3

8 0 00

3

لم يكن لأمي أخوة .

كانت تعيش في بيت كبير مزدحم بأبناء العـم والأعمـام و الأوقات المغموسـة بالحياة ، بخلاف الخالات وأبنائهم الذين يأتون للزيارة محملين بالحكايات و الحواديت والأخبار الجديدة عن الأهل والجيران .

يزحمون البيت بالضجيج ثم يرحلون تاركين خلفهم أحاديث تكفي ليتذكرهم أهل البيت حتى يلف الأسبوع أيامه ويحين موعد الزيارة من جديد .

لكنها دائما ما تمنت أن يكون لها أخ أو أخت .. كلما ألح عليها هذا الخاطر تساقطت ندف الروح وسحت عيناها بالدموع .

ما المانع أن يزاحـمها أحد قلب أبيها الشيخ عبـد الوهاب ، حتى لو احتله كله ، ما المانع ؟.

المهـم أن يكون هـناك أخ يفتح البيت .

يغرس الدار بالصغار ويجمل الجدران بالفرح .. يستقبل المهنئين في الأعياد والأفراح ويقف سندا في الشدائد والنوائب .

لا يهم إن كان بارا أو عاقا بها ، حتى و إن لم تكن ستراه إلا مرة أو مرتين في السنة .

لم تتردد أن تطلب من أبيها أن يتزوج لينجب الأخ ، رغم الحزن الأخرس القاسي الذي يطل من عينيّ جدتي كلما سمعتها تردد ذلك الكلام على أذنيه .

جدي ترتسم قسمات الشجن على وجهه ويقول إنه راضي وقانع بقضاء الله .

جدتي قالت بعد وفاة جدي إنها لم تمانع ، حاولتْ معه ليتزوج وينجب الولد .

حاولتُ معه من أجلك - رغم قسوتك عليّ .

دائما كنت تقولينها دون مراعاة لمشاعري ، آخذك في حضني وأضم ذراعيَّ حولك وأتذكر كلامك وأبكى .

عندما فكرت قلت ما المانع ، لا أحد يضمن الأيام ، الأخ سند في الحياة ، سيتزوج أبوك وتعيش العروس معنا مثل الآخرين .

ربما جاءت بالولد الذي تتمنين .

قلت له إنه سيصبح ابني ..

كل ما يمت لك بصلة جزء من كياني ، لكنه رفض ، قال : أولاد أخي أولادي وأخوة لابنتك .. لم يبق لهم غيري بعد وفاة أبيهم .

صرف عليهم كل ما يملك ورباهم أحسن تربية .

تقول أمي إن كل الأولاد والبنات الذين يلعبون معها كان لهم أخوة إلا هي .. السنين لم تداوِّ شعورها بالوحدة ورغبتها أن يكون لها أخ أو أخت ، كلما غضبت منا أو من أبى نسمعها تقول إنها مقطوعة من شجرة .

حتى البيت تهدمت حيطانه وأصبح خرابا ولم يجد من يعمره بعد وفاة أبيها .

كلما جاءت السيرة نحس ألما حقيقيا يعشش في قلبها ويطل من عينيها .. لا يريد أن يفارقها ، لكنها في أحيان كثيرة تتلقفنا بين أحضانها وتقول إننا كل حياتها وإننا الأخ والأخت والأب والأم وكل الدنيا .

نظن إنها نسيت ، لكنها لا تنسى .

أبو مسعد كان ابن عم والدها ، لهذا يقولون إنه خالي .

كذلك أخوته جميعا .

نجاة التي تعيش في الخليج منذ سنوات طويلة .. جمال الذي أصبح ضابطا كبيرا في الجيش واستقر بالقاهرة .. و خالتي عليّه التي تزوجت هي الأخرى بالصعيد وعاشت هناك مع زوجها و أولادها .

الوحيد الذي لم أره ولا أعرف عنه الكثير خالي محمد .

