4
مع كل إجازة تأتى خالتي نجاة لزيارتنا .
تقضى يوما أو اثنين مع أولادها بالقاهرة ثم تأتى إلى البلد لتطمئن على بيتها وأشيائها التي تتركها فيه .
أولادها لا يأتون معها ، يذهبون ليقضوا بضعة أيام في الإسكندرية أو رأس البر ولا يفكرون في زيارة أهلهم .
بالكاد نعرف ملامحهم من الصور التي تحتفظ بها خالتي في حقيبة يدها أو من المرات النادرة التي قابلناهم فيها ، مثلما حدث يوم جنازة أبيهم .
أمي تقول إنهم لا يعرفون أهلهم .
يتعاملون مع الناس من طرف مناخيرهم .. الفلوس تبدل النفوس ! .
أبي يقول إنهم معذورون ، تربوا في بلاد غريبة ولم يختلطوا بأحد .
حين تأتى خالتي تتصل بنا وتقول إنها جاءت إلى البلد و ستبقى أياما قبل أن تعود إلى أولادها ، يذهب أبي ليسلم عليها ويعود .
يقول إنها ستزورنا غدا ، تذهب في الصباح لتشتري أشياءً لها وستمر علينا بعد الظهر .
غالبا تذهب لتشتري أشياءً تنقص البيت وتحتاجها في الفترة التي ستقضيها في البلد ، بيرسول ، منافض ، منظفات .. جبن ومعلبات وعصائرتضعها في الثلاجة حتى لا تحتاج شيئا ولا تضطر إلى النزول من شقتها كثيرا .. بخلاف اللحوم والطيور وبعض المستلزمات التي تجدها هنا أرخص من القاهرة ، تقول إن اللحوم في مصر لا طعم لها ولا رائحة ، لحم ( وقيع ) والناس تأكل ولا تسأل ، لا يوجد أطعم من لحم بلدنا .
بمجرد أن تعرف أمي بوصولها تستعد لاستقبالها ، تمسح الشقة مرتين أو ثلاثا .. ُتخرج المفارش التي نفرشها في الأعياد وتكوي ملابسنا الجديدة وتجهز لعشاء الغد وأنواع الطعام الكثيرة التي تجمعها مائدة واحدة ولا تجتمع عادة إلا عندما تزورنا خالتي ..
أمي تقول : في الزيارة الأخيرة وصّيتها أن تشترى لي قماشة قطيفة سوداء وطرحة طبيعي ألبسها في المآتم والمناسبات ، وسجادة صلاة لأبيكم ، وبالتأكيد لن تنسى هداياكم .
حين تأتي خالتي نجري إليها فرحين .
نتأمل وجهها البشوش وبياضها المورد ولا نرى أثرا للزمن عليه .
أمي تقول إنها طوال عمرها جميلة .
أجمل بنات العائلة ، ورثت الجمال من جدودنا الأتراك .
أبي يضحك ويقول :
ـ جدودك كانوا كلهم صعايدة أولاد
صعايدة .
جعلتيهم الآن أتراك !!
تقسم أمي إن جدة والدها كانت تركية وترطن بالتركي ، تلتفت ناحية أبي وتقول بغيظ :
- أنت عارف
...............
أتراك ولا صعايدة ؟
أكلهم التراب والدود واستراحوا.
ترحب أمي بخالتي .
نتقدم ونسلم عليها .
بشغف نتأمل الأكياس الكبيرة التي تحملها ونظل نحلم بالهدايا التي تصحبها معها .
على المائدة الكبيرة تجلس بجوار أمي .
تسأل عن أخبار العائلة .
خالتي عليّه التي لم ترها منذ ثلاث أو أربع سنوات ، الصعيد بعيد والسفر شاق ومرهق والإجازة قصيرة ، لا تكفى حتى لقضاء حوائجها وهي لا تفكر مرة أن تسأل عنها ، أخر مرة رأتها عندما عاد ابنها إبراهيم من الحجاز ، كانت خالتي نجاة في إجازة وذهبت إليهم في الصعيد - في عز الحر- لتسلم عليه ، لم يعرف أن يعطيها ولو هدية صغيرة من الحجاز .
خالتي تقول إنها غنية وتحب الهدية !.
نضحك ، تقفز عيوننا الصغيرة إلى الأكياس التي وضعتها إلى جوارها ، يمر الوقت بطيئا ، تقوم خالتي وتقبّل أمي وتصافحنا .
ينهض أبى ويودعها عند الباب .
