أقمتُ منها شراكتي مع قريبي ، كُنتُ محاطاً بقافلة من السيارات العسكرية وجنود مدججين بالسلاح، رأيتُ اللافتة التي انحنت منذ بدأ الحرب، اللافتة التي بها تغير اسم القرية، وأصبحت درب الخير، بعد أن كانت درب الشوك، كنتُ أفكر وقتها، ومتوجساً من أن تحدث معركة، وكان الطريق شاقاً، أبصرتُ حقولاً شاحبة، نباتات شحيحة مبعثرة، تناثرت علي الأودية الممتنعة بالسلاح، علي طول الرحلة، وعلي امتداد الأرض الشاسعة، التي لا تكاد تبصر حدوداً لها، رأيتُ الإنسان البسيط في الفلاة يحمل البندقية بدل العصا، الراعي يهش أغنامه وعلي كتفه بندقية، صاحب الزرع يحمل بندقية آلية، البدو في جمالهم، صبية لم يبلغوا الحلم بعد ،أصغر من أن يسيطروا علي جماح الرغبة، لم تنمو فيهم قوة ضبط النفس، يحملونها علي أكتافهم ، هنا لا أحد يضع السلاح عن عاتقه ،هذه الجملة أرددها دائما.
لا أدري لماذا تذكرتُه في ذلك الوقت، وبدأت تتردد في ذهني حكايته التي حاولت كتابتها، ربما لأن الذاكرة عبرت بي أثناء تقليبي دفتر الفكي باليوم الذي تركتُ فيه ضيف الله دون أن يتم حديثاً، فقد حثثتُ فيه الخطي في طريقي إلي غرفة الإنعاش، حيث يرقد الفكي الذي رفض ضيف الله، بعزيمة لا تلين، اللجوء إليه لأجل أن يكشف له سر اختفاء أبنائه.
*********
كُنتُ قد وصلتُ ومعي ودالشوك بعد أن عبرتُ زحاماً ،علمتُ أن الفكي أخبر مطببيه، في إحدى إفاقاته، أنه يعلم بدنو أجله، وهذه نهاية حياته، فإنه لن ينجو أبداً، كانت تنتابه إغماءات متكررة، تتبعها ومضات إفاقة متتالية، اعترف لمطببيه أنه يؤمن الآن بصلاح شيخه الأول والذي تعلم علي يديه أول حروف الكتابة، وحفظ منه السور القصار من القرآن الكريم، ظنوا هذا الحديث مجرد هذيان، ولكني كنتُ مدركاً لما يعنيه، وتذكرتُ ذلك الدفتر العتيق الذي تركه لي لأقرأه، وكان يريد أن يخبرني بالدرب الذي أنفق فيه جل عمره، وقد قال لي جملة وقفتُ عندها.
نظرتُ إليه كانت لحيته مخضبة بالدم هذه المرة، والذي أخفي الشيب، اعتاد أن يصبغها بالحناء لإخفاء ذلك البياض الذي رشته السنون علي لحيته الكثة، كان غائباً عن الوعي تماماً، نزف من كل فتحة من جسده، وقد احتاج أربع زجاجات دم لأجل إنقاذه، عندما أُحضر كان في حال يرثي لها، خُشي عليه من توقف أعضائه الحيوية، نظرتُ إليه، جلستُ في الكرسي الذي وضع خلف منضدة من الخشب، عليها أوراق المرضي، كانت غرفة إنعاش متواضعة، مثل بقية الغرف التي يرقد فيها بقية المرضي مع اختلافات طفيفة، هناك أسطوانة أوكسجين، هناك ماكينة استنشاق تستخدم لإعطاء موسعات الشعب لمرضي الربو، هناك أسرة مختلفة نوعاً ما، هناك عزلة عن البقية، كانت جدرانها وأرضيتها مغطاة بقطع سراميك لامعة، ذات لون أخضر باهت وجميل، ميّزتها عن البقية، كانت هناك ثلاجة حُفظت فيها بعض العقاقير التي تستخدم في انقاذ الحالات الحرجة، ويوجد جهاز تكيف. سمي لي ودالشوك هذه الأدوات جميعاً، وشرح لي وضعه الصحيّ بعد تهامس مع أحدهم ، علمتُ أن حالته قد استقرت، وأنهم خشوا علي كليتيه من التوقف بعد أن نزفَ دماً غزيراً، وقد هبط ضغط دمه لفترة ليست بالقصيرة.
