1

8 0 00

1

ذلك المخبول الذي يقولون إنه خالي مات .

غربت شمس وتوارى نهار آخر رتيب .. زعقت حدأة فوق سطح بيتنا ونعق غراب وحيد من فوق عمود الإنارة ونظر إلى جواره و حوله فلم يجد أحدا ، طأطأ رأسه إلى الأرض وبقى في مكانه صامتا ، ثم دق أحدهم بابنا دقات قوية متواصلة ففزع وحلـّق بجناحيه السوداويين بعيدا .

أبى كان يجلس فوق كرسيه المنجد بالقطيفة البنية الباهتة التي تآكلت عند المسندين ـ والذي أصبح مع السنين حكرا له وحده .

يشرب الشاي رغم تعليمات الطبيب له بعدم تناوله .

أسند ظهره إلى المقعد ومد قدميه على طولهما وأسندهما فوق طاولة صغيرة وقديمة .. تصاعد أزيز يشبه صرير باب صدئ .

في محاولة لاجتياز مساء فاتر ، يقلب صفحات كشكول دوّن فيه مصاريف اليوم ويراجع ما تبقى من راتب الشهر .

يتصفح جريدة قديمة اعتاد أن يتصفحها كل يوم في مثل هذا الوقت من المساء وكأنها مازالت تحمل الجديد من الأخبار .. يشعل سيجارة ، يشد أنفاسها و يحتسى رشفة من كوب الشاي الذي انتصف .

أمي كعادتها في حركة مستمرة بين صالة المعيشة والمطبخ وباقي الحجرات ، ترفع أشياء وتضع أخرى وتعيد ترتيبها ، أحيانا صامتة وأحيانا تنطق جملة أو أكثر وأبى لا يجيب عليها ، كأنه لا يسمعها .

يكتفي برفع نظارته عن عينيه ومراقبة الأشياء الصغيرة تنتقل إلى أماكنها الجديدة ، يسترخى في مقعده ويعيد نظارته إلى عينيه ثانية .

في حركتها الدائمة تخطر على بالها أغنية قديمة ( لصباح ) أو ( فايزة أحمد ) .. نسمعها تدندن بحس صاف .

أخوتي يجلسون فوق الكليم الذي اشتريناه هذا الشهر ووضعناه فوق السجادة التي اهترأت .

يلعبون الكوتشينة دون ضجيج تنفيذا لأوامر أبى ، لكنهم بين الحين والآخر يرتفع صوتهم بالصياح ، نسمع أبي يشخط فيهم بصوته العالي .. فيعودون إلى صمتهم كاتمين ضحكاتهم داخل الحلوق .

تمتم أبي غاضبا ونادى على أمي لتفتح الباب .

لم يسمعها أحد ترد عليه .

أزاح النظارة السميكة عن عينيه وأمسكها في يده .. أزاح الطاولة بقدميه فارتجت وسقطت .. وضع كوب الشاي فوق المنضدة الصغيرة بجوار الهاتف وترك السيجارة المشتعلة في المطفأة ونهض .

سارعت عيوننا تتلمس الطريق إلى الغريب صاحب الدقات التي أغضبت والدي .. كنا نراقبهما من أماكننا ونتلهف إلى معرفة الغريب .

أطلت أمي برأسها من باب المطبخ .

سرسوب من الرغاوي البيضاء انسل من بين يديها إلى الأرضية .

توقعنا أن تكون ثرثرته عالية كدقاته لكننا لم نسمع شيئا .

نرهف السمع وننتظر .

همس في أذن والدي كأنه تعمد ألا نسمع شيئا مما قاله .. لم تظهر له ملامح بعد أن غمرته ظلال بابنا .

نصف وجهه الذي ظهر لنا بدا غريبا لم نره من قبل ، بدا مرتبكا وحائرا كأنه يحمل أخبارا ثقيلة على النفس لا يعرف كيف يقولها.

انتهى من همسه .

حدق أبى في عينيه وبادله كلمات - لم نسمعها أيضا - فاستعادت ملامحه الهدوء .

لم ُيبد والدي اهتماما للكلام الذي سمعه .. استدار و أغلق الباب وعاد إلى كوب الشاي والسيجارة التي تحولت إلى رماد متناثر بالمطفأة .

أعاد وضع النظارة فوق عينيه وتناول الجريدة بين يديه مرة ثانية .

تركت أمي ما في يديها وشدت كرسيا خشبيا واقتربت به وجلست إلى جوار أبي وسمعناها تقول :

ـ من ؟؟!

ألتفت أبي بوجهه بعيدا و تصفح الجريدة وكأنه لم يسمعها ، نهضتْ وأخذت كوب الشاي بعد أن انتهى منه وذهبت إلى المطبخ كأنها لم تسأل ولا تنتظر إجابة .

سمعنا صوت اندفاع الماء من الصنبور وطرطشاته على الحوض والجدار الأملس الذي كساه أبى بسيراميك رخيص أبتاعه من سوق الجمعة بأحد زياراته للقاهرة .

انتظرنا لحيظات ليعاود الصنبور صمته وسكونه مرة ثانية .

بعد عودته إلى الإنحباس ، عادت أمي بمنشفة في يدها وجلست إلى جوار أبى الذي وضع الجريدة فوق المنضدة وأشعل سيجارة جديدة .. رفع النظارة عن عينيه وقال :

ـ ِمن طرف مسعد .

لم تسأل أمي أسئلة أخرى .. كأن الكلمات التي قالها أبي فيها إجابة شافية تكفى لتعرف السبب الذي جاء من أجله الغريب ، نهضت بعد برهة سادها صمت وسكون وأدارت مفتاح تشغيل التلفزيون .. ثم قالت بحياد :

ـ موعد المسلسل حان .

شد أبى التليفون من فوق المنضدة ووضعه بين قدميه وأدار القرص ، انتظر لحظات بدا الرنين فيها واضحا بأذاننا الصغيرة ثم انقطع فجأة و سمعناه يتحدث إلى أحدهم عن انشغاله في أمور كثيرة .. الظروف الصعبة التي يواجهها في عمله والتي تجعله لا يلتفت حوله .. حالته الصحية التي تتدهور في الفترة الأخيرة ، التدخين والبرد والضغط غير المستقر .

بعدها أخبره إن مسعدا مات ، حضر أحدهم وقال إنهم يريدون أحدا ليتسلمه ويقوم بإجراءات الدفن .

بدا وكأن الآخر يثرثر وأبي يستمع حتى قاطعه أبي وقال إنه اتصل ليتصرفوا ووضع السماعة وأغلق الهاتف .

سكتنا جميعا .

علا صوت المسلسل حتى انتهى وعاد أبي وأمي يثرثران عن مسئوليات الحياة وظروف المعيشة الصعبة وقيمة القرش الذي ينفع صاحبه.. والميت الذي لم يعمل حسابا للزمن .

الميت الذي أراح واستراح .