أمي تقول إنه أكبر أبناء عمها وأحنهم .. عندما كنا صغارا كان يزورنا في الكتاب ، يجلس مع الشيخ ويسأله عني ويطمئن على أحوالي ، حتى في الأجازات القليلة التي ينزل فيها إلى البلد ، يزعق في الأولاد ويقول :

ـ إياكم تزعلو أختي

الأولاد يقولون له إن الشيخ عبد الوهاب لم ينجب إلا ابنة وحيدة ، ينهرهم ويقول : الشيخ عبد الوهاب أبي و فاطمة أختي ..

ربنا يشفيه ، منذ سنين طوال يرقد بالمستشفى ، لم يعد أحد يسأل عنه أو يسأل عن زوجته وابنته ، الدنيا تلاهى ..

زوجته هي الأخرى لم تعد تزورنا منذ فترة ، الوحيدة التي مازالت تعيش في البلد .

بعد ما حدث لخالك ، أخذت ابنتها وعاشت في بيت أبيها ، قلت لها افتحي البيت الكبير وعيشي فيه كما كان أيام جدك .. لكنها رفضت ، قالت إن معها قرشين ستبنى بهم حجرة بجوار بيت أبيها تداريها وابنتها من الناس وكلامهم .

أخوة محمد كلهم تركوا البلد إلا هيّ .. لا تريد أن تعيش وحيدة !

أبى يقول إن محمدا دخل المستشفى بعد عودته من حرب اليمن .

الحرب قاسية ورهيبة ومحمد كان رهيفا ، يحمل بين صدره قلب فنان ، لم يتحمل يوما رؤية طائر أو حيوان يموت أو ُيذبح أمام عينيه ، فكيف يطلبون منه أن يحمل سلاحا ليقتل أحدا من بني آدم .

لم يتحمل ما رآه من فظائع و قسوة ، أتباع الإمام كانوا يعاملون الثوار كأنهم قطيع من البهائم ، يذبحونهم في الساحات أمام الخلق دون رحمة ، بحار الدم لم تترك في النفوس مكانا للرحمة .

طلقات المعارك لا عيون لها .

تنهش لحم البشر و تتقيأه مقددا .

نيران لا نهاية لها ، طلقات أتباع الإمام نيران ، وطلقات الثوار نيران ! .

لم يعد باستطاعته أن يعرف أين الصواب وأين الخطأ .

هل كان عبد الناصر محقا ليرسله مناصرا لطرف على آخر في حرب لا يستطيع معرفة القاتل فيها من المقتول ؟!.

كنت اسمعه وأخاف عليه من انفعاله وأحس أن شيئا سيحدث له ، ظل يعالج فترة بعد عودته حتى ُشفى وخرج من المستشفى ، لكنه لم يعد محمد الذي كنا نعرفه .

لم يبق بيننا طويلا حتى عاد مرة أخرى !.

خالتي عليّه زارتنا ذات مرة وقالت إنها كانت عند محمد في المستشفى .. ظلت تبكى و أمي تحاول تهدئتها ، لكنها فشلت ، سمعتها تقول لأمي :

ـ منهم لله الظلمة

محمد عمره ما كان شيوعيا

حينها لم أكن أعرف ما تعنيه كلمة شيوعي ، لكنني ظننتها شيئا فظيعا لأنها جعلت خالي يقضى حياته في المستشفى !.

عندما سألت أمي عن السبب الذي جعل خالي شيوعيا ، قالت إن خالي ليس شيوعيا ، خالك محمد يعرف ربنا ويصلى كل وقت في وقته .

بعدها عرفت من خالتي نجاة إن الحكومة اعتقلت خالي بعد خروجه من المستشفى أول مرة بفترة .

قالوا إنه عضو في تنظيم ضد الدولة .. رغم إنه كان يموت في حب عبدالناصر وصورته يحتفظ بها فوق سريره !.

قضى عامين أو أكثر في المعتقل ومن هناك رحلوه إلى المستشفى .