كانت تلوح في ذهني، أثناء وقوفي ذلك، صورته التي رأيتُه بها في أول لقاء جمعنا، ثم تذكرتُ دفتره العتيق الذي لا أدري كيف سأورد التفاصيل التي وجدتُها فيه، وتمنيتُ لو حُفظ جيداً، وكانت حروفه أكبر سُمكا وأكثر وضوحاً، كان ذلك سيوفر لي جهد الكتابة علي الحاسوب، كنتُ سأُرسله لصديقتي مصوراً عبر الماسح الضوئي "الإسكنار" ، وأكفي نفسي ذلك الرهق.
أعترف أن خطه كان أنيقاً ورائعاً، ربما ساعدني ذلك في التدقيق والتأكد من معظم الكلمات، وقراءة الحروف المبتورة تخميناً، تعرض الدفتر للبلل والبلي بسبب السنوات، والتنقل وسوء حفظه.
كان الفكي قد استيقظ منتصف الليلة البارحة، وترك الفراش بنشاط غير معتاد، نشاط تخلي عنه منذ قُرابة العشر سنوات، بعد أن أصبح يعاني آلام ظهر مبرحة، وبدأ جسده ينهك، منذ ترك خلوته وسكن هذه المدينة. اعتاد أن ينهض في هذا الوقت عندما كان قطباً وشيخاً يلتف حوله حواريوه وأتباعه، منذ سنواته الأولي في هذا الطريق، الذي أنفق فيه نصف قرن من عمره، وكانت مسبحته ذات الألف لالوبة لا تفارق أنامله معظم الليل حتي يحل الفجر.
كانت الساعة الثانية صباحاً تقريباً عندما فاجأ زوجته بهذه اليقظة الغريبة، والظلمة تغشي كل شيء، لا تكاد تبصر يدك من الحلك ـ أخبرتني بذلك ونحن وقوفاً أمام غرفة الإنعاش، و علي مرمي بصري زحام شديد، نساء ورجال وأطفال، امرأة تحمل طفلها والذي تقيأ علي ثيابها، رجل علي كرسي مدولب يدفعه أحدهم وحوله رهط ـ كان صوتها يأتيني متقطعاً، امرأة في العقد الخامس تقريبا، صلبة نوعا ما، ملامح وجهها الدقيقة تدل علي تاريخ جمال بدأ الزمن يدثره، شدة الضجة ما جعلت كلماتها تغوص وتطفو، لم تكن تعاني حُزنا بيّناً، أو عبرة تمنعها الكلام، عاشت معه معظم السنوات التي أنفقها في بلدة درب الخير، قالت لي جملة نطقتها بهدوء وثقة ، فيها شيء من التسليم بالقدر:
" هذا مصيره كان يعلم بنهايته بهذه الطريقة، لقد أثر علي كل شيء ، لا أظنه سينجو، أنا صابرة، لا أحتاج لمواساتك"
نظرتُ عبر الزجاج للفكي، كان يتنفس بصورة منتظمة، بدأ وضعه يستقر نوعاً ما، كُنتُ أخشي موته، كنتُ متوجساً من تحقق النبوءة، لا أعلم لماذا لكني خفتُ، أظنه سينجو، لقد تعدي مرحلة الخطر كما قال ودالشوك، هذا ما أتمناه، لا أظن أن في قلبي مشاعر عميقة تجاهه، ثمة فضول، رغبة في تبدل الأحداث، فلا أحد يعلم الغيب، أّلا يموت بالطريقة التي يتوقعها وكان يخشي منها كل هذه السنوات.
اجتاحت عاصفة قوية المدينة ليلة ذلك اليوم الذي شهد تلك اليقظة، تحطمت أشجار ضخمة، اشجار الكبريت والتبلدي والسنط والعرديب والنيم، شجيرات صغيرة اقتلعت من جذورها، تطايرت سقوف المنازل الطرفية المصنوعة من القصب والقش و القنا، انهارت حيطان بعض البيوت، وتطايرت السقوف المصنوعة من الزنك مثل سجادات سحرية، دمرت العاصفة الحديقة التي أجريت لها بعض الإصلاحات قبل وقت قريب، وتجردت تماماً، شهد ذلك اليوم هطول المطر لنصف ساعة فقط، كثيفاً وقوياً، لحسن الحظ لم تتجمع المياه في الطرقات، هناك تصريف طبيعي لمياه المطر في هذه المدينة دون تدخل من أحد، رفض السكان قبل سنوات تدخل السُلطات، ومحاولة صنع مجاري تصريف، كانوا مدركين أن أي تدخل سيعطل طبيعة الأشياء هنا، إصابات متنوعة وسط مواطني المدينة العتيقة، حالات خطرة وحرجة، ازدحم المشفى بالجرحى، والذين فارقوا الحياة حال وصولهم، قبل أن تمتد إليهم يدٌ مسعفة