نراها تحمل الأكياس معها وتذهب ، نحس مرارة في نفوسنا الصغيرة .
تغتاظ أمي ، تلعن الأهل وأحوالهم .
نسوا والدها الشيخ عبد الوهاب وتربيته لهم ، يغضب أبى ويقول هازئا :
ـ وهل تنتظرين هديتها لتعيشي بها ؟ !
تقول أمي بغيظ :
ـ كنت سأعطيها ثمن القماشة القطيفة
والطرحة الطبيعي .
تغيب خالتي يوما أو أثنين وتعود إلينا ومعها الأكياس التي اعتادت أن تحملها .
تستقبلها أمي بجفاء و تنصرف عنها إلى أشياء تدعي الانشغال بها .
يقوم أبي بالترحيب بها .
تظل تثرثر عن أيام الشيخ عبد الوهاب والبيت الكبير في القرية والذكريات الجميلة .
تترك أمي أشياءها وتخرج إليها ، تقاطعها وتقول :
ـ يا اختي ..
ومن يتذكر هذه الأيام ؟؟!
تنهض خالتي واقفة .
بفتور تدعوها أمي للبقاء وتناول العشاء معنا ، لكنها تأبى .
قبل أن تذهب تطلب من أبي أن نصحبها إلى بيتها ، أمي ترفض وتقول :
ـ عندهم مذاكرة
يستعدون للسنة الجديدة .
ينهرها أبي ويقول :
ـ اتركيهم يذهبون مع خالتهم .
تأخذني وأختي الصغيرة معها .
الكبيرة قالت إنها تنتظر زميلاتها بالمدرسة .
نصحبها إلى البيت .
تعبث في دواليبها المغلقة التي غطاها تراب ناعم ، تخرج ملابس كثيرة تفوح منها رائحة النفتالين ، تقول إنها ملابس أولادها ، تحتفظ بهم منذ كانوا في المدارس ، تفرز الأشياء جيدا ، تقول : هذه تناسبك وهذه تناسب أختك وهذه لأختك الكبيرة .
أولادي لم يلبسوها إلا مرة أو مرتين ، بعضها لم تمسه أجسادهم .
تلفهم وتضعهم في كيس كبير وتضع معهم ملابس أخرى وتقول :
ـ أعطوهم لوالدتكم تعمل منهم مفارش .
أمي وأبى يغضبان بشدة ، أكثر من مرة أعادا الأشياء التي حملناها معنا ، قالا إننا لا نحتاج إلى شيء منها .
لكنها حين قالت إنها لا تحتاج إلى دولاب قديم عندها وتريد أن تعطيه لأحدهم ، أمي قالت :
ـ نأخذه للأولاد .
مسعد كان يعيش في حجرة بالطابق الأرضي في بيت خالتي نجاة ، أمي تقول : يحرس لها البيت في غيابها .
عندما تأخذنا معها إلى البيت نجده هناك .
يجلس وحيدا على كرسيه الخشبي القديم بركن من صالة البيت .
أمامه طاولة صغيرة تتناثر فوقها أختام نحاسية .. إلى جواره ينتصب الحامل بثلاثة أضلاع خشبية ، وصندوق الكاميرا يغطيه كيس من القماش الأسود يتدلى من الصندوق حتى رأس الحامل .
قبالته دكة خشبية مغطاة بقطعة من سجادة قديمة ، ربما كان يغفو فوقها .
في الأركان زجاجات ملأى بالكيماويات .
خالتي تقول إنها خليط من السلفه والكاربونات والميتول والهيدرويكول .
زجاجات الحبر الأحمر ، وأخرى فارغة ترقد باستسلام .. صحن به بقايا من دجاج تركه على الأرض وزجاجة مياه معدنية فارغة .
تفترش الأرض مجلات وجرائد وصور تبدو فيها الوجوه سوداء والرؤوس بيضاء .
أبي يقول إنها الصورة السالبة ، يضعها المصور على خشبة تمتد من فجوة صندوقه الأمامية ، وينظر في نتوء من الجهة الخلفية لصندوقه و ُيخرج ورقة بيضاء .. يضعها في ماء أصفر لزج للحظات فتظهر الصورة الحقيقية .
جسده كان أقرب إلى الضمور ، وعيناه أخذتا في الانطفاء .
ببطء يرفع أهدابه ويرمقنا بنظرة ، لكن سرعان ما يبعد بنظراته عنا و ينكب على معدنه النحاسي ، يحفر وينحت بأزميله .
نلحظ يده البيضاء تمسك بالأزميل بين الأصابع كأنه ريشة فنان يخط بألوانه ظلا في لوحة متناسقة .
خالتي تقول إن يديه وكأنهما أصاباهما البهاق من الكيماويات والمنظفات التي يستخدمها .
عنده وسواس .
لا يستخدم شيئا قبل أن يغسله بالصابون والرابسو مرات ومرات .
دائما ما تتندر العائلة عليه .
يقولون إنه يحتفظ في جيبه بصابون لا يفارقه أينما ذهب .
أهل البلد رأوه يخرج صابونة من جيبه ليغسل يديه بعد أن أكل بالمطعم ولم يستخدم الصابون الموجود فوق الأحواض .
خالتي تقول إن العين تلحظ علب المبيدات والمنظفات الموجودة بكل مكان حوله .. رائحة ألفنيك التي تفوح من الصالة وتتباعد كلما صعدنا درجات السلم إلى الطابق الثاني .
عادة لا تلقي خالتي بالا له في صعودها وهبوطها .
لم تلقِّ السلام عليه ، كأنه غير موجود .
صعدت درجة وأخرى ونحن نتبعها .. نراه يرقبنا بعينين غائرتين حمراوين ووجه مسحوب شاحب .
استندت خالتي إلى الجدار وقالت دون أن تلتفت ناحيته :
- لا تنسَ أن تغلق الباب .
لم نسمعه يرد عليها وواصلنا صعود درجات السلم .
في إحدى المرات أوقفنا على عتبة السلم ، حينها كان ممددا على الدكة الخشبية يتصفح مجلة .
ظننا إنه لم يرنا ، لكنه نادى علينا وقال بصوت خفيض و بطيء :
- انتظروا لحظة .
خالتي نجاة وقفت فوقفنا معها ، تعكر وجهها وقالت :
- هل تريد شيئا ؟!
ضم أصابع كفه على شكل زهرة نائمة وأشار لها أن تنتظر للحظات .
نهض من فوق دكته الخشبية ودخل إلى حجرة معتمة فاختفى عن عيوننا ، تطلعنا إلى وجه خالتي وعدنا نترقب خروجه من الحجرة .
عاد يحمل بين يديه علبة صغيرة مغلفة بالسلوفان الأحمر، أعطاها لأختي لكنها رفضت .
خالتي قالت :
- خذيها .
أمسكت بها وضمتها إلى صدرها دون أن تعرف ما بها .
قبل أن نصعد الدرجات أخرج من جيبه قطعتي شيكولاته ، أعطى كلا منا واحدة وابتسم .
عندما عدنا إلى البيت ،قالت أمي :
- غريبة
لم يفعلها من قبل !.
مدت يديها وفضت ورق السلوفان الأحمر عن العلبة وفتحتها .
أخرجت دبا أبيض بعيون زرقاء جميلة ، تنازعنا أنا وأختي على امتلاكه .
أخر مرة زارتنا فيها خالتي نجاة قالت إن صحتها لم تعد تساعدها على السفر .
الطريق من مصر إلى البلد طويل ومرهق ، وإنها في حاجة إلى البيت لتبيعه وتشترى شقة بجوار أولادها في مصر لتقضي الإجازة فيها .
لا أحب أن أعيش مع زوجات أولادي ، أحب العيشة بحريتي ، لن أستطيع التصرف في البيت ومسعد فيه .
أمي قالت :
ـ مسكين
أين سيذهب ؟؟
خالتي قالت :
ـ لن يغلب ..
يعيش بمفرده وليس بحاجة إلى أحد.
يكسب في اليوم الواحد أكثر من 100
جنيها
- مائة جنيها !!
هل هناك من يكسب مائة جنيها في
اليوم ؟!!
فتحنا حلوقنا غير مصدقين .
والدي موظف الحكومة يأخذ مائتي جنيها في الشهر بعد أن كان راتبه عند تعيينه سبع جنيهات كما تقول أمي .
- وماذا يفعل بهذه الفلوس ؟!
- ينفقها على الصغار !!!!
حلويات ولعب وهدايا وأشياء أخرى .
أهل الأولاد يعرفون هوسه بالصغار .. يرسلونهم إليه ويطلبون منه ما يريدون .
هكذا قالت خالتي .
ابتسمت أمي ونهضت لتواصل حركتها بين الصالة والمطبخ تحمل أشياءً وتضع أخرى وتركت خالتي تكمل حديثها مع أبي .
بعدها غابت خالتي نجاة ولم تعد تزورنا كما اعتادت من قبل .